مقالة المشبهة أن الله عَزَّ وَجَلَّ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ
قال أبو العرب التميمي في كتاب المحن: حَدَّثَنِي بَكْرٌ قَالَ: قَالَ مُوسَى بْنُ الْحَسَنِ وَسَمِعْتُ أَبَا مُسْهِرٍ الْغَسَّانِيَّ وَقَدْ أُتِيَ بِهِ إِلَى بَغْدَادَ فَوَجَّهَ بِهِ الْمَأْمُونُ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَحَضَرَهُ بِشْرٌ الْمريسِيُّ وَثُمَامَةُ بن الأشرس وَعلي الدَّارِيُّ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ، أَشْهَدَهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ أَن يقر بِكِتَاب المحنة الَّذِي كَتَبَهُ الْمَأْمُونُ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ وَإِنْفَاءِ الروية وَأَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ لَمْ يُخْلَقَا وَإِنْفَاءِ عَذَابِ الْقَبْرِ وَالْمَوَازِين أَنَّهَا لَيْسَتْ بِكفَّتَيْنِ وَإِنْفَاءِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ فَلَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ قَالَ أَنَا مُنْكِرٌ لِجَمِيعِ مَا فِي كِتَابِكُمْ هَذَا أَبَعْدَ مُجَالَسَةِ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ومشائخ أَهْلِ الْعِلْمِ أُدْعَى لأَكْفُرَ بِاللَّهِ بَعْدَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِذًا لَا أَقُولُ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ وَلا أُنْكِرُ عَذَابَ الْقَبْرِ وَلا الْمَوَازِينَ أَنَّهَا كفَّتَانِ وَلا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُرَى فِي الْقِيَامَةِ وَلا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَرْشِهِ وَعِلْمُهُ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ”. انتهى
وقد احتجت المجسمة بهذا الأثر للقول أن عقيدة السلف ومنهم أبا مسهر الغساني المتوفى سنة 218 هجري، هو أن الله في مكان دون مكان.
وهذا فهم سقيم للنص، فالقول بأن الله في مكان دون مكان هو قول هشام بن الحكم كما ذكر ذلك ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية نقلا عن الأشعري، ونصه: “وقال هشام بن الحكم: إن ربه تعالى في مكان دون مكان، وأن مكانه هو العرش، وأنه مماس للعرش، وأن العرش قد حواه وحده”. انتهى
ومن يقف على دقائق كلام الجهمية والمجسمة، سيقف أنهم يشتركون في الأصول ويختلفون في النتائج. فإن إعراض أبا مسهر الغساني عن إنكار مقولة: إن الله في مكان دون مكان، ليس معناه أنه يعتقد أن الله في جهة مخصوصة أو هو في مكان دون مكان، بل هو أعرض عن العبارة أصلا لأنها لفظة مبتدعة موهمة لنسبة المكان لله، فالمجسمة يحتجون بها للقول بأن الله في مكان دون آخر والجهمية يقولون إنه في كل مكان، ولا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان دون مكان.
فالجهمية يعتقدون أن الله فوق العرش وتحت الأرض وفي السماوات وغيرها، كما نقل عنهم ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل، وبالتالي فإنكار أن الله في مكان دون آخر معناه أن الله في كل مكان.
ثم إن كون البارئ في مكان دون آخر معناه أنه احتاج لمن خصصه بذلك المكان دون غيره، وإلا فكل الأمكنة سواء، فتخصصه بمكان دون غيره دليل الافتقار والاحتياج.
لذلك التزم أبو مسهر بعبارات السلف،فقال: ” اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عَرْشِهِ وَعِلْمُهُ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ”. ولم يخض في تفسير العلو بأنه العلو الحسي كما زعمت المجسمة.





فكرة واحدة على ”مقالة المشبهة أن الله عَزَّ وَجَلَّ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ“