ذخيرة الدُّعاة
في براءة الأشعريِّ مِن القول بمثُوبة البُغاة
الفكرة الخامسةَ عشْرةَ:
مُعاوية لم يكن إمامًا عادلًا عند الأشعريِّ
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وفي [المُجرَّد] : <وكان [أي الأشعريُّ] يقول: إنَّ الخلافة بعد الَّنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ثلاثون سنة ويذهب في ذلك إلى حديث سفينة مولى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ويقول إنَّ ذلك معجزة له لأنَّه أخبر عن غيب يكون على وجه التَّفصيل، فكان كما أخبر به مِن غير خُلف. وإنَّ الأمر بعد عليِّ بن أبي طالب كان مُلكًا؛ ولا يقول لأحد بعده إنَّه كان إمامًا عادلًا مُفترضَ الطَّاعة> انتهى بحُروفه.
فهذا النَّقل فيه أنَّ الأشعريَّ كان يرى أنَّ مُعاوية لم يكن إمامًا عادلًا وأنَّ خلافته لم تكن على منهاج النُّبُوَّة، ولا يدخُل فيه الحَسَن لأنَّ أيَّامه الحَسَن داخلة خبر سفينة مَولى النَّبيِّ: <خلافة النُّبُوَّة ثلاثون سنة> والأشعريُّ آخذ بنقله؛ ولا يدخل فيه عُمر بن عبدالعزيز لأنَّه كان استثناء في بَني أُميَّة.
وخبر سفينة رواه أحمدُ في [المُسند]: <تكون النُّبُوَّة فيكم ما شاء الله أنْ تكون ثُمَّ يرفعُها إذَا شاء أنْ يرفعَها، ثُمَّ تكون خلافة على منهاج النُّبُوَّة فتكون ما شاء الله أنْ تكون، ثُمَّ يرفعُها إذَا شاء الله أنْ يرفعَها ثُمَّ تكون مُلكًا (عاضًّا)> إلخ، وعند البَيهقيِّ والطَّيالسيِّ: <(عضوضًا)> أي ظلومًا.
وهذا مذهب عُلماء الإسلام ولذلك لم يُدخلوا مُعاوية في الخُلفاء الرَّاشدين، قال إمام الحرمَين في [غِيَاثُ الْأُمَم]: <لِأَنَّ الْخِلَافَةَ بَعْدَ مُنْقَرَضِ الْأَرْبَعَةِ الرَّاشِدِينَ شَابَتْهَا شَوَائِبُ الِاسْتِيلَاءِ وَالِاسْتِعْلَاءِ، وَأَضْحَى الْحَقُّ الْمَحْضُ فِي الْإِمَامَةِ مَرْفُوضًا، وَصَارَتِ الْإِمَامَةُ مُلْكًا عَضُوضًا> انتهى.
وقال بدر الدِّين العَينيُّ في [نُخب الأفكار]: <فإنْ قلتَ: مَنْ الخُلفاء الرَّاشدون؟ قلتُ: لا شكَّ أنَّ المُراد منهم ها هُنا: أبو بكر وعُمر وعُثمان وعليٌّ والحَسَن بن عليٍّ رضي الله عنهم أجمعين؛ لقوله: عليه السَّلام (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثُمَّ تصير مُلْكًا عضوضًا)> انتهى.
وقال القاضي عياض اليحصبيُّ: <لم يكن في ثلاثين سنة إلَّا الخلفاء الرَّاشدون الأربعة والأشهر الَّتي بُويع فيها الحَسَن بن عليٍّ.. والمُراد مِن حديث (الخلافة ثلاثون سنة) خلافة النُّبُوَّة وقد جاء مُفسَّرًا في بعض الرِّوايات (خلافة النُّبُوَّة بعدي ثلاثون سنة ثُمَّ تكون مُلكًا)> انتهى.
وقال ابن كثير في [البداية والنِّهاية]: <والدَّليل على أنَّه أحد الخُلفاء الرَّاشدين الحديث الَّذي أوردناه في (دلائل النُّبُوَّة) مِن طريق سفينة مولى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثُمَّ تكون مُلكًا) وإنَّما كَمَلَت الثَّلاثون بخلافة الحَسَن بن عليٍّ> انتهى.
