أحوال المجاذيب الذين غابت عقولهم

الدرس العاشر

بسم الله الرحمٰن الرحيم

بيان الأولياء وأحوالهم وأحوال المجاذيب
الذين غابت عقولهم

درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر تشرين الأول سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة وألف رومية الموافق للثاني والعشرين من المحرم سنة أربع وأربعمائة وألف من الهجرة الشريفة وهو في بيان الأولياء وأحوالهم وأحوال المجاذيب الذين غابت عقولهم قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد خاتم النبيين وأشرف المرسلين وعلى ءاله وأصحابه الطيبين أما بعد:

فإن الله تبارك وتعالى أنعم على عباده بنعم لا يحصيها إلا هو وكان من تلك النعم اللسان فإن الله تبارك وتعالى جعل اللسان للإنسان ليعبر به عن حاجاته التي تهمه لتحصيل مصالح دينه ودنياه، هذا اللسان نعمة من الله تعالى على عباده ليحصلوا به مصالح دنياهم ومصالح ءاخرتهم أي ليستعملوه فيما ينفعهم ولا يضرهم، فمن استعمل هذا اللسان فيما ينفعه ولا يضره فليس عليه حرج وليس عليه مؤاخذة في الآخرة، وأما من استعمله فيما نهاه الله عنه فقد أهلك نفسه ولم يشكر ربه على هذه النعمة الجسيمة العظيمة، جعلنا الله تعالى ممن يحفظ هذه النعمة ويشكر ربه عليها باستعمالها فيما أذن فيه وبكفها عما نهى عنه. روينا بالإسناد الصحيح من كتاب الصمت لابن أبي الدنيا عبد الله بن محمد بن عبيد القرشيذ قال بالإسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خصلتان ما إن تجمل الخلائق بمثلهما حسن الخلق وطول الصمت»([1]). اهـ. معنى طول الصمت أي تقليل الكلام، طول الصمت يكون مطلوبا محبوبا عند الله تعالى في غير ذكره أما في ذكره فإكثار استعمال اللسان مطلوب، الله تبارك وتعالى يحب العبد الذي لا يزال لسانه رطبا من ذكر الله لا سيما التهليل لا إله إلا الله. طول الصمت الذي أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه خصلة محبوبة عند الله تعالى هو الصمت عما سوى ذكر الله تعالى والمعنى أن الإنسان ينبغي له أن لا يتكلم إلا بكلام ليس عليه فيه مؤاخذة عند الله تعالى.

