الفوقية عند الإمام الطبري

الفوقية عند الإمام الطبري

قال الطبري في تفسيره لقوله تعالى: ” وإنا فوقهم قاهرون – سورة الأعراف – ما نصه: “وقد بينا ان كل عال بقهر وغلبة على شئ فإن العرب تقول: هو فوقه”. انتهى

وراجع:

معنى العلو والفوقية عند الطبري

https://www.facebook.com/share/1AEyR7KvNg/

معنى العلو والفوقية عند الطبري
1- كلامه عن العلو

لقد فسر الإمام الطبري معنى اسم الله تعالى “العلي” في آية الكرسي فقال: “والعلي : ذو العلو والارتفاع على خلقه بقدرته” . انتهـى
ولم يقل علوا بحد أو بجهة أو بجلوس أو باستقرار على العرش كما تزعم المجسمة.
فمراد الطبري بالارتفاع و العلو هنا هو ارتفاع قدرة الله و علو مكانته وهو مراده أيضا في قوله عند تفسيرقول الله عز و جل: ” له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم” : ” وهو العلي : يقول : وهو ذو علو وارتفاع على كل شيء ، والأشياء كلها دونه ، لأنهم في سلطانه ، جارية عليهم قدرته ، ماضية فيهم مشيئته “. انتهى

فقوله: ” لأنهم في سلطانه ، جارية عليهم قدرته” دليل على أن مراده هو ارتفاع المكانة و القدرة لا ارتفاع المكان

وقال في جامع البيان 10/370 عند تفسيره لقول الله تعالى: ” وإنا فوقهم قاهرون” – الأعراف, 127 – ما نصه: “وإنا عالون عليهم بالقهر يعني بقهر الملك و السلطان. و قد بينا أن كل عال بقهر و غلبة على شئ فإن العرب تقول فوقه”. انتهى

و قد أكد الطبري عقيدته التنزيهية بقوله أيضا في شرحه لآية “الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ” من سورة الرعد: “المتعال : المستغني على كل شئ بقدرته” انتهى

ويدل على ذلك ما قاله ابن عطية الأندلسي المتوفى سنة 541 هجري في تفسيره المحرر الوجيز صحيفة 70، طبعة دار ابن حزم ونص عبارته : ” قال قوم معناه: علا دون تكييف ولا تحديد، وهذا اختيار الطبري، و التقدير: علا أمره وقدرته وسلطانه” .انتهـى

وهذه التأويلات لم تعجب بعض زعماء المجسمة, فقد قال الشيخ الوهابي عبد الله الغنيمان في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري جزء1 صحيفة 360 ما نصه: “كلام الإمام الـمفسّر الطبري في مسألة العلو هو من جنس كلام أهل البدع” انتهى

و هذا المدعو “عبد الله بن محمد الغنيمان” كان رئيسا لقسم الدّراسات العليا بالجامعة المسماة بالإسلامية, بالـمدينة الـمنورّة، و هو نفسه من حرّض في كتابه هذا على استعمال السّلاح ضد الأشاعرة إذا اقتضى الأمر ذلك.

ثم إنه ينبغي الإشارة هنا أن من عادة الإمام الطبري في كتاب جامع البيان عند تعرضه لتفسير آية ذُكرت فيها عدة تفاسير أنه يبدأ بالقول الصحيح الذي يميل إليه ثم يسرد باقي المقالات و الروايات.
ففي مسألة العلو مثلا نبه الطبري في جامع البيان جزء 4 صحيفة 545 عند تفسير قوله تعالى “وهو العليُّ” البقرة الآية 255 ان هناك مقالات أخرى بخلاف التي يقول بها هو فقال ما نصه: “قال آخرون: معنى ذلك: وهو العليُّ على خَلْقِه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه”. انتهى

ومراده بآخرون هنا جهلة المجسمة, كما بيّن ذلك القاضي عبد الحق بن عطية في كتابه المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ،جزء1 صحيفة 336 حيث قال: “العلي يراد به علو القدر و المنزلة لا علو المكان لأن الله منزه عن التحيز وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا: هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه, وهذا قول جهلة مجسّمين، وكان الوجه أن لايحكى, وكذا التعظيم هي صفة بمعنى عظم القدر و الخطر لا على معنى عظم الأجرام”. انتهى

