هو الشيخ جمال الدين أبو زكريا يحيى بن يوسف الصرصري الأنصاري الحنبلي. ولد سنة 588 هجري، وفقد بصره في أواخر عمره، ومات مقتولا عندما تصدى – وهو الكفيف – لجنود التتار أثناء اجتياحهم بغداد. قرأ القرآن بالروايات على أصحاب ابن عساكر البطائحي وسمع الحديث من الشيخ علي بن إدريس اليعقوبي الزاهد، وأجاز له الشيخ عبد المغيث الحربي وغيره. وسمع منه الحافظ الدمياطي وحدث عنه وذكره في معجمه. إليه المنتهى في معرفة اللغة ويقال إنه كان يحفظ صحاح الجوهري بتمامه.كان ينظم الشعر على البديهة وله أشياء حسنة فصيحة بليغة. اشتهر بمدائحه للنبي صلى الله عليه وسلم حتى لقب بحسان وقته. وشعره مشحون أيضا بالتوسل و الاستغاثة بالصالحين. من ذلك قوله عن أحمد بن حنبل:
ثم الذي اعتقد ابن حنبل اتبع تأمن غداً من الحشر من إزعاج
حبرٌ تمسك بالحديث فلم يزغ عنه إلى من عاج شر معاج
واستخرج الأخبار في السنن التي ثبتت وصحت أحسن استخراج
نصر الآله به القرآن فلم يكن في نصره بالعاجز اللجاج
هو في الحياة وسيلتي وذخيرتي لهجوم موت للأنام مفاجي
قال عنه ابن القيم في اجتماع جيوشه صحيفة 200 : ” يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور الصرصري الأنصاري الإمام في اللغة والفقه والسنة والزهد والتصوف”. انتهى
وقال ابن شاكر الكتبي عنه في وفات الوفايات: “صاحب المدائح النبوية السائرة في الافاق، لا اعلم شاعرا اكثر من مدائح النبي اشعر منه، وشعره طبقة عالية”. انتهى
و قال عنه ابن كثير في البداية والنهاية ما نصه: ” معظم شعره في مدح الرسول، صلى الله عليه وسلم، وديوانه في ذلك مشهور معروف غير منكر “. انتهى
ومع ذلك تجد ابن تيمية يقول عنه مجموع الفتاوى 1/71 ما نصه: ” ولهذا أنكرنا على الشيخ يحي الصرصري ما يقوله في قصائده في مدح الرسول من الاستغاثة به مثل قوله: بك أستغيث و أستعين و أستنجد ونحو ذلك” انتهى
حتى قال قاضي البيرة محمد بن السراج الدمشقي في تشويق الأرواح و القلوب إلى ذكر علام الغيوب عن ابن تيمية ” ربما كفره”.
وقد تحدث ابن تغري بردي عن شعر ابن الصرصري في ترجمة أفردها له في الجزء الثاني عشر من كتاب “المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي”، فقال عنه: “صاحب المدائح النبوية السائرة في الآفاق، وشعره كثير يدخل في ثمانية مجلدات، وغالبه طبقة عالية”، وإن كان قطب الدين اليونيني يقول إن قصائده في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم تشغل ما يقرب من عشرين مجلدا”. انتهى
من مؤلفاته:
ديوان الصرصري – زواهر الأنوار و بواهر الأيصار و الاستبصار في شمائل النبي المختار – نونية الصرصري – قصيدة في مدح النبي – الدرة اليتيمة والمحجة المستقيمة – منظومة في قصة يوسف – مختصر الكافي – زوائد الكافي في فقه الإمام أحمد – قصيدة دالية في الفقه الحنبلي.