ثم الأشياء التي ينبغي حفظ اللسان عنها من الكلمات كثيرة ومن أكثرها وقوعا من الناس الغيبة، هي من الكبائر إلا في غيبة العصاة فإن غيمة المتقين أعظم إنما عند الله من غيبة غيرهم. ثم إن الغيبة فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث رواه كثير من المحدثين كأبي داود رحمه الله فإنه رواه من طريق أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أتدرون ما الغيبة قال عليه الصلاة والسلام ذكرك أخاك بما يكره قيل يا رسول الله إن كان بما فيه قال: «إن كان بما فيه فقد أغتبته وإن كان بما ليس فيه فقد بهته»([2]). اهـ. هذا تفسير الغيبة، الغيبة هي أن تذكر مسلما بما يكره لو سمع مما فيه أي هو متصف بهذا الشيء الذي يكره أن تذكره به في خلفه، ثم أفهمهم أنه إذا ذكر المسلم بما ليس فيه مما يكره يكون ذلك بهتانا أي فهو أشد إثما لأنه اجتمع فيه سيئتان سيئة أنه ذكر أخاه المسلم بما يكره وسيئة هي ذكره بما ليس فيه مما يكره، فهناك كثير من الناس يظنون أنه إذا ذكر المسلم في خلفه بما يكره أنه ليس عليهم حرج لأنهم ذكروه بما فيه يقول أحدهم أنا أقول هذا في وجهه كأنه يقول أنا لا بأس علي إن ذكرته إن اغتبته لأني أغتابه بما فيه لا أغتابه بما ليس فيه. على زعمهم ذكر المسلم بما يكره في خلفه بما فيه ليس حراما هذا ظاهر أحوالهم، ظاهر أحوالهم أنهم يعتقدون أن ذكر المسلم بما يكره مما فيه ليس حراما إنما الحرام على زعمهم أن يذكر المسلم بما يسوؤه بما يكرهه في خلفه بما ليس فيه. هذا ظن فاسد، والحقيقة أن الغيبة التي حرمها الله تعالى نصا في القرءان الكريم وشبهها بأكل لحم الأخ هي ذكر المسلم بما يكره مما فيه. وهذا الحكم عام في سائر الأحوال التي يذكر فيها المسلم بما يكره في خلفه مما فيه إلا في حالات استثناها الشرع، وأباح فيها ذكر المسلم بما يكرهه، فتلك أي الغيبة التي استثناها الشرع لا إثم فيها وإن كان يطلق عليها الغيبة من حيث اللغة، أما من حيث التحريم الشرعي فلا تدخل تلك المواضع بالغيبة المحرمة. ومنها التحذير وهذا شامل لجميع طبقات الناس إلا الأنبياء فإن الأنبياء ليس فيهم ما يبيح ذكرهم بما يكرهون. فما سوى الأنبياء من طبقات البشر بما فيهم من العلماء والزهاد والصحابة والصالحين يجوز ذكرهم بما يكره مما فيهم للتحذير. فإن قيل كيف يجوز غيبة الولي أي ذكره بما فيه للتحذير فالجواب أن الولي يحصل منه المساوئ أي السيئات، وقد تحصل منه أخطاء هي غير معصية لكن مما يضر الناس فهنا يجب التحذير من هذا الإنسان الذي هو صالح ولي إذا حصل منه ما يضر الناس وذلك لأن الخطأ في الفتوى جائز على الصالح الذي هو ولي من أولياء الله فيجوز أن يقال فلان غلط في فتواه بكذا وكذا وإن كان ذلك الشخص من أولياء الله الصالحين، لأن ذلك الولي إن كان مجتهدا فليس عليه وزر في خطئه لكن اقتداء غير÷ به في ذلك الخطإ مضرة للغير، فمن أجل الحذر من هذه المضرة يجوز ذكره بما فيه للتحذير من فـواه هذه. أما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنهم وإن جاز صدور الصغائر التي هي ليست من صغائر الخسة منهم لكنهم ينبهون فورا فيتوبون منها فلا حاجة إلى التحذير، فمن هذا الباب نجد كثيرا من كتب الفقهاء في مؤلفاتهم عند ذكر المسائل وقد غلط فلان أو هذا غفلة منه أو قال فلان كذا وهو مردود، هذا كثيرا ما يوجد في مؤلفات الفقهاء والعلماء مع كون أولئك المذكورين الذين يحذر من قولهم هذا قسم منهم صالحون أولياء وقسم منهم دون ذلك لكن الحكم شامل، ليس التحذير خاصا بمن هم أهل الكبائر لأن الخطأ بالفتوى يجوز على الصالح الذي هو من أولياء الله تعالى، ليس معنى الولاية أنه مبرأ من كل خطإ وليس معناه أيضا أنه مبرأ من المعاصي صغائرها وكبائرها وإنما الولي معصوم من الكفر حتى إن المجاذيب الذين هم من أولياء الله في الباطن قد يتكلمون في حال غيبوبة العقل بما هو حرام وبما هو كفر أيضا يتكلمون، لكنهم معذورون لأن القلم رفع عنهم لكونهم في حالة غيبوبة العقل، فإذا صدر من أحد هؤلاء المجاذيب وهم من أولياء الله في الحقيقة في حالة غيبوبة عقولهم ما هو محرم أو ما هو كفر فليس لغيرهم الاقتداء بهم لا يجوز أن يقال هذا فلان ولي وقد قال كلمة كذا فأي بأس في ذلك فلنتقد به بل نعتقد أنه معذور عند الله لكونه غائب العقل، لكن نحذر الناس منه نقول للذين لا يعلمون بأحوالهم لا تزوروهم لا تذهبوا إليهم لأن الذي لا يعرف أحوال المجاذيب يقتدي بهم إن سمع منهم كفرا يقول عن ذلك الكفر لا بأس به لأن هذا ولي وقد تفوذه به فلا بأس إن تفوه هنا به فيهلك ويخسر الذي اقتدى بهم. مرة ذكر لي شخص في دمشق أنه من أهل الجذب وأنه من الأولياء فذهبنا لزيارته فوجدناه رث الثياب رث الهيئة حتى كأن الوسخ متجسد عليه كأنه لبس الوسخ، فجلسنا عنده برهة فشممنا رائحة الخمر ثم خرجنا من عنده لنصلي فصادفنا على الباب رجلين فسألناهما أين المسجد فقالا ما هو المسجد استهزاء، قلنا لهما مكان الصلاة فقالا ما هي الصلاة، يستهزءان بالصلاة هذان الرجلان يصحبان هذا المجذوب، وهذا المجذوب غائب العقل الذين يجلسون إليه من الجهال لا يرونه يقوم للصلاة، يلعب معهم بهذه الشدة وأظن يحضرون الخمر إليه فيشرب معهم فهؤلاء الجهال الذين يجالسونه أخذوا فكرة أن الولاية ليس من شرطها الصلاة ليس من شرطها تجنب المسكرات والمحرمات إنما الولاية أمر سر من أسرار الله تعالى يمنحها من عباده من يشاء، هذا ولي صاحب خوارق وعجائب ومع هذا لا نراه يقوم للصلاة ويشرب الخمر معنا ويلعب بالشدة معنا، فلما سألنا هذين عن المسجد استهزءا بالصلاة والمسجد كأنهما يقولان أنتم من الذين يعتقدون أن في الصلاة شأنا وأن في المسجد شأنا، ليس الشأن في ذلك إنما الشأن في الأسرار التي يمنحها الله لمن يشاء من عباده وليس الصلاة شرطا لذلك هي منحة موهبة من الله يمنحها من يشاء من عباده. وهذا المجذوب واحد من كثير كان تخرج في الشام من كلية الشريعة كان أخذ قسطا وافيا من الفقه لكنه بعد أن جد واجتهد في العبادة استغرق فصار يغيب عقله فيتكلم بما لا يجوز ويفعل أفعالا غير جائزة بغيبوبة عقله وهو في تلك الحالات معذور لكن المقتدين به الذين يصاحبونه ويظنون به أنه في صحوه وأن كل ما يفعله رمز وإشارة، إن تكلم بكلمة كفر يفسرونها بأنه يتكلم بها في حال عقله ووعيه وذلك رمز عن شيء باطن يؤولونه بأشياء على خلاف ظاهرها ويقولون عن ذلك رمز، لا يدرون أن هذا المجذوب كان من أولياء الله ولا يزال وليا لكنه غاب عقله فصار ظاهره خبيثا وإن كان باطنه لا يزال عند الله تعالى زاكيا طاهرا طيبا. كذلك مرة مجذوب ءاخر وهذا يصلي الصلوات الخمس ما وصل إلى حد أنه غاب عقله عن الصلوات الخمس لكنه يتكلم بكلام غير موزون شرعا، سمعته مرة لما كنا نتماشى أنا وإياه، يسب الله، يلعن الله، فأنكرت عليه قال أنا قلت هذا؟ ثم وصلنا معه إلى مكان فوجدنا إنسانا رث الثياب رث الهيئة ليس على جسده شيء يلبسه سوى قميص فصار يتكلم مع هذا الولي الذي أنا أماشيه فصار يتكلم معه فيما بينهما فصرت أرى كأنه يتقاطر منه البول فقلت في نفسي هذا أيضا من هذه الطائفة المجاذيب الذين ابتلاهم الله تبارك وتعالى فخربت ظواهرهم وإن كانت بواطنهم صالحة. فالحذر الحذر من الذهاب إلى هؤلاء المجاذيب الذين وصلوا إلى حد أنهم لا يحفظون ألسنتهم وجوارحهم من المعاصي أي أن الذي يدخل عليهم ويزورهم ولا يعرف أحوالهم قد ينضر بهم ويعتقد الحرام حلالا ويعتقد أن الصلاة ليس لها أهمية فيقولون المهم هو السر الذي يمنحه الله لمن يشاء من عباده يظن أنه ليس المهم الصلاة ليس المهم المحافظة على اجتناب ما حرم الله تبارك وتعالى، هؤلاء والعياذ بالله يكفرون ولا يشعرون كذينك الرجلين اللذين صادفناهما قادمين للدخول على ذلك المجذوب فوجدناهما يستهزءان بالمسجد وبالصلاة.

