(7) ما هو خير ما يتزود به المسلم لآخرته

     قال تعالى فى سورة البقرة ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ وسبيل التقوى هو العلم، فالذكى هو الذى يأخذ من دنياه لآخرته قال الله عز وجل فى سورة القصص ﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ أى لا تنس نصيبك من الزاد للآخرة وقال رسول الله ﷺ الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت رواه البخارى. فالذكى الفطن هو الذى دان نفسه وعمل لما بعد الموت حاسب نفسه فى هذه الدنيا قبل أن يحاسب فى الآخرة. وقال الله تعالى فى سورة الحشر ﴿يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله﴾ أى أدوا الواجبات واجتنبوا المحرمات ومن جملة الواجبات تعلم العلم الشرعى، ﴿ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ﴾ أى لينظر المرء ما يعد ويقدم لآخرته من العمل الصالح فينبغى أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب. قال الإمام على رضى الله عنه ارتحلت الدنيا وهى مدبرة وارتحلت الآخرة وهى مقبلة ولكل واحدةٍ منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا اليوم العمل ولا حساب وغدا الحساب ولا عمل، رواه البخارى فى صحيحه فى كتاب الرقاق. وقال تعالى فى سورة الذاريات ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ أى خلقهم ليأمرهم بعبادته وليس معناه أن الله تعالى شاء للجميع أن يكونوا مؤمنين كما تقول المعتزلة. فالله تعالى خلق الخلق وقدر لهم ءاجالا فطوبى لمن استعد لما بعد الموت وتزود من دنياه لآخرته وخير الزاد التقوى.

التقوى

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه قال رسول الله ﷺ إن الله كتب على ابن ءادم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فالعين تزنى وزناها النظر واليد تزنى وزناها البطش والرجل تزنى وزناها الخطى واللسان يزنى وزناه المنطق والفم يزنى وزناه القبل والنفس تمنى وتشتهى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه. النظر بشهوة أى بتلذذ للأجنبية حرام وتكليمها ليتلذذ بهذا الكلام حرام ولمسها بدون حائل أيضا حرام. أغلب البشر لا يسلمون من هذا، وأكثر هذا كله النظر زنا العين. بعض الناس يكلمون خطيبتهم قبل العقد بشهوة بتكليمها يتلذذون هذا أيضا حرام. لكن كل هذا من الصغائر. إذا توضأ الشخص وضوءا شرعيا معناه الفرض مع السنة تذهب معاصى العين مع الماء تنزل. عندما يغسل وجهه مع هذا الماء تنزل معاصى العين.

     وقال رضى الله عنه الإنسان إذا أصلح ما بينه وما بين ربه فلا يبال بالناس، قال السلف الصالح من أصلح ما بينه وما بين ربه فلا يبال بالناس معناه إذا كنت فى حالة الرضى عند الله تطيعه فيما أمر وتنتهى عما نهى وتقوم بالواجب فى حق نفسك وفى حق غيرك من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فأنت بخير عند الله إن رضى الناس عنك وإن لم يرضوا.

     وقال رضى الله عنه حظ الأغنياء من التقوى قليل.

     وقال رضى الله عنه من علامة المفلح أن يكون اهتمامه بما افترض الله عليه واعتناؤه بذلك فوق اعتنائه بالنوافل.

     وقال رضى الله عنه القرب الحقيقى من رسول الله ﷺ القرب النافع الذى تعلو به الدرجات هو تقوى الله.

     وقال رضى الله عنه ترك معصية واحدة أفضل عند الله من عمل ألف حسنة الذى يكف نفسه عن معصية من معاصى الله تعالى عند الله أعلى درجة من الذى يواقع المعاصى ويكثر من النوافل.

     وقال رضى الله عنه عاملوا الله بحسن النيات واتقوه فى الحركات والسكنات.

     وقال رضى الله عنه أسعد الخلق فى هذه الحياة هو من وفق لامتثال أمر الله تعالى فأدى الواجبات ووفق لاجتناب محارمه فاجتنب المحرمات هذا أسعد الخلق لأنه أرضى خالقه.

     وقال رضى الله عنه العالم التقى له هيبة، لو كان وحده يمشى بين الناس له هيبة.

     وقال رضى الله عنه الله تعالى فرض على الإنسان أن يحفظ جوارحه عينه ولسانه ويده عما حرم الله. كثير من الناس لا يحفظون ألسنتهم فى هذا الزمن إذا غضبوا يسبون الله يسبون الدين وبعضهم فى حال المزح يكفر ولا يشعر أنه يكفر، كل كلام فيه استخفاف بالرسول أو بالله أو بشريعة الله فهو كفر من تكلم به يكفر لو لم يقصد أن يترك الإسلام وينتقل إلى غيره.

     وقال رضى الله عنه فعلينا أن نحفظ أيدينا وألسنتنا وقلوبنا من هذه المعاصى. الله تبارك وتعالى خلق فينا اليد والفم والرجل والقلب لنستعمل ذلك فيما أحل الله بالطاعات ويكون لنا الثواب إن استعملنا هذه الأشياء فى طاعة الله وإن استعملناها فيما حرم الله صارت وبالا علينا. هذه الجوارج خلقها الله فينا أمانة أى لنسأل عنها فى الآخرة إن استعملناها بالخير وإن استعملناها فى المعصية. الرسول أخبر فى حديثه الذى هو ثبت عنه أن الأنامل تسأل يوم القيامة وتستنطق أى فتنطق بقدرة الله كما ينطق اللسان ذلك اليوم هذه الأنامل تنطق بما فعل الشخص من خير أو شر الذى يستعملها بذكر الله تشهد له.

     وقال رضى الله عنه قال الله تبارك وتعالى ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ [سورة البقرة]. خير ما يتزوده الإنسان فى هذه الحياة تقوى الله. معنى التقوى أداء الواجبات التى فرضها الله وتجنب المحرمات التى حرمها الله. ثم التقوى لا تكون إلا بالعقيدة الصحيحة عقيدة أهل السنة والجماعة من لم يكن على هذه العقيدة لا يكون تقيا مهما عمل من الطاعات من صلاة وصيام وحج وزكوات وغير ذلك.

