النسفية و الطحاوية 1

مختصر المطالب الوفية في شرح العقائد النسفية مع زيادات من شرح الطحاوية للشيخ نجم الدين منكوبرس بتحقيق الدكتور محمد نزيه علم الدين – موقع لطائف التنبيهات

مختصر المطالب الوفية في شرح العقائد النسفية مع زيادات من شرح الطحاوية للشيخ نجم الدين منكوبرس بتحقيق الدكتور محمد نزيه علم الدين – موقع لطائف التنبيهات

#1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، قَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، إِمَامِ الْأَتْقِيَاءِ الْعَارِفِينَ، سَيِّدِنَا وَقَائِدِنَا وَحَبِيبِنَا وَنُورِ أَبْصَارِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ الْأُمِّيِّ الْأَمِينِ، الْعَالِي الْقَدْرِ، الْعَظِيمِ الْجَاهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ.

مختصر المطالب الوفية في شرح العقائد النسفية 

اختصره

الفقير إلى ربه

ابن القاضي سمير بن سامي

الأشعري اعتقادا الشافعي مذهبا الرفاعي مشربا

غفر الله له ولشيوخه ولوالديه 

بسم الله الرحمٰن الرحيم

الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، وأنزل على نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم القرءان، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، وعلى ءاله وأصحابه الطيبين الطاهرين.

وبعد فأقول وأنا ابن القاضي غفر الله له ولشيوخه ولوالديه إن العلم باللٰه تعالى وصفاته أجل العلوم وأعلاها وأوجبها وأولاها، وقد اعتنى علماء أهل السنة والجماعة به تأليفا وتدريسا وتفهيما وصنفوا المصنفات الكثيرة في ذلك من مطولات ومختصرات، ومن أشهر المختصرات المصنفة للمبتدئين العقيدة النسفية للعلامة أبي حفص نجم الدين عمر بن أحمد بن لقمان النسفي الحنفي السمرقندي الماتريدي الزاهد المولود سنة إحدى وستين وأربعمائة والمتوفى بسمرقند في ثاني عشر جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وخمسمائة رحمه الله تعالى وجزاه خيرا وقد أقبل عليها العلماء شرحا وتبيينا وإيضاحا وتحشية وتنكيتا ومن أشهر شروحها شرح التفتازاني رحمه الله ومن أخصرها وأقربها مأخذا وهو أكثرها مع ذلك تحقيقا شرح الإمام العبدري رحمه الله تعالى المسمى المطالب الوفية في شرح العقيدة النسفية ضمنه مؤلفه بيان المذهبين وشرح فيه الطريقتين الأشعرية والماتريدية ولكنه مع اختصاره صار طويلا على أكثر المبتدئين في أيامنا وشاقا لضعف أكثر أفهامهم عنه فأقدمت على اختصاره تيسيرا عليهم وتسهيلا لوصولهم إلى لب مقاصده والله من وراء القصد وبه الحول والقوة.

وقد روى الشارح رحمه الله كتاب العقائد النسفية عن شيخه المفتي محمد سراج بن محمد سعيد الجبرتي الشافعي عن السيد بدر الدين بن يوسف الحسني عن الشيخ إبراهيم بن علي السقا المصري عن المعمر الشيخ ثعيلب بن سالم الفشني المصري الأزهري عن الشيخ أحمد بن حسن الجوهري القاهري والشيخ أحمد بن عبد الفتاح الملوي عن شيخهما عبد الله بن سالم البصري عن المحدث الحافظ الشيخ محمد بن علاء الدين صالح المصري البابلي عن نور الدين علي بن يحيـى الزيادي عن السيد يوسف بن عب الله الحسيني الأرميوني عن العلامة الحافظ جلال الدين أبي بكر عبد الرحمن السيوطي عن المحدث تقي الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن فهد الشافعي عن القاضي أبي الخير جمال الدين الخضر المسمى محمد بن علي العقيلي النويري ثم المكي الشافعي عن الحافظ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني عن الزين أبي بكر بن الحسين بن عمر المراغي المصري عن الحافظ علم الدين القاسم بن محمد بن يوسف البرزالي عن مصنفه العالم الفقيه المتكلم برهان الدين محمد بن محمد النسفي الحنفي. اهـ.

