في براءة الأشعريِّ مِن القول بمثُوبة البُغاة
الفكرة الرَّابعةَ عشْرةَ:
دفع شُبهة في قوله: <ولم يُطلِق عليه اسم الفسق والكُفر>
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
فإنْ قيل إنَّ الأشعريَّ قال: <ولم يُطلِق عليه اسم الفسق والكُفر> انتهى.
فالجواب أنَّ هذه العبارة لا تعني أنَّ مُعاوية لم يقع في معصية كبيرة بخروجه على وليِّ الأمر الإمام العادل وقتاله له وقتله عمَّارًا رضي الله عنه ولكنَّها تعني أنَّه لم يفسق فسقًا يخرُج به مِن العدالة في الرِّواية لكونه صحابيًّا.
وذلك لأنَّ المُحدِّثين قالوا بعدالة الصَّحابة في الرِّواية وليس في أحوالهم؛ فالصَّحابة عندنا نحن أهل السُّنَّة والجماعة ليسوا معصومِين في أحوالهم ولكنَّهم في الرِّواية لا يكذبون فيما ينقُلونه مِن حديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ومَن خلط بَين العدالتَين فهُو جاهل على التَّحقيق.
وقال الزَّركشيُّ في [شرح جمع الجوامع]: <هذا مع القطع بتخطئة مُقاتلي عليٍّ وكُلِّ مَن خرج على مَن اتُّفِقَ على إمامته، لكنَّ التَّخطئة لا تبلغ إلى حدِّ التَّفسيق عند القاضي أبي بكر؛ وقالتِ الشِّيعة بالتَّفسيق؛ ونسبه الآمِدِيُّ لأكثر أصحابنا> انتهى وقوله: <أصحابنا> أي الأشاعرة.
فما نقله الآمِدِيُّ عن أكثر الأشاعرة يدُلُّ أنَّ الأشعريَّ يرى خُروج مُعاوية على الخليفة كبيرةً؛ ويُكذِّب ما توهَّمه مُتمشعرة هذا الزَّمان، وعلى فرض أنَّ الأشعريَّ أراد أنَّ مُعاوية لم يقع في كبيرة؛ فهل يعني أنَّه لم يعصِ مُطلقًا!؟ ولو أراد أنَّه لم يقع في كبيرة فهل يعني أنَّه كان يراه مأجورًا!؟
وفي [المُجرَّد]: <النَّاس قبل حدوث واصل بن عطاء كانوا على مقالتَين في مُرتكب الكبيرة> انتهى. فيحتمل أنَّ الأشعريَّ ترك إطلاق اسم الفسق كي لا يُحمل على التَّكفير؛ لأنَّ الفسق منه ما يكون كُفرًا ولذلك قال العُلماء في الكافر فاسق؛ وهو وجه لُغويٌّ معروف وبه نطق كتاب الله.
والخُلاصة أنَّ الأشعريَّ ترك إطلاق لفظ الكُفر على البُغاة لأنَّ البغي ليس كُفرًا، وترك إطلاق لفظ الفسق عليهم كي لا يُحمل على التَّكفير؛ أو على معنى أنَّهم لم يفسُقوا فسقًا يُخرجهم عن العدالة في الرِّواية لكونهم مِن الصَّحابة فلا يكذبون عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
انتهى.
فائدة في بيان معنى أنَّ الصَّحابة كُلَّهم عدول
قال اللَّكنوي المُتوفَّى 1304ه في [ظَفَر الأماني بشرح مُختصر السَّيِّد الشَّريف الجرجانيِّ في مُصطلح الحديث] [بتحقيق عبدالفتَّاح أبو غدة ص/541] [بتحقيق تقي الدين الندوي ص/506]: <وقد تُطلَق العدالة على التَّجنُّب عن تعمُّد الكذب في الرِّواية وانحراف فيها بارتكاب ما يُوجب عدم قبولها. وهذا المعنى هُو مُراد المُحدِّثين مِن قولهم: الصَّحابة كُلُّهم عُدول. فقد قال السَّخاويُّ في فتح المُغيث: قال ابن الأنباريِّ: ليس المُراد بِعَدالَتِهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية منهم وإنَّما المُراد قبول روايتهم مِن غير تكلُّفِ البحث عن أسباب العدالة وطلب التَّزكية إلَّا أنْ يثبت ارتكاب قادح ولم يثبت ذلك انتهى> انتهى كلام اللَّكنوي.
