*رِسَالَةٌ فِي تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ*
*عَلَى طَرِيقَةِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي البُرهَانِ وَالتَّنزِيهِ وَفَهمِ النُّصُوصِ*
*مُقَدِمَةٌ*
❖ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الَّذِي تَقَدَّسَ عَن أَوهَامِ المُتَخَيِّلِينَ، وَتَعَالَى عَن حُدُودِ المُحَدِّدِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
❖ أَمَّا بَعدُ: فَهٰذِهِ رِسَالَةٌ فِي بَابٍ مِن أَدَقِّ أَبوَابِ التَّوحِيدِ وَأَشرَفِهَا، وَهُوَ بَابُ *تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ*. وَقَد عَظُمَت الحَاجَةُ إِلَى تَحرِيرِهِ؛ لِأَنَّ قَومًا تَعَلَّقُوا بِظَوَاهِرِ نُصُوصٍ مُتَشَابِهَةٍ، فَحَمَلُوهَا عَلَى مَعَانٍ حِسِّيَّةٍ تُفضِي إِلَى التَّشبِيهِ، وَجَعَلُوا مَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ تَعَالَى جَائِزًا، وَمَا هُوَ مِن خَصَائِصِ الأَجسَامِ صِفَةً لِلخَالِقِ سُبحَانَهُ. فَكَانَ لَازِمًا عَلَى مَن يَنصُرُ التَّنزِيهَ أَن يُبَيِّنَ أَنَّ النَّظَرَ العَقلِيَّ الصَّحِيحَ لَا يَتَنَاقَضُ مَعَ الشَّرعِ، بَل يُوَافِقُهُ وَيَشهَدُ لَهُ، وَأَنَّ الخِطَابَ الشَّرعِيَّ – إِذَا فُهِمَ عَلَى وَجهِهِ – لَا يَأتِي بِمُحَالٍ عَقلًا، وَلَا يَستَلزِمُ تَجسِيمًا وَلَا تَحدِيدًا.
❖ وَقَبلَ الدُّخُولِ فِي الأَدِلَّةِ وَمُنَاقَشَةِ الآيَاتِ، فَإِنَّا نُقَرِّرُ قَاعِدَتَينِ عَظِيمَتَينِ:
الأُولَى: أَنَّ *اللهَ تَعَالَى قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ*، لَم يَزَل مَوجُودًا وَلَا شَيءَ مَعَهُ، ثُمَّ خَلَقَ الخَلقَ وَأَحدَثَ الزَّمَانَ وَالمَكَانَ وَالجِهَاتِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ مَا كَانَ *مِن لَوَازِمِ الحُدُوثِ* (كَالحَاجَةِ، وَالحَدِّ، وَالتَّغَيُّرِ، وَالحَرَكَةِ، وَالسُّكُونِ، وَالمُمَاسَّةِ، وَالمُبَايَنَةِ، وَالاِنقِسَامِ) فَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَو ثَبَتَ لَهُ شَيءٌ مِن ذٰلِكَ لَثَبَتَ الحُدُوثُ فِي حَقِّهِ، وَهٰذَا بَاطِلٌ.
*أَوَّلًا: مَعنَى المَكَانِ وَالجِهَةِ، وَلِمَاذَا يَلزَمُ مِن إِثبَاتِهِمَا التَّجسِيمُ*
❖ المَكَانُ فِي الجُملَةِ هُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَجسَامِ: فَإِمَّا أَن يُقَالَ هُوَ «الفَرَاغُ الَّذِي يَشغَلُهُ الجِسمُ»، أَو «الحَيِّزُ الَّذِي يَحوِي المُتَحَيِّزَ». وَأَمَّا الجِهَةُ فَهِيَ إِضَافَةٌ إِلَى جِهَاتٍ سِتٍّ لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِمُقَابَلَةٍ وَمُحَاذَاةٍ وَتَنَاهٍ. فَمَن أَثبَتَ لِشَيءٍ مَكَانًا أَو جِهَةً فَقَد أَثبَتَ لَهُ – بِاللُّزُومِ – حَدًّا وَمِقدَارًا وَقَابِلِيَّةَ القِسمَةِ وَالتَّحَيُّزَ. وَهٰذَا عَينُ مَعنَى الجِسمِيَّةِ أَو مَا يُقَارِبُهَا.