وروى شرح التفتازاني عليها بالإسناد المتقدم إلى المحدث الحافظ الشيخ محمد بن علاء الدين صالح المصري البابلي عن نور الدين علي بن يحيـى الزيادي عن السيد يوسف بن عبد الله الحسيني الأرميوني عن العلامة الحافظ جلال الدين أبي بكر عبد الرحمن السيوطي عن تقي الدين محمد بن فهد عن حسام الدين حسن بن علي الأبيوردي المكي عن مؤلفها (ح) ورواه أيضا عن الشيخ محمد العربي بن محمد المهدي العزوزي عن الشهاب أحمد بن محمد بن رافع الطهطاوي عن الشمس محمد الأشموني عن أبي الحسن علي بن عيسى النجاري الأزهري عن محمد الأمير الكبير المالكي عن أبي الحسن علي بن محمد العربي السقاط المالكي عن شارحه محمد بن عبد الباقي الزرقاني عن أبيه عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الزرقاني عن الشيخ أبي الحسن علي بن محمد ابن عبد الرحمن الأجهوري عن البرهان إبراهيم العلقمي عن الشرف المعمر عبد الحق بن محمد السنباطي ثم المكي عن أمين الدين يحيـى بن محمد بن إبراهيم الأقصرائي الحنفي عن العلاء أحمد بن محمد السيرامي عن مؤلفها المتكلم المشهور سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني رحمه الله تعالى. اهـ.

 بسم الله

  قال الإِمَامُ عُمَرُ النَّسَفِىُّ الْمَوْلُودُ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَالْمُتَوَفَّى سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ (قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ) أَىْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ

المراد بقوله أهل الحق أهل السنة والجماعة، وأهل السنة معناه التابعون لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، والجماعة أي الذين اتبعوا جماعة المسلمين أي اتبعوا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابهوفيه إشعار بأنهم أكثر المنتسبين للإسلام وذلك لأن الأمة ما تزال على تلك العقيدة وإن أصاب ءاخرهم ما أصابه من التقصير في العمل بالأحكام الشرعية كما يدل على ذلك ما رواه مسلم وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب ءاخرها بلاء وأمور تنكرونها اهـ. وشاهد الوجود يدل على أن أكثر المنتسبين إلى الإسلام يعتقدون بالخلفاء الأربعة أن كلا كان خليفة حقا لوقته، ويفردون الله تعالى بالتخليق إي إخراج المعدوم إلى الوجود، ولا يشبهون الله بخلقه، ويثبتون الشفاعة، ولا يوجبون الخلود في النار لأهل الكبائر الذين ماتوا بغير توبة، ويثبتون عذاب القبر، ويصححون رؤية الله في الآخرة للمؤمنين، على هذا الاعتقاد خواصهم وعوامهم بخلاف الفرق الأخرى المنتسبة إلى الإسلام

ومعنى الحق الحكم المطابق للواقع ومقابل الحق الباطل فأهل السنة هم المتمسكون بالحق.

 (حَقَائِقُ الأَشْيَاءِ) أَىْ مَا نَعْتَقِدُهُ حَقَائِقَ الأَشْيَاءِ وَنُسَمِّيهِ بِالأَسْمَاءِ مِنَ الإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ وَالسَّمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (ثَابِتَةٌ) أَىْ مَوْجُودَةٌ وَلَيْسَ تَخَيُّلًا كَمَا يَقُولُ السُّوفِسْطَائِيَّةُ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ وُجُودِ الأَشْيَاءِ لِأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ تَشْهَدُ بِذَلِكَ وَوَرَدَ فِى الشَّرْعِ إِثْبَاتُهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فَاللَّهُ تَعَالَى أَثْبَتَ وُجُودَهُ وَوُجُودَ غَيْرِهِ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ. وَمَعْنَى الشَّىْءِ الثَّابِتُ الْوُجُودِ أَىْ وُجُودُهُ ثَابِتٌ مُحَقَّقٌ لِذَلِكَ يُقَالُ اللَّهُ شَىْءٌ لا كَالأَشْيَاءِ أَىْ مَوْجُودٌ لا كَالْمَوْجُودَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّه﴾.

