كرامات الأولياء أمثلة و أسانيد

الأقطاب الأربعة

إعلم أن أصل الطرق المباركة واحد وهذه الفروع تنتهي إلى الأصل فلا فرق بين الطرق ومسالكها ومناهجها ورجالها وما أعذب ما قاله الشيخ القطب الجليل أبو الهدى الصيادي الرفاعي رضي الله عنه: (الكامل)‏ ظهروا ببرهان الرسول تسلسلا … حتى لعهد الأربعِ الأقطابِ إبنِ الرفاعيْ ثم عبدالقادر الـ … ـجيلي وابْراهيم والعطابِ فإنهم أهل الهمم العلية والآداب القدسية، والمدارك الناجحة، والتجارة الرابحة، عرفوا حد البشرية، وما تجاوزوا مقام العبودية، ولا حجبتهم الحجب المستعارة الفانية‏ عما وراءها من الشؤونات الصحيحة الباقية فألجموا الألسن عن الكلام بغير الحق، وتبعهم على ذلك جم غفير من غني وفقير وخادم وأمير، فهم أعيان الأولياء وأقطاب العرفاء شهرتهم سارت شرقا وغربا وأتباعهم عجما وعربا. وإننا تبركا بآثارهم، وتشبها باتباعهم، (إن التشبه بالكرام فلاح) أتيت على ذكرهم وهم السادة أصحاب الطرق المشهورة والمسالك المنصورة. وهم سيدنا القطب العارف عبدالقادر الجيلاني رضي الله عنه، وسيدنا القطب العارف إبراهيم الدسوقي رضي الله عنه، وسيدنا العارف أحمد البدوي رضي الله عنه وسيدنا العارف أحمد الرفاعي الكبير رضي الله عنه.‏

أحمد الرفاعي:

كراماته فكثيرة نذكر منها الكرامة المشهورة وهي منقبةُ تقبيله يدَ النبي صلى الله عليه وسلم وسماع صوته الشريف فيما نقله الإمام جلال الدين السيوطي في إثبات هذه الكرامة ما نصه: حدثنا شيخ الإسلام الشيخ كمال الدين إمام الكاملية، عن شيخ مشايخنا الإمام العلامة الهمام الشيخ شمس الدين الجزري، عن شيخه الإمام الشيخ زين الدين المراغي، عن شيخ الشيوخ البطل المحدث الواعظ الفقيه المقرئ المفسر الإمام القدوة الحجة الشيخ عز الدين الفاروثي الواسطي، عن أبيه الأستاذ الأصيل العلامة الجليل الشيخ أبي إسحاق إبراهيم الفاروثي، عن أبيه إمام الفقهاء والمحدثين وشيخ أكابر الفقراء والعلماء العاملين الشيخ عز الدين أبي الفرج الفاروثي الواسطي قُدست أسرارُهم جميعًا قال: كنت مع شيخنا ومفزِعنا وسيدِنا أبي العباس القطب الغوث الجامع الشيخ السيد أحمد الرفاعي الحسيني رضي الله عنه، عام خمس وخمسين وخمسمائة العام الذي قدر الله له فيه الحج، فلما وصل مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقف تجاه حجرة النبي عليه الصلاة والسلام وقال على رءوس الأشهاد: “السلام عليك يا جدي”، فقال له عليه الصلاة والسلام: “وعليك السلام يا ولدي“، سمع ذلك كل من في المسجد النبوي فتواجد سيدنا السيد أحمد وأرعد واصفرّ لونُه وجثا على ركبتيه ثم قام وبكى وأنَّ طويلًا وقال: يا جداه:

في حالة البعد روحي كنت أُرسلها        تقبل الأرض عني وهي نائبتي

وهذه دولة الأشباح قد حضرت           فامدد يمينَك كي تحظى بها شفتي

فمد له رسول الله صلى الله عليه وسلم يده الشريفة العطرة من قبره الأزهر المكرم فقبلها في ملأ يقرُب من تسعين ألف رجل والناس ينظرون اليد الشريفة، وكان في المسجد مع الحُجاج الشيخ حياة ابن قيس الحراني، والشيخ عبد القادر الجيلي المقيم ببغداد، والشيخ خميس، والشيخ عدي بن مسافر الشامي، وغيرهم نفعنا الله بعلومهم وتشرفنا معهم برؤية اليد المحمدية الزكية. وفي يومها لبس الشيخ حياة بن قيس الحراني خِرقة السيد أحمد الكبير واندرج في سلك أصحابه.

