النصوص التي يستدل بها المجسِّمة لإثبات الحرف والصوت لله تعالى
يستدلّ المجسِّمة ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لإثبات أن كلام الله تعالى بالحرف والصوت، ويزعمون أن السماع لا يتحقق إلا بوجود صوت مسموع. وهذه الدعوى تفتقر إلى دليل معتبر من نقلٍ صحيح أو استدلالٍ عقلي سليم.
فمن ذلك استدلالهم بقوله تعالى لموسى عليه السلام: “فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى”، وبقول الله تعالى : ” وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى ” وقوله تعالى : ” هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ” وقوله جل جلاله : ” فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” ، وقوله تعالى : ” وناديناه من جانب الطور الأيمن وقرَّبناه نجياً”.
وهذه الآيات لا تتضمن سوى إثبات صفة الكلام لله عز وجل، ولا يلزم منها إثبات الصوت والحرف. أما زعمهم أن السماع لا يكون إلا للصوت فدعوى مجردة من الدليل، نشأت عن تصور فاسد مؤدّاه أن الصوت الأزلي القائم بذات الله تعالى يحلّ في أسماع المخلوقين، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وهذا القول يفضي إلى لوازم باطلة، ويقارب في حقيقته مذهب الجهمية في حلول الصفات.
أما أهل السنة والجماعة فيرون أن السماع قد يكون بخلق إدراك خاص في سمع من شاء الله له أن يسمع كلامه، فيسمع كلام الله الأزلي القائم بذاته، من غير أن يكون صوتاً أو لغة، ومن غير حلول كلام الله في آذان خلقه.
وكذلك استدلّ المجسِّمة بقوله تعالى: “وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى”، وقوله سبحانه:”هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى”، وقوله جل جلاله: “فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ”.
وقوله تعالى:”وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا”.
ولا دلالة في هذه الآيات على إثبات الحرف والصوت لله تعالى؛ إذ إن النداء في لغة العرب يطلق على ما يكون بصوت، كما يطلق على ما يكون بغير صوت،
راجع الرابط التالي: https://www.facebook.com/share/p/1DMJoam5Qv/
وتنزيهاً لله تعالى عن مشابهة المخلوقين، فإن كلامه ليس ككلامهم، لقوله سبحانه: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء”.
وأما الأحاديث الواردة التي ذُكر فيها الصوت، فإنها متعلقة بكيفية إسماع الله تعالى مخلوقاته، أوامره ونواهيه ووعده ووعيده، ولا تتعلق بذات كلامه الأزلي الذي ليس حرفاً ولا صوتاً ولا لغة.
فالله تعالى قادر على أن يُسمع من شاء من خلقه بما شاء، وكيف شاء، ومتى شاء، سواء كان ذلك بالوحي، أو بواسطة مَلَك، أو بخلق صوت، أو بتكليم بعض عباده مباشرة.
ومن ذلك ما رواه عبد الله بن أنيس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُرَاةً حُفَاةً بُهْمًا، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ» رواه الإمام أحمد.
وبناءً على القاعدة التي قررها الإمام أحمد في عدم مصادمة نصوص الصوت مع غيرها من النصوص، كما في الرابط التالي: https://www.facebook.com/share/p/19iNiWhM5Z/
فإن هذا النداء محمول على أنه بواسطة مَلَك يبلغ عن الله تعالى بصوت مسموع، فيقول: “إن ربكم يقول لكم: أنا الملك، أنا الديان”، ولا يلزم من ذلك أن يكون الصوت صفة قائمة بذات الله عز وجل.
وكذلك ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«يَقُولُ اللَّهُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ».
ويُلاحظ أن الفعل «يُنَادَى» جاء مبنياً للمجهول، مما يدل على أن المنادي هو المَلَك المبلِّغ عن الله تعالى، لا أن الصوت قائم بذات الله سبحانه.
وبهذا يتبيّن أن الاستدلال بهذه النصوص على إثبات الحرف والصوت لله تعالى استدلال فاسد، قائم على توهّمٍ لغوي وتأويلٍ مخالف للأصول العقدية المستقرة عند أهل السنة والجماعة، القائمة على التنزيه ونفي التشبيه.
