بيان الإيمان بالقضاء والقدر

الدرس الرابع

بسم الله الرحمٰن الرحيم

بيان الإيمان بالقضاء والقدر

درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى وهو في بيان الإيمان بالقضاء والقدر قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وخاتم النبيين وعلى جميع إخوانه الأنبياء والمرسلين.

أما بعد: فإن من أصول عقائد أهل السنة والجماعة ما ذكره الإمام أبو جعفر الطحاوي في عقيدته المشهورة من قوله: (وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى) أي يوجد، معناه وجود كل شيء من العالم من الأعيان والحركات والسكون وسائر الأعمال القلبية والبدنية بمشيئة الله، لا يوجد شيء من ذلك إلا بمشيئة الله، المشيئة هي التخصيص أي أن الله يخصص الشيء الذي يجوز عليه العدم والوجود بالوجود بعد أن كان معدوما ثم بإعدامه بعد أن أوجده، هذا الحكم لا يخرج منه الحركات والسكنات ليس مقتصرا على الأعيان أي الأجرام والأجسام بل حركات العباد وسكونهم داخل في ذلك لا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بمشيئة الله تعالى، وسواء في ذلك ما كان محبوبا لله مأمورا به من قبله وما كان مكروها لله تعالى منهيا عنه – المأمورات والمنهيات كل بمشيئة الله تعالى يوجد، كما أن ذوات العباد لا توجد إلا بمشيئة الله كذلك أعمالهم التي أمروا بها أو نهوا عنها إذا وجدت منهم فوجودها بمشيئة الله أي الله خصصها بالوجود بدل العدم.

لا يحصل شيء من الأجرام والأعمال إلا بمشيئة الله تعالى.

ثم قال أبو جعفر الطحاوي (وقضائه) أي أن كل شيء وجوده بقضاء الله.

القضاء معناه الخلق أي أن الله يخلق كل ما يجرى في العالم من أعيان الأشياء، وحركات العباد وسكونهم. وهذا عام يشمل الخواطر التي تخطر في القلب، والقلوب أسرع تقلبا من القدر التي تستجمع غليانا، القدر إذا وضعت على النار فغلت فما أسرع تقلب ما فيها، والقلب أسرع تقلبا من هذا، هذه التقلبات الله خصصها بالوجود فلولا مشيئته وقضاؤه أي خلقه لها ما وجدت.

والدليل على أن الله خالق كل شيء قوله تعالى: {هل من خالق غير الله}([1]) أي لا أحد يخلق شيئا إلا الله، ومعنى الشيء ما دخل في الوجود.

هذا دليلنا من القرءان ولنا أدلة أخرى من القرءان كقوله تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم}([2]) أخبرنا في هذه الآية بأنه هو الذي يخلق تقلبات القلب وتقلبات البصر، إن لمحنا لمحة فالله هو خالقها وإن طرفنا طرفة فالله هو خالق هذه الطرفة لسنا نحن خالقيها.

وهناك أدلة حديثية كقوله صلى الله عليه وسلم: «إن قلوب بني ءادم بين إصبعين من أصابع الرحمٰن» رواه أحمد([3]) والنسائي([4]) أي إنها تحت قبضة الله وتصرفه فإن شاء أقامها وإن شاء أزاغها هذا معنى الحديث، وهناك رواية لهذا الحديث صحيحة كقلب واحد رواه مسلم([5]) والنسائي أي عنده هذه القلوب كلها كقلب واحد معناه لا يصعب عليه أن يتصرف فيها إن شاء أزاغها على حسب ما سبق في علمه الأزلي وإن شاء في الأزل وعلم أن تكون مستقيمة يقيمها.

ثم قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» رواه مسلم([6]) والبيهقي([7]) وغيرهما. هذا من كمال التسليم لله تعالى، اللهم مصرف القلوب أي مقلبها كيف يشاء صرف قلوبنا على طاعتك، هذا الحديث أيضا دليل على أنه لا يخلق أحد سوى الله شيئا من الأعمال، لو كان يخلق شيئا من أعماله لخلق تصرفات قلبه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن قلوب بني ءادم بين إصبعين من أصابع الرحمٰن إن شاء أقامها وغن شاء أزاغها»، ثم قال: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك». اهـ.

قال شارح العقيدة الطحاوية اعمل أن القضاء يذكر ويراد به الحكم يقال قضي على فلان بكذا أي حكم عليه به ويذكر ويراد به الأمر قال تعالى: {وقضىٰ ربك ألا تعبدوا إلا إياه}([8]) أي: أمر ربك وحتم وألزم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا. هذا معنى وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه، حكم أي أمر بأن لا تعبدوا إلا إياه، ليس معناه الله ما شاء أن يوجد في خلقه إشراك أي عبادة غيره. الأمر غير المشيئة والدليل على ذلك أن الله أمر إبراهيم بالوحي المنامي لأن منام الأنبياء حق ووحي من الله أن يذبح ابنه إسماعيل لكن ما شاء أن يذبح إسماعي، أمر الله إبراهيم بأن يذبح ابنه لكن ما شاء بأن يذبح إسماعيل بل فدي إسماعيل بذبح عظيم أي بكبش جاء به جبريل، هذا دليل على أن الأمر ليس هو المشيئة.

الله تعالى غالب غير مغلوب لذلك سمى نفسه العزيز، معنى العزيز الغالب غير المغلوب.

انتهى والله تعالى أعلم.

 

([1]) سورة فاطر، الآية: (3).

([2]) سورة الأنعام، الآية: (110).

([3]) فيما رواه عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما.

([4]) باب قوله ولتصنع على عيني.

([5]) باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء.

([6]) باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء.

([7]) باب قول الله عز وجل: {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله}

([8]) سورة الأنعام، الآية: (23).

أضف تعليق