     بعض هؤلاء الفرق التى شذت بعضهم وصلوا إلى الكفر خرجوا من الإسلام وهم يظنون أنهم مسلمون لكنهم خرجوا وبعضهم لم يخرجوا من الإسلام لكن عقيدتهم هذه معصية لأنها خالفت ما كان عليه الرسول ﷺ والصحابة.

والحمد لله أن جعلنا من أهل السنة عقيدتنا العقيدة التى كان عليها الرسول والصحابة ثم تناقلها المسلمون خلفهم عن سلفهم إلى يومنا هذا.

     أهل بيت الرسول الحسن والحسين وغيرهما على هذه العقيدة عقيدة أهل السنة والجماعة.

 العبرة بالتقوى

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه التركى التقى أولى برسول الله من القرشى الفاسق أولى من الهاشمى الفاسق مع أن رسول الله هاشمى مع ذلك هذا الهاشمى الذى ليس تقيا التركى أو الفارسى الذى هو تقى أقرب إلى الرسول وأحب إليه.

     وقال رضى الله عنه الثياب لا تقدس صاحبها وصورة الصلاة وصورة الصيام لا تقدس، الذى يقدس الإنسان عمله الذى يوافق شريعة الله يرفعه درجات عند الله. يقدس يعنى يرفعه درجات.

     وقال رضى الله عنه لا ينبغى أن يغتر بالأسامى والعمائم العمائم يلبسها الدجال والمؤمن الصادق.

فضل التقوى والعلم

     الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وأصحابه أجمعين. 

     أما بعد فقد قال الله تعالى فى سورة الحجرات ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ هذه الآية الكريمة تبين أن الفضل عند الله بالتقوى والتقوى هى ملازمة طاعة الله تعالى بأداء الواجبات واجتناب المحرمات.

     قال الله تعالى فى سورة ءال عمران ﴿يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ فمن أدى الواجبات واجتنب المحرمات فهو التقى. وهو من أكرم عباد الله على الله. وقد كان سيدنا محمد ﷺ أكرم الخلق على الله تعالى وأتقاهم وأخشاهم له كما قال  أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له اهـ رواه البخارى. والتقوى منبعها القلب ثم يفيض أثرها على الجوارح فإن القلب من الجسد بمثابة الملك من الرعية. القلب أمير على كل الجوارح من اليدين والعينين واللسان والرجلين وغيرها، كلها تحت إمرة القلب فإذا صلح القلب صلحت الجوارح وإذا استقام القلب استقامت الجوارح.

     وقد جاء فى صحيح ابن حبان من حديث جابر بن عبد الله الأنصارى رضى الله عنهما أنه قال قال رسول الله  إن أولى الناس بى المتقون من كانوا وحيث كانوا اهـ فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أن أقرب الناس إليه أى أحبهم إليه هم المتقون أى المؤمنون الذين يتقون الله يؤدون الواجبات ويجتنبون المحرمات. من كانوا أى من أى ألوان البشر كانوا وحيث كانوا أى وفى أى مكان كانوا فلو كان التقى بعيدا عن الرسول بالمسافة إلا أنه قريب منه القرب المعنوى فهو أولى برسول الله من العاصى المجاور له ﷺ وقد قال رسول الله ﷺ اتق الله حيثما كنت اهـ رواه الترمذى [فى سننه]. فعلى الإنسان أينما كان أن يتقى الله بأن يؤدى ما افترض الله عليه ويجتنب ما حرم الله عليه فإذا فعل ذلك فهو بخير، وعلو المرتبة عند الله تعالى ليس بقرب الديار من رسول الله  ولا بقرب النسب إنما بكون الإنسان مؤمنا تقيا يؤدى الواجبات ويجتنب المحرمات وبهذا يضمن لنفسه الوقاية من نار جهنم قال الله تعالى فى سورة التحريم ﴿يا أيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾ ولا سبيل للمؤمن لأداء الواجبات واجتناب المحرمات إلا بأداء فرض هو من جملة الواجبات التى أمر الله تعالى بها ألا وهو تعلم العلم الشرعى أى القدر الواجب الضرورى من علم الدين الذى لا يجوز لكل مكلف جهله ولا يكون العبد من المتقين ما لم يتعلمه. إن قول الله تعالى ﴿يا أيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ فيه الحث على وقاية النفس والأهل من النار والسبيل إلى ذلك أن نتعلم ونعلم أهلينا الأمور الدينية، فإذا تعلم المسلم من علم الدين القدر الضرورى الذى لا بد منه لكل مسلم بالغ عاقل ثم طبق ذلك كان عاملا بهذه الآية ويكون قد وقى نفسه أى حفظ نفسه وأهله من عذاب النار، أما إذا أهمل التعلم فإنه لا يدرى ما يصلحه مما يفسده فيقع من حيث لا يدرى فى المهالك ويعمل أعمالا يظن أنها من أعمال أهل النجاة وهو عند الله تعالى ليس له من ذلك العمل حسنة بل هو ءاثم لدخوله فى الأمور من غير أن يعلم ما أحل الله منها مما حرم فمن لم يتعلم أركان وشروط ومبطلات الصلاة مثلا قد يحصل منه ما يفسد صلاته من غير أن يعلم فيظن أنه صلى صلاة صحيحة وهى عند الله فاسدة لا تبرأ ذمته منها ويسأل عنها يوم القيامة. وقد قال رسول الله ﷺ صلوا كما رأيتمونى أصلى اهـ رواه البخارى. ولا سبيل لمعرفة كيف كان رسول الله ﷺ يصلى إلا بالتعلم.

     نحن المسلمين ينبغى أن نتمسك بهذا الدين العظيم الذى ارتضاه الله لنا بما يعود علينا بالخير والصلاح فى الدنيا والآخرة وأن نتفقه ونتزود من الأحكام الشرعية حتى نفيد أنفسنا ونفيد مجتمعنا وأمتنا ونكون على حذر وانتباه وإدراك.

