ٱية الرجم وشبهة الداجن الذي أكل الصحيفة

ليعلم أن آية الرجم ثابتة كما ورد ذلك في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان، أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف”. انتهـى

وقد روى الشيخان البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : ” أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ” أَبِكَ جُنُونٌ ؟ ” قَالَ : لَا قَالَ : “فَهَلْ أَحْصَنْتَ ” قَالَ : نَعَمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ” .

وهذا يثبت وقوع الرجم بعد النور، وقد احتج الحافظ ابن حجر بهذا الأثر، فقال في الفتح: “وقد قام الدليل على أن الرجم وقع بعد سورة النور ؛ لأن نزولها كان في قصة الإفك ، واختُلف هل كان سنة أربع أو خمس أو ست ، والرجم كان بعد ذلك ، فقد حضره أبو هريرة ، وإنما أسلم سنة سبع”. انتهى

وجاء في مسند أحمد عن مُجَالِدٌ، عَنْ عَامِرٍ ان الإمام علي قَالَ: “إِنَّ الرَّجْمَ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ كَانَتْ نَزَلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ فَهَلَكَ مَنْ كَانَ يَقْرَؤُهَا وَآيًا مِنْ الْقُرْآنِ بِالْيَمَامَةِ‏”.‏ انتهى

و ٱية الرجم كانت ٱية من سورة الأحزاب ونصها: “الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”.

وهذا ما نص عليه الحفاظ في كتبهم، فقد قال السيوطي في الدر المنثور ما نصه: “وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، والطَّيالِسِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”المُسْنَدِ“، وابْنُ مَنِيعٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، وابْنُ حِبّانَ، والدّارَقُطْنِيُّ في ”الأفْرادِ“، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، عَنْ زِرٍّ قالَ: قالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأيِّنْ تَقْرَأُ سُورَةَ ”الأحْزابِ“؟ أوْ كَأيِّنْ تَعُدُّها؟ قُلْتُ: ثَلاثًا وسَبْعِينَ آيَةً. فَقالَ: أقَطُّ؟ لَقَدْ رَأيْتُها وإنَّها لَتُعادِلُ سُورَةَ ”البَقَرَةِ“، أوْ أكْثَرَ مِن سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، ولَقَدْ قَرَأْنا فِيها: “الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” فَرُفِعَ فِيما رُفِعَ”. انتهى

وروى ابن ماجه في سننه عن ابن عباس أنه قال: “قال عمر بن الخطاب: “لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: ما أجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة من فرائض الله، ألا وإن الرجم حق، إذا أحصن الرجل وقامت البينة، أو كان حمل، أو اعتراف، وقد قرأتها:” الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة”، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده”. انتهى

ورواه النسائي أيضا في سننه.

وهذه الٱية مما وقع نسخ تلاوتها كما ذكر ذلك السيوطي في الدر المنثور عن ابي ابن كعب أنه قال: “ولَقَدْ قَرَأْنا فِيها: “الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” فَرُفِعَ فِيما رُفِعَ”. انتهى

وروى ابن حبان‏ في صحيحه أيضا عن أبي بن كعب رضي الله عنه ‏قال:” كانت سورة الأحزاب توازي ‏سورة البقرة، فكان فيها: الشيخ ‏والشيخة إذا زنيا، فارجموهما البتة”.

وهذا دليل أن ٱية الرجم كانت من سورة الأحزاب، أي أنها كانت قرٱنا يقرأ، ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها، كما نسخ غيرها من الٱيات من سورة الأحزاب.

والنسخ لم يقع فيه خلاف بين الأمم، ولا أنكرته ملة من الملل قط، إنما خالف في ذلك اليهود فأنكروا جواز النسخ عقلاً، وبناء على ذلك جحدوا النبوات بعد موسى عليه السلام، وأثاروا الشبهة، فزعموا أن النسخ محال على الله تعالى لأنه يدل على ظهور رأي بعد أن لم يكن، وكذا استصواب شيء عُلِمَ بعد أن لم يعلم.

وقد رد الله عليهم بقوله تعالى:” مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ -البقرة: 106-

ومما يدل على نسخ تلاوتها دون لفظها ما رواه النسائي عن كثير بن الصلت قال: كنا عند مروان وفينا زيد بن ثابت، قال زيد: كنا نقرأ: “الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة”. قال: فقال مروان: أفلا نجعله في المصحف؟ قال: لا، ألا ترى الشابين الثيبين يرجمان؟ قال: وقال: ذكروا ذلك وفينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أنا أشفيكم من ذاك. قال: قلنا: كيف؟ قال: آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأذكر كذا وكذا، فإذا ذكر الرجم أقول: يا رسول الله، أكتبني آية الرجم. قال: فأتيته فذكرته. قال: فذكر آية الرجم. قال: فقال: يا رسول الله، أكتبني آية الرجم. قال: “لا أستطيع ذاك”. انتهى

وقال ابن جرير الطبري في مسند عمر: “كان ابنُ العاصِ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، يكتُبانِ المصاحفَ، فمرَّا على هذه الآيةِ، فقال زيدٌ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: الشَّيْخُ وَالشَّيخَةُ، فارجُمُوهُما الْبَتَّةَ. فقال عمرُ:” لما أُنزلتْ، أتيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقلتُ: أَكْتِبْنيها، فكأنه كره ذلك. قال: فقال عمرُ: ألا ترى أنَّ الشيخ َإذا زنى وقد أحصنَ جُلِدَ ورجِمَ، وإذا لم يُحصَنْ جُلِدَ، وأنَّ الشابَّ إذا زنى وقد أحصَنَ رُجِمَ”. انتهى

والظاهر ان ٱية الرجم نزلت أولا وفق بعض الأحرف السبعة وتم اثباتها في مصاحف الصحابة التي كتبت بغير حرف قريش كمصحف عائشة وابي وغيرهما. فلما نزلت هذه الٱية وفق حرف قريش أراد عمر أن يكتبها، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لعلمه المسبق بأنها ستُنسخ رسما وتلاوة.

جاء في تفسير ابن كثير بعد ذكره لبعض الأحاديث في شأن ٱية الرجم: “هذه طرق كلها متعددة، ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة فنسخ تلاوتها، وبقي حكمها معمولا به”. انتهـى

وقال البيهقي في سننه، بعد ذكر الأحاديث الواردة في ذلك: “في هذا وما قبله دلالة على أن آية الرجم حكمها ثابت، وتلاوتها منسوخة، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا”. انتهى.

فإذا ثبتت الٱية من كلام المحدثين و الحفاظ، أنها كانت قرٱنا يُتلى وأنه تم نسخ تلاوتها و ابقاء حكمها، فلا عبرة بعد ذلك بقول من أنكر العمل بها.

واما تشويش بعض الملاحدة بما رواه إبراهيم الحربي في كتاب غريب الحديث، حيث قال:” ثنا هارون بن عبد الله ثنا عبد الصمد ثنا أبي قال سمعت حسينا عن ابن أبي بردة:” أن الرجم أنزل في سورة الأحزاب وكان مكتوبا في خوصة في بيت عائشة فأكلتها شاتها” انتهى

وهذا الأثر رواه أيضا ابن ماجه في سننه فقال: “حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف ثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها”. انتهى

وأورده ابن حزم في المحلى، وقال هذا حديث صحيح.

وهذا معناه ان ٱية الرجم و غيرها بقيت مكتوبة في بعض المصاحف التي كتبت قبل نزول حكم نسخها.

فيكون الداجن قد أكل ما نُسخ وترك من أسباب حفظ الله تعالى لما استقر ولم يُنسخ، حتى لا يختلط به المنسوخ.

قال الآلوسي في تفسيره: “وأما كون الزيادة كانت في صحيفة عند عائشة -رضي الله عنها- فأكلها الداجن فمن وضع الملاحدة وكذبهم في أن ذلك ضاع بأكل الداجن من غير نسخ”. انتهى

و قال ابن حزم في المحلى: “فصح نسخ لفظها، وبقيت الصحيفة التي كتبت فيها كما قالت عائشة رضي الله عنها فأكلها الداجن، ولا حاجة إليها”. انتهى

إلى أن قال: “وبرهان هذا أنهم قد حفظوها، فلو كانت مثبتة في القرآن لما منع أكل الداجن للصحيفة من إثباتها في القرآن من حفظهم وبالله التوفيق”. انتهى

فيتلخص مما تقدم أن كلام بعض الملاحدة وطعنهم في حفظ القرٱن عند ذكر ٱية الرجم المنسوخة ، وتكذيبهم لقوله تعالى: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ -الحجر – 9- لا عبرة به، لأن الٱية معناها حفظ القرٱن بعد العرضة الأخيرة التي قرأ فيها النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل في ٱخر حياته والتي تم قبلها، استكمال الٱيات الناسخة و المنسوخة.

قال ابن حزم في المحلى: “وقد غلط قوم غلطًا شديدًا وأتوا بأخبار ولدها الكاذبون والملحدون منها أن الداجن أكل صحيفة فيها آية متلوة فذهب البتة… وهذا كله ضلال نعوذ بالله منه ومن اعتقاده. وأما الذي لا يحل اعتقاد سواه فهو قول الله تعالى: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” -الحجر: 9-، فمن شك في هذا كَفَر، ولقد أساء الثناء على أمهات المؤمنين، ووصفهن بتضييع ما يُتلى في بيوتهن حتى تأكله الشاة فيتلف، مع أن هذا كذب ظاهر ومحال ممتنع”. انتهى

و قال ابن حزم أيضا:” وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنسيه – أي تم رفعه- فسواء أكله الداجن أو تركه قد رُفع من القرآن، فلا يحل إثباته فيه، كما قال تعالى: “سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى” -الأعلى:6- 7-. فنصَّ تعالى على أنه لا ينسى -أصلًا- شيئًا من القرآن إلا ما أراد تعالى رفعه بإنسائه… بل كل ما رفعه الله تعالى من القرآن فإنما رفعه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قاصدًا إلى رفعه، ناهيًا عن تلاوته إن كان غير منسي، أو ممحوًا من الصدور كلِّها، ولا سبيل إلى كون شيء من ذلك بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يُجيز هذا مسلم؛ لأنه تكذيب لقوله تعالى: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” -الحجر: 9-”

أضف تعليق