وكراماتُه أكثرُ من أن نحصرها وفي هذا ما يكفي لبيان علو منـزلة هذا الإمام الجليل رضي الله عنه ونفعنا والمسلمين ببركاته.

أبو مدين :

 الله تعالى أكرمه بكرامات كثيرة، قال الشيخ أحمد بن محمد الْمُقْرِي التلمساني في نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب: ومن مشهور كراماته أنه كان ماشيا يوما على ساحل فأسره العدو وجعلوه في سفينة فيها جماعة من أسرى المسلمين فلما استقر في السفينة توقفت عن السير ولم تتحرك من مكانها مع قوة الريح ومساعدتها، وأيقن الروم أنهم لا يقدرون على السير، فقال بعضهم: أنـزلوا هذا المسلم، ولعله من أصحاب السرائر عند الله تعالى، وأشاروا له بالنـزول، فقال: لا أفعل إلا إن أطلقتم جميع من في السفينة من الأسارى، فعلموا أن لا بد لهم من ذلك، فأنزلوهم كلهم وسارت السفينة في الحال. اهـ

وذكر ابن بطوطة في رحلته أنه: يحكى أن الشيخ الولي أحمد الرفاعي رضي الله عنه كان مسكنه بأم عبيدة بمقربة من مدينة واسط، وكانت بين ولي الله تعالى أبي مدين شعيب بن الحسين وبينه مؤاخاة ومراسلة. ويقال: إن كل واحد منهما كان يسلم على صاحبه صباحًا ومساء فيرد عليه الآخر. اهـ

قال الشعراني في ” الطبقات الكبرى”: قال الشيخ أبو الحجاج الأقصري سمعت شيخنا عبد الرزاق رضي الله عنه يقول: لقيت الخضر عليه السلام سنة ثمانين وخمسمائة، فسألته عن شيخنا أبي مدين، فقال: هو إمام الصديقين في هذا الوقت.اهـ

قلت: وأجمعت المشايخ على تعظيمه وإجلاله وتأدبوا بين يديه وكان ظريفا جميلا متواضعا زاهدا ورعا محققا مشتملا على كرم الأخلاق رضي الله عنه.اهـ كلام الشعراني.

 قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: قَالَ مُحْيِي الدِّيْنِ ابْنُ العَرَبِيِّ: كَانَ أَبُو مَدْيَنَ سُلْطَانَ الوَارِثِيْنَ، وَكَانَ جمَال الحُفَّاظ عَبْدُ الحَقِّ الأَزْدِيّ قَدْ آخَاهُ بِبجَايَة، فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ، وَيَرَى مَا أَيَّده الله بِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، يَجد فِي نَفْسِهِ حَالَة سَنِيَّةً لَمْ يَكُنْ يَجِدُهَا قَبْل حُضُوْر مَجْلِس أَبِي مَدْيَن، فَيَقُوْلُ عِنْدَ ذَلِكَ: هَذَا وَارِث عَلَى الحقيقَة.اهـ

أحمد البدوي:

يقول الشعراني: هو شيخ الخرقة أبو العباس أحمد البدوي الحسيب النسيب رضي الله عنه، وشهرته في مصر والشام والحجاز واليمن والهند والسند والروم والغرب تغني عن تعريفه.‏ وكان مولده بمدينة فاس بالمغرب، فإن أجداده الشرفاء انتقلوا أيام الحَجاج إلى أرض المغرب لما كثر القتل في الأشراف ولما بلغ سبع سنين سمع أبوه قائلا يقول له في منامه يا علي انتقل من هذه البلاد إلى مكة.‏ قال الشريف حسن أخو السيد أحمد: فأقمت أنا وإخوتي وكان أحمد أصغرنا سنا وأشجعنا قلبا، وكان لكثرة تلثمه سميناه بالبدوي، فأقرأته القرآن ولم يكن في فرسان مكة أشجع من أخي أحمد، حتى كانوا يسمونه في مكة العطاب. فلما جاءته المواهب الإلهية وتغيرت أحواله واعتزل الناس ولازم الصمت، فكان لا يكلم الناس إلا بالإشارة، ثم إنه رأى في منامه ثلاث مرات قائلا يقول له: قم ثم سر إلى طندتا فأن بها مقامَك فسار الى العراق ومنها الى ‏طندتا ، ومرّ في ‏طريقه إلى أم عبيدة فزار سيدي أحمد بن الرفاعي رضي الله عنه.‏ ولما وصل إلى طندتا دخل إلى دار بن شحيطة شيخ البلد فصعد إلى سطح غرفته، وأقام فوق السطح نحو اثنتي عشرة سنة، وكان يمكث الأربعين يوما فأكثر لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، ومن هنا كان الناس يقولون فلان من أصحاب السطح، ويقولون سيدي أحمد السطوحي.‏ وليعلم أن سيدي أحمد البدوي أخذ البيعة في بدايته عن الشيخ عبدالجليل بن عبدالرحمن النيسابوري بسبعة وسائط، تنتهي بيعته إلى الإمام داود الطائي إلى الأستاذ حبيب العجمي إلى سيد التابعين الحسن البصري، إلى ابن عم المصطفى الإمام علي المرتضى كرم الله وجهه، وإنما سلوكه وإيصاله الغاية وقع على يد الشيخ بري الرفاعي.

ويقول سيدنا مولانا شيخ الإسلام الحافظ أمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني في السيد أحمد البدوي: عُرِفَ بالبدوي لملازمته اللثام ولبس اللثامين حتى كان لا يفارقهما، وعُرض عليه التزويج فامتنع لإقباله على العبادة، وكان قد حفظ القرآن كله، ثم قرأ شيئا من الفقه على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، واشتهر بالعطاب لكثرة عطبه لمن يؤذيه، وكان إذا عرض له الحال يصيح صياحا عظيما متواصلا، ويؤثر عنه كرامات كثيرةوخوارق شهيرة من أشهرها قصة المرأة التي أسر ولدَها الفرنج فلاذت به فأحضره إليها في قيوده، ومرَّ به رجل يحمل قربة لبن فأشار الشيخ بإصبعه إلى القربة فانقدت فانسكب اللبن وخرجت منه حية عظيمة ميتة قد انتفخت، وقد لازم جماعة من أهل تلك البلاد خدمته رضي الله عنه، وبنوا على قبره مقاما وميزوه عن أشياخ عصره، وحدث لهم بعد مدة عمل المولد الشريف عنده، وصار يوما مشهودا تقصده الناس من النواحي البعيدة وشهرة هذا المولد في عصرنا تكفي عن وصفه اهـ.‏ ويقول المحدث العدل أبي المحاسن يوسف: ومما بلغني من جماعة من أهل بيروت قالوا أسرتنا الفرنج وكنا اثني عشر رجلا، فأقمنا في بلاد الفرنج يستخدموننا في الأعمال الشاقة حتى كدنا نموت، فألهمنا الله تعالى يوما أننا قلنا يا سيدي أحمد يا بدوي إن‏ الناس يقولون إنك تأتي بالأسرى إلى بلادهم سألناك بالنبي صلى الله عليه وسلم أن تردنا إلى بلادنا قالوا ففي ذلك اليوم نزلنا مركبا ليس فيها أحد وقذفنا، فلم يشعر بنا الفرنج حتى سرنا في البحر نحو ميلين، فخرجوا وراءنا، فلم يدركونا إلى أن وصلنا بلادنا ببركة سيدي أحمد البدوي.اهـ.‏ ولو أردنا تعداد مناقبه وكراماته وأصحابه لاحتجنا أن نفرد لهم كتابا مخصوصا رضي الله عنه.