****
تعريف النداء
ليعلم أن النداء يكون صوتًا ويكون غير صوت.
فإذا قال قائل إن بعض اللغويين قال: النداء الصوت، قلنا ليس مراد من قال ذلك أن النداء لا يكون في لغة العرب في جميع الموارد إلا بالصوت، وإنما المراد أنه في غالب الاستعمال يكون بالصوت:
– قال اللغوي أبو هلال الحسن بن عبدالله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري، أحد أئمة البلاغة، وعلوم اللغة العربية في القرن الرابع الهجري، في كتابه الفروق في اللغة: ” تحت فصل الفرق بين النداء والدعاء: الاول قد يكون بعلامة من غير صوت ولا كلام ، ولكن بإشارة تنئ عن معنى : تعال ، ولا يكون النداء إلا برفع الصوت ، وامتداده قاله الطبرسي . قلت : ولذا لا يسند النداء إلى الله سبحانه بخلاف الدعاء”. انتهى
وهذا يدل أن النداء بمعنى رفع الصوت لا يسند إلى الله حقيقة.
وقال الدكتور محمد محمود عوض الله في اللمع البهية: “النداء طلب الإقبالِ”. وهذا التعريف لم يشترط رفع الصوت.
فمن الناحية اللغوية يصح القول بان النداء يكون صوتا
كما يصح القول أيضا أن النداء يكون بغير صوت:
كقولنا نادى الأمير شعبه إذا أمر غيره بالنداء فيهم
وهذا معروف مشهور في لغات العرب
قال القرطبي في التذكرة ما نصه: “فصل: قوله في الحديث “فيناديهم بصوت”: استدل به من قال بالحرف والصوت وأن الله يتكلم بذلك، تعالى عما يقول المجسمون والجاحدون علوًا كبيرًا، إنما يُحمل النداء المضاف إلى الله تعالى على نداء بعض الملائكة المقربين بإذن الله تعالى وأمره، ومثل ذلك سائغ في الكلام غير مستنكر أن يقول القائل: نادى الأمير، وبلغني نداء الأمير، كما قال تعالى “وَنَادَى فِرْعَونُ فِي قَوْمِهِ” -سورة الزخرف:51-
ومثله ما جاء في حديث النزول مفسرًا فيما أخرجه النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه وأبي سعيد قالا: قال رسول الله “إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديًا. يقول: هل من داع يستجاب له، هل من مستغفر يغفرله، هل من سائل يعطى” صححه أبو محمد عبد الحق.
فبعض الأحاديث التي اشتملت على ذكر الصوت أو النداء هذا التأويل فيها، وهو من باب حذف المضاف.
ويدل على ذلك أيضا، حديث المعراج الذي ذكر فيه تخفيف الخمسين صلاة إلى خمس قوله صلّى الله عليه وسلّم “فلما جاوزت ناداني منادٍ:ا أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي”، فما أراد رسول الله بقوله “ناداني” إلا المَلَك.
وهذا ابن قيم الجوزية أيضا ساق في “حادي الأرواح ” بطريق الدارقطني حديثا فيه: “يبعث الله يوم القيامة مناديًا بصوت….”. انتهى
و مما تقدم يعلم بطلان القاعدة التي ادعاها ابن تيمية أن النداء لا يكون إلا صوتا، وقوله أيضا: ” ولا يعقل في لغة العرب لفظ النداء بغير صوت مسموع ، لا حقيقة ولا مجازاً”. انتهى






أحاديث الصوت عند الإمام أحمد
أحاديث الصوت عند الإمام أحمد هي من أحاديث الصفات التي تمر كما جاءت دون تفسير، ولها معنى يخالف ظاهرها لأنه قال: ” نعم تكلم الله بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت. هؤلاء يريدون أن يموهوا على الناس ، لكل حديث وجهه”.