❖ وَمِن هُنَا قَالَ أَئِمَّةُ الكَلَامِ: إِنَّ المَكَانَ وَالجِهَةَ لَا يَثبُتَانِ إِلَّا لِمَحدُودٍ مُتَنَاهٍ، وَالمَحدُودُ مُحتَاجٌ إِلَى مَن حَدَّهُ، وَالمُحتَاجُ مُحدَثٌ. فَكَيفَ يُجعَلُ ذٰلِكَ فِي حَقِّ مَن هُوَ وَاجِبُ الوُجُودِ، غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ؟
*ثَانِيًا: الدَّلِيلُ العَقلِيُّ الأَعظَمُ: بُرهَانُ الِاستِغنَاءِ وَنَقضُ الِافتِقَارِ*
❖ إِنَّ مِحوَرَ المَسأَلَةِ كُلِّهَا يَرجِعُ إِلَى سُؤَالٍ وَاحِدٍ: هَلِ الإِلٰهُ يَحتَاجُ إِلَى شَيءٍ أَم لَا؟ فَإِن قِيلَ: يَحتَاجُ بَطَلَتِ الإِلٰهِيَّةُ. وَإِن قِيلَ: لَا يَحتَاجُ بَطَلَ إِثبَاتُ المَكَانِ وَالجِهَةِ؛ لِأَنَّ المَكَانَ وَالجِهَةَ مَعنَاهُمَا: الِارتِبَاطُ بِمَحَلٍّ وَحَيِّزٍ.
❖ وَتَحرِيرُهُ: لَو كَانَ اللهُ تَعَالَى فِي مَحَلٍّ لَلَزِمَ أَحَدُ أَمرَينِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا:
إِمَّا أَن يَكُونَ ذٰلِكَ المَحَلُّ *قَدِيمًا*، فَيَلزَمَ تَعَدُّدُ القُدَمَاءِ؛ وَإِمَّا أَن يَكُونَ *حَادِثًا*، فَيَلزَمَ أَن تَتَعَلَّقَ الذَّاتُ بِمَا لَم تَكُن مُتَعَلِّقَةً بِهِ، وَهٰذَا تَغَيُّرٌ، وَالتَّغَيُّرُ حَدَثٌ.
❖ وَبِهٰذَا المَعنَى تَتَآزَرُ كَلِمَاتُ المُتَكَلِّمِينَ وَالمُحَدِّثِينَ: فَالمُتَوَلِّيُّ يَجعَلُهُ دَلِيلًا قَاطِعًا فِي نَفيِ الِافتِقَارِ إِلَى المَحَلِّ، وَالغَزَالِيُّ يُلحِقُ بِهِ بُرهَانَ الحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَالآمِدِيُّ يُرَتِّبُ عَلَيهِ بُرهَانَ الِاختِصَاصِ بِجِهَةٍ وَاحتِيَاجِهِ إِلَى مُخَصِّصٍ، وَالسُّبكِيُّ يَجمَعُ الطَّرِيقَينِ فِي عِبَارَةٍ مُحكَمَةٍ: أَنَّ المَكَانَ يَلزَمُ مِنهُ التَّحَيُّزُ، وَالتَّحَيُّزُ يَلزَمُ مِنهُ الِافتِقَارُ، وَالِافتِقَارُ يُنَافِي وُجُوبَ الوُجُودِ.
*ثَالِثًا: بُرهَانُ الحَدِّ وَالتَّقدِيرِ: لِمَاذَا يُفسِدُ القَولَ بِالعُلُوِّ الحِسِّيِّ*
❖ إِذَا قِيلَ: «هُوَ فَوقَ العَرشِ بِذَاتِهِ»، فَإِنَّ هٰذَا – عَلَى مَعنَى الفَوقِيَّةِ الحِسِّيَّةِ – يُجبِرُ العَقلَ عَلَى أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَحكَامٍ: أَنَّهُ *مِثلُ العَرشِ* أَو *أَصغَرُ* أَو *أَكبَرُ*. وَكُلُّهَا لَا يَخلُو مِنَ التَّقدِيرِ وَالمِسَاحَةِ وَالحَدِّ. وَمَن ثَبَتَ لَهُ حَدٌّ فَلَا بُدَّ لَهُ مِن مُحَدِّدٍ، وَمَن احتَاجَ إِلَى مُحَدِّدٍ فَهُوَ مُحدَثٌ.