أبو الحسن الشاذلي

حج مرات وتُوُفـِّيَ بِصَحْرَاءِ عَيْذَابَ فى “حُمَيْتَرَة” ويقال أَيضًا “حُمَيْتَرَا بالأَلف” من الصعيد، قاصدا الحج فدفن هناك في شَهْرِ ذِي القَعْدَةِ سنة ست وخمسين وستمائة 656 هـ.

وذكر ابن بطوطة فى رحلته: عن ياقوت العرش عن شيخه أبى العباس الـمرسى أن أبا الحسن الشاذلى كان يحج كل سنة، فلما كان فى آخر سنة خرج فيها قال لخادمه: استصحب فأسا وقفة وحنوطا، فقال له: لماذا؟ قال:” حُمَيْتَرَا سوفَ تَرَى “، فلما بلغ حميترا اغتسل الشيخ وصلى ركعتين فقبضه الله فى آخر سجدة ودفن هناك.اهـ

وفي درة الأسرار:” وبات تلك الليلة متوجها إلى الله تعالى ذاكرا يسمعه أصحابه وهو يقول: إلـهي إلـهي، فلما كان السحر سكن، فظننا أنه نام، فحركناه فوجدناه ميتا “.اهـ

السيدة نفيسة

من كراماتها

أيضًا ما حكى الأزهري في “الكواكب السيارة”  من غريب مناقب السيدة نفيسة بنت الحسن، أن امرأة عجوزا لها أربعة أولاد بنات كن يتقوّتن من غزلهن (يغزلن الصوف) من الجمعة إلى الجمعة .

فأخذت أمهن الغزل لتبيعه وتشتري بنصفه كتانًا ونصفه الآخر ما يتقوّتن به على جري العادة، ولفت الغزل في قطعة حمراء ومضت إلى نحو السوق، فلما كانت في بعض الطريق إذا بطائر انقض عليها وخطف منها الرزمة، الغزل ثم ارتفع في الهواء، فلما رأت العجوز ذلك وقعت مغشيًا عليها (مؤكد هذا لأنه ليس عندها مال تقتات منه غير ذلك الغزل) فلما أفاقت من غشيتها هذه قالت: كيف أصنع بأيتامي ؟ قد أهلكهم الفقر والجوع فبكت فاجتمع الناس عليها وسألوها عن شأنها فأخبرتهم بالقصة فدلوها على السيدة نفيسة وقالوا لها اسأليها الدعاء فإن الله سبحانه وتعالى يزيل ما بك، فلما جاءت إلى باب السيدة نفيسة أخبرتها بما جرى لها مع الطائر وسألتها الدعاء فرحمتها السيدة نفيسة، دعت لها دعاءً أن ييسر لها أمرها فقعدت المرأة تنتظر الفرج وفي قلبها من جوع أولادها شدة وضيق.

فلما كان بعد ساعة يسيرة إذا بجماعة قد أقبلوا وسألوا عن السيدة نفيسة وقالوا إن لنا أمرًا عجيبًا، نحن قوم مسافرون لنا مدة في البحر ونحن بحمد الله سالمون فلما وصلنا إلى قرب بلادكم انفتحت المركب التي نحن فيها ودخل فيها الماء وأشرفنا على الغرق وجعلنا نسد الخرق الذي انفتح فلم نقدر على سده، وإذا بطائر ألقى علينا سرة حمراء فيها غزل فسدت الفتحة بإذن الله. وقد جئنا بخمسمائة دينار شكرًا على السلامة .

فبعد ذلك بكت السيدة نفيسة وقالت: إلهي وسيدي ومولاي ما أرحمك وألطفك بعبادك، ثم طلبت العجوز صاحبة الغزل وقالت لها: بكم تبيعين غزلك فقالت بعشرين درهمًا فناولتها الخمسمائة دينار فأخذتها وجاءت إلى بناتها فأخبرتهن بما جرى فتركن الغزل وجئن إلى بيت السيدة نفيسة وقبلن يدها وتبركن بها.