وجه الحديث أي تفسيره الصحيح الموافق للغة والشرع والسنة. قال يحيى بن سعيد للإمام أحمد : « لا تضرب الأحاديث بعضها ببعض ، يعطي كل حديث وجهه” كما في مسائل أحمد برواية صالح. وهذه قاعدة نفيسة يجهلها عوام الحشوية وأشياخهم
ثم قال الإمام أحمد: ” من قال أن الله لم يكلم موسى فهو كافر. – و هنا لم يقل بصوت- غير أننا نروي هذه الأحاديث كما جاءت. انتهى
روابط ذات علاقة:
تفنيد المرويات المنسوبة للإمام أحمد أن الله تكلم بحرف وصوت الجزء 1
https://www.facebook.com/share/VXmtMaEviEhwJnYL/
تفنيد المرويات المنسوبة للإمام أحمد أن الله تكلم بحرف وصوت الجزء 2
https://www.facebook.com/share/mtSy7KfcPk8hZJ21/

تفنيد الروايات المنسوبة للإمام أحمد أن الله يتكلم بحرف وصوت
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ محمد بن عبد العزيز رحمه الله في كتابه “إيضاح الكلام فيما جرى للعز بن عبدالسلام” في معرض كلامه عن عقيدة أبيه الإمام عز الدين بن عبد السلام تغمده الله برضوانه: “وأنه حي مريد سميع بصير عليم قدير متكلم بكلام أزلي، ليس بحرف ولا صوت ولا يتصور في كلامه أن ينقلب مداداً في الألواح والأوراق شكلاً ترمقه العيون والأحداق، كما زعم أهل الحشو والنفاق، بل الكتابة من أفعال العباد …..”
إلى أن قال:” وأحمد بن حنبل وفضلاء أصحابه وسائر علماء السلف براء مما نسبوه إليهم واختلقوه عليهم، وكيف يظن بأحمد وغيره من العلماء أن يعتقدوا أن وصف الله تعالى قديم، وهذه الألفاظ والأشكال حادثة بضرورة العقل وصريح النقل”. انتهى
وفي ما يلي تفنيد لبعض تلك الروايات المنسوبة للإمام أحمد
:
1- جاء في كتاب العقيدة المنسوب للإمام أحمد بن حنبل إملاء أبي الفضل التميمي أن الإمام أحمد بن حنبل قال: “وأنّ الله تكلم بالصوت والحرف” انتهى
والجواب على هذه الشبهة أن يقال أن هذه العقيدة ليست كلها من كلام الإمام أحمد بن حنبل فبعضها غير ثابت عنه وهو من كلام بعض الأئمة بحسب ما بلغهم عن إمامهم. فقد قال المجسم ابن تيمية في مجموع الفتاوى 4/ 167-168 : “وله – يعني أبا الفضل التميمي- في هذا الباب مصنّف، ذكرَ فيه من اعتقاد أحمد ما فهمه؛ ولم يذكر فيه ألفاظه، وإنما ذكر جُمَل الاعتقاد بلفظِ نفسه، وجعل يقول: ” وكان أبو عبد الله..”، وهو بمنزلة من يصنف كتابًا في الفقه على رأي بعض الأئمة، ويذكر مذهبه بحسب ما فهمه ورآه، وإن كان غيره بمذهب ذلك الإمام أعلم منه بألفاظه وأفهم لمقاصده؛ فإن الناس في نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة. ومن المعلوم: أن أحدهم يقول: حكم الله كذا أو حكم الشريعة كذا بحسب ما اعتقده عن صاحب الشريعة؛ بحسب ما بلغه وفهمه وإن كان غيره أعلم بأقوال صاحب الشريعة وأعماله وأفهم لمراده. فهذا أيضا من الأمور التي يكثر وجودها في بني آدم”. انتهى.