1- ذكر بعض أشعاره في التوسل و الاستغاثة بالنبي
ذكر اليونيني في ذيل مرآة الزمان بعض أشعاره في مدح الرسول منها قوله:
يا طراز الجمال يا حلة المجد وتاج الكمال للعلياء
يا هلال السرور ياقمر الأنس نجم الهدى وشمس البهاء
يا ربيع القلوب يا قرة العين وباب الإحسان والنعماء
يا لباب المعنى ونور المعاني يا شفاء الصدور من كل داء
إن يوماً أراك فيه ليوم آرج النشر ساطع اللألاء
ومن قصائده أيضا:
وقِفْ تجاه الحجرة العلياء خيـر الحُجُـر
مـعـظّـمـا حُـرمـتـهــا مُـقــبّــلاً لـلــجُــدُر
وعفِّـر الخـدَّ علـى ذاك الـثـرى المعنـبـر
وحيِّ مَن خَيّم فـي ذاك الجنـاب الأطهـرِ
تـحـيّـةً طـيـبـة عـــن العُـبَـيْـد الأصـغــر
و قال التاج السبكي -حاكيًا عن والده الإمام السّبكي- في طبقات الشافعية ما نصه: ” وحضر مرة ختمة بالجامع الأموي وحضرت القضاة وأعيان البلد بين يديه وهو جالس في محراب الصحابة فأنشد المنشد قصيدة الصرصري التي أولها: قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب على ورق من خط أحسن من كتب فلما قال: وأن تنهض الأشراف عند سماعه قياما صفوفا أو جثيا على الركب حصلت للشيخ الإمام حالة وقام واقفا للحال فاحتاج الناس كلهم أن يقوموا فقاموا أجمعون وحصلت ساعة طيبة ” انتهـى
وهذه القصائد في التوسل و الاستغاثة بالنبي و غيره تعد عند الوهابية المجسمة بمثابة الشرك الأكبر فقد قال أبو الفضل القونوي محقق قصيدة وقع القريض في الصحيفة 13: ” و في بعض قصائد ابن الصرصري من المديح النبوي ما هو خادش لجانب التوحيد إذ هو من الاستغاثة بغير الله”. انتهى
2- تصوفه
كان ابن الصرصري من القادرية الذين أخذوا الطريقة القادرية العلية. قال المدعو أبو الفصل القونوي محقق قصيدة وقع القريض في الصحيفة 7 ما نصه: “و لبس الخرقة القادرية من أصحاب الشيخ عبد القادر الجيلاني” انتهى
وقد ذكر ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة ما نصه: “وذكر الشيخ أَبُو زكريا يحيى بن يوسف الصرصري، الشاعر المشهور، عن شيخه العارف علي بن إدريس: أنه سأل الشيخ عبد القادر، فقال: يا سيدي، هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل ؟ فقال: ما كان ، ولا يكون”. انتهى
وهذا إن صح عنه فمعناه أن الولي يكون معتقده موافقا لمعتقد أهل السنة و الجماعة كالإمام أحمد بن حنبل و إلا فإنه لا فرق بين معتقد أحمد و مالك و الشافعي و أبي حنيفة.
3- عقيدته
لقد كان الشيخ الصرصري على مذهب التفويض في الصفات الخبرية و لا يشبه الله بخلقه كما دلت على ذلك قصيدته الدالية في العقيدة وفضائل الأعمال والأخلاق, من ذلك قوله:
إن الإله قديم لا نظير له بغير ضد و لا ند و لا ولد
هو السميع العليم الحي جل عن تشبيه تمثيله ما دار في خلد
تمر ألفاظ أخبار الصفات كما جاءت بلا عوج منا ولا اود
لا يستطيع جحودا من يخالفنا وكيف يجحد ما قد صح في السند
لكنه يجعل التأويل غايته برأي سوء على التخليط معتمد
ثم قال:
والاستواء و أخبار النزول كما سمعت فاشهد وجانب لذي لحد
و النص يشهد أن الله سوف يُرى يوم المعاد فبشر كل معتقد
وقال في ديوانه:
تعالى الله جبارا عظيما عن الأضداد عزا و اقتدارا
وجل عن الشبيه و عن الشريك يكون منازعا أو مستشارا
و ذكر المؤرخ قطب الدين اليونيني الحنبلي المتوفى سنة 726 هجري في ذيل مرآة الزمان أن الشيخ يحي الصرصري قال:
أمرّ أحاديث الصفات كما أتت على رغم غمر يعتدى ويشنع
فلا يلج التعطيل قلبي ولا إلى زخارف ذي التأويل ما عشت أرجع
أقرّ بأن الله جلّ ثناؤه اله قديم قاهر مترفع
سميع بصير ما له في صفاته شبيه يرى من فوق سبع ويسمع
وخلق الطباق السبع والأرض واسعٌ وكرسيّه منهن في الخلق أوسع