وقال في [فيض القدير]: <(ولعل الله) أي عساه واستعمال لعلَّ في محلِّ عسى مُستفيض لاشتراكهما في الرَّجاء (أنْ يُصلح به) يعني بسبب تكرُّمه وعزله نفسه عن الخلافة وتركها كذلك لمُعاوية (بَين فئتَين عظيمتَين مِن المُسلمين) وكان ذلك فلمَّا بُويع له بعد أبيه وصار هو الإمام الحقُّ مُدَّة ستَّة أشهر تكملة للثَّلاثين سنة الَّتي أخبر المُصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّها مُدَّة الخلافة وبعدها يكون مُلكًا عضوضًا ثُمَّ سار إلى مُعاوية بكتائب كأمثال الجبال وبايعه منهم أربعون ألفًا على الموت فلمَّا تراءى الجمعانِ علم أنَّه لا يغلِب أحدُهما حتَّى يقتل الفريق الآخَرَ فنزل له عن الخلافة لا لقلَّة ولا لذلَّة بل رحمة للأُمَّة واشترط على مُعاوية شروطًا التزمها. قال ابن بطَّال وغيرُه: لم يوفِ له بشيء منها فصار مُعاوية مِن يومئذ خليفة ولمَّا خِيف مِن طول عُمر الحَسَن رضي الله تعالى عنه أرسل يزيد إلى زوجته جعدة إنْ هي سمَّته تزوَّجها ففعلَت فأرسلَت تستنجز فقال: إنَّا لم نرضك له فكيف نرضاك لنا> انتهى.
وفي [حاشية العدوي على كِفَايَةُ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ لِرِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ]: <[قَوْلُهُ: ثَلَاثُونَ سَنَةً] قَالَ السُّيُوطِيّ: الثَّلَاثُونَ لَا تَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا حَرَّرْتُهُ، فَمُدَّةُ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَانِ وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَمُدَّةُ خِلَافَةِ عُمَرَ عَشَرُ سِنِينَ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ، وَمُدَّةُ خِلَافَةِ عُثْمَانَ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشْرَ شَهْرًا وَتِسْعَةُ أَيَّامٍ، وَمُدَّةُ خِلَافَةِ عَلِيٍّ أَرْبَعُ سِنِينَ وَتِسْعَةُ أَشْهُرٍ وَسَبْعَةُ أَيَّامٍ، هَذَا هُوَ التَّحْرِيرُ. قَالَ اللَّقَانِيُّ: قُلْت: مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّ هَذَا الَّذِي حَرَّرَهُ يَنْقُصُ عَلَى الثَّلَاثِينَ إذْ هُوَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ عَامًا وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعَةُ أَيَّامٍ وَلَا يَكْمُلُ دَوْرُ الثَّلَاثِينَ إلَّا بِأَيَّامِ خِلَافَةِ الْحَسَنِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ثُمَّ إنَّ الْحَسَنَ سَلَّمَ الْأَمْرَ إلَى مُعَاوِيَةَ وَحَقَّقَ اللَّهُ بِذَلِكَ قَوْلَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ). [قَوْلُهُ: ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا] بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ أَيْ خِلَافَةً نَاقِصَةً يَشُوبُهَا الزَّلَلُ وَعَدَمُ خُلُوصِهَا مَنِّ الْخَلَلِ. [قَوْلُهُ: أَنَا أَوَّلُ الْمُلُوكِ] فِيهِ اعْتِرَافٌ بِوُقُوعِ الْخَلَلِ فِي خِلَافَتِهِ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ مَا تَقَدَّمَ. [قَوْلُهُ: عَضُوضًا] بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ عَضَّ. مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ يَتَعَسَّفُونَ عَلَى الرَّعِيَّةِ فَكَأَنَّهُمْ يَعَضُّونَهُمْ بِالْأَسْنَانِ> انتهى.
وأخرج البَيهقيُّ عن أبي بكرة قال: <سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: (خلافة النُّبُوَّة ثلاثون عامًا ثُمَّ يُؤتي الله المُلكَ مَن يشاء)، فقال مُعاوية: (قد رضينا بالمُلك)> انتهى.
انتهى. Jan 21, 2020, 9:07 PM