فمثل هذه المقالة في نسبة الحرف و الصوت لله تعالى لا يصح نسبتها للإمام أحمد خاصة و هي مخالفة لقوله تعالى: “ليس كمثله شئ” –الآية 11 سورة الشورى –
2- نقل المجسم ابن تيمية في درء التعارض جزء 2 صحيفة 38 – تحقيق المدعو محمد رشاد سالم- أن أبا بكر الخلال قال : “أخبرنا محمد بن علي بن بحر ، أنّ يعقوب بن بختان حدثهم أنّ أبا عبد الله سئل عمن زعم أنّ الله لم يتكلم بصوت ؟ فقال : بلى تكلم بصوت ، وهذه الأحاديث كما جاءت نرويها ” انتهى.
والرد على هذه الشبهة أن يقال أن السند بين ابن تيمية و الخلال منقطع, وقد ذكر هذا الأثر أيضا ابن أبي يعلى الحنبلي في طبقاته ونص عبارته: ” أَخْبَرَنَا ابن المبارك ، عَنْ إِبْرَاهِيم البرمكي ، عَنْ عبد العزيز ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الخلال ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن بخنان ، قَالَ : سئل أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عمن زعم أن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لم يتكلم بصوت ؟ قَالَ : بلى يتكلم سبحانه بصوت”. انتهى
وهذا السند جاء من طريق أبي اسحاق إبراهيم البرمكي المولود سنة 361 هجري عن أبي بكر عبد العزيز المعروف بغلام خلال المتوفى سنة 363 هجري. وأبو اسحاق البرمكي كانت له إجازة من غلام الخلال وهو دون السنتين، وهذه الإجازة لا يُعتد بها عند جمع كبير من أهل العلم. وعلى قول من يعتد بها فإن البرمكي ليس له نسخة يوثق بها من كتاب السنة. و لا يصح القول بأن غلام الخلال قد دفع بكتابه للبرمكي وهو صغير وأذن له بروايته عنه عندما يكبر، لأن الذهبي و الخطيب نصوا على الإجازة فقط دون المناولة.
و الظاهر أن نبعض المبتدعة من المجسمة قام بدفع نسخة سقيمة له و أوهموه بصحتها فرواها بعد ذلك بسلامة باطن
3- قال ابن تيمية في كتابه درء تعارض العقل والنقل جزء 2 صحيفة 39 ما نصه : “قال الخلاّل : وأنبأنا أبو بكر المروذي ، سمعت أبا عبد الله وقيل له : إنّ عبد الوهاب قد تكلم وقال : من زعم أنّ الله كلّم موسى بلا صـوت فهـو جهمي عـدو الله وعـدو الإسـلام . فتبسم أبو عبد الله وقال : ما أحسن ما قال ، عافاه الله” انتهى
والرد على هذه الشبهة أن يقال أن هذا الأثر غير ثابت عن الإمام أحمد لأن ابن تيمية لم يذكر سنده للخلال فيحكم عليه بالانقطاع. فإن قيل أن ابن تيمية اطلع على نسخة خطية من الكتاب المتداول في زمانه فالجواب عليه أن مجرد النقل من الكتب لا يُعد سندا معتبرا لأن احتمال الدس و التحريف وارد خاصة وأن ناسخ كتاب السنة للخلال هو “عبد الهادي بن عبد الملك بن القاسم” وهو مجهول كما ذكر ذلك محقق الكتاب عطية الزهراني في حاشية الصحيفة 59 حيث قال : ” لم أجد ترجمته”.
ثم إن سند كتاب السنة لأبي بكر الخلال فيه طفل يروي عن غلام الخلال. فالمخطوط كُتب عليه أنه من طريق أبي اسحاق البرمكي المولود سنة 361 هجري إجازة عن أبي بكر عبد العزيز المعروف بغلام خلال المتوفى سنة 363 هجري عن أبي بكر الخلال. فأبو اسحاق البرمكي له إجازة من غلام الخلال وهو دون السنتين، وهذه الإجازة لا يُعتد بها عند جمع كبير من أهل العلم. وعلى قول من يعتد بها فإن البرمكي ليس له نسخة يوثق بها من كتاب السنة. و لا يصح القول بأن غلام الخلال قد دفع بكتابه للبرمكي وهو صغير وأذن له بروايته عنه عندما يكبر، لأن الذهبي و الخطيب نصوا على الإجازة فقط دون المناولة. فالظاهر أن بعض المجسمة قام بدفع نسخة سقيمة له و أوهموه بصحتها فرواها بعد ذلك بسلامة باطن
4- جاء في كتاب السنة أن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : “” قلت لأبي : إنّ ههنا من يقول إنّ الله لا يتكلم بصوت ؟ فقال : يا بني ، هؤلاء جهمية كفار ، إنما يدورون على التعطيل” . انتهى
وذكره أيضا المجسم ابن تيمية في مجموع الفتاوى جزء 12 صحيفة 368.