قضى خلقه ثم استوى فوق عرشه ومن علمه لم يخل في الأرض موضع
ومن قال إن الله جلّ بذاته بكل مكانٍ جاهلٌ متسرع
إليه الكلام الطيب الصدق صاعدٌ وأعمال كل الخلق تُحصى وترفع
4- كلامه عن صفة الكلام
الظاهر أن الشيخ يحي الصرصري كان قد تأثر ببعض مقالات المجسمة حتى رماه بعضهم بالتجسيم. قال الشيخ صلاح الدين أبو الصَّفاء خليل بن أيبك بن عبد الله الألبَكِي الفاري الصَّفديّ الدِّمشقيّ الشَّافعيّ: “إلا أنه تعرض في قصيدته العينية الطويلة و غيرها إلى التجسيم” انتهى”
نقله عنه المؤرخ يوسف بن تغري بردي في المنهل الصافي و المستوفى بعد الوافي في الجزء 12
ومما جاء في هذه القصيدة التي ذكرها قطب الدين اليونيني الحنبلي المتوفى سنة 726 هجري في ذيل مرآة الزمان قوله:
ومعتقدي أن الحروف قديمة وإن حار في قولي غويٌّ متعتع
وقوله أيضا
وألواح موسى خطّها بيمينه … مواعظ تشفى من ينيب ويخشع
وقد أنكر جماعة من الصوفية على الشيخ يحي الصرصري القول بقدم الحروف كما ذكر ذلك أبو البركات خير الدين نعمان بن محمود بن عبد الله الآلوسي المتوفى سنة 1317هـجري في كتابه “جلاء العينين في محاكمة الأحمدين” ونص عبارته: ” وقد سئل الحافظ الإمام شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى: في رجل ذكر أن “حسيناً الحلاج” ليس بولى وذكر بعض الفقهاء أن من اعتقد ولايته كفر ثم ذكر أيضاً أن “عمر بن الفارض” ليس بولي وأن في كلامه الاتحاد ثم ذكر أيضاً أن “يحيى الصرصري” يعتقد قدم الحروف ثم إن جماعة من الصوفية أنكروا عليه والمسئول من صدقات مولانا شيخ الإسلام أن يبين لنا حقيقة ذلك بما تطمئن به النفوس مثابين على ذلك إن شاء الله تعالى. فأجاب: “……”وأما قوله في حق “الصرصري” فهو كما قال فكلامه صريح فيما ذكر وهو على طريقة الحنابلة ولهم في ذلك منازعات”. انتهى
ولعل الشيخ يحي الصرصري قد تاب من هذه المعتقدات الباطلة قبل موته لأجل رؤيته للنبي في المنام و بشارته له بحسن الختام كما ذكر ذلك المؤرخ قطب الدين اليونيني الحنبلي المتوفى سنة 726 هجري في ذيل مرآة الزمان.
5- قصيدة وقع القريض
هذه القصيدة تعرف أيضا بنظم اعتقاد الشافعي كما بين ذلك المدعو أبو الفضل القونوي محمد بن عبد الله أحمد محقق قصيدة وقع القريض في الصحيفة 3 – طبعة اضواء السلف الرياض-حيث قال: ” وكان من قدر الله عز و جل أن أظهر نسخة منها على يدي و تبين – بعد – أنها ما قيلت في بيان عقيدة الشافعي – و إن كان أكثرها موافقا لعقيدته – بل نظمت لبيان معتقد شيخ شافعي معاصر للشاعر, ألف كتابا في العقيدة فمدحه الشاعر لذلك”. انتهى
وقد اعترف هذا المحقق أنه هو الذي سماها بوقع القريض فقال في الصحيفة 4 ما نصه: “وعنونتها ” وقع القريض” باجتهاد من عندي”. انتهى
و الظاهر أن هذه القصيدة قد تم التلاعب بألفاظها لعدة أمور منها:
هذه القصيدة قد ذكرها ابن القيم في اجتماع جيوشه. والمخطوط الذي اعتمده في نقل الأبيات قد تصرف الناسخ فيه بدليل ما قاله الوهابي أبو الفضل القونوي محقق قصيدة وقع القريض في الصحيفة 19 ونص عبارته: ” ظاهر أن النسخة التي رآها الإمام ابن قيم الجوزية قد تصرف الناسخ فيها فكتب أنها في اعتقاد الشافعي, فتبعه الامام ابن القيم” انتهى
و كلام هذا المحقق معناه أن ابن القيم ليس له سند لناظم القصيدة بل هو مجرد ناقل فلا يقوم بذلك حجة.
المخطوط المتداول تم تحريف عباراته من ذلك قوله: أيشعر حزب الأشعري المضلل بأني حرب للعدى غير أنكل والذي عند ابن القيم في اجتماع جيوشه قوله: أيشعر حزب الجهم ذاك المضلل بأني حرب للعدى غير أنكل وهذا دليل أن بعض النساخ هم ممن يعادون المذهب الأشعري و لعلهم قاموا بتحريف القصيدة و الدس فيها.
