الرد على عبارة من ادعى الإجماع فقد كذب

القرضاوي ينكر الإجماع

ذكر القرضاوي في مقابلة له مع تلفزيون الجزيرة في برنامجه المعهود ردا على من ذكر الإجماع في مسألة قال: «لا إجماع وقد نقل ابن قيم عن أحمد إنكار الإجماع».

وقال في كتابه المسمى «شريعة الإسلام»([1]) تحت عنوان (دعوى الإجماع ولا إجماع): «ومن الأحكام الاجتهادية ما يستند فيه إلى الإجماع، فإذا رجعنا إلى أقوال السلف أو الكتب التي تعنى بذكر الخلاف والمذهب وجدنا هذا الإجماع أمرا موهوما ورأينا الخلاف ثابتا بيقين ولهذا أنكر الإمامان الشافعي وأحمد التوسع في دعوى الإجماع وضيقا فيه، وقصره الشافعي على الأمور المعلومة من الدين بيقين مثل كون الظهر أربعا ونحو ذلك».اهـ.

الرد:

قول القرضاوي ناسبا لأحمد بن حنبل t أنه قال: من ادعى الإجماع فقد كذب، ألا ترون تفاهته حيث ادعى في هذه المسألة لتأييد هواه اتفاق العقلاء والأمم والفقهاء، وقد ثبت عن أحمد القول بالإجماع في مسائل عديدة منها ما نقله عنه أبو الفضل التميمي رئيس الحنابلة ببغداد قال([2]): «وقد أجمع المسلمون لا يتناكرون أنهم إذا رأوا الزلازل والأمطار العظيمة أنهم يقولون: هذه قدرة الله تعالى».اهـ. وقال في حديث أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ ما نصه([3]): «ليس في هذا حديث يصح، لكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين».اهـ.

فظهر بهذا أن الإمام أحمد كان يعد الإجماع حجة، وقد احتج به المعتبرون من أهل مذهبه وغيرهم، قال القرطبي في تفسيره ما نصه([4]): «قال العلماء في قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [سورة النساء: 115]، دليل على صحة القول بالإجماع».اهـ. وقال الحافظ الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه ما نصه([5]): «إجماع أهل الاجتهاد في كل عصر حجة من حجج الشرع ودليل من أدلة الأحكام مقطوع على مغيبه».اهـ. وقال النووي عند شرحه الحديث الذي رواه مسلم([6]): «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله» ما نصه([7]): «وفيه دليل لكون الإجماع حجة، وهو أصح ما استدل به له من الحديث».اهـ. وقال الإمام الشافعي ما نصه: «وأمر رسول الله ﷺ بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في أن إجماع المسلمين لازم».اهـ. وقد نقل حجية الإجماع خلق كثير من العلماء والفقهاء والمحدثين والأصوليين، فليراجع الطالب للحق ذلك في بطون الكتب.

فتبين مما قاله الشافعي وغيره أن الإجماع ثابت، قال الإمام الحافظ المجتهد ابن المنذر في كتابه «الأوسط» عن أحمد أنه قال: «من ادعى الإجماع فقد كذب»، فهذا نفي في مقابل إثبات، فلا يصح هذا القول عن الإمام أحمد، وقد نقل الحافظ ابن الجوزي أيضا عن أحمد أنه قال عن مسألة: «بالإجماع».

فائدة: منقولة من كتاب التقرير والتحبير([8]) شرح ابن أمير الحاج في بيان معنى قول أحمد من ادعاه كاذب، قال ما نصه: (ويحمل قول أحمد من ادعاه)، أي: الإجماع (كاذب على استبعاد انفراد اطلاع ناقله) عليه، إذ لو لم يكن كاذبا لنقله غيره أيضا، كما يشهد به لفظه في رواية ابنه عبد الله وهو من ادعى الإجماع فقد كذب لعل الناس قد اختلفوا، ولكن نقول لا نعلم الناس اختلفوا إذا لم يبلغه، لا إنكار لتحقيق الإجماع في نفس الأمر إذ هو أجل أن هذه الآية في الصلاة يعني: {وإذا قرئ القرءان فاستمعوا له وأنصتوا} [سورة الأعراف: 204]، فهذا نقل للإجماع، فلا جرم أن قال أصحابه إنما قال هذا على جهة الورع لجواز أن يكون هناك خلاف لم يبلغه، أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف؛ لأن أحمد أطلق القول بصحة الإجماع في مواضع كثيرة.

وذهب ابن تيمية والأصفهاني إلى أنه أراد غير إجماع الصحابة، أما إجماع الصحابة فحجة معلوم تصوره لكون المجمعين ثمة في قلة والآن في كثرة وانتشار. قال الأصفهاني: والمنصف يعلم أنه لا خبر له من الإجماع إلا ما يجد مكتوبا في الكتب، ومن البين أنه لا يحصل الاطلاع عليه إلا بالسماع منهم أو بنقل أهل التواتر إلينا، ولا سبيل إلى ذلك إلا في عصر الصحابة وأما بعدهم فلا، وقال ابن رجب: إنما قاله إنكارا على فقهاء المعتزلة الذين يدعون إجماع الناس على ما يقولونه، وكانوا من أقل الناس معرفة بأقوال الصحابة والتابعين، وأحمد لا يكاد يوجد في كلامه احتجاج بإجماع بعد التابعين أو بعد القرون الثلاثة. انتهى.