وجاء فيه أيضا قوله أيضا: “وقال أبي رحمه الله : حديث ابن مسعود رضي الله عنه ” إذا تكلم الله عز وجل سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان ” قال أبي : وهذا الجهمية تنكره” انتهى
وجاء في الجزء 1 صحيفة 280 رقم 533 – طبعة رمادي للنشر / الدمام ط.4 سنة 1416هـ, 1996 رومي – أن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : “سألت أبي رحمه الله عن قوم يقولون : لما كلّم الله عز وجل موسى لم يتكلم بصوت ؟ فقال : بلى إنّ ربك عز وجل تكلم بصوت ، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت “. انتهى
والرد على هذه الشبه أن يقال أن كتاب السنة لعبد الله بن حنبل وإن كان من تأليفه فإن المجسمة حرفوه و دسوا فيه خاصة و أن في سند هذا الكتاب إلى المؤلف راويان مجهولان لا توجد لهما ترجمة ، الأول أبو النصر محمد بن الحسن بن سليمان السمسار ، والثاني أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن خالد الهروي.
فإن قيل أن ابن رجب الحنبلي ذكر في كتابه “ذيل طبقات الحنابلة” هذه الرواية الأخيرة بسند آخر إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل فقال: “أَخْبَرَنَا الإمام عمي، أَخْبَرَنَا أبي، أَخْبَرَنَا أَبُو الحسن أحمد بن محمد بن عمر، حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد بن حنبل، قَالَ: سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى عليه السلام لم يتكلم الله بصوت، فقال أبي رحمه الله: بل تكلم عزوجل بصوت. هذه الأحاديث نمرها كما جاءت قال أبي رحمه الله: حديث ابن مسعود إذا تكلم الله عزوجل سمع له صوت كمر السلسلة على الصفوان. قَالَ أبي: وهذه الجهمية تنكره” انتهى
فجواب ذلك أن يقال أن هذا الأثر أورده ابن رجب أثناء ترجمته لأبي زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده العبدي الأصبهاني الذي سمع من أبيه أبي عمرو عبد الوهاب، وعمه: أبي القاسم عبد الرحمن. ثم قال ابن رجب: “وصنف – أي يحي بن عبد الوهاب – مناقب الإمام أحمد رضي الله عنه في مجلدٍ كبير، وفيه فوائد حسنة.وقال في أوله: ومن أعظم جهالاتهم- يعني المبتدعة- وغلوهم في مقالاتهم: وقوعهم في الإمام المرضي، إمام الأئمة، وكهف الأمة، ناصر الإسلام والسنة، ومن لم تر عين مثله علمًا وزهدًا، وديانة وأمانة”. انتهى
إلى أن ذكر ذلك الأثر عن عبد الله بن أحمد بن حنبل الذي أورد أبو زكريا في كتابه مناقب الإمام أحمد.
وهذه الرواية بمثل هذا السند لا تثبت أيضا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل من وجوه:
– انقطاع السند بين ابن رجب الحنبلي المتوفى سنة 795 هجري وبين أبي زكريا يحيى بن عبد الوهاب الأصبهاني المتوفى سنة 511 هحري.
– ينبغي إثبات أن أَبا الحسن أحمد بن محمد بن عمر قد روى عن عبد الله بن أحمد بن حنبل المتوفى سنة 290 هجري وعاش إلى زمن أبي عمرو عبد الوهاب الذي ولد سنة 388 هجري.