2-كلامه عن الفوقية

الإمام الطبري رحمه الله كان يرى الفوقية في حق الله تعالى فوقية قهر وغلبة لا فوقية مكان و تحييز. فقد قال في جامع البيان 9/288 عند تفسير لقوله عز وجل ” وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ” – الانعام 61 – ما نصه:” والله الغالب خلقه، العالي عليهم بقدرته, لا المقهور من أوثانهم وأصنامهم، المذلَّل المعْلُوّ عليه لذلته “. انتهى

وقال أيضا في تفسير قوله تعالى: ” وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير” ما نصه: ” “يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَ (هُوَ) نَفْسه يَقُول : وَاَللَّه الْقَاهِر فَوْق عِبَاده . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : الْقَاهِر: الْمُذَلِّل الْمُسْتَعْبِد خَلْقه الْعَالِي عَلَيْهِمْ . وَإِنَّمَا قَالَ “فَوْق عِبَاده” لِأَنَّهُ وَصَفَ نَفْسه تَعَالَى بِقَهْرِهِ إِيَّاهُمْ وَمِنْ صِفَة كُلّ قَاهِر شَيْئًا أَنْ يَكُون مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِ . فَمَعْنَى الْكَلَام إِذَنْ : وَاَللَّه الْغَالِب عِبَاده , الْمُذِلّ لَهُمْ , الْعَالِي عَلَيْهِمْ بِتَذْلِيلِهِ لَهُمْ وَخَلْقه إِيَّاهُمْ , فَهُوَ فَوْقهمْ بِقَهْرِهِ إِيَّاهُمْ , وَهُمْ دُونه . وَهُوَ الْحَكِيم يَقُول : وَاَللَّه الْحَكِيم فِي عُلُوّهُ عَلَى عِبَاده وَقَهْره إِيَّاهُمْ بِقُدْرَتِهِ وَفِي سَائِر تَدْبِيره , الْخَبِير بِمَصَالِح الْأَشْيَاء وَمَضَارّهَا , الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ عَوَاقِب الْأُمُور وَبِوَادِيهَا , وَلَا يَقَع فِي تَدْبِيره خَلَل , وَلَا يَدْخُل حُكْمه دَخَل” .انتهى

فجعل رحمه الله فوقية الله على عباده فوقية القهر، وعباده دونه أي تحته من هذه الحيثية. ومن هنا يُفهم أن قوله: ” .”أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ وهو الله” – إن صحت عنه – معناه عالي القدر جدا. وإلا فحمله على ظاهره يلزم منه تناقض كلام الطبري ولا يقول بذلك إلا جاهل معاند لأن مكانة الطبري العلمية كمفسر و فقيه و متكلم لا تخفى على أحد.

أما ما قاله في تفسير قول الله تعالى: “وهو معكم أينما كنتم”: “وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم، ويعلم أعمالكم، ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سمواته السبع”- سورة الحديد – . انتهى
فمعناه فوق عرشه و سمواته بالقهر و التدبير لأنه قال قبل ذلك بيسير عند شرحه لقوله تعالى: ” هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ” – سورة الحديد – ما نصه: “هو الذي أنشأ السموات السبع والأرضين، فدبرهنّ وما فيهنّ، ثم استوى على عرشه، فارتفع عليه وعلا” انتهى

ومعلوم أن مراده بقوله علا و ارتفع أي بالقدرة كما نبه لذلك عند تفسير اسم الله “العلي” في آية الكرسي فقال: “والعلي : ذو العلو والارتفاع على خلقه بقدرته” . انتهـى

و من أبى ما قلناه نعارَضه بكلام الطبري نفسه رحمه الله . فقد جاء في جامع البيان 27/ 215 ما نصه: “فلا شيء أقرب إلى شيء منه؛ كما قال تعالى ونحن أقرب إليه من حبل الوريد”. انتهى

ففي قول الطبري هذا, نفي للقُرب و البعد الـحسي الذي تقول به المجسمة، فالذي في رأس الجبل والذي في أسفل الوادي هما بالنسبة إلى الله تعالى على حدٍّ سواء لأن الله تعالى منـزه عن القرب الحسّي أي القرب بالـمسافة ، أما القرب الـمعنوي فلا ينفيه هذا الإمام ولا غيره من علـماء الـمسلـمين . فهذا دليل آخر أن الطبري كان يُنَـزِّهُ الله عن الجهة و المكان و التحيز في السماء.

أضف تعليق