هذه هي فلسطين، من أجلها تَتَابَعَتِ التَّضْحِيَات، وعظم البذل.
ومن أجلها قال السلطانُ العادلُ محمود نور الدين زنكي (أَسْتَحِي مِنَ اللهِ أنْ أَتَبَسَّمْ وبيتُ المقدسِ في الأسر).
وَمِنْ أَجْلِهَا شمخَ صلاحُ الدِّين برأسِه وأعدَّ عدَّتَه لِيحرِّرَ أرضَ الأقصى، وقد نصره اللهُ وفتحَ بيتَ المقدس.
ومن أجلِها صاحَ المظفَّر قُطُز صيحتَه الشهيرة (وا إسلاماه).
ومن أجلها ضحّى عبدُ الحميد بعرشِه وملكِه وقال (لا أقدِرُ أنْ أبيعَ ولو قدمًا واحدًا من فلسطين).
ومِنْ أجلِها انتفضَ أبناءُ الحجارةِ يحمِلُون حصَى أرضِهم وترابها ليَرْمُوا بها وجوهَ الدُّخلاء الغاصبين.
نعم يا فلسطين، من أجلِكِ نهض هؤلاء.
واليومَ يهرعُ أعداؤُنا إلى ذبحِنا وما مِن مجيبٍ ولا ناصر!!
واليومَ بُحَّتْ أصواتُ المنادِين والمستغيثينَ وكثيرٌ مَن يتصامَمُ عن نداءِ إخوانِنا!
إخوةَ الإيمان والإسلام، إن ذكرى بطولاتِنا وأمجادِنا لا بدَّ أن تُحرِّكَ عزائمَنا إلى نُصرةِ دينِنا، ولعلكم تقولون ماذا نفعل؟ وأنا أقولُ لِيَكُن كلٌّ منكُم صلاحَ الدِّين، وما يمنع؟
ليرجعْ كلٌّ إلى نفسِه ابتداءً فليصلِحْهَا ويقوِّم عِوَجَها ثم ليلتفت إلى أقرب الناس إليه فيفعل مثلَ ذلك، وهكذا تصلُحُ الأمَّةُ كلُّها.
قال الله تعالى (وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ) الحج 40.
لقد كان السلطانُ صلاحُ الدين رحمه الله شجاعًا، كريمًا، حليمًا، حسنَ الأخلاق، متواضعا، حافظا لكتاب الله، حافظا لكتابِ التنبيهِ في الفقه الشافعي، كثيرَ السماعِ للحديثِ النبويِّ الشريف، وكان رقيقَ القلبِ سريعَ الدمعةِ عندَ سماعِ القرءانِ والحديث، كثيرَ التعظيمِ لشعائرِ الدِّين، وكان مُتَقَشِّفًا في مأكلِه وملبسِه، ولم يُؤخِّر صلاةً عن وقتِها، ولا صلّى إلا في جماعة، عمّرَ المساجدَ والمدارس، وعمّرَ قلعةَ الجبل، وسورَ القاهرة، وحرَّرَ القُدس، وبَنَى قُبَّةَ الشافعي، وأبطلَ الضَّريبة، وكانَ شافعيَّ المذهبِ أشعريَّ الاعتقاد، بنى مدرسةً في القاهرة لتعليمِ العقيدةِ فقط، وأمرَ المؤذِّنينَ أن يُعلنوا وقتَ التسبيح على المآذِن بالليل، بذكرِ العقيدةِ المرشدة، فواظبَ المؤذِّنونَ على ذِكرها في كلِّ ليلةٍ بسائرِ الجوامع، وفيها هذه الكلمات: الله موجودٌ قبلَ الخلقِ، ليس له قبلٌ ولا بعدٌ، ولا فوقٌ ولا تحتٌ، ولا يَمينٌ ولا شمالٌ، ولا أمامٌ ولا خلفٌ، ولا كلٌّ، ولا بعضٌ، ولا يقالُ متى كانَ ولا أينَ كانَ ولا كيفَ، كان ولا مكان، كوَّنَ الأكوانَ، ودبَّـرالزمانَ، لا يتقيَّدُ بالزمانِ ولا يتخصَّصُ بالمكان.
