قضية خلق أفعال العباد والرد على الـمعتزلة (درس ثان)
الأحد 8/7/1984ر
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وصلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى ءاله وصحبه وجميع إخوانه الأنبياء والمرسلين.
وبعد، يقول البيهقي رحمه الله تعالى: سأل رجل ابن عيينة عن القدرية فقال: يا ابن أخي قالت القدرية ما لم يقل الله عز وجل ولا الملائكة ولا النبيون ولا أهل الجنة ولا أهل النار ولا قال أخوهم إبليس، قال الله عز وجل: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} [التكوير: 29].
خالفت المعتزلة هذه الآية لأن المعتزلة يقولون نحن بإرادتنا نخلق المعاصي والشرور الله ما له تصرف في ذلك، أليس كذبوا بقولهم هذا هذه الآية {وما تشاءون إلا أن يشاء الله}.
الله تعالى يخبرنا في القرءان الكريم أن العباد لا تحصل منهم مشيئة إلا أن يشاء الله أي في الأزل أن يشاؤوا، لا مشيئة لهم إلا بمشيئة الله هذا قول الله، فالمعتزلة خالفوا الآية وقالت الملائكة: {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا} [البقرة: 32] معناه: العلم الذي فينا أنت تخلقه، الملائكة اعترفوا أن علمهم أي وسائر أعمالهم الباطنية والظاهرية لا تكون إلا بمشيئة الله وخلقه، اعترفوا بأن الله تعالى هو الذي يخلق فيهم العلم الذي فيهم ولا يكون لهم علم بشيء بدون خلق الله فيهم، أما المعتزلة قالوا علومنا وإدراكاتنا نحن نخلقها، فالمعتزلة خالفوا الملائكة.
وأما مخالفتهم للنبيين، فقال النبيون: {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله} [الأعراف: 89] بعض أنبياء الله تعالى قال في مقام التبرؤ من المشركين وأعمالهم: «نحن ليس لنا أن نعود في ملتكم هذه التي أنقذنا الله منها» أي: حمانا من أن ندخل فيها ونعتقدها كما أنتم تعتقدونها إلا أن يشاء، معناه: أما لو شاء الله تعالى في الأزل أن نتبعكم لتبعناكم، لكن لا نبعكم، هذا مخالفتهم للأنبياء.
وأما مخالفتهم لأهل الجنة فأهل الجنة قالوا: {الحمد لله الذي هدانا هذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} [الأعراف: 43]، أهل الجنة اعترفوا بأن هذه الأعمال التي استحقوا بها هذا النعيم الـمقيم ليس إلا بمشيئة الله وخلقه فيهم، اعترف أهل الجنة بأنه لولا أن الله تعالى شاء لهم وخلق فيهم هذه الأعمال الصالحة ما دخلوا هذه الجنة، هذا النعيم ما نلوه، المعتزلة خالفت، قالت المعتزلة: نحن خلقنا إيماننا وأعمالنا الصالحة فلذلك صار على الله فرضا لازما أن يثيبنا، هنا أيضا ظهر تكذيبهم لأهل الجنة.
وأما مخالفتهم لأهل النار، فقال أهل النار {ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين} [المؤمنون: 106] هذا الكلام أيضا فيه اعتراف ضمني بأن الله تبارك وتعالى شاء وخلق فيهم الضلال الذي استحقوا به هذه النار، المعتزلة كذبت ذلك، وقال أخوهم إبليس {فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم} [الأعراف: 16] أي لأنك أغويتني أي: كتبت علي الغواية أي أن أضل باختياري فضللت أنا أقعد لبني ءادم صراطك المستقيم أي لأخرجهم وأبعدهم منه، هذا إبليس صار أفقه من المعتزلة، إبليس عرف أن الله تعالى هو خالق الغواية والضلالة فيمن ضلوا من عباد الله، أي أن الذين يضلون من عباد الله فخلق الله ومشيئته يضلون، ليسوا مستقلين عن مشيئة الله وتخليقه، أي: لا يعملون شيئا من غير أن تسبق مشيئة من الله تبارك وتعالى في الأزل في ذلك الذي يحصل منهم، هذا اعتراف بأن كل ما يحصل من العباد من ضلال وفساد فهو بخلق الله فينا أي ومشيئته ذلك.