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها

إلا التى كان قبل الموت يبنيها

فإن بناها بخير طاب مسكنه

وإن بناها بشر خاب بانيها

     إن تعلم علم الدين من عالم ثقة ورع ناصح لا يؤدى إلى البله والجنون إذ لو كان الأمر كذلك لكان الصحابة أول من جن لأنهم أفقه أمة النبى محمد  بل إن تعلم العلم الشرعى يصقل العقول وينور القلوب وما أجدر الآباء والأمهات أن يحثوا أولادهم على ذلك حتى يشبوا على طاعة الله بدل أن يهتموا بدراستهم الدنيوية فقط وما أجدر الشباب أن يقبلوا على علوم الدين والنهل منها ليعظم زادهم للآخرة وليبتعدوا عن وحول الخطايا. إن عزتنا وكرامتنا وتقدمنا ونجاتنا هى فى تمسكنا بديننا وتعاليم الرحمة المنزلة على رسول الله  جزاه الله عنا أحسن الجزاء ورضى الله عن سيدنا عمر حيث قال نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.

 التقوى هى الحاجز بين الإنسان وبين معاصى الله تعالى

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه إن الله تبارك وتعالى فرض على عباده أن يتناصحوا أى أن لا يغش بعضهم بعضا فالغش محرم سواء كان فى أمور المعاملات أى البيع والشراء ونحوها وفى أمور التحليل والتحريم فكثير من الناس الذين يتسمون بزى العلم والمشيخة يغشون الناس يحللون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله لأنه ليس عندهم تقوى تمنعهم عن الغش تمنعم عن تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم. التقوى هى التى تحجز الإنسان عن الكذب والغش ومعصية الله بسائر أنواعها، التقوى هى الحاجز بين الإنسان وبين معاصى الله تعالى فما يقوله بعض الناس الذين يدعون العلم أن الذى  يستخف بالله تعالى فى حال الغضب لا يكفر هؤلاء غشوا الناس.

     الإنسان عليه أن يعظم الله تعالى فى كل أحواله فى حال غضبه وفى حال رضاه وفى حال المزح فى جميع الأحوال. ومن جملة غشهم قولهم بأن الإنسان إذا سب الله فى حال الغضب لا يكفر. وحتى إنه بلغنى عن رجل هو قاض أنه قال لإنسان فى شأن طفل قال يا ابن الله، قال له واحد هذا كفر فقال ذلك القاضى لا ليس كفرا هو لا ينوى هذا الكلام إنما قاله فقط. هؤلاء عندهم قاعدة حرفوا بها دين الله وهى أن الذى يتكلم بكلمة الكفر ولا ينوى معناها لا يكفر وهذا القول تحريف لدين الله تعالى. الذى يسب الله أو يعترض عليه أو يسب الرسول أو يسب شريعة الله أى دينه الذى أنزله على نبيه ﷺ فهو كافر لو كان فى حال غضب ولا ينفعه دعوى محبة الدين مع التلفظ بالكفر. الله تعالى لم يفرض على عباده أن يحفظوا نياتهم فقط بل فرض علينا أن نحفظ نياتنا أى لا نعتقد كفرية وألسنتنا أى لا نتلفظ بالكفرية، كذلك فرض علينا أن نحفظ جوارحنا أى لا نفعل فعلا هو استخفاف بالدين كالذى يدوس بقدمه على اسم الله تعالى عمدا وهو يعلم أن هذه الورقة فيها اسم الله.

عن رابعة العدوية

تعصى الإله وأنت تزعم حبه               هذا لعمرى فى الفعال شنيع

لو كان حبك صادقا لأطعته               إن المحب لمن يحب مطيع

     وقال رضى الله عنه مطلوب من الإنسان أن يكون بصيرا بزمانه أى بما يجرى فى زمانه من الخير والشر مطلوب أن يعرف حتى يتجنب الشر الذى يجرى فى زمانه.

     وقال رضى الله عنه الذين يتعاونون فى الدنيا على المعصية بعضهم لبعض عدو يوم القيامة، مهما كانت صداقتهم فى الدنيا قوية يكونون أعداء هذا عدو لهذا وهذا عدو لهذا.

     وقال رضى الله عنه أعلى درجة فى الإسلام والإيمان هو أن يكون العبد يخشى ربه كأنه يراه وإن كان لا يراه فقد قال رسول الله ﷺ الإحسان أن تخشى الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

     وقال رضى الله عنه لو كنا نرى الله فى الدنيا لخشيناه خشية كاملة ولما عصيناه ولكننا لا نراه لذلك نتجرأ على معصيته.

     وقال رضى الله عنه العبد على قدر ما تعلو درجته عند الله يكون خوفه من الله يكون تعظيمه لله تعالى.

     وقال رضى الله عنه الواجب على الإنسان أن يراقب الله تعالى ويستحضر الخوف منه فى كل حال.

توبوا إلى الله

حذر نبي الله يونس بن متى عليه السلام أهل نينوى من العذاب إن لم يؤمنوا به ويتبعوا دين الإسلام، ثم خرج مغاضبا لهم لإصرارهم على كفرهم وعدم اتباعهم دعوته.

ولما خرج عليه السلام وهو ءايس منهم تغشاهم صباحا العذاب وصار قريبا جدا منهم وقيل: ظهرت السحب السوداء في السماء وثار الدخان الكثيف وهبطت السحب بدخانها حتى غشيت مدينتهم واسودت سطوحهم. ولما أيقنوا بالهلاك والعذاب أنه واقع بهم طلبوا يونس عليه السلام فلم يجدوه، وألهمهم الله التوبة والإنابة فأخلصوا النية في ذلك وقصدوا شيخا وقالوا له: قد نزل بنا ما ترى فماذا نفعل؟ فقال لهم: ءامنوا بالله وتوبوا، عند ذلك ءامنوا بالله وبرسوله يونس عليه السلام.