-عم زكريا يحيى بن عبد الوهاب الذي يروي عنه و يطلق عليه لقب الإمام هو أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق المتوفى سنة 470 هجري. والدليل على ذلك ما قال الذهبي في السير عند ترجمة أبي زكريا يحي بن عبد الوهاب: “وأكثر عن أبيه ، وعمه أبي القاسم” انتهى
و يدل على ذلك أيضا ما نقله عنه ابن رجب في نفس الكتاب بعد ذكره الأثر الآنف الذكر حيث قال: ” أَخْبَرَنَا أَبُو القاسم عمي” انتهى وجاء في كتاب “الرد على من يقول الم حرف” لأبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق ما نصه :” كتب إلي الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن أبي عبد الله بن منده من أصبهان يخبرني أن عمه الإمام أبو القاسم عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق بن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ أخبرهم قراءة عليه….” انتهى
وأبو القاسم عبد الرحمن اتهمه علماء عصره بالبدعة و هو في الرواية كحاطب ليل. فقد قال ابن تيمية في مجموع فتاويه: ” كذلك ما يجمعه عبد الرحمن بن مَنْدَه مع أنه من أكثر الناس حديثـًا، لكن يروى شيئًا كثيرًا من الأحاديث الضعيفة، ولا يميز بين الصحيح والضعيف. وربما جمع بابًا وكل أحاديثه ضعيفة، كأحاديث أكل الطين وغيرها. وهو يروى عن أبي علي الأهوازي. وقد وقع ما رواه من الغرائب الموضوعة إلى حسن بن عدي فبنى على ذلك عقائد باطلة، وادعى أن الله يرى في الدنيا عيانًا. ثم الذين يقولون بهذا من أتباعه يكفرون من خالفهم. وهذا كما تقدم من فعل أهل البدع، كما فعلت الخوارج”. انتهى
وقال الذهبي في السير: ” قال السمعاني : سألت إسماعيل بن محمد الحافظ ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، فسكت ، وتوقف ، فراجعته ، فقال : سمع الكثير ، وخالف أباه في مسائل ، وأعرض عنه مشايخ الوقت ، ما تركني أبي أن أسمع منه . كان أخوه خيرا منه” انتهى وقال الذهبي أيضا: “قال المؤيد ابن الإخوة : سمعت عبد اللطيف بن أبي سعد البغدادي ، “سمعت أبي ، سمعت صاعد بن سيار ، سمعت الإمام أبا إسماعيل الأنصاري يقول في عبد الرحمن بن منده : كانت مضرته أكثر من منفعته في الإسلام. قلت – أي الذهبي – : أطلق عبارات بدعه بعضهم بها ، الله يسامحه . وكان زعرا على من خالفه ، فيه خارجية ، وله محاسن ، وهو في تواليفه حاطب ليل ; يروي الغث والسمين ، وينظم رديء الخرز مع الدر الثمين”. انتهى
وبذلك نرد على بعض المرويات المنسوبة للإمام أحمد أنه قال عن الله يتكلم بحرف و صوت.