❖ وَهُنَا يَتَبَيَّنُ وَجهُ كَلَامِ فَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ فِي إِبطَالِ «عُلُوِّ المَكَانِ»: فَإِنَّ العُلُوَّ المَكَانِيَّ لَو كَانَ كَمَالًا فَسَيَكُونُ كَمَالُ «المَكَانِ» الَّذِي أَعطَى ذٰلِكَ العُلُوَّ أَتَمَّ مِن كَمَالِ مَن تَبِعَهُ فِيهِ! وَهٰذَا مُمتَنِعٌ؛ لِأَنَّ كَمَالَ اللهِ ذَاتِيٌّ لَا يَكتَسِبُهُ مِن غَيرِهِ.
*رَابِعًا: بُرهَانُ الحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَنَقضُ مَسَالِكِ التَّخَيُّلِ*
❖ يَقُولُ الغَزَالِيُّ مَعنَاهُ: إِنَّ المُتَحَيِّزَ لَا يَخلُو عَن حَرَكَةٍ أَو سُكُونٍ، وَهُمَا حَادِثَانِ، وَمَا لَا يَخلُو عَنِ الحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ. وَهٰذَا مِن أَحكَمِ بَرَاهِينِ التَّنزِيهِ؛ لِأَنَّ مَن أَثبَتَ مَكَانًا ثَبَّتَ لَازِمَهُ، وَهُوَ أَنَّ القَائِمَ فِيهِ يَصِحُّ عَلَيهِ أَن يَتَحَرَّكَ عَنهُ أَو يَسكُنَ فِيهِ. وَالحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ تَغَيُّرٌ، وَالتَّغَيُّرُ حَدَثٌ.
❖ وَمِن دَقَائِقِ كَلَامِ النَّسَفِيِّ وَالآمِدِيِّ فِي هٰذَا البَابِ: أَنَّ المُشَكِلَةَ لَيسَت فِي قِلَّةِ الأَلفَاظِ، بَل فِي سُلطَانِ *الوَهمِ* عَلَى بَعضِ النَّاسِ؛ فَإِنَّهُ يَتَصَوَّرُ أَنَّ «كُلَّ مَوجُودٍ لَا بُدَّ لَهُ مِن أَينٍ»، وَهٰذَا حُكمٌ حِسِّيٌّ لَا عَقلِيٌّ. وَالعَقلُ يَقُولُ: إِنَّ ثُبُوتَ الصَّانِعِ وَقِدَمَهُ ثَابِتٌ بِالدَّلِيلِ، فَلَا يَجُوزُ أَن نَهدِمَهُ بِخَيَالٍ مُتَوَلِّدٍ مِنَ المَحسُوسَاتِ.
*خَامِسًا: بَابُ «الدُّخُولِ وَالخُرُوجِ» وَ«المُمَاسَّةِ وَالمُبَايَنَةِ» وَهُوَ مِن أَدَقِّ أَبوَابِ الرَّدِّ*
❖ مِن أَشهَرِ تَقسِيمَاتِ المُجَسِّمَةِ قَولُهُم: «إِمَّا دَاخِلُ العَالَمِ أَو خَارِجُهُ»، أَو «إِمَّا مُمَاسٌّ أَو مُبَايِنٌ»، وَهٰذِهِ التَّقسِيمَاتُ تَصلُحُ لِلأَجسَامِ فَقَط؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ وَالخُرُوجَ وَالمُمَاسَّةَ وَالمُبَايَنَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي مَوجُودٍ مُتَبَعِّضٍ مُتَحَيِّزٍ.