وكانوا خرجوا من القرية ولبسوا الـمسوح وهي ثياب من الشعر الغليظ، وحثوا على رؤوسهم الرماد، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام. ثم عجوا ورفعوا أصواتهم في الدعاء إلى الله وتضرعوا وبكى النساء والرجال والبنون والبنات وجأرت وصاحت الأنعام والدواب، وكانت ساعة عظيمة هائلة وعجوا إلى الله بالتوبة الصادقة وردوا المظالـم جميعا حتى إنه كان أحدهم ليقلع الحجر من بنائه فيرده إلى صاحبه.

فاستجاب الله منهم وكشف عنهم بقدرته ورحمته العذاب الشديد الذي كان قد دار على رؤوسهم وصار قريبا جدا منهم كقطع الليل المظلم. ويقال إن توبتهم في يوم عاشوراء يوم الجمعة، يقول الله عز وجل: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} [يونس: 98].

فائدة: روى أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك عن أبي ذر قال: «جعل رسول الله ﷺ يتلو علي هذه الآية {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] حتى فرغ من الآية ثم قال: «يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم قال: فجعل يتلو بها ويرددها». والتقوى معناها: أداء الواجبات كلها واجتناب المحرمات كلها وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «ومن يتق الله ينجه في الدنيا والآخرة» {ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 3] أي: من حيث لا يدري. فالتقوى سبب للفرج من الكربات في الدنيا والآخرة، وسبب للرزق ولنيل الدرجات العلى، أما المعاصي فهي سبب للحرمان في الدنيا وفي الآخرة، فقد روى الحاكم وابن حبان وغيرهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه».

فيحرم من نعم في الدنيا من نحو صحة ومال أو تمحق البركة من ماله أو يستولي عليه أعداؤه، وقد يذنب الذنب فتسقط منزلته من القلوب أو ينسى العلم. فلا تترك واجبا مهما كان ولا تأت معصية مهما كانت صغيرة أو كبيرة ولا تخش في ذلك تغير الزمان.

اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت التواب الغفور

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: «واعتصم بالتقوى».

الشرح: ودع الإمام تلميذه بما وصى به النبي ﷺ معاذا حين قال له: «اتق الله حيثما كنت»([1])وقد أحب الإمام أن يذكر في خواتيم وصاياه الاعتصام بالتقوى ليركز في نفس تلميذه أهميتها.

وقد خاض العلماء سابقا في الكلام على التقوى حتى ألفوا فيها التآليف، لذا سيكون كلامنا نحن عن التقوى من ناحيتين:

الأولى: أهميتها. والثانية: ثمراتها.

وقبل الشروع في ذلك فلنقدم بتعريف التقوى ثم بأقاويل وردت فيها: أما عن تعريفها فهي أداء الواجبات واجتناب المحرمات. وقد روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه فسر التقوى بالاستقامة، فقال: أن لا تروغ روغان الثعلب، ومعناه أن تستقيم ظاهرا وباطنا على تقوى الله.

وورد عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل.

وروي عن ابن مسعود في تفسير قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [ءال عمران: 102] قال: «أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر».

وقيل: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله.

وقيل: المتقون تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام فسماهم الله متقين، أي زيادة على تجنب الحرام يبتعدون عن الشبهات ويتورعون مع التزام الواجبات.

خل الذنوب صغيرها
واصنع كماش فوق أر
لا تحقرن صغيرة
 وكبيرها فهو التقى
ض الشوك يحذر ما يرى
إن الجبال من الحصى

أهمية التقوى:

قد تكاثرت الأدلة في بيان أهمية التقوى ويكفي في بيان أهميتها:

  • أمر الله بها عباده حيث قال تعالى: {ينزل الملآئكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إلـه إلا أنا فاتقون} [النحل: 2]، وقال تعالى: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} [المؤمنون: 52].

وقال تعالى: {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون} [الزمر: 16].

وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102].

وقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1].

وقال تعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} [النساء: 131].

  • ووصية الأنبياء لقومهم:

قال تعالى: {إذ قال لهم أخوهم([2]) نوح ألا تتقون} [الشعراء: 106].

وقال تعالى: {إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون} [الشعراء: 124].

وقال تعالى: {إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون} [الشعراء: 142].

وقال تعالى: {إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون} [الشعراء: 161].

وقال تعالى: {إذ قال لهم شعيب ألا تتقون} [الشعراء: 177].

وقال تعالى: {وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [العنكبوت: 16].

من ثمرات التقوى:

  • محبة الله تعالى: قال الله تعالى: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} [التوبة: 4]، وقال تعالى: {بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين} [آل عمران: 76].
  • رحمة الله في الدنيا والآخرة: قال تعالى: {وهـذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} [الأنعام: 155].
  • سبب لعون الله ونصرته وتأييده: قال تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128]، وقال تعالى: {وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة واعلموا أن الله مع المتقين} [التوبة: 36].
  • الأمان والنجاة: قال تعالى: {يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [الأعراف: 35]، وقال تعالى: {وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون} [الزمر: 61].
  • تبعث في القلب النور: قال تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله([3]) يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم} [الحديد: 28].
  • القوة على الشيطان: قال تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 201].
  • وسيلة لنيل الأجر العظيم: قال تعالى: {وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم} [ءال عمران: 179].
  • الرزق: قال تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولـكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} [الأعراف: 96].
  • تفريج الكرب وتيسير الأمور: قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا *ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2، 3]، وقال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} [الطلاق: 4]، وقال تعالى: {فأما من أعطى واتقىٰ *وصدق بالحسنىٰ *فسنيسره لليسرىٰ} [الليل: 5 – 6].
  • النصر على الأعداء ورد كيدهم والنجاة من شرهم: قال تعالى: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط} [آل عمران: 120]، وقال تعالى: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هـذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملآئكة مسومين} [آل عمران: 125]، وقال تعالى: {ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون} [فصلت: 18].
  • العاقبة للمتقين: قال تعالى: {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128]، وقال تعالى: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هـذا فاصبر إن العاقبة للمتقين} [هود: 49]، وقال تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} [القصص: 83]، وقال تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دآئم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار} [الرعد: 35]، وقال تعالى: {زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب} [البقرة: 212].
  • انتفاعهم بالموعظة وتأثرهم بالذكر وتفكرهم بالآيات واهتداؤهم بها: قال تعالى: {ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين} [المائدة: 46]، وقال تعالى: {فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين} [البقرة: 66]، وقال تعالى: {هـذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} [آل عمران: 138]، وقال تعالى: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين} [النور: 34]، وقال تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} [البقرة: 2]، وقال تعالى: {وإنه لتذكرة للمتقين} [الحاقة: 48].
  • صفة لأولياء الله وطريق لولايته سبحانه: قال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون *الذين آمنوا وكانوا يتقون *لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} [يونس: 62 – 64].
  • العبرة عند الله بها: قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [الحجرات: 13].
  • أفضل ما يتزود به: قال تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب} [البقرة: 197].
  • القرءان بشرى للمتقين: قال تعالى: {فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا} [مريم: 97].
  • الأتقياء لا يتعادون يوم القيامة: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} [الزخرف: 67].
  • صفة الأنبياء ومن اتبعهم اتباعا كاملا: قال تعالى: {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} [الزمر: 33].
  • سبب لنجاة العبد يوم القيامة: قال تعالى: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} [مريم: 72].
  • النعيم الخاص في الجنة الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل: قال ﷺ: «يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر دخرا بله ما أطلعتم عليه»، ثم قرأ: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17]([4]).

