الدرس الثالث
بسم الله الرحمٰن الرحيم
بيان السنة الحسنة والبدعة القبيحة
درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى وهو في بيان السنة الحسنة والبدعة القبيحة. قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثاء الحسن وصلوات الله البر الرحيم والملائكة المربين على سيدنا محمد وعلى جميع إخوانه النبيين والمرسلين.
وبعد فقد روينا في صحيح مسلم من حديث جرير ابن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»([1]). اهـ. هذا الحديث أصل في إثبات البدعة الحسنة المسماة بالبدعة المستحبة أيضا لأن قوله صلى الله عليه وسلم [سنة حسنة] في مقابل السنة السيئة لفظ عام يشمل كل ما استحدث على وفاق الكتاب والسنة، كل عمل استحدثه. أهل العلم على وفاق الكتاب والسنة أي ليس على خلافهما فهو داخل في قوله عليه الصلاة والسلام من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وإن كان سبب هذا الحديث أن أناسا مجتابي النمار أي من شدة البؤس والفقر خرقوا أوساط نمارهم([2]) فأدخلوها عليهم فأدنوا جوانبها على أبدانهم لستر العورة ما كانوا يجدون قميصا ولا إزارا، الإزار هو ما يربط على النصف الأسفل هذا يسمى في لغة العرب الإزار، ما وجدوا الإزار من شدة الفقر والبؤس إلا ثوبا واحدا عريضا طويلا كانوا خرقوا وسطه ليستروا العورة فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحالة حالة البؤس التي بهم تغير وجهه حزنا عليهم فحث على أن يتصدق عليهم فجمع لهم شيء لتفريج كربتهم وإخراجهم من البؤس الذي هم فيه، هؤلاء لم يكونوا من أهل المدينة بل جاؤوا رغبة في الاجتماع برسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جمع لهم شيء يقضون به حوائجهم فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بدا الفرح على وجهه فعندئذ قال من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا. هذا الحديث ورد على هذا السبب لكن معناه عام، علماء الأصول قالوا إذا كان النص ورد على سبب وكان اللفظ عاما فيعتبر العموم لا يعتبر خصوص السيب. هؤلاء الذين يعادون البدعة الحسنة التي ليست مما يوافق أهواءهم يقولون هذا الحديث ورد في مثل هذه الصدقة ليس عاما وهذا مردود للقاعدة الأصولية العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فلا يبالى المؤمن إذا وجد أمرا استحسنه العلماء الماضون الثقات الأتقياء، كل ما استحدثه أولئك العلماء الأتقياء فهو داخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها»، ليس الحديث خاصا بالصدقة في مثل تلك الحالة التي هي سبب ورود الحديث ومن ادعى التخصيص فقد خالف علماء الأصول.
ثم شاهد الحال يقضي بذلك وذلك أن القرءان الكريم لما كتبه كتاب الوحي من لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان منقوطا ما كانت الباء لها نقطة والتاء لم تكن منقوطة، هذا النقط متى حصل؟ النقط حصل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بزمان، من هو أول من نقط المصاحف وضع للباء نقطة وللتاء نقطتين ونحو ذلك؟ هو يحيـى ابن يعمر كما ورد في كتاب المصاحف لابن أبي داود، هذا من ثقات التابعين ليس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من ثقات التابعين من أجلاء التابعين هو أول من نقط المصاحف، هذا أيضا يدخل تحت قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة». الصحابة ما قالوا له أنت كيف تعمل شيئا لم يفعله رسول الله، ما قالوا له الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل ضعوا نقطة للباء وللتاء وغير ذلك، ما اعترضه أصحاب رسول الله ما عارضوه ما قالوا له بئس العمل ما عملت بل استحسنوه وذلك لأن فيه نفعا كبيرا. والتعشير وهو وضع علامة على كل عشر ءايات أحدث بعدما أحدث يحيـى بن يعمر النقط. أما أصحاب رسول الله الذين اقتصروا على كتابة المصحف مجردا من النقط والحركات والتعشير، كان نظرهم إلى ترك التنقيط لأن القرءان أنزل على سبعة أحرف، الكلمة الواحدة أحيانا تقرأ عند بعض القراء بالتاء وعند الآخرين بالياء فالمصحف لما كتب بدون تنقيط صار صالحا لهذه القراءة ولهذه القراءة لهذه الصحافة سكتوا على تجريد المصحف من النقط. لهذه الحكمة أي حتى يكون المصحف موافقا لهذه القراءة ولهذه القراءة كتبوه بلا نقظ، ثم لما كان النقط أيضا فيه مصلحة كبيرة ولا سيما على غير العرب لأن غير العرب ليست سهولة النطق للمصحف عليهم كسهولة النطق به عند العرب الفصحاء الذين كانوا في زمن نزول الوحي والتنزيل وشهدوا الوحي والتنزيل لم يعترضوا على ذلك.
