بيان الصبر على المصائب

الدرس السادس

بسم الله الرحمٰن الرحيم

بيان الصبر على المصائب

درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى في سويسرا في شهر جمادى الآخرة من سنة تسع وأربعمائة وألف من الهجرة الشريفة الموافق لشهر كانون الثاني من سنة تسع وثمانين وتسعمائة وألف رومية وهو في بيان الصبر على المصائب قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:

الحمد لله رب العالمين وصلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى ءاله وأصحابه وعلى جميع إخوانه الأنبياء والمرسلين وءال كل والصالحين.

أما بعد: قال الله تبارك وتعالى في سورة البقرة: {وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنـا إليه راجعون * أولـئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولـئك هم المهتدون} [155 – 157].

في هذه الآية تبشير المؤمنين الذين يتصفون بهذه الصفة التي ذكرها الله تعالى، وهي أنهم راضون عن الله تعالى أي لا يتسخطون عليه ولا يتضجرون من قضائه وإن كانت المصائب تقلقهم وتخزنهم وتؤذيهم في أجسادهم، لكن قلوبهم راضية عن الله تبارك وتعالى.

هؤلاء بشرهم الله تعالى بأنهم تنالهم صلوات من الله أي رحمات مقرونة بالتعظيم ليس المراد مجرد الرحمة لأن مجرد الرحمة في الدنيا تشمل المؤمن والكافر إنما الصلوات هنا معناه الرحمات المقرونات بالتعظيم أي الرحمات الخاصة لأن الرحمات خاصة وعامة، الرحمات العامة في الدنيا يشترك فيها المؤمن وغير المؤمن والبر والفاجر.

من الرحمات العامة الانتفاع بالهواء العليل والصحة والمال الوافر وغير ذلك من أنواع النعم الدنيوية، أما الرحمات الخاصة لا ينالها إلا المؤمنون الصابرون الـمسلمون لله تسليما.

وأول شرط لهذا أي في نيل استحقاق الرحمات الخاصة هو الإيمان بالله ورسوله أي الاعتقاد الجازم بوجوده تعالى بلا تشبيه ولا تكييف، وترك الاعتراض على كل ما يقضيه على العباد مما يسرهم ومما يسوؤهم، أما الإيمان برسوله فهو التسليم له صلى الله عليه وسلم بأن كل ما جاء به حق سواء كان مما يتعلق بأحكام العباد في هذه الحياة الدنيا أو كان ما يحدث فيما بعد الموت والبرزخ وفي الآخرة، كل ذلك يجب تصديقه صلى الله عليه وسلم بما جاء به بلا استثناء، هذا هو الإيمان.

وقوله تبارك وتعالى: { الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنـا إليه راجعون} المعنى: أنهم مسلمون غير معترضين على ربهم ل يرجعون إلى الاعتقاد الذي هم ثابتون ومستمرون عليه وهو اعتقاد التسليم لله تبارك وتعالى، ومعنى الذين قالوا: {إنا لله} معناه: أي عرفوا واعتقدوا وجزموا بأنهم ملك لله تعالى له أن يفعل بهم ما يشاء {وإنا إليه راجعون} أي: أنهم مآلهم إلى الجزاء إلى الله تبارك وتعالى.