([1]) سنن الترمذي، الترمذي، (4/355)، حديث (1987).

([2]) هذه الأخوة هي الأخوة القومية أي الذين هو من قومهم وهم قومه الذي أرسل إليهم، وليس أخوة الدين، فهؤلاء أنبياء وأقوامهم كفار. وأما أخوة الدين فهي ما جاء في قوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: 10].

([3]) معناه: اثبتوا على الإيمان بالله ورسوله.

([4]) صحيح البخاري، البخاري، (6/116)، حديث (4780).

قال تعالى: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون} [الأعراف: 26].

الشرح: الله سبحانه وتعالى أمر عباده بالعمل الصالح الذي يكون فيه نجاتهم يوم القيامة، والعمل الصالح هو أداء الواجبات واجتناب المحرمات وهو الذي يحمل الإنسان على أن يلتزم أوامر الله على الوجه الأتم، ويجتنب ما حرم الله، وفي هذا أمن وأمان وفوز ونعيم يوم القيامة، فمعنى الآية الكريمة {ولباس التقوىٰ ذلك خير} العمل الصالح وتقوى الله، وليس كما زعم هذا البروفسور التركي «أن المرأة المسلمة لا يجب عليها أن تستر عورتها فلا يلزمها وضع الخمار» بزعمه محرفا لمعنى الآية الكريمة زاعما أن تقوى الله في القلب وهذا وحده يكفي وهو لباس التقوى، والإنسان بسبب انشغالاته وأعماله لا يلزمه أن يصلي خمس صلوات بل يصلي في قلبه وهو ماش في الطريق، فهذا ليس تفسيرا بل هو تكذيب لدين الله وخروج عن القرءان ونقض للإجماع وعمل دين جديد.

فيجب الحذر والتحذير من هذا الكلام الباطل والسخيف الذي قاله هذا التركي «نوري يشار»، ولعله من ملاحدة الماسونية.

قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان في تفسير هذه الآية ما نصه: «قال ابن عباس: لباس التقوى هو العمل الصالح». اهـ.

قال الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره معالم التنزيل ما نصه: «وقال عروة بن الزبير: لباس التقوى خشية الله – أي تأدية الواجبات واجتناب المحرمات» -. اهـ.

قال اللغوي المفسر أبو حيان الأندلسي في كتابه البحر المحيط في تفسيره لهذه الآية ما نصه: «قال ابن جريج لباس التقوى هو الإيمان». اهـ.

بيان التقوى وأنواع الصبر

درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى في النساء في بيروت في الثلاثين من رجب سنة، سبع وأربعمائة وألف من الهجرة الشريفة الموافق الحادي والثلاثين من شهر ءاذار لسنة سبع وثمانين وتسعمائة وألف رومية في بيان التقوى وأنواع الصبر. قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:

الحمد له رب العالمين وصلاة الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى ءاله وجميع إخوانه من النبيين والمرسلين.

أما بعد: فقد روينا في «صحيح البخاري» أن رسول الله ﷺ قال: «إن ءال أبي طالب ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح الـمؤمنين»([1]).اهـ. وقال ﷺ: «إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا»([2]).اهـ. معنى الحديث: أن أولى الناس برسول الله ﷺ هم المتقون هم الذين يؤدون الواجبات ويجتنبون المحرمات، هؤلاء المتقون، من كان بهذه الحالة ءامن بالله ورسوله عرف الله ورسوله بقلبه واعتقد اعتقادا لا يخالجه شك وأدى الواجبات، ومن جملة الواجبات أن يتعلم علم الدين الضروري ما يحل وما يحرم من المأكل والملبس والمشرب والمال، المال منه حلال ومنه حرام، هذا كيف يعرف؟ بالتعلم من أهل المعرفة، يتعلم من أهل المعرفة الذين تعلموا ممن قبلهم من أهل المعرفة إلى أن يتسلسل الاتصال إلى الصحابة، الذي تعلم علم الدين بهذه الطريقة، تعلم القدر الضروري، ليس شرطا أن يتوسع يصير مفتيا يعطي لهذا جواب سؤاله ولهذا ولهذا ولهذا إنما يكون تعلم الضروريات، من تعلم هذه الضروريات وعمل بها، أي: أدى الواجبات، أي: أدى كل ما تعلم أنه فرض فرضه الله على عباده أن يفعلوه، وكل ما حرم الله تبارك وتعالى عرف فتجنبه، هذا الـمتقي ويقال لهم: إن كانوا جمعا المتقون، الرسول ﷺ يقول: «إن أولى الناس بي المتقون».اهـ. من كان تقيا هذا أولى الناس بي، «من كانوا» من أي جنس كانوا، من أي أجناس الناس كانوا، إن كان تقيا هذا هو أقرب الناس إلي من حيث المعنى، «وأين كانوا»، أي: في أي ركن كانوا، الذي يكون بأقصى الشرق أو أقصى الغرب يؤدي الواجبات ويجتنب المحرمات فهو أقرب إلى الرسول ﷺ من حيث المعنى من الذي ولد في المدينة المنورة وعاش فيها إذا لم يكن تقيا، الذي ولد بالمدينة وعاش فيها إذا لم يكن تقيا ذاك الذي بأقصى الشرق أو بأقصى الغرب ويكون تقيا، أي: يؤدي ما افترض الله ويجتنب ما حرم الله أفضل عند الرسول وعند الله، فالقرب الحقيقي من رسول الله ﷺ القرب النافع الذي تعلو به الدرجات هو تقوى الله، ليس النسب، لا يكفي الشخص أنه من ذرية الحسن أو من ذرية الحسين رضي الله عنهما، الإنسان من أي جنس من أجناس الناس كان إذا تعلم دين الله وعرف الحلال والحرام وعمل كما تعلم طبق ما تعلم بالعمل هذا أقرب إلى الرسول ﷺ وأفضل عند الله تعالى من ذاك الآخر الذي نسبه حسني أو حسيني ولم يفعل ذلك.