هذا التابعي الجليل أول من نقط المصاحف فهذا العمل الذي عمله هذا التابعي هو من السنة الحسنة وتسمى بدعة حسنة وتسمى بدعة مستحبة. الذي يقول البدعة الضلالة المحرمة كل ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فليبدأ بإزالة النقط من المصاحف قبل أن يتكلم على البدع الحسنة التي استحدثها علماء الإسلام فليبدأ بكشط النقط من المصاحف إن كانت عنده هذه القاعدة صحيحة كل ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو بدعة ضلالة، إن كانت هذه القاعدة عنده صحيحة فليبدأ بالمصاحف.
ثم من المتفق عليه عند علماء الحديث عند علماء المصطلح أمر استحدثوه لم يسبق ذلك عن أصحاب رسول الله نصا ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هم استحدثوه استحبوه كما هو مذكور في عدة كتب من كثب المصطلح كتاب تدريب الراوي للسيوطي وكتاب مقدمة علوم الحديث للحافظ أبي عمرو بن الصلاح وغيرهما. وهذا الأمر الذي استحدثه علماء الحديث وقالوا عنه إنه يستحب هو عقد مجلس الإملاء إملاء الحديث استحبوا أن يكون هذا المجلس على هذا الشكل يبدأ بالبسملة والحمدلة قالوا يستحب أن يبدأ بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبي وقراءة شيء من القرءان ثم يقول المبلغ عن المحدث، كان من عاداتهم أن المحدث يتلو الحديث وءاخر يبلغ عنه لأنه كان في تلك العصور مجلس الحديث يكثر حاضروه كان يحضر ءالاف مجلس الحديث فلذلك المحدث كان يحتاج إلى أن ينصب مبلغا فهذا المبلغ يقول بعد تقديم البسملة والحمدلة والصلاة على النبي وقراءة شيء من القرءان بعد هذه الأمور الأربعة يقول من ذكرت رحمك الله هذا الخطاب للمحدث، الـمستمي يخاطب المحدث بهذا الكلام يقول له من ذكرت رحمك الله أو ما ذكرت رحمك الله فيبدأ المحدث بالتحديث يقول حدثنا فلان قال حدثنا فلان إلى أن ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيذكر لفظ الحديث. هذا الذي ذكره علماء الحديث في كتب المصطلح جعلوه ترجمة مستقلة، هذا من جملة البدع المستحبة لأن الرسول ما قال هذا ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا أبو هريرة ولا عبد الله بن عباس ولا عبد الله بن مسعود ولا أبو سعيد الخدري ولا غيرهم من أصحاب رسول الله الذين كانوا يحدثون الذين أخذوا الكثير من الحديث عن رسول الله ما عملوا هذا الشيء إنما أحدهم كان يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا أو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا من دون تقديم هذه الأشياء التي استحبها واستحدثها علماء الحديث فهؤلاء الـمشوشون ماذا يقولون عن هذا؟ هم يدعون أنهم من أهل الحديث وأهل الحديث هم الذين ابتدعوا هذه البدعة الحسنة ماذا يقولون؟ العجب من أمور هؤلاء، أشياء يرتكبونها وهي بدع قبيحة ولا يشعرون بأنهم ارتكبوا بدعة قبيحة. أنا أعرف أحد رؤوسهم يكتب في مؤلفاته عند ذكر اسم النبي صادا (ص) مجردة بدل أن يكتب صلى الله عليه وسلم يكتب صادا مجردة هذا الرجل نفسه هو الذي قال عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على المئذنة جهرا بصوت الأذان إنها بدعة محرمة، هذا الرجل هو ناصر الدين الألباني، حتى قال بعض جماعته هذا حرام هذا مثل الذي ينكح أمه!! كيف شبه هذا بالزنى بالأم لولا فساد قلبه لم يتجرأ على هذا. الصلاة على النبي بعد الأذان سنة شرعية إن كانت جهرا وإن كانت بالإسرار، سنة شرعية لأن الرسول قال من ذكرني فليصل علي([3]). اهـ. هذا المؤذن أليس ذكره لما قال أشهد أن محمدا رسول الله أليس ذكر النبي إذا مطلوب منه أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عملا بالحديث، ثم الرسول ما قال فليصل علي سرا ولا يصلى علي جهرا من أين لهم تحريم الصلاة على النبي عقب الأذان من المؤذن جهرا، من أين لهم؟ وأخبث من ذلك تشبيه الذي شبه هذه البدعة الحسنة بنكاح الأم، هؤلاء دعاة إلى شريعة الله؟ هؤلاء محرفون لشريعة الله، في الحقيقة محرفون لشريعة الله ليسوا دعاة إلى شريعة الله وليسوا سلفيين بل هم عكس السلف لكن ليخدعوا الناس يقولون نحن سلفيون. ثم الذي يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عقب الأذان على المئذنة جهرا بصوت الأذان هو مخير شرعا بين أن يصلي جهرا وبين أن يصلي سرا والرسول لم يقل من ذكرني فليصل علي سرا من أين أتوا باشتراط الأسرار، من أين لهم اشتراط الأسرار في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
