ينقسم النسخ في القرٱن إلى أربعة أقسام:
1-نسخ الحكم دون التلاوة: ومعناه نسخ ٱية بٱية اخرى مع بقاء تلاوتها، اي ان الٱيتين بقيتا مكتوبين في المصحف. مثال ذلك، نسخ تحريم الفرار من الزحف إذا كان العدو عشرة أضعاف المسلمين فما دون ، وذلك في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ – الانفال:65-
فنسخ ذلك إلى ضعف عدد المسلمين، بقوله تعالى: “الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ “- الانفال:66-
قال السيوطي في كتاب الاتقان في معرض كلامه عن الحكمة من الناسخ والمنسوخ:«أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقُرْآنَ كَمَا يُتْلَى لِيُعْرَفَ الْحُكْمُ مِنْهُ وَالْعَمَلُ بِهِ فَيُتْلَى لِكَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ فَيُثَابُ عَلَيْهِ فَتُرِكَتِ التِّلَاوَةُ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ النَّسْخَ غَالِبًا يَكُونُ لِلتَّخْفِيفِ فَأُبْقِيَتِ التِّلَاوَةُ تَذْكِيرًا لِلنِّعْمَةِ ورفع المشقة». انتهى
2-نسخ التلاوة دون الحكم: كنسخ آية الخمس رضعات التي تحرِّم الرضيع على المرضع ، وكآية رجم الزاني والزانية .
جاء في صحيح البخاري ما نصه: قَالَ عُمَرُ: لقَدْ خَشِيتُ أنْ يَطُولَ بالنَّاسِ زَمَانٌ، حتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لا نَجِدُ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَهَا اللَّهُ، ألَا وإنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ علَى مَن زَنَى وقدْ أحْصَنَ، إذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أوْ كانَ الحَبَلُ أوِ الِاعْتِرَافُ – قَالَ سُفْيَانُ: كَذَا حَفِظْتُ – ألَا وقدْ رَجَمَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ورَجَمْنَا بَعْدَهُ.
3- نسخ التلاوة والحكم مع بقاءها في قلوب الصحابة وحفظهم ، لكنهم لا يرددونها على أنها قرآن:
كنسخ العشر الرضعات التي كانت تحرم الرضيع على المرضعة.
جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: “كانَ فِيما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ، بخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، وَهُنَّ فِيما يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ”. انتهى
ومثله ما جاء في صحيح البخاري : حدثني عبد الأعلى بن حماد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدو فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقنت شهرا يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان قال أنس فقرأنا فيهم قرآنا ثم إن ذلك رفع “بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا”. انتهى
وجاء في صحيح مسلم ما نصه: “حدثني سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر عن داود عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال: بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائمة رجل قد قرؤوا بالقرآن فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني قد حفظت منها: “لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف بن آدم إلا التراب”، وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها: “يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة”. انتهى
4- نسخ التلاوة والحكم مع رفعها من قلوب الصحابة وحفظهم .
ومثال ذلك : ما رُفع من الآيات في سورة الأحزاب والتي كانت تعادل في طولها سورة ” البقرة ” .
قال السيوطي في الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج : ” هذا من المنسوخ تلاوة الذي أشير إليه بقوله تعالى “مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا” ، فكان الله ينسيه الناس بعد أن حفظوه ، ويمحوه من قلوبهم ، وذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، إذ لا نسخ بعده ” انتهى
وروى أبو عبيد في فضائل القرآن، تحت باب” مَا رُفِعَ مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ نُزُولِهِ وَلَمْ يُثْبَتُ فِي الْمَصَاحِفِ”، عن إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: لا يقولن أحدكم: قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله؟ قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل: قد أخذت منه ما ظهر منه”. انتهى
فما يردده بعض الجهلة ان شيئا من القرٱن ضاع فهو كلام باطل، لان ذلك في الحقيقة يندرج تحت هذه الأقسام. واما قوله تعالى:” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” فحفظه هنا كان وفق ما قرأه النبي صلى الله عليه وسلم في العرضة الأخيرة و ما بعدها. واما قبلها فقد نزلت عدة ٱيات تم ننسخها من الله عز وجل.