الحقائق في قوله حقائق الأشياء ثابت  جمع حقيقة، وحقيقة الشيء ما به الشيء هو هو. والشيء هو الثابت الوجود. والتحقق والوجود والكون ألفاظ مترادفة. قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر وهو يعني الله شيء لا كالأشياء ومعنى الشيء الثابت بلا جسم ولا جهر ولا عرض ولا حد له ولا ضد له ولا ند له ولا مثل له اهـ.

والمعنى أن ما نعتقده حقائق الأشياء ونسميه بالأسماء من الإنسان والفرس والسماء والأرض وغير ذلك أمور موجودة في نفس الأمر ليس تخيلا كما يقول السوفسطائية بل هي حقيقة موجودة يشهد بذلك الحس وأثبتها الشرع كما قال تعالى في سورة الفاتحة {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] فإنه أثبت وجوده ووجود غيره من مخلوقاته.

 وَقَوْلُهُ (وَالْعِلْمُ بِهَا مُتَحَقِّقٌ) أَىْ أَنَّ الْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ بِهَذِهِ الْحَقَائِقِ مِنْ تَصَوُّرِهَا بِالأَذْهَانِ وَالتَّصْدِيقِ بِهَا بِالْجَنَانِ أَىِ الْقَلْبِ مُتَحَقِّقٌ حُصُولُهُ لَنَا ثَابِتٌ يَقِينًا، وَالْعِلْمُ هُوَ إِدْرَاكُ الشَّىْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُثْبِتُونَ حَقَائِقَ الأَشْيَاءِ وَلا يُنْكِرُونَهَا (خِلافًا لِلسُّوفِسْطَائِيَّةِ) فَإِنَّهُمْ يُنْكِرُونَهَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا أَوْهَامٌ وَتَخَيُّلاتٌ.

 العلم والمعرفة بالحقائق من تصورها وتصديق بها متحقق حصوله لنا ثابت يقينا.

ثم العلم إما تصور وإما تصديق، فالتصور هو إدراك الماهية من غير أن يحكم عليها بنفي أو إثبات، والتصديق هو أن تحكم عليها بالنفي أو الإثبات فإذا سمعت عبارة الإنسان حيوان ناطق مثلا فإنك تفهم أولا معناها وهذا هو التصور ثم تحكم عليها إما بالثبوت وإما بالنفي فذلك هو التصديق.

وكل من التصور والتصديق قد يكون بديهيا وقد يكون كسبيا. فتصورنا لمعنى الحرارة والبرودة مثلا بديهي، وتصورنا لمعنى الملك والجن كسبي، والتصديق بأن الشيء لا يكون ساكنا ومتحركا في ءان واحد بديهي، والتصديق بأن الإلٰه قديم والعالم محدث كسبي.

وهذا متفق عليه بين الطوائف كلهم إلا السوفسطائية.

يقول الشيخ نجم الدين منكوبرس شارح الطحاوية ويقال له العبد الناصريّ : اعلم أنّ العلم أوّل اللوازم وبه يكون إخلاص الدين لصانع العالم. فاللازم هو الواجب فقوله العلم أول اللوازم أي أن أوّل واجب على المكلف هو المعرفة أي المعرفة بالله. وإخلاص الدين لله أي يحفظ دينه ويصفيه من كل ما يشوبه كما جاء في لسان العرب لابن منظور , أخلص دينه لله أي أمحضه. و إخلاص الدين لصانع العلم أي لله وقد أطبق المتكلمون على الله تعالى لفظ الصانع بمعنى الخالق وإن لم يكن لم يكن من الأسماء التسعة و التسعين وقد عده البيهقي رحمه الله في الأسماء والصفات في الأسماء الدالة على ثبوت الإبداع و الاختراع له سبحانه وتعالى. واستدل على إطلاقه بقول الله تعالى ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾

سورة النمل 88 مع قوله صلى الله عليه وسلم إنّ الله صنع كل صانع وصنعته أخرجه من طريق حذيفة رضي الله عنه. انظر كتاب الأسماء والصفات للبيهقي. والحديث أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد بلفظ يصنع

انظر خلق أفعال العباد لمحمد بن إسماعيل البخاري. قال ابن حجر العسقلاني : وهو حديث صحيح.

ويزاد على ما سبق حديثان,الأول حديث ابي هريرة إن الله صانع ماشاء أخرجه مسلم في صحيحه والثاني قوله عليه الصلاة والسلام اتقوا الله فإن الله فاتح لكم وصانع أخرجه الحاكم من طريق خباب وقال الحالكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي في التلخيص. انظر المستدرك على الصحيحين لأبي عبد الله الحاكم.

قال المناوي في شرح حديث الحاكم : وهذا دليل واضح للمتكلمين والفقهاء لاغبار عليه. اي في جواز إطلاق الصانع على الله. انظر فيض القدير شرح الجامع الصغير لعبد الرؤوف المناوي وانظر المطالب الوفية للشيخ عبد الله الهرري. 

(وَأَسْبَابُ الْعِلْمِ لِلْخَلْقِ ثَلاثَةٌ) أَىْ أَنَّ الطُّرُقَ الَّتِى يَتَوَصَّلُ بِهَا الْمَخْلُوقُ إِلَى الْعِلْمِ الْيَقِينِىِّ الْقَطْعِىِّ ثَلاثَةٌ

 الطرق التي يتوصل بها المخلوق إلى العلم اليقيني القطعي ثلاثة الحواس السليمة والخبر الصادق والعقل.

أما الحق سبحانه وتعالى فعلمه أزلي واجب الوجود فلا يحتاج إلى سبب.

العلم على ضربين قديم ومحدث. العلم القديم هو علم الله تعالى.

العلم المحدث على قسمين ضروري ومكتسب. الضروري كل علم لزم الشخص على وجه لا يمكنه دفعه عن نفسه بشك ولا شبهة وهو كالعلم الحاصل عن الحواس الخمس والعلم بما تواترت به الاخبار كالعلم بالبلدان النائية التي نقطع بوجودها ونحو ذلك واما العلم المكتسب فهو ما يقع عن نظر واستدلال كالعلم بحدوث العالم وصدق الرسل ونحو ذلك مما يعلم بالنظر وترتيب الادلة بعضها على بعض.انظر اللمع في أصول الفقه لأبي اسحاق الشيرازي وشرح العقائد للتفتزاني.

يحسن ان نذكر فائدة هنا أنه لايكون تبيين أقسام الشيء حدا له. يقول أبو المعين النسفي رحمه الله : إذ من شرطه أي الحد الاطراد والانعكاس ليحصل بهما الجمع والمنع. إذ الحد مايجمع جميع محدوده ويمنع غيره عن مشاركته ولن يحصل هذا الا باشتمال جميع افراد المحدود. وفيما قسم لايوجد هذا المعنى – أي الجبائي المعتزلي. انظر تبصرة الأدلة للنسفي.ويقول الشيرازي : والحد عبارة عن المقصود بما يحصره ويحيط به إحاطة تمنع أن يدخل فيه ما ليس منه أو يخرج منه ماهو منه. ومن حكم الحد أن يطرد وينعكس فيوجد المحدود بوجوده وينعدم بعدمه. انظر اللمع للشيرازي ص3. 

