محمد المكي بن عزوز النفطي المالكي و تفسير الإستواء و التصوف

هو أبو عبد الله محمد المكي بن مصطفى بن محمد بن عزوز الحسني الإدريسي البرجي النفطي المالكي.ولد بمدينة نفطة بتونس يوم خمسة عشر من شهر رمضان سنة 1270هـ. قال عنه الكتاني في فهرس الفهارس 3/856 : ” كان مُسند أفريقية ونادرتها ، لم نر ولم نسمع فيها بأكثر اعتناء منه بالرواية والإسناد والإتقان والمعرفة ومزيد تبحر في بقية العلوم …“ انتهى

كان رحمه الله يعيش بتونس زمن الدولة العثمانية. شيخه في الطريقة والتصوف هو الشيخ محمد بن أبي القاسم، وقد اعتنى بتلميذه وأجازه علما وطريقة، ولأبي عبد الله محمد المكي بن عزوز في ترجمة شيخه رسالة سماها «بروق المباسم في ترجمة الشيخ سيدي محمد بن أبي القاسم» ضمنها بعض إفاداته الجليلة وسيرته الجميلة ومناقبه الجزيلة.

من المشائخ الذين أجازوه الشيخ أحمد زيني دحلان صاحب كتاب فتنة الوهابية، ذكره الشيخ المكي في قائمة المشايخ الذين أجازوه وسماه بشيخ الإسلام. ومن آثاره أيضا: رسالة في أصول الحديث، العقيدة الإسلامية، ومن أول مؤلفاته السيف الرباني في عنق المعترض على الغوث الجيلاني، رد فيه على من أنكر كرامات الشيخ الشهير عبدالقادر الجيلاني وعمل فيه بابا في جواز الاستغاثة بالأولياء وبين فيه كذلك ضلالات دعوة محمد بن عبدالوهاب.

بعد انتقاله من تونس إلى الأستانة ألف رسالة:النفحات الرحمانية في مناقب رجال الخلوتية ” وهو من آخر مؤلفاته . وهذا فيه رد كافي على أدعاء السلفية من أن الشيخ ترك ما كان عليه ودخل في مذهبهم الفاسد بعد أن راسله الألوسي سنة 1313هـ. فلو كانت أحوال الشيخ تغيرت لما ألف الرسالة المذكورة.

من أشهر تلاميذه محمّد الخضر بن الحسين الأشعري وهو ابن أخته.

ذكر العلامة ابن عزوز في آخر حياته عام 1331هـجري في فهرسته “عمدة الأثبات” أن الشيخ الحطاب شارح مختصر خليل قال: ”مشينا مع شيخنا العارف بالله تعالى السيد عبد المعطي التونسي لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قربنا من الروضة الشريفة ترجلنا، فجعل الشيخ عبد المعطي يمشي خطوات ويقف، حتى وقف تجاه القبر الشريف، فتكلم بكلام لم نفهمه. فلما انصرفنا سألناه عن وقفاته فقال: كنتُ أطلب الإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدوم عليه، فقال لي: أقدم، قدمت ساعة ثم وقفت، وهكذا حتى وصلت إليه، فقلت: يا رسول الله، أكلما رواه البخاري عنك صحيح؟ فقال: صحيحٌ. فقلت: أرويه عنك يا رسول الله؟ قال: أروه عني“. انتهى

قال الشيخ المكي بن عزوز : ”وقد أجازني الشيخ عبد المعطي والشيخ محمد الحطاب“

قال العلامة محمد المكي بن عزوز التونسي في عقيدة التوحيد الكبرى :”س : من هم الملائكة و ما وظيفتهم ؟ج : عباد الله مطيعون عابدون معصومون ، و هم أجرام من نور ، لا إناث و لا ذكور ، و قد يتشكلون بشكل الآدمي عند الحاجة . منهم الأربعة : جبريل و ميكائيل و إسرافيل و عزرائيل” . فتسمية الشيخ محمد المكي بن عزوز لملك الموت عزرائيل أمر تنكره الوهابية مع أن أبا حيان الاندلسي في النهر الماد والحافظ البيهقي في البعث والنشور والقاضي عياض في كتاب الشفا نقلوا الاجماع على أن اسم ملك الموت عزرائيل عليه السلام.

أماقوله في نفس الكتاب:”س :هل يفسر استوى باستولى في آية : الرحمن على العرش استوى ؟ج : لا يفسر ، و هو تفسير المعطلة كالمعتزلة ، و لا يستقيم “.

فالجواب على ذلك أن يقال إن مجرد نسبة هذا التأويل للمعتزلة لا يقتضي في ذاته ذما ولا مدحا، لأن أهل البدع قد يوافقون أهل الحق في أمور و يخالفونهم في أمور أخرى, ويبقى الدليل هو الفيصل لتمييز الحق من الباطل. ثم إن الشيخ محمد المكي بن عزوز ما فسر الاستواء بعلو المكان و الجهة كما ذهب في تفسيرها المجسمة إنما أنكر المعنى الذي يفيد سبق المغالبة و المصارعة, والعجز والضعف، ونسبة ذلك إلى الله كفر مخرج من الدين. أما تفسيره على معنى الاستيلاء الذي يفيد الاقتدار وعدم سبق المغالبة فقد أجازه أهل السنة وقالوا أن استيلاء الله أزلي. ولم ينكر محمد المكي بن عزوز مجرد تفسير المعتزلة للاستواء بالاستيلاء وحسب بل لأنه فهم من كلامهم أنهم ينكرون وجود العرش ويقولون أن الله في كل مكان و ينكرون أصل الاستواء ويقولون عن الاستواء بأنه مجاز عن الاستيلاء ولا حقيقة له مخصوصة. فهو مجرد مجاز أو كناية فلا يقال بزعمهم عن الله استوى بل يقال استولى. قال يحيى بنُ أيوب: “سمعتُ أبا نُعيمٍ البلخيَّ قالَ: «كَانَ رجلٌ منْ أهلِ مرو صديقًا لجهمٍ ثمَّ قطعهُ وجفاهُ فقيلَ لهُ: لِمَ جفوتهُ؟ فقالَ: جاء منهُ ما لا يحتملُ، قرأتُ يومًا آيةَ كذاَ وكذَا – نسيهَا يحيى – فقالَ: ما كانَ أظرف محمَّدًا، فاحتملتهَا، ثمَّ قرأ سورةَ طه، فلمَّا قالَ: “الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى” – طه: 5 – قالَ: أمَا واللهِ لو وجدتُ سبيلًا إلى حَكِّها لَحَكَكْتُهَا مِنَ المصحفِ، فاحتملتهَا. انتهى

لهذا السبب أنكر محمد المكي بن عزوز عليهم مقالتهم و إلا فهو لا ينكر أن يوصف الله بالاستيلاء بمعنى الاقتدار وعدم المغالبة .وكذلك يمكن تفسير انكار محمد المكي بن عزوز بأنه كان يرى أن الاستواء ليس صفة ذات لله تعالى بل هو فعل فعله الله في العرش و سماه استواء لذلك خص العرش بالذكر دون غيره من سائر المخلوقات, وهو احتمال قوي خاصة وأنه قول يُنسب لأبي الحسن الأشعري وبعض السلف كسفيان الثوري. فأنكر رحمه الله أن يفسر الاستواء الذي هو صفة فعل عنده بصفة ذات كالاستيلاء والقهر والفوقية.

نقلا عن أبي عمر الأشعري

أضف تعليق