على زعمهم هذا بحسب الظاهر لا يقوم بالصلاة ثم لا يتجنب كثيرا من المحرمات، ظنوا أن الولاية أمر وراء ذلك، لا يشترط فيه المحافظة على الصلاة والمحافظة على تجنب المحرمات كالمسكرات، هذا من فرط الجهل، وكثير من الناس اليوم هكذا، لو دخل,ا على هذا المجذوب فسمعوه يسب الله يقولون هذا يسب الله وهو ولي صالح له كرامات وعجائب يقولون هذ رمز ما عليه ذنب ولا يكفر لذلك، لا يعرفون أنه غاب عقله فخرج عن التكليف ولا يكتب عليه شيء.

هؤلاء المجاذيب أولياء، لا يزالون أولياء، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة بن عبد الـمطلب سيد الشهداء كان في الوقت الذي كان فيه شرب الخمر جائزا شرب خمرا هو جماعة ففي حال مله أي سكره وغيبوبة عقله بالخمر قام إلى ناقتين هما لعلي بن أبي طالب فبقر بطونهما هو ليطعم هو ويطعم جلساءه الذين هم يشربون الخمر، ثم أخبر علي النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل عليهم فنظر إليه حمزة الذي هو متفان في محبة الرسول صلى الله عليه وسلم فصعد نظره وصوبه، نظر إلى أعلاه وإلى أسفله وقال هل أنتم إلا عبيد أبي؟ يعني الرسول صلى الله عليه وسلم ومن جاء معه، قال أنتم عبيد أبي، الرسول عرف عذره فتركه وانصرف وهذه القصة رواها ابن حبان وغيره، هذا كان من الأولياء حمزة بن عبد الـمطلب، كان من أولياء الله الصلحاء، مع ذلك غاب عقله بشرب الخمر فحصل منه هذا الشيء لو كان حصل هذا من الشخص المسلم في حال عقله لخرج عن الإسلام، الذي يقول للرسول ما أنت إلا عبد أبي ماذا يكون؟ أليس انتقص الرسول؟ وانتقاص الرسول صلى الله عليه وسلم كفر، نحن نأخذ من هذا أن الإنسان إذا خرج من عقله ليس عليه تكليف.

انتهى والله تعالى أعلم وأحكم.

([1]) كتاب الصمت لابن أبي الدنيا باب ذم الكذب.

([2]) رواه مسلم في صحيحه باب تحريم الغيبة.

أضف تعليق