ذخيرة الدُّعاة
في براءة الأشعريِّ مِن القول بمثُوبة البُغاة
الفكرة السَّادسةَ عشْرةَ: كلام الأشعريِّ ليس طعنًا في الصَّحابة
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
ويقول النَّواصب: (الطَّعن في مُعاوية طعن في الإسلام)؛ والجواب أنَّه لو صحَّ هذا الهُراء لكان الأشعريُّ طاعنًا في الإسلام! وحاشاه؛ بل هُو ناصر الدِّين وإمام أهل السُّنَّة، والصَّواب أنْ يُقال إنَّ الطَّعن في مجموع الصَّحابة رضوان الله عليهم طعن بالإسلام لأنَّهم حملة الشَّريعة إلينا.
ويقول النَّواصب: (الطَّعن ولو في واحد مِن الصَّحابة زندقة مُطلَقًا)؛ والجواب أنَّه كلام لا يصحُّ؛ فقد طعن بعض الصَّحابة في بعض الصَّحابة فهل كان الصَّحابة زنادقة لا دِين لهم! إلَّا أنْ يطعن أحد بصحابيٍّ لأجل صُحبته للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فهذه عداوة للنَّبيِّ وهي زندقة بلا شكٍّ.
ويقول النَّواصب: (تفسير الحديث المُتواتر: <ويح عمَّار تقتُله الفئة الباغية> بالفئة الظَّالمة حرام)؛ والعياذ بالله مِن قولهم هذا فهُو مُشتمل على تحريف حديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومُشتمل كذلك على تحريم نشر الهدي المُحمَّديِّ؛ بل قولُ رسولِنا مرجع صحيح لأهل الإسلام كافَّة.
ثُمَّ إنَّ كلام الإمام الأشعريِّ ليس المُراد منه الطَّعن في الصَّحابة وإنَّما بيان حُكم الشَّرع وهذا في حُكم ضرورة حفظ الشَّرع لا سيَّما مع وُجود مَن يقول بأنَّ البُغاة مأجورون في بغيهم وخُروجهم على الإمام العادل سيِّدنا عليٍّ رضي الله عنه وفي قتالهم له وقتلهم لعمَّار بن ياسر رضي الله عنه.
فالأشعريُّ لم يسكُت عمَّا شجر بين الصَّحابة؛ وذلك حفظًا للشَّريعة مِن التَّحريف مِن بابَين اثنَين: الأوَّل: ردُّ التَّكفير عن البُغاة مِن الصَّحابة. والثَّاني: بيان حُكم الشَّرع في تحريم الخُروج على الإمام العادل. وذلك لأنَّه لم يكن يرى جائزًا لأحد أنْ يخرُج على الإمام عليٍّ رضي الله عنه.
وقد انعقد الإجماع على تخطئة مُعاوية ومَن معه ممَّن قاتلوا عليَّا في صفِّين وغيرها فلو كان مُجرَّد الكلام فيما شجر بَين الصَّحابة باطلًا لوقع الإجماع باطلًا؛ والإجماع لا يقع باطلًا؛ فتبيَّن أنَّ مُجرَّد الكلام فيما شجر بَين الصَّحابة -إنْ كان لضرورة بيان حُكم الشَّرع- فهُو مطلوب.
ولو كان ذِكرُ معصية صحابيٍّ حرامًا مُطلقًا لَمَا ذكر المُحدِّثون الصَّحابيَّ الَّذي وجدوا في شمْلته دينارَين؛ ولا الَّذي غلَّ شملة أخذها مِن الغنيمة؛ ولا مَن شرب الخمر؛ أو أقيم عليه حدُّ الزِّنا منهم؛ فالقول بأنَّ ذِكر معصية صحابيٍّ حرام مُطلقًا يُؤدِّي إلى إبطال هذه الأحاديث الصَّحيحة.
أمَّا الطَّعن الممنوع مُطلقًا ولو بواحد مِن الصَّحابة عند جُمهور أهل السُّنَّة والجماعة فهو الطَّعن بما ينقُلُه الصَّحابيُّ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ بل هُم في النَّقل عنه عُدُول مُصدَّقُون؛ فالقول بأنَّ الطَّعن بهم هدم للدِّين المُراد به تكذيبُهم فيما يُخبرون عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
وكذلك لا يصحُّ أنْ يُقال: (لا يجوز ذكر خُروج مُعاوية على الإمام العادل وكونِ ذلك ذنبًا) لأنَّ هذا القول يُعطِّل والعياذ بالله حديث: <ويح عمَّار تقتُلُه الفئة الباغية> وهذا القدر مِن الحديث مُتواتر؛ ذكر ذلك الحافظ السُّيوطيُّ في [الخصائص الكُبرى] والمناويُّ في [فيض القدير].
وأمَّا حديث: <ستكون لأصحابي زلَّة يغفرها الله لهم> فليس صحيحًا؛ ولو كان ثابتًا ويدخُل فيه مُعاوية ففيه إثبات بُطلان وفساد مذهب القائلين بمثوبة البُغاة لأنَّ نصَّ الحديث فيه: <يغفرها الله لهم> والمغفرة تكون مِن فعل الذَّنب والمعصية والحرام لا مِن فعل ما يُؤجر عليه الإنسان.
أمَّا حديث (لا تسبُّوا أصحابي) فلا يعني أنْ نقولَ إنَّهم يُؤجرون على اقتراف الذُّنُوب؛ لأنَّ أحكام دِينهم هي أحكام ديننا؛ فلو قيل إنَّ صحابيًّا بغى فهذا وإنْ كان سَبًّا مِن حيثُ اللُّغةُ لكنَّه مشروع إنْ قيل لضرورة حفظ الشَّرع؛ ولهذا ذكر المُحدِّثُون الرِّوايات الَّتي نصَّت على ذُنوب بعض الصَّحابة.
وقال شيخنا الهرريُّ: <حديث مُسلم (لا تسبُّوا أصحابي فوالَّذي نفسي بيده لو أنَّ أحدَكم أنفق مثل أُحُد ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه) هُو في طائفة خاصَّة مِن الصَّحابة؛ لأنَّ المُخاطَبِين صحابةٌ والمُتكلَّمَ عنهم صحابةٌ؛ فلمَّا قال: <أحدَكم> عُلِمَ أنَّ الَّذين حذَّر مِن إيذائهم وسبِّهم غيرُ الَّذين كانوا معه عندَ ذكر الحديث، وإلَّا لَزِمَ اتِّحاد المُخاطب والمُتكلَّم عنه، وهذا كلام ركيك لا يصدُر مِن أفصح خَلْق الله> انتهى.
وقال رضي الله عنه: <ويُبيِّن ذلك سببَ الحديث وهُو أنَّ خالدَ بن الوليد سبَّ عبدَالرَّحمن بن عَوف، فمعنى الحديث أنَّ خالدًا أو غيرَه مِن الَّذين ليس لهم تلك السابقيَّة في الفضل بينهم وبين مَن كان مِن أهلها كعبدِالرَّحمن بن عَوف هذا الفَرق العظيم وهو أنَّ مُدَّ أحد هؤلاء أفضل عندَالله مِن أنْ يتصدَّق الآخرونَ بمِثْل جبل أُحُد ذهبًا. ومَن ظنَّ أنَّ هذا لعُموم الصَّحابة فقد جهل الحقيقة وخبط خبط عشواء> انتهى.
Jan 30, 2020, 11:11 PM