❖ وَهُنَا يَتَجَلَّى كَلَامُ ابنِ الجَوزِيِّ: أَنَّ مَن أَثبَتَ مُمَاسَّةً أَو مُبَايَنَةً فَقَد أَثبَتَ لَوَازِمَ الجَوَاهِرِ وَالأَجسَامِ، وَمَتَى ثَبَتَ ذٰلِكَ بَطَلَ دَلِيلُ الحُدُوثِ فِي العَالَمِ؛ لِأَنَّ مِن طُرُقِ إِثبَاتِ حُدُوثِ الأَجسَامِ: قَبُولُهَا لِلِاجتِمَاعِ وَالِافتِرَاقِ وَالمُمَاسَّةِ وَالمُبَايَنَةِ. فَمَن جَعَلَ ذٰلِكَ جَائِزًا عَلَى الخَالِقِ هَدَمَ أُصُولَ البَرَاهِينِ.
*سَادِسًا: «مَا لَا جِهَةَ لَهُ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ» – تَحقِيقُ الشُّبهَةِ وَهَدمُهَا*
❖ وَقَد يَقُولُ قَائِلٌ: «نَفيُ الجِهَةِ نَفيٌ لِلوُجُودِ، فَإِنَّ مَا لَا يُشَارُ إِلَيهِ لَا يَكُونُ مَوجُودًا». وَالجَوَابُ: أَنَّ هٰذَا ضَربٌ مِن تَقيدِ العَقلِ بالوَهمِ. فَلَيسَ كُلُّ مَوجُودٍ مَحسُوسًا وَلَا كُلُّ مَوجُودٍ تُحِيطُ بِهِ المُخَيِّلَةُ. وَقَد ضَرَبَ النَّسَفِيُّ وَالآمِدِيُّ فِي هٰذَا مَعَانِيَ مُحكَمَةً: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ المَعَانِي ثَابِتٌ بِالآثَارِ وَالدَّلَائِلِ – كَالعَقلِ وَالرُّوحِ وَالقُدرَةِ وَنَحوِ ذٰلِكَ – مَعَ أَنَّ الوَهمَ لَا يُحِيطُ بِمَاهِيَّتِهَا. فَكَذٰلِكَ وُجُودُ اللهِ تَعَالَى ثَابِتٌ بِالدَّلِيلِ، وَنَفيُ الجِهَةِ تَنزِيهٌ لَا تَعطِيلٌ.
*بَابُ فَهمِ النُّصُوصِ: قَاعِدَةُ المُحكَمِ وَالمُتَشَابِه*
❖ إِنَّ القُرآنَ فِيهِ مُحكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ، وَقَاعِدَةُ أَهلِ السُّنَّةِ أَنَّ *المُحكَمَ أَصلٌ* وَالمُتَشَابِهَ يُرَدُّ إِلَيهِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى نَزَّهَ كِتَابَهُ عَنِ التَّنَاقُضِ. فَمَتَى ثَبَتَت مُحكَمَاتُ التَّنزِيهِ – وَفِي مُقَدِّمَتِهَا: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾ – استَحَالَ أَن نَفهَمَ مِن بَعضِ النُّصُوصِ مَا يُنَاقِضُهَا، بَل نَحمِلُهَا عَلَى مَعَانٍ تَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ تَعَالَى، أَو نُفَوِّضُ الكَيفِيَّةَ مَعَ نَفيِ المُحَالِ.
❖ وَالحَاصِلُ: أَنَّ لَفظًا كَـ«فَوقَ» أَو «عَلَى» أَو «إِلَى» أَو «جَاءَ» أَو «نَزَلَ» لَا يَجِبُ أَن يُحمَلَ عَلَى المَعنَى الحِسِّيِّ دَائِمًا، فَإِنَّ لِلسِّيَاقِ وَاللُّغَةِ وَالمُحكَمِ سُلطَانًا فِي تَعيِينِ المُرَادِ.
*مُنَاقَشَةُ الآيَاتِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً*
❖ (١) ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾ [الشُّورَى: ١١]
هٰذِهِ آيَةُ التَّنزِيهِ الكُبرَى، وَهِيَ أَصلُ الأُصُولِ فِي نَفيِ التَّشبِيهِ. فَإِذَا كَانَت خَصَائِصُ الأَجسَامِ – كَالمَكَانِ وَالجِهَةِ وَالحَدِّ – مَعرُوفَةً فِي الخَلقِ، فَإِثبَاتُهَا لِلَّهِ يَنقُضُ مَعنَى هٰذِهِ الآيَةِ. فَلَا مَفَرَّ مِنَ التَّنزِيهِ عَن كُلِّ مَا هُوَ خَاصَّةُ المُحدَثِ.