نعم من يتق الله يجعل له مخرجًا، من صبر ظفر فله الأجر ومن اعترض على الله كفر . 

عبد الله بن المبارك

كرامات عبد الله بن المبارك فكثيرة، فقد ورد في تاريخ بغداد عن أَبي وَهْبٍ قال: مَرَّ ابْنُ المُبَارَكِ بِرَجُلٍ أَعْمَى، فَقَالَ لَهُ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَدعُوَ لِي أَنْ يَرُدَّ الله عَلَيَّ بَصَرِي. فَدَعَا اللهَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ بَصَرَهُ. وَأَنَا أَنْظُرُ.اهـ

ورُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الله بنَ المبارَكِ كَانَ يَغْزُو عَامًا ويَحُجُّ عَامًا ففي عَامٍ مِنْ أَعْوَامِ حَجّهِ في سَفَرِهِ إلى الحَجّ وَجَدَ في مَغَارَةٍ امرأةً تَلتقِطُ هِرَّةً وَتَذْبَحُهَا للأَكْلِ، فَذَكَّرَهَا بالآية ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنـزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ 173 سورة البقرة، فَأَجَابَتْهُ ِبَاقِي الآيةِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فَلَمَّا عَلِمَ بأنَّها مُضْطَرَّةٌ لِتُطْعِمَ أَوْلادَهَا الجياعَ الذينَ عَضَّهُمُ الجوعُ بِنَابِهِ وَشَارَفوا عَلى الهَلَاكِ وَلَمْ يَجِدُوا سِوَى المَيْتَة أَعْطَاهَا مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ مَالٍ وَطَعَامٍ إلا مَا يَكْفِيْهِ لِلرُّجُوعِ إلى بَلَدِهِ وَلَمْ يَحُجَّ تلك السَّنَةَ، فَلَمَّا رَجَعَ الناسُ مِنَ الحَجّ جَاؤوا يُهَنِـّئونَهُ بِالحَجّ فَقَالَ لَهُم بِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ هذِهِ السَّنَةَ فَقَالوا لَهُ كَيْفَ هذا وَقَدِ اجْتَمَعْنَا بِكَ وَرَأَيْنَاكَ في عَرَفَات وَعِنْدَ الكَعْبَةِ وَفي مِنًى والمسْعَى.

فَقَالَ أَهلُ العِلْمِ: هذا مَلَكٌ أُرسِلَ بِصُورَتِهِ فَحَجَّ عَنْهُ.

إبراهيم بن أدهم

معلوم عند المسلمين أن بعض الأولياء يصدر منهم كرامات، وهي أمور خارقة للعادة تكون دليلاً على صدق اتباعهم لنبيهم. وقد كثر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم الكرامات، وكان إبراهيم بن أدهم واحدًا من أولئك الذين حصلت على أيديهم أمور كهذه، منها ما ذكره يوسف النبهاني في «جامع كرامات الأولياء» وهو أن قومًا أتوا إلى إبراهيم بن أدهم فقالوا: يا أبا إسحٰق، إن الأسد واقف على طريقنا، فأتى إبراهيم إلى الأسد فقال: يا أبا الحارث إن كنتَ أُمِرْتَ فينا بشىء فامض لما أُمرتَ به، وإن لم تؤمر بشىء فتنحَّ عن طريقنا، فأدبر الأسد يهمهم.

وفي «روض الرياحين» كرامة أخرى له، وهي أنه أراد ركوب سفينة، فأبى الملاح إلا أن يأخذ دينارًا، فصلى إبراهيم ركعتين وقال: اللهُمَّ إنهم سألوني ما ليس عندي وهو عندك كثير، فصار الرمل دنانير فأخذ واحدًا دفعه له ولم يأخذ غيره.