ثم إن رسول الله ﷺ قال حديثا ينفع من عمل به نفعا كبيرا وهو «ليس الشديد من غلب الناس ولكن الشديد من غلب نفسه»([3]).اهـ. هذا الحديث هو خفيف على اللسان لكن العمل به متروك عند أكثر الناس، قليل من يعمل بهذا الحديث.

«ليس الشديد من غلب الناس ولكن الشديد من غلب نفسه».

«ليس الشديد من غلب الناس ولكن الشديد من غلب نفسه».

«ليس الشديد من غلب الناس ولكن الشديد من غلب نفسه».

الإنسان تعلو درجته عند الله بحسب صبره والصبر ثلاثة أنواع الصبر عن المحرمات هذا أشد أنواع الصبر، والصبر على الطاعات، أي: على المواظبة على الصلوات مثلا بحيث لا يشغله عن الصلاة ولد ولا مال ولا صديق، بعض الناس ينشغلون عن الصلاة لأجل الولد، من أجل الأطفال وبعضهم حتى لغير الأطفال قد تترك المرأة الصلاة حتى ترضي أولادها الذين هم بالغون بتهيئة الطعام لهم، تعطل صلاة أو صلاتين من أجلهم، هذه ناقصة عند الله، بعيدة من الله. وكذلك بعض النساء من أجل أزواجهن يعطلن صلاة أو صلاتين أو أكثر، من أجل إرضاء أزواجهن يعطلن صلاة أو صلاتين، هؤلاء ما صبروا على الطاعة، نقصهم الصبر على الطاعة. كذلك بعض النساء وقت البرد يتكاسلن عن الصلاة فتفوتهن صلاة أو صلاتان من أجل البرد هؤلاء أيضا ليسوا من أهل الصبر على الطاعة. الصبر على الطاعة هو الذي لا تفوته صلاة، أي: لا يتركها من أجل ولد ولا من أجل خاطر الزوج ولا من أجل الصديق أو الصديقة، هؤلاء الصابرون الذين لهم أجر عظيم عند الله تبارك وتعالى. كذلك من هذا النوع الثاني الصبر على الطاعات أن يصبر الإنسان في أيام الحر التي يشتد فيها العطش والجوع على الصيام، الذي يحبس نفسه على الصيام ولا يأكل ولا يشرب مع ميل نفسه في رمضان إلى الأكل والشرب هذا صابر على الطاعة هذا من جملة الصبر على الطاعة، لكن الإنسان إذا شعر من نفسه أنه ينهار إذا لم يأكل في نهار رمضان وجد نفسه متعبة بحيث يخشى الضرر على نفسه هذا أكل أو شرب لينقذ نفسه من الضرر هذا ليس فيه معصية وينوي أنه يقضي يوما ءاخر، أما الذي من أجل شهوة الطعام يفطر أو لذة الشراب لذة الماء، نفسه تقول له أنت عطشان وهذا الماء اللذيذ العذب الـمروي يفوتك أثناء الصيام فيفطر ويعصي ربه هذا ترك الصبر على الطاعة، ويوجد غير هذا. الصبر على الطاعة باب واسع. هذا النوع الثاني من الصبر. والثالث: هو الصبر على الـمكاره والشدائد والمصائب، هذا أيضا شديد لكن ليس كشدة الصبر عن المعاصي، كف النفس عن المحرمات على اختلاف أنواعها هذا أشد أنواع الصبر، وهذا أفضل من كثير من النوافل، مثلا إنسان يصلي في اليوم والليلة مائة ركعة تطوعا غير الفرض وإنسان ءاخر لا يصلي إلا الفرض، لا يصلي شيئا من السنة إلا الفرض لكن هذا كف نفسه عن ارتكاب معصية أو أكثر من معصية أما ذاك الذي يصلي مائة ركعة كل يوم تطوعا له معاص يقع فيها أيهما أفضل عند الله؟ هذا الذي يكف نفسه عن المعاصي ولا يصلي النفل إلا الفرض أفضل عند الله، هذا أفضل من ذاك الذي يصلي مائة ركعة تطوعا غير الفرض ويرتكب معصية أو معصيتين أو ثلاثا من المعاصي وعلى هذا يقاس. ترك معصية واحدة أفضل عند الله من عمل ألف حسنة، الذي يكف نفسه عن معصية من معاصي الله تعالى عند الله أعلى درجة من الذي يواقع المعاصي ويكثر النوافل، الأول أفضل، ليس بينه وبين الولاية إلا مرتبة واحدة وهي أن يكثر من النوافل من نوع من أنواع النوافل، هذا الذي يتجنب المعاصي إن كانت المعصية ترك فرض أو ارتكاب محرم، الذي يتجنب هذا ويكف نفسه، يصبر يحبس نفسه على ترك المعصية هذا إذا أكثر من النوافل صار من أولياء الله، لو من نوع واحد، أولياء الله يفترقون عن غيرهم من المسلمين حتى إنهم أعلى درجة عند الله من الشهيد الذي قاتل العدو طلبا للجهاد في سبيل الله، تقربا إلى الله خاطر بنفسه، ذهب إل الكفار وقاتلهم لوجه الله تعالى، أي: لأن الله يحب الجهاد وهو أمر المؤمنين بالجهاد قاتلهم فقتل، هذا الذي أدى الواجبات كلها واجتنب المعاصي كلها وأكثر من النوافل أفضل عند الله من ذاك الشهيد، والشهيد مرتبته عند الله عالية جدا لكن هذا الولي أفضل عند الله، الأولياء أفضل عند الله، من أفضل الأولياء بعد الأنبياء؟ أبو بكر الصديق  أفضل الأولياء بعد الأنبياء، الأنبياء أفضل من كل خلق الله حتى من الملائكة، ابتداء من ءادم إلى سيدنا محمد الأنبياء كل واحد منهم أفضل من الملائكة وأفضل من الأولياء لا يوجد في خلق الله من هو أفضل من الأنبياء، الأنبياء أعلى مرتبة، وءادم u الذي كثير من الناس لا يعرف له الفضل أفضل من الأولياء من كل الأولياء، أفضل من أبي بكر أفضل من عمر بن الخطاب أفضل من عثمان بن عفان أفضل من علي بن أبي طالب، أفضل من كل الأولياء، وكذلك كل نبي أفضل من جميع الأولياء، بعد الأنبياء الأفضل هو أبو بكر باعتبار البشر، أفضل البشر بعد الأنبياء هو أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي أما بالنسبة لغير البشر خواص الملائكة، أي: أكابر الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش هؤلاء أفضل من خواص الأولياء، خواص الملائكة، أي: أكابرهم أفضل عند الله من أولياء البشر بعد الأنبياء، أما الأنبياء فلا يزيد عليهم أحد من خلق الله في علو الدرجات، هم أفضل خلق الله. انتهى.