جزاء المؤمنين على إيمانهم بدؤه في البرزخ بعد الموت ومعظمه في الآخرة، الجزاء الذي يكون في البرزخ للمؤمنين([1]) بما يسرهم يبدأ متى ما خرجوا من الدنيا ليس عليهم بعد ذلك ما يسوؤهم بل هم في حال كحال من كان مسجونا وكان في قحط ثم خرج من السجن وخرج من القحط والمجاعة إلى الرخاء والسعة، هذا القبر الذي تخافه النفوس ليس ما يحدث فيه لكل إنسان على حد سواء بل بعض الناس هذه القبور لهم ألذ عندهم مما كانوا عيه قبل ذلك لو كانوا يسكنون القصور الفاخرة وكان عندهم نعيم كثير واسع، يكفي في ذلك أنهم يرون كل يوم مقعدهم في الجنة أول النهار مرة وءاخر النهار مرة، هذا يفوق كل لذات الدنيا التي كانوا يصيبونها لما كانوا على وجه الأرض، وهناك غير ذلك وهو أنه لا يسلط عليهم في قبورهم ما يؤذيهم من هوام ولا يخافون من وحدة القبر ولا وحشة الظلمة كل ذلك مرفوع عنهم. وكذلك ترفع عنهم تلك المسافة أي مسافة القبر، وهناك غير ذلك كتنوير القبر. وأما في الآخرة فما يكون من النعيم أعظم وأعظم.

{الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله} معناه: نحن ملك لله تعالى يفعل فينا ما يريد ونحن راضون بما يفعله بنا إن كان مما يلائم النفوس أو كان مما لا يلائم طبائع النفوس لأن النفوس جبلت على النفور من أشياء وعلى الميل إلى أشياء، هؤلاء يسلمون لله تسليما بما يلائم نفوسهم وفيما لا يلائم نفوسهم مما قضى الله تعالى وقدره عليهم.

وفي الحديث الصحيح في مراسيل أبي داود فيما يقال في الصلاة بين التكبيرة والقراءة نحن لك وإليك.

مراسيل أبي داود الكتاب الذي ألفه أبو داود في المراسيل أي الأحاديث التي يذكرها التابعون ولا يذكرون الوسائط الذين نقلوا عنهم هذه الأحاديث، هذه يقال لها المراسيل، أبو داود له كتاب اسمه المراسيل جمع فيه كثيرا من الـمرسلات، روى في هذا (اللهم إنما نحن بك وإليك). معنى (إنما نحن بك) معناه أصل وجودنا بك أي بقدرتك ومشيئتك فلولا مشيئتك وقدرتك ما وجدنا، فكذلك كل الصفات التي فينا فهي إنما وجدت بك أي بقدرتك ومشيئتك وعلمك، نحن ذواتنا وصفاتنا الدائمة والطارئة التي تتغير فينا كل ذلك بخلقك وجد، بمشيئتك وعلمك وتقديرك وقضائك وجد، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الأثر الـمرسل (وإليك) أي مرجعنا إليك، أي كل واحد كتب عليه الموت، كل سيموت.

إما أن يموت وهو على حالة مرضية عند الله وإما أن يموت وهو على حالة غير مرضية عند الله، يكون من مات على حالة مرضية عند الله من الفائزين الذين شاء لهم النعيم المقيم فيما بعد الموت، والآخرون الذين هم بعكس ذلك يكون مآلهم النكد والعذاب الأليم.

ثم الله تبارك وتعالى ذكر المصيبة بلفظ النكرة في هذه الآية ليفهمنا أن كل مصيبة تصيب المسلم إن كانت صغيرة وإن كانت كبيرة فإنها تفيده برفع الدرجات وتكفير السيئات، كل مصيبة تصيب المسلم المؤمن إن رضي عن ربه تبارك وتعالى في كل مصيبة ترفع له بهذه المصيبة درجة وتكفر عنه بها خطيئة أي تمحى عنه بعض ذنوبه، لا تمر عليه مصيبة صغيرة أو كبيرة إلا وهو مستفيد منها هذه الفائدة ونعمت الفائدة، بهذه المصيبة التي لا بال لها عند الناس كالشوكة التي يشاكها المسلم أو الهم الذي يسوء المسلم من الهم الصغير الذي هو ليس ذا تأثير كبير.

أما الهم الذي له تأثير كبير فيزداد استفادة المسلم منه على حسب عظم ذلك الهم.