إن كانوا يدعون إن كل ما لم يفعله رسول الله بدعة ضلالة فليبدأوا بكشط النقط من المصاحف قبل أن يتكلموا على الصلاة على النبي جهرا بصوت الأذان على المئذنة وقبل أن ينكروا عمل المولد في شهر ربيع الأول الذي استحدثه عالم فاضل ملك مجاهد تقي ثم وافقه علماء الحديث على فعله هذا، ملك يقال له الملك المظفر أبو سعيد كوكبرى ابن زين الدين علي ابن بكتكين كان هو ملك إربل، الله تبارك وتعالى ألهمه في شهر ربيع الأول عمل مأدبة طويلة ذبح فيه ذبائح ءالافا من الأغنام وأحضر من الحلويات وجمع العلماء والفقهاء والزهاد الصوفيين وجمع الوجهاء في ناحيته فعمل هذا المولد إظهارا للفرح بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم وبروزه إلى الدنيا في مثل ذلك الوقت إظهارا لشكر الله تبارك وتعالى على هذه النعمة العظمى بروز سيدنا محمد في مثل ذلك الوقت فاستحسنه علماء الحديث حتى إن منهم حافظا من حفاظ الحديث يقال له ابن دحية من المغرب كان قصده أن يزور البلاد الشرقية خرج من المغرب ثم صادف هذا الوقت الذي كان عمل فيه هذا الملك المظفر المولد لأول مرة لم يفعل هذا الفعل قبله أحد وكان ذلك في أواخر الـمائة السادسة، هذا الحافظ المحدث ابن دحية عمل له كتابا في المولد سماه التنوير في مولد البشير النذير. كل العلماء الذين كانوا في ذلك الوقت من محدثين حفاظ الحديث وفقهاء وصوفيين كلهم رضوا بهذا العلم ما اعتبروه شيئا من بدع الضلالة. ثم لو كان هؤلاء المشوشون سلموا من كل ما استحدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لقال القائل هؤلاء يحاربون كل ما استحدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنهم متلبسون ببدع قبيحة مثل كتابة صلعم عند ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد بين الحافظ السخاوي في القول البديع أن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم استحدثت أيام السلطان الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب وخلص إلى القول والصواب إنه بدعة حسنة يؤجر فاعله بحسن نيته. اهـ.
وقال الإمام أبو شامة رحمه الله تعالى ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده صلى الله عليه وسلم من الصدقة والمعروف وإظهار الزينة والسرور فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مشعر بمحبته صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وجلالته في قلب فاعل ذلك وشكر الله تعالى على ما من به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم. اهـ.
وأما الملك المظفر أبو سعيد كوكبرى بن زين الدين علي بن بكتكين فترجمه في البداية والنهاية في التاريخ فقال أحد الأجواد والسادات الكبراء والملوك الأمجاد له ءاثار حسنة وقد عمر الجامع المظفري بسفح قاسيون وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا وكان مع ذلك شهما شجاعا فاتكا بطلا عاقلا عالما عادلا رحمه الله وأكرم مثواه، وقد صنف الشيخ أبو الخطاب بن دحية له مجلدا في المولد النبوي سماه التنوير في مولد البشير النذير فأجازه على ذلك بألف دينار، وقد طالت مدته في الـملك في زمان الدولة الصلاحية وقد كان محاصرا عكا، محمود السيرة والسريرة، قال السبط حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد كان يمد في ذلك السماط خمسة ءآلاف رأس مشوي، وعشرة ءالاف دجاجة ومائة ألف زبدية وثلاثين الف صحن حلوى، قال وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم ويطلق لهم ويعمل للصوفية سماعا من الظهر إلى الفجر، وكانت له دار ضيافة للوافدين من أي جهة على أي صفة وكانت صدقاته في جميع القرب والطاعات على الحرمين وغيرهما، قالت زوجته ربيعة خاتون بنت أيوب([4]) كان قميصه لا يساوي خمسة دراهم فعاتبته بذلك فقال لبسي ثوبا بخمسة وأتصدق بالباقي خير من أن ألبس ثوبا مثمنا وأدع الفقير المسكين، وكان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار وعلى دار الضيافة في كل سنة مائة ألف دينار وعلى الحرمين والمياه بدرب الحجاز ثلاثين ألف دينار سوى صدقات السر، رحمه الله تعالى وكانت وفاته بقلعة إربل. اهـ.
انتهى والله تعالى أعلم.
([1]) رواه مسلم في صحيحه باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار.
([2]) النمار جمع نمرة وهي شملة فيها بياض وثواب.
([3]) رواه أبو يعلى في مسنده عن بريد بن أبي مريم عن أنس بن مالك.