والله سبحانه أعلم وأحكم.

([1]) رواه البخاري في صحيحه، باب تبل الرحم ببلالها.

([2]) رواه أحمد في مسنده من حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه.

([3]) رواه ابن حبان في صحيحه ذكر الإخبار بأن الشديد الذي غلب نفسه عند الشهوات والوساوس لا من غلب الناس بلسانه.

تبشير التقي برضوان الله عند الاحتضار
وأن التقوى تكون بتعلم ما افترض الله تعلمه
والعمل به

قال المحدث الأصولي الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى رحمة واسعة:

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.

أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى قال: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا} [سورة مريم: 85، 86] المتقون: يحشرهم الله يوم القيامة مكرمين ليس عليهم نكد ولا فزع ولا خوف ليس عليهم خوف إلا خوف الإجلال أما خوف أن يصيبهم عذاب من الله فقد أمنوا أن يصيبهم عذاب وليس ذلك من تلك الساعة، أي: ساعة الحشر؛ بل هذا الفرح والأمن الذي في أنفسهم مستقر في أنفسهم بدؤه من عند وقت النزع، أي: الاحتضار، فإن المؤمن التقي حين يحضر يبشر برحمة الله ورضوانه فعندئذ يعرف مصيره أنه إلى الجنة وروح وريحان ورضوان من الله فيحب الموت فيذهب عنه الخوف والكراهية للموت الذي كان يجده قبل ذلك ثم لا يزال وهو ءامن مطمئن في حال القبر في البرزخ وهو مدة القبر وفي ما بعد ذلك وهو ما بعد رجوع روحه إلى الجنة حين يبلى جسده فإنه يرجع إلى الجنة الروح يرجع إلى الجنة ثم عند النفخة الثانية يعاد جسده الذي بلي إن كان من الأجساد التي تبلى يعيد الله ذلك الجسد فيجمع الروح مع الجسد ثم ينشق عنه القبر فيخرج من القبر وهو فرح مستبشر ثم لا يزال فرحا مسرورا إلى ما لا نهاية.

روينا في الصحيح «صحيح البخاري» من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت: قلت: يا رسول الله إنا نكره الموت، فقال: ليس ذاك ولكن المؤمن إذا حضر بشر برحمة الله وثوابه فيحب لقاء الله ويحب الله لقاءه وإن العبد الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته فكره لقاء الله وكره الله لقاءه»([1]).اهـ.

المتقون: هم المؤمنون الذين يؤدون ما فرض الله عليهم من الواجبات العملية والعلمية ويجتنبون ما حرم الله، هي الواجبات قسمان واجبات علمية وواجبات عملية، والعلمية: معرفة ما فرض الله تعالى من علم دينه وما لا بد من علم دين الله وأداء الصلوات الخمس وصيام رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك من الواجبات التي لا يعلمها جميعها إلا من تعلم علم الدين؛ لأن الذي لم يتعلم علم الدين ويتعبد يعرف الجزء القليل من أمور يعرف الصلوات الخمس من غير إتقان ويعرف صورة الصيام. هؤلاء المتقون هم الذين يقول الله تعالى فيهم في كتابه: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمـٰن وفدا} [سورة مريم: 85]، أي: أنهم يحشرون وفودا، أي: أنهم وفود الرحمـٰن وفود الله، فالله تبارك وتعالى شكور عليم يعطي الثواب الكثير على العمل القليل. كان الوفد الذي يفد إلى الناس الكرماء يلقى نزلا وإكراما من الذي يفد إليه فكيف الذي هو وفد الرحمـٰن أكرم الأكرمين.

ثم من كرامة المتقين عند الحشر أنهم يكونون راكبين ويكونون كاسين لا يحشرون حفاة عراة كغيرهم من المسلمين؛ لأن من سوى المتقين يحشرون حفاة عراة، المسلم والكافر يحشرون حفاة، أي: بلا حذاء ولا نعل ولا ثياب يلبسونها.