ومن كراماته التي حصلت له في المصيصة (وهي مدينة في الشام يقال لها المنصورة) أنه خرج إلى مرج من مروج الشام فالتقى بأناس يوقدون نارًا حولهم خوف السباع، فطلبوا منه أن ينضم إليهم فأبى وجلس في ناحية وحيدًا، وبينما هو يصلي الليل إذ أتته ثلاثة أسود فتقدم الأول إليه فشمه وطاف حوله ثم تنحى ناحية فربض، ثم جاء الثاني ففعل كفعل الأول، ثم الثالث  ففعل كفعل الأولين، فلما  دخل السَّحَر قال للأسود: ما الذي جاء بكم أتريدون أن تأكلوني امضوا، فقامت الأسود فتركته وذهبت، وكل ذلك على مرأى من القوم.

عبد الباقي المكاشفي

كرامات الشيخ كثيرة جدًا منها أنه كان رضي الله عنه يخاطب الوافدين عليه من سائر البلاد كل على حسب لهجته قبل أن يبدأ الوافد بالكلام، ولو أردنا حصر كراماته لضاق المقال عنها.  

وفي طرف الساحة حفرة عميقة وواسعة تسمى الحفير وقد حفرها المكاشفي بيده مع خواص مريديه وطلابه بغرض أن يجمع ماء المطر فيها للري والشرب والطهارة وللبهائم، وعلى طرف الحفرة شجرة من النيم متدلية فوق الحفير تقطر من أوراقها في أحد أيام السنة عسلاً يشرب منه الناس إلى يومنا هذا، وقد حققت الصحافة بهذا الأمر فوجدته صحيحًا ونشر الخبر في بعض الجرائد السودانية .

عمر بن الخطاب

 باب في جواز الكرامات للأولياء

أخبرنا محمد بن محمد بن يعقوب الحافظ ثنا أحمد بن عبد الوارث بن جرير العسال بمصر أنا الحارث بن مسكين أنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أيوب عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر أن عمر [27] رضي الله عنه بعث جيشا [28] فأمر عليهم رجلا يدعى سارية [29]، فبينما عمر يخطب [30] فجعل يصيح: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، فقدم رسول من الجيش فقال: يا أمير المؤمنين لقينا عدونا فهزمونا فإذا صائح يصيح: يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزمهم الله تعالى، فقلنا لعمر: كنت تصيح بذلك [31].

قال ابن عجلان: وحدثني إياس بن معاوية بن قرة [بذلك] [32].

أنا عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث ثنا أيوب بن محمد الوزان ثنا خطاب بن سلمة الموصلي ثنا عمر بن أبي الأزهر عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه خطب يوما بالمدينة فقال: يا سارية الجبل من استرعى الذئب فقد ظلمه، فقيل يذكر السارية والسارية بالعراق، فقال الناس لعلي رضي الله عنه: ما سمعت عمر يقول يا سارية وهو يخطب على المنبر فقال: ويحكم دعوا عمر فإنه ما دخل في شئ إلا خرج منه. فلم يلبث إلا يسيرا حتى قدم سارية فقال: سمعت [33] صوت عمر فصعدت الجبل [34].

[27] وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه رجل محدث، فقد قال عليه الصلاة والسلام: “لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر” رواه البخاري [كتاب فضائل الصحابة: باب مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه 3689] ومسلم [كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه 2398] وزاد مسلم في صحيحه: “قال ابن وهب: تفسير محدثون: ملهمون” اهـ، وهذا التفسير قاله أكثر العلماء، نص على ذلك الحافظ في “فتح الباري” [7/50]، والملهم هو الذي يلقى في نفسه الشئ فيخبر به حدسا وفراسة، وهو نوع يختص به الله عز وجل من يشاء من عباده الذين اصطفى مثل عمر، كأنهم حدثوا بشئ فقالوه. قاله ابن الأثير في “النهاية” [1/350]، ونقله ابن منظور في “لسان العرب” [2/134].