هذا وقال أبو إسحـٰق الإسفراييني: نحن نعلم أن مسائل الإجماع أكثر من عشرين ألف مسألة، ولهذا يرد قول الملحدة إن هذا الدين كثير الاختلاف ولو كان حقا لما اختلفوا، فنقول أخطأت بل مسائل الإجماع أكثر من عشرين ألف مسألة، ثم لها من الفروع التي يقع الاتفاق منها وعليها، وهي صادرة عن مسائل الإجماع التي هي أصول أكثر من مائة ألف مسألة، يبقى قدر ألف مسألة هي من مسائل الاجتهاد والخلاف، ثم في بعضها يحكم بخطأ المخالف على القطع من نفسه وفي بعض ينقض حكمه وفي بعضها يتسامح، فلا يبلغ ما بقي من المسائل التي تبقى على الشبهة إلى مائتي مسألة.

وهو أي الإجماع (حجة قطعية) عند الأمة (إلا) عند (من لم يعتد به)، يعني: من أهل الأهواء».اهـ.

قال الزركشي في كتابه «تشنيف المسامع»([9]) ممزوجا بالمتن ما نصه: «فلا اعتبار بالكافر فيه – أي: في الإجماع – لأن أدلة الإجماع لم تتناوله إنما تناولت المؤمنين على الخصوص، ولأنه غير مقبول القول فلا اعتبار به في حجة شرعية ولا بقول المبتدع الذي نكفره ببدعته لعدم دخوله في مسمى الأمة المشهود لهم بالعصمة وإن لم يعلم هو كفر نفسه ولا خلاف فيه، فإن لم نكفره فالمختار أنه لا ينعقد الإجماع دونه نظرا إلى دخوله في مفهوم الأمة، وقيل: ينعقد دونه، وقيل: لا ينعقد عليه؛ بل على غيره فيجوز له مخالفة إجماع من عداه ولا يجوز ذلك لغيره. واعلم أنه سيأتي أن الإجماع قد يكون على أمر دنيوي وحينئذ فلا يبعد أن لا يختص بالمسلمين لا سيما إذا بلغ المجمعون حد التواتر ولم نشترط في ناقل التواتر الإسلام.

ويكفي في الرد على منكر الإجماع ما ذكره الإمام أبو منصور عبد القاهر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق ونصه([10]): «واتفقوا – أي: أهل السنة والجماعة – على أن أصول أحكام الشريعة: القرءان، والسنة، وإجماع السلف».اهـ. ثم قال: «وأكفروا النظام في إنكاره حجة الإجماع وحجية التواتر، وقوله بجواز اجتماع الأمة على ضلالة».اهـ.

ومن العجب من ابن تيمية أنه بعد إنكاره الإجماع يناقض نفسه فيقول في فتاويه ما نصه([11]): «وهذا أحد الأدلة على أن الإجماع حجة قاطعة».اهـ. وهذا ليس مستغربا من ابن تيمية، فمن راجع كتبه وجد فيها التناقض البين، ومن ذلك أنه يذكر في فتاويه أن الخضر ميت فيقول([12]): «والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت، وأنه لم يدرك الإسلام، ولو كان موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وءاله وسلم لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه».اهـ. ثم يذكر في نفس الكتاب ما نصه([13]): «وأما حياته – يعني: الخضر – فهو حي، والحديث المذكور – يعني: «لو كان حيا لزارني» – لا أصل له، ولا يعرف له إسناد؛ بل المروي في مسند الشافعي وغيره: أنه اجتمع بالنبي ﷺ، ومن قال: إنه لم يجتمع بالنبي ﷺ فقد قال ما لا علم له به، فإنه من العلم الذي لا يحاط به، ومن احتج على وفاته بقول النبي ﷺ: «أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد»، فلا حجة فيه، فإنه يمكن أن لا يكون الخضر إذ ذاك على وجه الأرض».اهـ.

[1])) انظر: في الكتاب (ص119).

[2])) اعتقاد الإمام أحمد (ص7)، مخطوط.

[3])) تلخيص الحبير (3/26).

[4])) تفسير القرطبي (5/386).

[5])) الفقيه والمتفقه (1/154).

[6])) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة: باب قوله r: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم».

[7])) شرح مسلم (13/67).

[8])) انظر: الكتاب (3/83).

[9])) تشنيف المسامع (ص226 – 227)، مخطوط.

[10])) الفرق بين الفرق (ص327، 328).

[11])) مجموع فتاوى (1/17).

[12])) مجموع فتاوى (27/100).

[13])) مجموع فتاوى (4/339).

أضف تعليق