هذا الكلام عن سفيان بن عيينة، وهذا سفيان بن عيينة يكون من الأئمة المجتهدين الذين أخذ الشافعي وغيره عنهم أحاديث نبوية بالأسانيد لأنه كان محدثا من المحدثين أكبر سنا من الشافعي، وقد سبق مثل هذا في هذا الكتاب عن سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم.
نحن نكره وننكر المقدور الذي هو معصية لله تبارك وتعالى مع علمنا أنه لم يحصل إلا بتقدير الله ومشيئته وتخليقه مع هذا نكره هذا المقدور الذي هو شر لكن نسلم لله تعالى تسليما لخلقه هذه المقدورات التي هي معاص، نسلم لله ولا نعترض عليه، لا نقول: «يا ربنا لم خلقت هذه المعاصي في هؤلاء العباد»، لكن نحن نكره هذه المقدورات التي هي شر أمرنا الله تعالى بكراهيتها، هو يكره لكن هو مع كراهيته لها خلقها، بمشيئته الأزلية وتقديره الأزلي وعلمه وقدرته الأزلية خلقها، نحن لا نعترض على الخالق الذي خلقها، نحن نعترض على هؤلاء الذين يباشرون بفعلها واكتسبوها، لكن نحن فرض أيضا أن ننهاهم لأننا لا نعلم ماذا سبق لهم من خواتيم أحوالهم، نحن نعلم أن هذا الإنسان إلى هذه اللحظة كافر، أما ما بعد هذه اللحظة لا نعلم لأن الله قد يحول قلبه وجوارحه إلى الخير، نحن نظرا لهذا علينا أن نأمر الشخص الكافر إن رجونا أنه يقبل النصيحة، وننهى من يرتكب المنكر عما يرتكبه من المعاصي نظرا لهذا المعنى ليس لأننا نعلم عواقب أنفسنا وعواقب غيرنا من العباد.
العواقب مستورة عنا، الله تعالى هو الذي يعلم العواقب، رسول الله ﷺ الذي هو أفضل خلق الله وأعلم خلق الله كان يدعو على أناس من الكفار باهتمام شديد، لعظم فسادهم كان يدعو عليهم ولم يكن أعلمه الله بأن هؤلاء سيسلمون وسيموتون على الإيمان، ما أعلمه الله، فأنزل الله عليه {{ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} [ءال عمران: 128].
فكف بعد ذلك عن الدعاء عليهم، سكت، فأسلموا بعد ذلك وماتوا على الإسلام. إذا كان الرسول ﷺ لم يعطه الله علم عواقب العباد إلى أي حالة يتحولون، وإلى أي عمل يصيرون فما بالنا. نحن ننظر إلى ما حصل إلى هذه الحالة الواحدة من أنفسنا ومن غيرنا فنبني على ذلك الأمر والنهي والمدح والذم، المدح والذم أيضا نحن ننظر فيه إلى حال العبد إلى الوقت الحاضر لأن العواقب مخفاة عنا، الله تعالى أخفاها عنا، هو الذي يعلم العواقب.
ويجب الحذر من قول إن العبد يخلق الشر والله يخلق الخير، لأن هذا فيه نسبة المغلوبية إلى الله، لو كان الله يقع في ملكه شيء بدون مشيئته لكان مغلوبا والمغلوبية تنافي الألوهية، والله تعالى لا يكون إلا غالبا هو العزيز، العزيز معناه الذي يغلب ولا يغلب، لا إبليس يغلبه ولا شيء من خلقه.
