(8) من هو المكلف

     المكلف هو البالغ العاقل الذى بلغه أصل دعوة الإسلام أى بلغه أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله سواء بلغه بهذا اللفظ أو بما يعطى معناه. وعلامات البلوغ بالنسبة للذكر خروج المنى أو بلوغ خمس عشرة سنة قمرية وعلامات البلوغ بالنسبة للأنثى خروج المنى أو دم الحيض أو بلوغ خمس عشرة سنة قمرية. والمنى له علامات خروجه بلذةٍ يعقبها انكسار الشهوة وخروجه بتدفقٍ وهو الانصباب بشدةٍ شيئا فشيئا وله رائحة العجين حال كونه رطبا ورائحة بياض البيض حال كونه جافا وهذه علامات مشتركة بين الرجال والنساء. والمنى سائل أبيض لا روح فيه وقول بعض الناس إن المنى فيه روح أو هو حيوان منوى باطل بدليل قوله تعالى ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا﴾ أى نطفا لا روح فيها ﴿فأحياكم﴾ أى فى الأرحام ﴿ثم يميتكم﴾ أى عند انقضاء ءاجالكم ﴿ثم يحييكم﴾ أى للبعث. ويدل على ذلك قوله ﷺ إن أحدكم يجمع خلقه (أى ما يخلق منه) فى بطن أمه (أى فى رحمها) أربعين يوما نطفة (أى منيا سائلا يتفرق ثم يجتمع فى مدة الأربعين) ثم يكون علقة مثل ذلك (أى يكون قطعة دمٍ طرية تعلق بالرحم أربعين يوما) ثم يكون مضغة مثل ذلك (أى يكون قطعة لحمٍ قدر ما يمضغ أربعين يوما) ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح (أى ينفخ الروح فى الجنين بأمر الله بعد التشكل بشكل ابن ءادم فيصير حيا) رواه البخارى ومسلم. فهذا الحديث دليل على أن المنى لا روح فيه لأن الروح ينفخ فى الجنين بعد أربعة أشهرٍ من الحمل.

أول ما يجب على المكلف إن كان كافرا الدخول فى دين الإسلام فورا ويكون بالتبرؤ من الكفر والنطق بالشهادتين باللسان إن كان قادرا على النطق ولا يجوز تأخير الدخول فى الإسلام لأجل الغسل أو غيره ولا يكون له عذرا أن يؤخر نفسه عن الدخول فى الإسلام ليفكر فى حقية الإسلام برهة من الزمن. ويجب عليه أن يثبت على الإسلام بأن يجتنب جميع أنواع الكفر لقوله تعالى ﴿يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ وقوله ﷺ من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، أى من أحب أن يبعده الله من نار جهنم ويدخله الجنة فليثبت على الإيمان بالله ورسوله إلى الممات، والحديث رواه البيهقى وابن حبان. ويجب على المكلف أيضا أن يؤدى جميع الواجبات وأن يجتنب جميع المحرمات.

بيان ما يجب من علم التوحيد على كل مكلفٍ وما يجب على بعض المكلفين

الأول يسمى فرضًا عينيًّا والثاني يسمى فرضَ الكفاية.
فالأول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره والجنة والنار والثواب على الطاعة والعقاب على المعصية وسؤال القبر ونحو ذلك.
والثاني أي الواجب الكفائي معرفة العقائد الإيمانية بدلائلها النقلية الواردة في القرءان والحديث، والأدلة العقلية إلى الحد الكافي لردّ الملحدين. أي يجب أن يكون في المسلمين مَن يعرف الأدلة الكافية لإبطال تمويهات الملحدين من الشيوعية ونحوهم من سائر أعداء الإسلام والمحرفين للدين من المنتسبين إليه وهم ليسوا منه كالقاديانية والبهائية وغيرهم. فلو خلت بلدة من بلاد المسلمين ممن يقوم بالرد عليهم ودحض تشكيكاتهم وتمويهاتهم أثِمَ أهل البلدة كلهم. وكذلك يجب وجود من يقوم بالرد على المبتدعين الذين هم مسلمون عصاة ضلّال فساق كالخوارج [(91)].
ويقال بعبارة أخرى الواجب العيني من هذا العلم قسمان:
قسم لا يحصل أصل الإسلام الذي لا يحصل النجاة من الخلود الأبدي في النار إلا به وهو معرفة الله ورسوله فلا يحصل النجاة من الخلود الأبدي في النار بدون ذلك. فمن عرف الله ورسوله بلا ارتياب ولم يستحضر ما سوى ذلك من أصول العقيدة ونطق بلا إله إلا الله محمد رسول الله ولو مرة في العمر ولم يؤد الفرائض لكنه لا ينكرها فهو مسلم عاص ويقال له أيضًا مؤمن مذنب.
وقسم يحصل به أصل الإسلام مع زيادة وهو معرفة جميع الضروريات في الاعتقاد وذلك معرفة ثلاثَ عشرة صفة لله تعالى وهي:
الوجود والقِدم أي الأزلية والبقاء والمخالفة للحوادث والقيامُ بالنفس أي أنه لا يحتاج إلى غيره والوحدانية والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والعلم والحياة ويضاف إلى ذلك التكوين وهو مفهوم من القدرة.