تفنيد المرويات المنسوبة للإمام أحمد أن الله تكلم بحرف وصوت الجزء 2
قال أبو بكر النجاد في كتابه الرد من يقول بخلق القرآن:” ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ سَأَلْتُ أَبِي عَنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُوسَى لَمْ يَتَكَلَّمْ بِصَوْتٍ قَالَ أَبِي تَكَلَّمَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِصَوْتٍ وَهَذِهِ أَحَادِيثُ نَرْوِيهَا كَمَا جَاءَت. وَقَالَ أَبِي حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يسمع لَهُ صَوت كمر سلسلة عَلَى الصَّفْوَانِ قَالَ أَبِي فَهَذَا الْجَهْمِيَّةُ تُنْكِرُهُ وَقَالَ أَبِي وَهَؤُلاءِ كُفَّارٌ يُرِيدُونَ أَنْ يُمَوِّهُوا عَلَى النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ فَهُوَ كَافِرٌ إِلا أَنَّا نَرْوِي هَذِهِ الأَحَادِيثَ كَمَا جَاءَت”. انتهى
وهذا الأثر بمثل هذا السند لا يثبت عن عبد الله بن أحمد بن حنبل و لا عن أبيه لأن هذا الكتاب موضوع على أبي بكر النجاد لعدة أسباب ظاهرة:
– هذا الكتاب لم ينسبه أحد من العلماء المتقدمين لأبي بكر النجاد. فقد قال رضا الله محمد ادريس محقق كتاب “الرد على خلق القرآن” في الصحيفة 21 – طبعة مكتبة الصحابة الاسلامية, الكويت – في معرض كلامه عن مؤلفات النجاد: “الرد على من يقول القرآن مخلوق” لم أجد أحدا من المتقدمين ذكره”. انتهى
وقال في الصحيفة 23 في معرض كلامه عن كتاب الرد على خلق القرآن”ما نصه: “أما نسبته إلى المؤلف – فكما ذكرت سابقا – لم أجد أحدا من السابقين ذكر هذا الكتاب ضمن آثار المؤلف” انتهى
– جاء في أول السند المكتوب في النسخ المطبوعة : ” أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ الثقة ناصر السنة أبو الفضل محمد بن ناصر السلامي ببغداد…” انتهى.
وهذه في حد ذاتها خيانة علمية, فبالرجوع لمخطوط “الرد على خلق القرآن” المصور في النسخ الرائجة نجد أنه تم شطب أول السند لأن أول المخطوط هو قوله: “بسم الله الرحمن الرحيم, أخبرنا -كلمة غير واضحة – قال الشيخ – كلام مشطوب بمقدار سطر – قال: أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ الثقة ناصر السنة أبو الفضل محمد بن ناصر السلامي ببغداد…” انتهى
– كُتب على الورقة الأولى من المخطوط ” نقله علي بن شاكر بن أحمد بن شاكر” و كذلك مكتوب عليها: “بخط يوسف بن عبد الهادي” و ليس ذلك صحيح لأن الخط الذي كتب به المخطوط ليس خطه كما قال المحقق رضا الله محمد ادريس في الصحيفة 24 في معرض كلامه عن نسخة الكتاب ونص عبارته: ” ومكتوب على الورقة الأولى منه ” نقله علي بن شاكر بن أحمد بن شاكر” و كذلك مكتوب عليها: “بخط يوسف بن عبد الهادي” ولكن خط الكتاب ليس بخط يوسف بن عبد الهادي فإن خطه معروف لا يشبه خط هذا الكتاب”. انتهى
فإن كان الكتاب لم ينسبه أحد من المتقدمين للنجاد وإن كان بعض رواة السند تم شطب أسمائهم من على المخطوط وخط نسخ المخطوط لا يشبه خط الناسخ المذكور في أول الورقة فكيف يصح الجزم باثبات الكتاب لمؤلفه؟
وحتى على فرضية صحة نسبة الكتاب للنجاد فإن امكانية الدس و التحريف في المخطوط كبيرة خاصة و أنه لا توجد منه إلا نسخة يتيمة كما قال رضا الله محمد ادريس في الصحيفة 24: “وهذا الكتاب الذي بين أيدينا لم نعثر له إلا على نسخة وحيدة منه في المكتبة الظاهرية”. انتهى
