الدرس الثاني
بسم الله الرحمٰن الرحيم
شرح حديث من خرج في طلب العلم وشرح حديث من أسلم على يده رجل دخل الجنة وبيان التحابب.
هذا درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد الهرري رحمه الله تعالى سنة 1408 في 13 جمادى الأولى وهو في بيان شرح حديث من خرج في طلب العلم وشرح حديث من أسلم على يده رجل دخل الجنة وبيان التحابب.
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وصلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على أشرف المرسلين وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين وبعد.
فإن في الحديث أن «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع»([1]) اهـ. والمعنى: أن الذي يخرج في طلب العلم في بلده أو في غربة ثوابه كثواب الخارج للجهاد في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله درجة عالية من أعلى الدرجات وقد جعل الله للمجاهدين في سبيله في الجنة مائة درجة ما بين درجة ودرجة كما بين السماء والأرض، هذا الذي خرج يطلب علم الدين مثاله كمثال هذا الذي خرج حاملا سلاحه لوجه الله ليقاتل أعداء الله وذلك لأن علم الدين سلاح يدافع به المؤمن الشيطان ويدافع به شياطين الإنس ويدافع به هواه. هذا من الجهاد. في حكم الشرع يعتبر جهادا كجهاد العدو. العدو الذي يهاجمك تقاتله بالسلاح وهذا الذي تدفعون به عن دين الله وتردون به الشبه التي توقع الناس في المهالك على اختلاف أنواعهم من منتسبين إلى الإسلام وهم محرقون له ومن غير المنتسبين إلى الإسلام كالملاحدة الصرف كل ذلك مكافحتهم جهاد عند الله وثواب الجهاد عند الله عظيم، ثم الذي يرد شخصا عن عقيدة فاسدة توجب الكفر، من رد ذلك الشخص عنها وأدخله في الإسلام يستحق الدخول تحت هذا الحديث وهو من أسلم على يده رجل دخل الجنة. اهـ. هذا الحديث يشمل الذي يدخل من كان لا ينتمي إلى الإسلام بل إلى دين ءاخر من الأديان والذي كان يدعى الإسلام ويظن بنفسه أنه مسلم وهو خارج عن الإسلام، الحديث شامل للأمرين وهذا الحديث رواه الحاكم في أربعينه له كتاب جمع فيه أحاديث أربعين عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا فضل عظيم لا ينبغي الإعراض عنه أو التهاون فيه بل يجب العناية به وفقنا الله جميعا لطاعته وجنبنا الضلال والبدع المهلكة ويسرنا لما يحب ويرضى لا إله إلا هو فعلى هذه النية الفاتحة.
والذي يتغرب لطلب العلم الديني فهو من وقت خروجه إلى عودته إلى حيث يقيم فهو كأنه يغزو الكفار يبذل مهجته في سبيل المهجة هي أغلى الأشياء على الشخص فهذا ثوابه كثواب من خرج ليبذل مهجته في سبيل الله ليراق دمه وهو ينصر دين الله.
ثم عليكم بالتحابب في الله تعالى، الله تبارك وتعالى يجعل للمتحابين فيه منزلة عالية في الآخرة، الله تبارك وتعالى يجلسهم يوم القيامة قبل دخول الجنة على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء أي يعجبون بهم وهؤلاء الرسول صلى الله عليه وسلم وصفهم وقال إنهم من نوازع القبائل أي من قبائل شتى ليس المال جمعهم على المحبة ولا القرابة إنما جمعهم على المحبة الحب في الله، ومن شأن هؤلاء الوصف الذي وصفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تصافوا المحبة تصافوا الحب فيما بينهم أي يتحابون محبة صافية في مرضاة الله ليس لغرض دنيوي ولا لنسب إنما تحابهم لوجه الله تعالى، فإذا اثنان من المسلمين تحابا في الله يوم القيامة يظلهم الله في ظل عرشه، يوم القيامة لا يكون ظل إلا ظل الله ومعنى ظل الله ظل العرش، العرش يكون له ظل يظل الله به بعض عباده المؤمنين ومنهم المتحابان في الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعداد الذين يظلهم الله يوم القيامة في ظله ورجلان تحابا في الله يقول أحدهما للآخر إني أحبك في الله هؤلاء لا يتغاشون لا يغشى بعضهم بعضا إذا رأى أحدهم أخاه على باطل لا يزين له هذا الباطل الذي هو عليه بل ينصحه أما الذين يتحابون فيداهنون بعضهم بعضا أي يتطاوعون على الباطل هذا يسكت لهذا وهذا يسكت له على الباطل هؤلاء صداقتهم يوم القيامة تصير ندامة يقول كل منهما يا ليتني لم أصادق هذا الإنسان، قال الله تعالى في سورة الزخرف {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}([2]).
الله يجعلنا من المخلصين المتحابين فيه المتعاونين على الخير والمتناهين عن المحرمات.
انتهى والله تعالى أعلم.