ومعرفة أن للأنبياء صفة الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة والعصمة وجواز الأعراض البشرية عليهم التي لا تؤدي إلى الحط من مراتبهم وبقية ما يتبع ذلك من الإيمان بالملائكة وكتب الله ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره والبعث بعد الموت والثواب والعقاب والجنة والنار والميزان والصراط والحوض وسؤال القبر وغيره كأبدية الجنة والنار ونعيم الجنة وعذاب النار والحساب ونحو ذلك.

ـ[91] الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (3/ 221).

حكم الشرع المتعلق بأفعال المكلفين

   الحكم الشرعى ينقسم إلى سبعة أقسام

الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح والصحيح والباطل.

   (1) الواجب: ويسمى الفرض وهو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه وينقسم إلى قسمين فرض عين وفرض كفاية.

  • فرض العين هو الواجب على كل مكلف أن يتعلمه أو أن يتعلمه ويفعله كمعرفة الله ورسوله وأداء الصلوات الخمس وصوم رمضان.
  • فرض الكفاية هو ما إذا قام به البعض سقط بفعلهم الفرض عن الآخرين كصلاة الجماعة وحفظ القرءان والقيام بالصنائع النافعة التى تحتاجها الأمة وغير ذلك من فروض الكفاية.

   (2) المندوب: والسنة بمعنى واحد وهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه كرواتب الصلوات واستعمال السواك ونحو ذلك.

   (3) الحرام: هو ما يثاب تاركه إن تركه امتثالا لأمر الله تعالى ويعاقب فاعله كشرب الخمر وأكل الربا والكذب والسرقة وعقوق الوالدين وغيرها من المحرمات كشرب الدخان لمن يضره.

   (4) المكروه: وهو ما يثاب تاركه امتثالا ولا يعاقب فاعله كالإسراف بماء الوضوء أو الغسل والأكل باليد اليسرى.

   (5) المباح: وهو ما لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه كالتوسع فى اللباس والطعام بشرط أن يكون حلالا وكلبس الصوف بدل القطن وأكل الحمص بدل الفول مثلا ونحو ذلك.

   (6) الصحيح: الصحيح من العبادات هو ما وافق شرع الله فاستوفى الأركان والشروط.

   (7) الباطل: ويقال له الفاسد وهو ضد الصحيح أى ما لم يستوف الشروط والأركان. ولو استوفى الأركان والشروط وطرأ عليه ما يفسده يعد فاسدا أيضا.

أسئلة:

   (1) إلى كم قسم ينقسم الحكم الشرعى.

   (2) ما هو الواجب وماذا يسمى أيضا.

   (3) كم قسما ينقسم الواجب.

   (4) ما هو فرض العين أعط مثالا.

   (5) ما هو فرض الكفاية أعط مثالا.

   (6) ما هو المندوب أعط مثالا.

   (7) ما هو الحرام أعط مثالا.

   (8) ما هو المكروه أعط مثالا.

   (9) ما هو المباح أعط مثالا.

   (10) ما هو الصحيح من العبادات.

   (11) ما هو الباطل وماذا يقال له أيضا.

1. قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286].

الشرح: اعلم رحمك الله بتوفيقه أن كثيرا من الجهال أخذ هذه الآية حجة وذريعة له في كثير من أمور التكاليف، فترى الواحد منهم مثلا إن كان مريضا يشق عليه أمر الصلاة على هيئة كذا قال {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} فيترك الصلاة، وشاع استعمال هذه الآية في غير موضعها فإذا بكثير من الجهلة يتركون الواجبات ويتقاعسون عن الفرائض والطاعات متذرعين بهذه الآية، فجهل هؤلاء الناس لكثير من أمور الأحكام كان سببا في هلاكهم، وما ذلك إلا لتكبرهم عن طلب العلم والتعلم، فنسأل الله السلامة والنجاة والمعافاة والتوفيق والسداد.

ومما ورد في تفسير قوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} قال ابن الجوزي في زاد المسير: الوسع الطاقة قاله ابن عباس وقتادة ومعناه لا يكلفها ما لا قدرة لها عليه لاستحالته، كتكليف الزمن السعي والأعمى النظر. فأما تكليف ما يستحيل من المكلف لا كفقد الآلات فيجوز كتكليف الكافر الذي سبق في علم الله القديم أنه لا يؤمن فالآية محمولة على القول الأول. ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى في سياق الآية: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} فلو كان تكليف ما لا يطاق ممتنعا أي مستحيلا كان السؤال عبثا وقد أمر الله تعالى نبيه بدعاء قوم قال فيهم: {وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا} [الكهف: 57]. وقال ابن الأنباري المعنى: لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه، وإن كنا مطيقين له.