و لإحتوائه أيضا على اسرائليات كثيرة كما نص على ذلك المحقق عبد السلام عمر علي الجزائري في الصحيفة 75 – طبعة دار الضياء – حيث قال ما نصه: “لقد أورد المصنف في هذا الجزء كثيرا من الأخبار التي يمكن الجزم بأنها من أخبار بني اسرائيل”. انتهى
فإن تمسك خصومنا باثبات هذا الكتاب لأبي بكر النجاد عنادا فجواب ذلك أن يقال: حتى مع هذا الاحتمال فإن القرائن قائمة أيضا على عدم صحة ما يُنسب للإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل و أبيه فقد قال تلميذه الدارقطني في معرض جوابه عن سؤالات تقدم بها إليه حمزة بن يوسف السهمي: ” حدث النجاد من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله” انتهى
والدارقطني أراد بيان أنه لا يصح عن النجاد كل ما يحدث به و أنه كان متساهلا في رواية الحديث ويدل على ذلك قوله لما سئل عن أبي بكر أحمد بن كامل بن خلف القاضي: ” كان متساهلا ربما حدث من حفظه ما ليس عنده في كتابه” انتهى
وليس الأمر كما توهمه المعلمي حيث قال في تنكيله عندما تعقب كلام الإمام الكوثري: ” إنما قال الدارقطني “بما لم يكن في أصوله” ولم يقل “بما يكن من حديثه” أو نحو ذلك فدل هذا على احتمال أن يكون ما حدث به من ذلك الكتاب كان من حديثه ، أو نحو ذلك فدل هذا على احتمال أن يكون ما حدث به من ذلك الكتاب كان من حديثه أو روايته وإن لم يكن في أصوله ، وذلك كأن يكون سمع شيئاً فحفظه ولم يثبته في أصله ثم رآه في كتاب غيره كما حفظه فحدث به ، أو يكون حضر سماع ثقة غيره في كتاب ولم يثبت اسمه فيه . ثم رأى ذلك الكتاب وهو واثق بحفظه فحدث منه بما كان سمعه ، أو تكون له إجازة بجزء معروف ولا أصل له به ثم رأى نسخة موثوقاً بها منه فحدث منها”. انتهى
فالمعلمي قدم احتمالات مفادها أن النجاد كان ضابطا لحديثه و لا يضره إن كان يروي من غير أصوله. وهذا خلاف ما أراد الدارقطني بيانه و خلاف ما فهمه الخطيب من كلامه وإلا فما وجه دفاع الخطيب عن النجاد و ما وجه ذكره أنه قد عمي في آخر حياته و أنه يجوز أن يكون بعضهم قد أدخل عليه شيئا في كتبه؟
قال الحافظ ابن حجر في “اللسان” جزء 5 صحيفة 303 ما نصه: “وقد تقدم في ترجمة النجاد أنه عمي بآخره وأن الخطيب جوز أن يكون أدخل عليه شيء”. انتهى
فالخطيب البغدادي – على خلاف المعلمي – فهم أن كلام الدارقطني فيه تجريح للنجاد لأنه كان يروي ما ليس من حديثه لذلك جوز أن يكون قد أدخل بعضهم أشياء في كتبه فرواها و حدث بها, و لو كان النجاد ضابطا أو غير متساهل لتوقف عن ذلك.
و عليه فإن الذي وقع الدس في أصوله وحدث به و لم يتنبه فلا يُقبل منه كل ما يرويه ولو كان صدوقا لأن أخباره قد تحتوي على مناكير كثيرة. قال ابن الجوزي في الموضوعات: ” وكان عبد الله بن صالح كاتب الليث صدوقا ، لكن وقعت المناكير في حديثه من قبل جار له ، سمعت ابن خزيمة يقول : كان له جار بينه وبينه عداوة ، وكان يضع الحديث على شيخ عبد الله بن صالح ، ويكتبه في قرطاس بخط يشبه خط عبد الله ويطرحه في داره في وسط كتبه ، فيجده عبد الله فيتوهم أنه خطه فيتحدث به ، وهذا نوع من التغفل “. انتهى
فلا يُحتج بعد ذلك بكل ما ينقله النجاد في ذلك الكتاب عن الإمام أحمد و لا عن ابنه مما يخالف أصول عقيدة المسلمين لا سيما و أنه يحتوي على الكثير من الاسرائيليات و الأخبار المنكرة كما قال المحقق رضا الله محمد ادريس في الصحيفة 25: ” ومن الأشياء التي تؤخذ على المؤلف أنه أتى بالاسرائيليات التي نحن في غنى عنها في الاستدلال على ما نعتقده في أسماء الله تعالى و صفاته و مسألة القرآن و غيرها من الأمور”. انتهى