ثُمَّ نقل اللَّكنوي عن الدِّهْلوي قال: <إنَّ ما تقرَّر في عقائد أهل السُّنَّة أنَّ الصَّحابة كُلَّهم عدول قد تكرَّر ذكره غير مرَّة ووقع البحث والتَّفتيش عن معناه حضرةَ الوالد المرحوم: فتنقَّح بعد البحث أنَّ المُراد بالعدالة في هذه الجُملة ليس معناها المُتعارف بل المُراد العدالة في روايةِ الحديث لا غير وحقيقتُها التَّجنُّب عن تعمُّد الكذب في الرِّواية وانحراف فيها. ولقد تتبَّعنا سيرة الصَّحابة كُلِّهم حتَّى مَن دخل منهم في الفتنة والمُشاجرات فوجدناهم يعتقدون الكذبَ على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أشدَّ الذُّنوب ويحترزون عنه غاية الاحتراز كما لا يخفى على أهل السِّيَر. والدَّليل: على ذلك أنَّ هذه العقيدة لا يُوجد أثَر منها في كُتُب العقائد القديمة ولا كُتُب الكلام وإنَّما ذَكَرَها المُحدِّثون في أُصول الحديث في بيان تعديل طبقات الرُّواة وإنَّما نقلوا هذه العقيدة مِن تلك الكُتُب في كُتُب العقائد. وإنَّما فعل ذلك مَن خَلَطَ منهم في الحديث والكلام مِن غير تعمُّق ولا شُبهة في أنَّ العدالة الَّتي يتعلَّق غَرَضُ الأُصوليِّ بها هي العدالة في الرِّواية بمعنى التَّجنُّب عن تعمُّد الكذب وانحراف في النَّقل لا غير وعلى هذا فلا إشكال في هذه الكليَّة أصلًا انتهى كلامُه مُعرَّبًا> انتهى ما نقله اللَّكنوي عن الدِّهْلوي.
وقال اللَّكنوي: <ولعلَّك تفطَّنت مِن ها هُنا دفعَ الشُّبهات الواردة على هذه القاعدة بإيراد الأحاديث الدالَّة على صدور الكبائر مِن أَجِلَّة الصَّحابة فضلًا عن غيرهم؛ وبطلانَ ظنِّ البعض أنَّ الصَّحابة كُلَّهم معصومون مع أنَّه صرَّح التَّفتازاتي في شرح المقاصد وغيره ممَّن صنَّف في الكلام بأنَّه ليس كُلُّ صحابيٍّ معصومًا؛ وسخافةَ قول بعض أبناء الزَّمان ممَّن لم يطَّلع على ما ألقينا عليك مِن اللَّطائف النفسيَّة عظيمة الشَّأن: إنَّ الصَّحابة منهم عُدول ومنهم غير عُدول. فاحفظ هذا كُلَّه لعلَّك لا تجده مِن غيري مِن السَّابقين الماهرين فضلًا عن أفاضل عصري لقُصور نظرهم وفُتور فهمهم> انتهى كلام اللَّكنوي.
فيظهر بما تقدَّم بُطلان ما قال به الخصم في دفاعه عن البُغاة مِن مُنطلَق أنَّ الصَّحابة كُلَّهم عدول؛ إذ المقصود مِن القاعدة أنَّ الصَّحابة ثقات فيما ينقلون عن رسول الله عليه الصَّلاة والسَّلام لا أنَّ كُلَّ صحابيٍّ يكون تقيًّا. وفي [صريح البيان] لإمامنا الهرريِّ مزيد تفصيل فليُراجعه مَن شاء.
انتهى.
Jan 21, 2020, 2:12 AM