محمد قطب يقول في رسالة له: «الله ليس بخالق للشر»، كذب قوله تعالى: {قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار} [الرعد: 16]، وفي رده ءايات عديدة أخرى غير هذه من جملتها قوله تعالى: {تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء} [ءال عمران: 26]. إذا الله تعالى هو الذي أعطى سليمان ذلك الملك العظيم الذي هو محمود العاقبة لم يكسب صاحبه معصية، وهو الذي أعطى فرعون ذلك الملك الذي أوصله إلى حد دعوى الربوبية بقوله: «أنا ربكم الأعلى»، إذا الله تعالى خالق الخير والشر، ومن أعطى نمرود ذلك الملك الذي وصل به إلى دعوى الربوبية؟ أليس الله كان عالـما في الأزل أن فرعون وهذا نمرود سينالان ملكا وأنهما يصلان إلى دعوى الربوبية، كان عالما في الأزل لأنه عالم بكل شيء، فإذا الله تبارك وتعالى هو يخلق الخير والشر، هو خلق ملك سليمان الذي هو خير بحت وهو خلق ملك فرعون وملك نمرود الذي هو شر عظيم.
قال البيهقي رحمه الله بإسناده: جاء رجل إلى سفيان بن عيينة فقال: إن ههنا رجلا يكذب بالقدر، قال: كذب عدو الله وما يقول، لقد سمعت أعرابيا بالموقف وهو أفقه يقول: «اللهم إليك خرجت وأنت أخرجتني، وعليك قدمت وأنت أقدمتني، أطيعك أمرك ولك الـمنة علي، وأعصيك بعلمك ولك الحجة علي، فأنا أسألك بواجب حجتك وانقطاع حجتي إلا رددتني بذنب مغفور».
معنى هذه الحكاية عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه لـما أخبر أن رجلا قيل له: إن ههنا رجلا يكذب بالقدر من هؤلاء المعتزلة، قال: كذب عدو الله وما يقول، لقد سمعت أعرابيا بالموقف أي بعرفة مرة سمعت أعرابيا يقول يتضرع إلى الله تبارك وتعالى وهو أفقه، لو كان شكله شكل أعرابي أي بدوي لكنه ذو فهم قوي، كان يقول هذا الأعرابي بالموقف بعرفة: «اللهم إليك خرجت وأنت أخرجتني»، هذا فيه اعتراف لله تبارك وتعالى بأنه هو خالق حركات العباد وسكناتهم.
لما قال: «إليك خرجت» أثبت الكسب كسب العبد، ولما قال: «أنت أخرجتني» أثبت خلق أفعال العباد لله، معناه أن خروجي هذا كان كسبا مني وهو خلق منك، هذا حقيقة التوحيد، أفعالنا التي نفعلها باختيارنا هي من حيث الكسب منا ومن حيث الخلق فهي لله تعالى.
وقوله: «اللهم إليك خرجت» أي بنية طاعتك خرجت أي باختيار مني خرجت كسبا لا خلقا، «وعليك قدمت» أي: إلى محل طاعتك أي كسبا، «وأنت أقدمتني» أي: خلقا، «أطيعك لأمرك ولك المنة علي» ما أمرتني به أطيعك ولك المنة علي، أي ولك الفضل علي أنى عملت حسنة، أي أنا لم أخلق هذه الحسنة أنت تخلقها في، «وأعصيك بعلمك»، إن حصلت مني معصية فهي بعلمك ولك الحجة علين أعترف بأني ظالم، «فأنا أسألك بواجب حجتك وانقطاع حجتي إلا رددتني بذنب مغفور» أسالك بمقتضى فضلك لا لأن لي حقا عليك واجبا بل أسألك لأنك متفضل متكرم، «إلا رددتني بذنب مغفور» أن تردني وقد غفرت لي ذنوبي، هذا فقيه في الاعتقاد حق فقيه، هذا خير من ملء الأرض من المعتزلة، هذا الرأس الخبيث فيهم القاضي عبد الجبار المعتزلي له كتاب سماه «الـمغني».
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ءمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم اللهم اجعلنا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان، اللهم اغفر للمؤمن والمؤمنات والحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وصلى الله وسلم على نبيه محمد.