وأما الكافر فإنه يبشر إذا حضر بعذاب الله وعقوبته يقول له ملائكة العذاب الذين يحضرون الكفار عند موتهم أبشر بسخط الله وعذابه ومن ذلك الوقت لا يفرح أبد الآبدين لا يلقى فرحا أبد الآبدين ومن شدة خوفه وقلقه يرى الكافر عندئذ كئيبا لا يرى فرحا مستبشرا لا يوجد كافر يكون في حالة الاحتضار وجهه مشرقا لو كان قبل ذلك حسن الشكل والهيئة لأن هذا الخوف الذي نزل به من تبشير ملائكة العذاب له بالعذاب والعقوبة لا يسعه بعد ذلك أن يفرح أو يستبشر. وأما ما يروى أن إبراهيم الخليل ﷺ جاءه ملك الموت عند مفارقته الدنيا وقال: هل يقبض الخليل خليله، أي: من الجزع فذهب ملك الموت فقال: يا رب إن عبدك إبراهيم لا يحب الموت، فقال: ارجع إليه فقل له: الخليل يشتاق إلى خليله، فهذا غير صحيح هذا افتراء ليس له أصل عن إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء هم أولى الناس بأن يعرفوا مصيرهم الطيب الآمن، وكذلك ما يروى عن موسى ﷺ أنه لما جاءه ملك الموت فقأ عين ملك الموت فرقا من الموت، أي: خوفا من الموت، فليس الأمر كذلك إنما الصحيح أن ملك الموت فاجأه مفاجأة ولم يكن موسى تلك الساعة متصورا أنه هو ملك الموت فظنه إنسانا صائلا جاء معتديا فبطش به ففقأ إحدى عينيه ففقأ موسى لإحدى عيني عزرائيل ليس عن كراهية الموت إنما موسى ظنه إنسانا جاء ليعتدي ثم لما علم أنه عزرائيل استسلم ورضى بالموت فقبض روحه. انتهى.

وسبحان الله والحمد لله رب العالمين.

والله تعالى أعلم.

[1])) رواه البخاري في صحيحه، باب: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه

سبيل التقوى هو العلم

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه قال الله تعالى ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ [سورة البقرة]، وسبيل التقوى هو العلم لأن الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبد خيرا فقهه فى الدين أى رزقه العلم بأمور دينه رزقه المعرفة بما فرض الله عليه أن يؤديه ويفعله ورزقه معرفة ما أمر باجتنابه وحرمه. فلا فلاح إلا بعلم أمور الدين. العقيدة التى هى أفرض الفرائض ثم الأحكام العملية لأن علم التوحيد هو أفضل العلوم قال البخارى باب العلم قبل القول والعمل واستدل بهذه الآية ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [سورة محمد] الله تبارك وتعالى أمر نبيه بالثبات على العلم به أى معرفة وجوده وتوحيده وما يليق به وما لا يليق به، هو الرسول عليه السلام كان مؤمنا من أول نشأته إنما المقصود الثبات على ذلك كما أنه يقول هو الرسول وكل مصل كل يوم خمس مرات ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [سورة الفاتحة] المراد الثبات الثبات على الهدى وكذلك قوله تعالى ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [سورة محمد] المراد به الثبوت الثبات على هذه المعرفة المعرفة بالله العلم بالله.

من أحب الصلاة إلى الله

إن الله خلق الخلق وأمرهم بعبادته لا لينتفع بعبادتهم ولا ليدفع بهم ضررا عنه، يقول الله في القرءان الكريم: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} [سورة البقرة: 21]، ومن فضل الله على عباده أن نوع لهم العبادات فشرع لهم صلاة من أفضل الصلوات بعد الفريضة، قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» رواه مسلم. والله يحبها، قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الصلاة إلى الله صلاة الليل» متفق عليه.

إن القيام في الليل دأب الصالحين، وقربة إلى رب العالمين، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، فعن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل»، أي: تطفئ أيضا الخطيئة كما يطفئ الماء النار. أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه.

وصلاة الليل سبب رحمة الله للعبد، قال عليه الصلاة والسلام: «رحم الله رجلا قام من الليل فصلى» رواه أبو داود. وهي من أسباب دخول الجنة، قال عبد الله بن سلام : أول شيء سمعت النبي صلى الله عليه وسلم تكلم به حين قدم المدينة: «يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» رواه الترمذي.

بل من أداها كان في أعلى منازل الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن في الجنة غرفا ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها». فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام» رواه أحمد.

وقيام الليل كما هو مسنون للرجال فهو سنة أيضا للنساء، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم طرق ابنته فاطمة رضي الله عنها وزوجها علي ابن أبي طالب ليلا – أي: زارهما -، وقال لهما: «ألا تصليان؟» متفق عليه.

ودعا النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة لمن أيقظ أهله ليصليها، قال عليه الصلاة والسلام: «رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته» رواه أبو داود.

وصلاة الليل رفعة للشاب كما هي نور ووقار للكبير، قال عليه الصلاة والسلام لعبد الله ابن عمر وكان إذ ذاك شابا: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» متفق عليه. قال ابنه سالم: «فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا».

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو أن يترك قيام الليل وهو غلام، فقال له: «يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل» رواه البخاري. وكل الليل من بعد صلاة العشاء إلى الفجر زمن لصلاة الليل، وأقله ركعة ولا حد لأكثره. وءاخر الليل أفضله، قال عليه الصلاة والسلام: «صلاة ءاخر الليل مشهودة» رواه مسلم.

فالدنيا زمنها قصير والمكث فيها يسير، والليل بما فيه من صلاة وتلاوة ودعاء وتسبيح واستغفار من خير ما يعمر به الـمسلم ءاخرته. ومن أعظم ما يدخره من الأعمال الصالحة للقاء ربه، واللبيب من يغتنم ءاخر الليل لإصلاح دينه ودنياه.

اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغنا حبك

أضف تعليق