[28] أرسله إلى نهاوند بفارس، وتقع جنوبي همذان وبها كانت وقعة للمسلمين زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

[29] هو سارية بن زنيم بن عمرو بن عبد الله بن جابر بن محمية بن عبد بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، كان من أشد الناس حضرا أي عدوا، ذكره بعضهم في عداد الصحابة وبعضهم في التابعين. قال الحافظ في “الإصابة”: “تقدم في ترجمة أسيد بن أبي إياس بن زنيم ما يشعر بأن له صحبة، وقال ابن عساكر: “له صحبة”، وذكره ابن حبان في التابعين، وقد تقدم أنهم كانوا لا يؤمرون إلا الصحابة”، وقال الذهبي في “تجريد أسماء الصحابة”: “ذكره ابن سعد وأبو موسى ولم يذكروا له ما يدل على صحبته لكنه أدرك” اهـ. انظر: الإصابة [2/2]، أسد الغابة [2/2]، التجريد [1/203]، الوافي [15/75]، تاريخ مدينة دمشق [20/1891]، الإكمال [3/395: باب ذييم وزنيم، و4/246: باب سارية وشارية].

[30] كان يخطب بالمدينة وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[31] هذه الرواية ثابتة حسن إسنادها عدد من الحفاظ، قال الحافظ ابن حجر في “الإصابة” [2/3] بعد أن ذكر هذه الرواية عن ابن وهب ما نصه: “وهكذا ذكره حرملة في جمعه لحديث ابن وهب وهو إسناد حسن” اهـ، ووافقه على تحسينه تلميذه السخاوي في “المقاصد الحسنة” [ص/737]، وكذا وافقه الحافظ محمد مرتضى الزبيدي في “إتحاف السادة المتقين” [7/260]، وقال الحافظ ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية” [7/106، حوادث سنة 23هـ]: “وقال عبد الله بن وهب عن يحيى…” فذكر القصة ثم قال: “وهذا إسناد جيد حسن” اهـ. وقال العجلوني في “كشف الخفاء” [2/515]: “قال في اللآلئ: وقد أفرد الحافظ القطب الحلبي لطرقه جزءا ووثق رجال هذا الطريق وقال: ذكره ابن عساكر وابن ماكولا [وغيرهما]، وسارية له صحبة” اهـ. وقال الحافظ الزبيدي في “الإتحاف” [7/260]: “وقد أفرد لطرقه القطب الحلبي الحافظ جزءا” اهـ.

[32] هذه الزيادة من تاريخ ابن عساكر [20/24 و25].

[33] هذا دليل على صحة سماع الحي الغائب خطاب من يناديه من بعيد، ورد على مانعي التوسل بالحي الغائب لزعمهم أن الغائب لا يسمع وقد ظهر لك أيها القارئ ثبوت سماع سارية صوت سيدنا عمر بن الخطاب وبين نهاوند ومدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم مسافة بعيدة جدا.

[34] قال الحافظ في “الإصابة” [2/3] ما نصه: “أخرج القصة الواقدي عن أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر وأخرجها سيف مطولة عن أبي عثمان وأبي عمرو بن العلاء عن رجل من بني مازن فذكرها مطولة، وأخرجها البيهقي في “الدلائل” واللالكائي في “شرح السنة” والديرعاقولي في “فوائده” وابن الأعرابي في “كرامات الأولياء” من طريق ابن وهب عن يحيى بن أيوب عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر قال: وجه عمر جيشا …” وذكر القصة ثم قال: “وروى ابن مردويه من طريق ميمون بن مهران عن ابن عمر عن أبيه…” اهـ.

قلنا: أسند الحافظ ابن عساكر في تاريخه [20/ 24-25-26-27] هذه الروايات عن الواقدي [وهو متروك] وسيف [ضعيف الحديث] والبيهقي والدير عاقولي، وأسندها عن مردويه ابن الأثير في “أسد الغابة” [2/154] وفي سندها فرات بن السائب قال فيه الدراقطني وغيره متروك [لسان الميزان 4/503]، وأسندها عن سيف كذلك الطبري في تاريخه [2/553-554، حوادث سنة 23].

أضف تعليق