ذخيرة الدُّعاة
في براءة الأشعريِّ مِن القول بمثُوبة البُغاة
الفكرة السَّابعةَ عشْرةَ:
براءة الأشعريِّ مِن بعض ما في [الإبانة] و[رسالة إلى أهل الثَّغر]
أهل الفتنة يُوافقون ابن تيمية في الثَّناء على الكُتُب المُحرَّفة
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فقد تغافل أهل الفتنة عما في [المُجرَّد] في بيان مذهب الأشعريِّ في البُغاة وكونهم آثِمِين خارِجِين على الإمام العادل؛ واستدلَّوا بكتابَين منسوبَين للأشعريِّ اتَّفق الأشاعرة على وُقوع الدَّسِّ فيهما [الإبانة] و[رسالة إلى أهل الثَّغر]؛ ودعا أهل الفتنة إلى الاستفادة مِن هذَين الكتابين وهذا منهم خيانة عظيمة للأُمَّة لِمَا يتضمَّنه الكتابانِ مِن مُخالفات للعقيدة الإسلاميَّة.
فانظر كيف رفض الصَّفديُّ أنْ يُثبت على الجُوينيِّ قولًا يُخالف النَّصَّ الدِّينيَّ لمُجرَّد العثور عليه في مُصنَّفه. ثُمَّ إنَّ عِلم الأشعريِّ وصلنا بالنَّقل مِن الصُّدور لا السُّطور والكثير مِن كُتُبه فُقِدَ أو وقع فيه الدَّسُّ، فكان على مَن يدَّعي العِلمَ زورًا أنْ لا يخُون المُسلمين بالاستدلال على إثبات ما يُخالف النَّصَّ الدِّينيَّ بكتاب مُتَّفق على وقوع الدَّسِّ فيه.
ويقول الكوثريُّ في هامش [تبيين كذب المُفتري]: <والنُّسخة المطبوعة في الهند مِن [الإبانة] نسخة مُصحَّفة مُحرَّفة تلاعبت بها الأَيدي الأثيمة> انتهى. فلماذا اعتمد أهل الفتنة على ما <تلاحقت أقلام الحشويَّة بالتَّصرف فيها>؟ قلتُ: إنَّ سَنَدَهم إلى الأشعريِّ كتابٌ فيه كُفر صريح لا يعرفون ناسخه ثُمَّ عن أيدٍ أثيمة مجهولة؛ فيا لفضيحة أهل الفتنة.
وقال العلَّامة الهرريُّ: <كتاب [الإبانة] مِن تأليف أبي الحَسَن لكن أكثر نُسَخِهِ سقيمة غير صحيحة لأنَّها لم تكن مُقابَلَة بيدِ ثقةٍ على نُسخة قابَلَها ثقة وهكذا إلى أصل المُؤلِّف الَّذي كتبه بخطِّه أو كتبه ثقة بإملاء المُؤلِّف فقابله على المُؤلِّف> انتهى. قلتُ: أكثر النَّاس فرحًا بما دُسَّ في كُتُب الأشعريِّ هم المُجسِّمة ثُمَّ أهل الفتنة النَّواصب.
وذلك أنَّه قد ذُكِر في إحدى نُسَخ [الإبانة] عبارة يزعمون فيها أنَّ المُسلمين يقولون في دعائهم <اللَّهُمَّ يا ساكن السَّماء> والعياذ بالله؛ وهذا كُفْرٌ مُناقض لعقيدةِ الإمام الأشعريِّ وعقيدةِ الرَّسولِ والصَّحابة. والعقيدةُ الحقَّة هي تنزيه الله عن الحدِّ والمكان. فيجب الحذر مِن تلك العبارات ومِن كُلِّ الدَّسائس الَّتي أُدْخِلَتْ إلى كُتُب العُلماء وهي معروفة لذوي العِلْم والفَهم.
ويكفي في رَدِّ استدلال الخصم بـ[الإبانة] أنَّه مُناقض لقول الأشعريِّ في [المُجرَّد] فيمَن خرج على الخليفة: <إنَّهم كُلَّهم كانوا على الخطإ فيما فعلوا ولم يكن لهم أنْ يفعلوا ما فعلوا..> انتهى. فلو ثبت ما في [الإبانة] يكون مذهب الأشعريِّ مُتناقضًا وهذا يردُّه الكافَّة؛ ولكنَّ أهل الفتنة لا يصبرون على تَفَهُّم سطور قليلة مِن كلام العامَّة؛ فكيف بكلام الأشعريِّ!
وفي الثَّاني: لم ينتبه <أهل الفتنة> إلى ما في مُقدِّمة [رسالة إلى أهل الثَّغر] حيث يقول: <ووقفتُ أيَّدكم الله على ما ذكرتموه مِن إحـمادكم جوابي عن المسائل الَّتي كنتم أنفذتموها إليَّ في العام الماضي وهو سنة سبع وستِّين ومِائتينِ> انتهى. والأشعريُّ وُلد عام ستِّين ومائتين؛ فهل كان المُسلِمون في أقطار الدُّنيا يُراسلونه ويستفتونه في عقائدهم وهو ابن سبع سِنين!
وكيف لم ينتبه <أهل الفتنة> إلى ما في المُقدِّمة كذلك مِن قوله: <فقد وقفتُ على ما ذكرتموه في كتابكم الوارد عليَّ بمدينة السَّلام> انتهى. وهي بغداد؛ والأشعريُّ بِصريٌّ سكن بغداد بعد التَّاريخ المذكور بسنوات طويلة. نعم ذكر ابن عساكر -خلافًا لابن فُورك- [الرِّسالة] في مُصنَّفات الأشعريِّ لكنَّه لم ينقل منها شيئًا لنتبيَّن أنَّها هي الَّتي بين أيدينا وليست رسالة أُخرى.