-اسم الناسخ و تاريخ النسخ مجهول: قال أبو الفضل القونوي في الصحيفة 6 ما نصه: ” وتقع النسخة في مجلد بحجم كتاب الجيب (كما يقال في عصرنا) و ما كتب عليها اسم ناسخ و لا تاريخ استنساخ, خطها مقروء في الجملة و لكنه لا يحمد لما بها من أخطاء الرسم”. انتهى
هذه القصيدة فيها ثناء على الشيخ عبد الكريم الأثري الموصلي المتوفى سنة 651 هجري بعد أن وقف الصرصري على كتابه “المعتمَد في المُعتقد”. و يدل على ذلك أن أول المخطوط كتب عليها ” وقال وكان قد وقف على كتاب ” المعتمد في المعتقد تصنيف الشيخ الإمام أبي محمد, عبد الكريم بن منصور بن علي الشافعي الأثري فنظم هذه القصيدة و كتب على ظهر الجزء كالترجمة لها هذه الأبيات”. انتهى
وليس لعبد الكريم الموصلي هذا كتابا اسمه ” المعتمد في المعتقد”. إنما هذا الكتاب هو لشهاب الدين فضل الله التوريشي الأشعري كما في كشف الظنون 2/1733. و توجد نسخة منه في مكتبة قونيا رقمها 3/2392
ومما جاء في هذه القصيدة المحرفة قوله:
ومذهبـه في الاسـتواء كمالــكً وكالـسلف الأبـرار أهـل التفضُّلِ
ومستويا بالذات من فوق عرشه ولا تقُل استـولى فمَـن قال يُبطَـل
فـذاك الذي ضِدٌّ يقـال فـسوءَةً لِـذي خَطَـلٍ راوٍ يُغيـثُ وأخْطَـلِ
وقد بـانَ منه خَلقُـه وهو بـائنٌ مِـنَ الخَلْق مُحْصٍ للخَـفِيِّ وللجَـلي
و”أقرب من حبل الوريـد” مُفسّرٌ ومـا كان في معناهُ بـالعِلم فاعقـلِ
عـلا في السماء اللهُ فـوقَ عِباده دليلُـك في القـرآن غيـرُ مَفَـلَّل
وإثبـات إيمان الجُويرية اتّخِـذ دليـلا عليه مُسنَدًا غـير مُرسَـلِ
6- قصيدته تحفة المريدين
هذه القصيدة ذكرها المجسم ابن القيم في اجتماع جيوشه – تحقيق عواد عبد الله المعتق، الطبعة الأولى, مطابع الفرزدق التجارية، سنة 1408 هـجري – وفيها أن الشيخ الصرصري قال:
نقر بأن الله جل جلاله سميع لأقوال العباد بصير
ويطوي السماوات العلى بيمينه وذلك في وصف القوي يسير
وخاطب موسى بالكلام مكلما فخر صريعا إذ تقطع طور
وخط له التوراة فيها مواعظ فلاحت على الألواح منه دسور
وأن قلوب الخلق بين أصابع الإله فمنها ثابت ونفور
ونثبت في الأخرى لرؤية ربنا حديثا رواه في الصحيح جرير
وأي نعيم في الجنان لأهلها وأنى لهم لو لم يروه سرور
إلى أن قال:
ونؤمن أن العرش من فوق سبعة تطوف به أملاكه وتدور
قضى خلقه ثم استوى فوق عرشه تقدس كرسي له وسرير
هو الله ربي في السماء محجب وليس كمخلوق حوته قصور
إليه تعالى طيب القول صاعد وينزل منه بالقضاء أمور
لقد صح إسلام الجويرية التي بأصبعها نحو السماء تشير
وهذه القصيدة وقع تحريفها لأجل التباين الواضح بين ما نقله ابن القيم و بين الموجود في ديوانه كما في نسخة مخطوط الأزهر الشريف, ففيه قوله:
قضى خلقه ثم استوى فوق عرشه وليس كمخلوق حواه سرير
هو الله ربي في الـــــسماء مُحجب وليس بمحدودٍ حَوَته قُطور
إليه تعالى طيــــــب القول صاعد وتنزل مــنه بالقضاء أمور
لقد صحَّ إســـــــلام الجويرية التي بإصبعها نحو السماء تُشير
تقدَّس عن قول الحُـــــــــلول إلهنا فإن مقامات الحلول غرور
فالتحريف هنا واضح بين قوله: “وليس كمخلوق حواه سرير” وقول ابن القيم: “تقدس كرسي له وسرير. وبين قوله أيضا: “وليس بمحدود حوته قطور” وقول ابن القيم: “وليس بمخلوق حوته قصور”. مع الإشارة إلى أن ابن القيم لم يذكر البيت الذي فيه تنزيه الله عن الحلول