وضع التحديد لإثبات حقيقة العلم التي بها يمتاز عن غيره من صفات المعلوم ولهذا يحصل به جميع أجزاء المحدود ويمنع غيره عن مشاركته فوقعت الحاجة إلى بيان تلك الحقيقة. فقلنا : حقيقة العلم أنه يوجب كون من قام به عالما أو الوصف الذي من قام به كان عالما. وهذا المشهور عن الأشعري في حد العلم وعبارته : معنى العلم وحقيقته مابه يعلم العالم المعلوم. انظر مجرد مقالات الأشعري لابن فورك.

وهذا لأنّا عرفنا العلم والعالم على الإطلاق غير أنّا جهلنا الحقيقة التي بها يمتاز كل واحد منهما عن أغيارهما فتأمّلنا فعلمنا أنّ زيدا ماكان عالما لكونه أسود وقيام السواد به لأنّا نشاهد السواد في أجسام ليست بعالمة.وكذا في البياض والحركة والسكون والاجتماع والافتراق والطول والقصر وكذا في الطعوم والروائح كلها فعلمنا أنه ماكان عالما إلا لقيام العلم به فكان هذا حقيقة. وكذا العلم تأمّلنا فيه فعلمنا أنه لا يوجب كون من قام به متحركا ولا ساكنا ولا مجتمعا ولا مفترقا ولا أسود ولا أبيض فعلمنا أنّ حقيقته أنه يوجب كون من قام به عالما إذ لا أثر له إلا هذا. ومن أصحابنا من قال : إنّ العلم صفة ينتفي به عن الحيّ الجهل والشك و الظنّ و السّهو. قال سيف الحق أي النسفي رحمه الله : وهذا التحديد أخفّ مؤونة وأقطع لشغب الخصوم.

** فرق السوفسطائية وهؤلاء المتجاهلة طائفة من الدهرية يسمّون السوفسطائيّة. والدهرية طائفة من الملحدين. سمّوا بذلك لزعمهم أن الإنسان لم يزل ولايزول وأن الدهر لا أول ولا ءاخر له وهو الفاعل في كل شىء. وقد ذكر الله قولهم في القرءان والرد عليهم فقال : وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) – الجاثية 24.انظر تفسير البحر المحيط لأبي حيان 8/69.

وهم أنواع أحدهما هؤلاء أي الذين ينكرون الحقائق بالكلية فينكرون وجود الموجود وهؤلاء يقال لهم العنادية لمعاندتهم في إثبات الحقائق ونوع ءاخر متشككة يقولون لاندري هل للأشياء حقيقة أم لا؟ يقال لهم اللا أدريّة لقول أحدهم في كل ما يسأل عن ثبوته أو عدم ثبوته : لا أدري. قالوا : لا نعلم هل للأشياء حقائق أم لا ؟ فهم يشكون. وإن سئل : هل لشكك ثبوت أم تشك فيه؟ يقول : لا أدري فيشكون ثم يشكون في أنهم يشكون وهكذا. وذكر علماء الإسلام أنه يقال لهؤلاء : هل تعتقدون صحة قولكم ؟ فإن قالو نعم قيل لهم خرجتم عن مذهبكم إذ لم تشكوا فيه وإن قالوا نشك, قيل فكيف تدعون الناس إلى ما تشكون في صحته.

 ونوع ءاخر يقولون حقائق الأشياء تابعة لاعتقادات المعتقدين. يقال لهم العنديّة لأنهم يعتقدون أن الأمور تابعة لاعتقادات المعتقدين حتى إن اعتقد شخص الشىء جوهرا فهو جوهر أو عرضا فعرض أو قديم فقديم أو حادثا فحادث أو حقا فحق أو باطلا فباطل. ويقال لهؤلاء إنا نعتقد أن قولكم باطل فإن وافقونا فقد أثبتوا بطلان قولهم ولا أجهل ممن دعا إلى مايقر ببطلانه وإن خالفونا قلنا خرجتم عن مذهبكم.

ومن سوى هؤلاء من الدهرية أقروا بالعالم وادّعوا قدمه وجحدوا الصانع مع معاينتهم حدوث العالم ومافيه من التغير والزوال والقديم لا يتغيّر.

أضف تعليق