وهل عَلِمَ <أهل الفتنة> أنَّ بعض المُصنِّفين نسبوا هذه الرِّسالة إلى مُحمَّد بن أحمد بن مُجاهد الطَّائيِّ؛ منهم ابن عطيَّة في [الفهرست] وكذلك ابن خير الإشبيليُّ ومنهم القاضي عياض في [ترتيب المدارك] -قال: <وله كتاب في أصول الفقه على مذهب مالك، ورسالته المشهورة في الاعتقادات على مذهب أهل السُّنَّة الَّتي كتب بها إلى باب الأبواب> انتهى-.
ثُمَّ لو سلَّمنا أنَّ ما في [الرِّسالة] عند الكلام عن الإجماع الثَّامن والأربعين والتَّاسع والأربعين هو كلام الأشعريِّ؛ فمَن الَّذي أخبر الخصم أنَّ المُرادَ به كُلُّ صحابيٍّ ولو لم يكن مِن السَّابقين الأوَّلين؟ ولو كان كذلك؛ فلماذَا ذكر أحمد والبُخاريُّ عن الصَّحابة أنَّه وُجد في شَملة أحدهم دينارانِ وغَلَّ آخَرُ شَمْلَةً أخذها مِن الغنيمة وحُدَّ ثالثٌ في شُرب الخمر!
بل دلَّ ما في [الرِّسالة] أنَّ المُرادَ السَّابقون الأوَّلون وحسب؛ لأنَّ الكاتب ربطه بقول النَّبيِّ عليه السَّلام مُخاطبًا غير السَّابقين منهم: <إذَا ذُكر أصحابي فأمسكوا> وبقوله: <لا تُؤذوني في أصحابي> وبقول الله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ وَالَّذِيْنَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} فهل رأيتَ فيه صِفة مَن نازع الأمير العادل ولايةَ الأمر وقتَّل الصَّحابة تقتيلًا!؟
فالمُبتدعة يدسُّون الدَّسائس في كُتُب العِلْم ليُضِلُّوا بها النَّاس مِن خلال أمثال أهل الفتنة وأصحابِهم مِن الجاهِلِين الآخِذين بالكُتُب دون تحقيق ولو خالفَ ما يجدونه فيها النُّصوصَ الشَّرعيَّة والعياذ بالله؛ قال التَّاج السُّبكيُّ في [الطَّبقات]: <هذا شأن المُصنَّفات اللِّطاف، لا سيَّما ما يُغيظ أهلَ الباطل، فإنَّهم يُبادرون إلى إعمال الحيلة فِي إعدامه> انتهى.
وفي هذه النُّسخة السَّقيمة مِن [رسالة إلى أهل الثَّغر] عبارة تقول: <وأنَّه تعالى فوق سمَواته على عرشه دون أرضه> انتهى فهل يقبل أهل الفتنة استدلال المُشبِّهة المُجسِّمة بهذه العبارة وإثباتَ كونها تُعبِّر عن عقيدة الإمام الأشعريِّ كما تزعم الوهَّابيَّة النَّجديَّة وهو مُناقض لِمَا تواتر مِن عقيدة الأشعريِّ رحمه الله ولِمَا نصَّ عليه الأئمَّة مِن ألف سنة إلى يومنا!
وقد أثنى ابن تيميَّة على هذا الكتاب المُحرَّف؛ ونظم ابن قيِّم الجوزيَّة في مثل ذلك فقال: <وكذا عليُّ الأشعريُّ فإنَّه. في كُتْبه قد جاء بالتبيانِ. مِن مُوجز وإبانة ومقالة. ورسائل للثَّغر ذاتِ بيانِ. وأتى بتقرير استواء الرَّبِّ فوق العرش بالإيضاح والبُرهانِ. وأتى بتقرير العلوِّ بأحسن التَّقرير فانظر كُتْبَه بِعِيانِ> انتهى كلامه وهو افتراء على الله وعلى العُلماء والعياذ بالله.
فهل علمتَ بأيِّ شيء يستدلُّ <أهل الفتنة> في كذبهم على النَّاس وكيف وافقوا ابن تيمية وتلميذه ابن قيِّم الجوزيَّة في الثَّناء على هذه الكُتُب المُحرَّفة؟ ألَا يعرفون الفَرق بَين قول أهل السُّنَّة: <استوى بلا كيف> وبَين قول المُشبِّهة: <إنَّه على عرشه فوق سمَواته>!؟ أم يحتاجون إلى دراسة معنى التَّنزيه حتَّى لا يعودوا إلى اعتماد الدَّسائس في بيان مذهب أهل السُّنَّة!
قال الكوثريُّ في هامش [التَّبيين] في بيان حِرص الحشويَّة على تحريف كُتُب السُّنَّة: <مِن عادة الحشويَّة أنْ يترصَّدوا الفُرَص لإفناء أمثال هذه الكُتُب إمَّا بحرقها عِلانًا يوم يكون لهم شوكة وسُلطان، وإمَّا بسرقتها مِن دُور الكُتُب، أو بوضع موادَّ مُتلِفة فيها، وإمَّا بتشويهها بطرح ما يُخالف عقولهم منها عند نسخها، أو الكشط والشَّطب في نُسخها الأصليَّة> انتهى.
انتهى.
Feb 12, 2020, 8:29 AM