ثم إن هؤلاء المؤمنين الذين مدحهم الله تعالى من شأنهم أنهم في أيام الهرج يلازمون طاعة الله تعالى أي بقدر الإمكان أي لا يعصونه في هذه الحال بترك الفرائض وارتكاب المعاصي، بل هؤلاء يلزمون طاعته تبارك وتعالى في أوقات الهرج، والهرج هو كثرة القتل وقد صح الحديث في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال: «العبادة في الهرج كهجرة إلي»([2]). اهـ. أي: الذي يلتزم طاعة الله في الهرج أي في أيام كثرة القتل كأنه من الذين هاجروا أي في الوقت الذي كانت الهجرة فرضا. بعدما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى فتح مكة كانت الهجرة فرضا، من استطاع أن يلحق بالرسول إلى المدينة كان فرضا عليه أن يلحق بالرسول إلى المدينة كان فرضا عليه أن يذهب إلى المدينة ليؤازر الدعوة الإسلامية بوجوده حول الرسول لأنهم يكونون على أهبة الاستعداد إن استنفرهم رسول الله لينفروا وليساعدوه في نشر الدعوة الإسلامية والتعليم والتبليغ. لهذا المعنى العظيم كانت الهجرة فرضا، كان على من لم يهاجر وبقى في بلدته مع المشركين هو مؤمن وأهل بلدته مشركون ذنب كبير من الكبائر إن كان مستطيعا أن يهاجر فلم يفعل، أما إن كان غير مستطيع بأن يلحق بالرسول إلى المدينة وبقي في مكانه وعبد الله ما عليه ذنب.

الرسول عليه الصلاة والسلام جعل الذي يلتزم عبادة الله أي طاعة الله في أيام الهرج كالذي هاجر إليه في وقت كانت الهجرة فرضا.

وكان ذنب من يرجع بعد الهجرة بعد أن يكون من المهاجرين يترك المدينة ويرجع إلى بلده التي هي بعد مع المشركين ذنبه من كبائر الذنوب أيضا، مثل ءاكل الربا ومانع الزكاة، مانع الزكاة ذنبه كبير عند الله، كذلك الذي يأكل الربا، كذلك هذا الذي هاجر إلى المدينة ثم ترك قطع هذه الهجرة ورجع عاد إلى أهله المشركين.

أما بعد الفتح فتح مكة سقطت فرضية الهجرة فالمسلم أينما كان يعيش يتقي ربه، لذلك قال عليه الصلاة والسلام لا هجرة بعد الفتح([3]). اهـ. بعد فتح مكة انقطعت تلك الهجرة التي كانت فرضا على المؤمنين؛ لأن فتح مكة كان سبب تدفق العرب في الجزيرة العربية للدخول في الإسلام، قال الله تبارك وتعالى في سورة النصر {إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} [1 – 3]. الرسول صلى الله عليه وسلم علم أن دينه انتشر وسيزداد انتشارا بعد ذلك وأنه أكثر الأنبياء اتباعا. موسى عليه السلام ما وجد ممن دخل في دينه كعدد من دخل في دعوة محمد، الذين دخلوا في دعوة محمد أكثر وأكثر وأكثر ممن اتبع موسى على الإسلام وممن اتبع عيسى على الإسلام وممن اتبع إبراهيم وممن اتبع سليمان عليهما السلام، من تبع محمدا أكثر ممن تبع الأنبياء الأولين، حتى إنهم يكونون يوم القيامة جميعهم أربعين صفا وأمة محمد ثمانين صفا؛ أمة محمد من ءامنوا به واتبعوه وماتوا على الإسلام يوم القيامة ثمانون صفا وأمم سائر الأنبياء جميعهم يكونون أربعين صفا، الله تعالى بشره بأن الدين ينتشر بعد فتح مكة فتحقق ذلك بفضل الله تعالى.

انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم.

([1]) أي: المؤمنين الكاملين.

([2]) رواه مسلم في صحيحه، باب فضل العبادة في الهرج.

([3]) رواه البخاري في صحيحه باب فضل الجهاد والسير.

أضف تعليق