الدرس الأول
بسم الله الرحمٰن الرحيم
بيان حديث والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل
فيكم ابن مريم حكما عدلا
درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى في يوم الاثنين سنة 1409 من الهجرة الشريفة في 3 المحرم وهو في بيان حديث والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
الحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين ولا سيما سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الميامين وبعد:
فإن رسول الله سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم قال: «إن عيسى ابن مريم نازل فيكم فاعرفوه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض أي ليس شديد البياض يقطر رأسه كأنه به بلل معناه يلمع رأسه كأنه مبلول بالماء ينزل في ممصرتين عليها لون الصبغ الأصفر أي ثوبين مصبوغين باللون الأصفر فيقتل الخنزير ويكسر الصليب وتهلك الملل في زمانه كلها سوى الإسلام فيمكث حاكما مقسطا أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون»([1]) اهـ وإنما ينزل لتجديد شريعة محمد، وإنما يفعل ذلك تأكيدا لبطلان ما افتروا عليه من هذا الدين الذي هم أنشأوه من عند أنفسهم وذلك لأنه يظهر الحقيقة ويكشف الكذب الذي نسب إليه أنه من دينه وليس من دينه، هو ما كان أحل قط الخنزير ولا الأنبياء الذين قبله وهذا الصليب لم يكن لما كان على وجه الأرض إنما بعد رفعه إلى السماء افتروا فقالوا صلب المسيح وقتل وصدقهم اليهود بما ادعوه فعندما ينزل ينفي هذا الكذب ويبطله بكسر الصليب وقتل الخنازير. هو قتل الخنازير في شرعنا مستحب سنة ليس واجبا وقال بعض الفقهاء واجب. أما أنه يتزوج فيولد له لم يثبت حديث عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح لكنه قد روي، يحتمل أن يكون هذا الحديث معناه صحيحا ويتحقق وأما مدفنه لما يموت فعند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة. كان مكتوبا في التوراة الحقيقية الأصلية أن عيسى صفته كذا وكذا وأنه يدفن عند محمد صلى الله عليه وسلم. المهدي يدركه يجتمعان لكن يسلم الرئاسة للمسيح لأن غير النبي لا يرأس النبي يسلم له الرئاسة العامة.
وأخرج البخاري ومسلم والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيسكر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة خيرا من الدنيا وما فيها. اهـ. وفيه من طريق ءاخر كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم ولفظ مسلم نحو ذلك، ولفظ البيهقي في الأسماء والصفات ينزل عيسى ابن مريم من السماء وفي هذه الرواية تكذيب للقاديانية الكافرة في دعواهم أنه لم يرد في حديث نزول المسيح ذكر لفظ من السماء. وعند أبي داوود والإمام أحمد بإسناد صحيح ويدعو الناس إلى الإسلام ويضع الجزية أي أن الله تعالى جعل إقرار الكفار بالجزية([2]) مغيا بنزول المسيح فكان من شرع محمد نسخ الجزية بنزول المسيح.
وعند ابن حبان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ قوله تعالى: {وإنه لعلم للساعة}([3]) فقال: «نزول عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة». وأحاديث نزوله مشهورة قريب من التواتر.
وقد أخرج ابن ماجه والنسائي عن ابن عباس قال كان عيسى مع اثني عشر من أصحابه في بيت فقال: إن منكم من يكفر بي بعد أن ءامن ثم قال أيكم يلقى عليه شبهي ويقتل مكاني فيكون رفيقي في الجنة فقام شاب أحدثهم سنا فقال أنا، قال اجلس، ثم عاد فقال اجلس ثم عاد الثالثة فقال أنت هو فألقي عليه شبهه فأخذ الشاب فصلب بعد أن رفع عيسى من روزنة في البيت وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشاب. وهذا إسناده صحيح بخلاف ما قيل أن المقتول كبير اليهود.
ولا صحة لما قيل من أن المسيح عليه السلام توفي بضع ساعات والآية الكريمة {إني متوفيك ورافعك إلي}([4]) ليس معناها أنه يميته ثم يرفعه إلى السماء ليخلصه من اليهود لا، إنما معنى {متوفيك} قابضك من الأرض وأنت حي يقظان فأقبضك من الأرض ورافعك إلى السماء ومطهرك من الذن كفروا أي من اليهود الذين أرادوا قتلك هذا معناه ويصح أن يقال {إني متوفيك} أي مميتك بعد رفعك وإنزالك إلى الأرض، ابن عباس يقول متوفيك مميتك، لكن على أي معنى فسر {متوفيك} بمميتك؟ على معنى أنه بعد الرفع والإنزال ليس قبل أن يرفعه يميته هذا ليس قصد ابن عباس بل قصد ابن عباس يميته بعد أن يرفعه وينزله، هذا يقال له الـمقدم والـمؤخر، في القرءان له وجود وفي لغة العرب أيضا هذا له وجود التقديم والتأخير، يقال متوفيك لفظا مقدم لكن معنى الوفاة تكون بعد الرفع والإنزال. {فضحكت فبشرناها}([5]) هذا أيضا من المقدم والمؤخر ضحكت من حيث المعنى مؤخر فبشرناها مقدم من حيث المعنى، بعدما سمعت التبشير من الملائكة كان ضحكها من فرحها وتعجبها وهكذا {إني متوفيك ورافعك} من هذا الباب، فإن قيل لماذا جعلتموه من باب المقدم والمؤخر؟ يقال لهم لأن الرسول قال إن عيسى ابن مريم نازل فيكم فاعرفوه رجل ربعة إلى البياض والحمرة يمكث في الأرض أربعين سنة ثم يـتوفى ويصلي عليه المسلمون([6]). اهـ. هذا الحديث الصحيح هو جعلنا نجعل هذه الآية من باب المقدم والمؤخر.
انتهى والله تعالى أعلم.
([1]) أخرجه ابن حبان بمعناه، باب ذكر البيان بأن عيسى ابن مريم إذا نزل يقاتل الناس على الإسلام، ورواه غيره بغير هذا اللفظ.
([2]) أي: ترك قتالهم بدفعهم الجزية لا الرضى بكفرهم.
([4]) سورة ءال عمران، الآية: (55).
([5]) سورة هود، الآية: (71)، والضمير يرجع إلى السيدة سارة زوج سيدنا إبراهيم.