❖ (٢) ﴿الرَّحمٰنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾ [طٰه: ٥]
الِاستِوَاءُ فِي اللُّغَةِ لَهُ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ، وَلَيسَ مُنحَصِرًا فِي الجُلُوسِ. وَإِذَا حُمِلَ عَلَى الجُلُوسِ لَزِمَ: أَن يَكُونَ اللهُ مُحدَثًا بَعدَ أَن لَم يَكُن جَالِسًا، أَو أَن يَكُونَ العَرشُ قَدِيمًا مَعَهُ، وَكِلَا الأَمرَينِ بَاطِلٌ. فَالوَاجِبُ حَملُهُ عَلَى مَعنًى يَلِيقُ بِاللهِ: كَإِظهَارِ القَهرِ وَالسُّلطَانِ وَتَمَامِ التَّدبِيرِ، أَو تَفوِيضُ المُرَادِ مَعَ نَفيِ الجُلُوسِ وَالِاستِقرَارِ.
❖ (٣) ﴿ثُمَّ استَوَى عَلَى العَرشِ﴾ [الأَعرَاف: ٥٤ وَنَحوُهَا]
فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ يَرِدُ ذِكرُ الِاستِوَاءِ بَعدَ ذِكرِ الخَلقِ: «خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ… ثُمَّ استَوَى…». فَلَو حُمِلَ عَلَى الجُلُوسِ لَزِمَ التَّغَيُّرُ بَعدَ الخَلقِ. وَالتَّغَيُّرُ مُحَالٌ عَلَى القَدِيمِ. فَإِمَّا أَن يُفهَمَ بِمَعنَى إِظهَارِ تَمَامِ المُلكِ وَالقَهرِ، أَو يُفَوَّضَ مَعَ التَّنزِيهِ.
❖ (٤) ﴿أَأَمِنتُم مَن فِي السَّمَاءِ﴾ [المُلك: ١٦]
لَيسَ فِي الآيَةِ نَصٌّ عَلَى أَنَّ ذَاتَ اللهِ فِي جِهَةٍ؛ لِأَنَّ «فِي» لَا تَنحَصِرُ فِي الظَّرفِيَّةِ الحِسِّيَّةِ، وَإِلَّا لَلَزِمَ أَن تَتَعَدَّدَ الأَمكِنَةُ فِي حَقِّهِ بِسَبَبِ آيَاتٍ أُخَرَ. وَمِن وَجُوهِ فَهمِهَا: أَنَّ المُرَادَ «مَن فِي السَّمَاءِ» أَي: مَن سُلطَانُهُ وَقَهرُهُ وَأَمرُهُ ظَاهِرٌ فِي السَّمَاءِ، أَو أَنَّ المُرَادَ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالعَذَابِ. وَالأَصلُ أَن لَا يُهدَمَ المُحكَمُ بِالمُتَشَابِه.
❖ (٥) ﴿وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم﴾ [الحَدِيد: ٤]
لَو جَعَلنَاهَا مَعِيَّةَ مَكَانٍ لَلَزِمَ الحُلُولُ فِي كُلِّ مَوضِعٍ، وَهٰذَا مُمتَنِعٌ. فَالمَعِيَّةُ هُنَا مَعِيَّةُ عِلمٍ وَإِحَاطَةٍ وَحِفظٍ وَتَدبِيرٍ، وَهٰذَا أَليَقُ بِاللُّغَةِ وَبِالمُحكَمَاتِ.
❖ (٦) ﴿مَا يَكُونُ مِن نَجوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُم﴾ [المُجَادَلَة: ٧]
هٰذَا أَبيَنُ فِي أَنَّ المُرَادَ مَعِيَّةُ العِلمِ؛ لِأَنَّ اللَّفظَ جَاءَ عَلَى أُسلُوبِ التَّقرِيبِ لِفَهمِ إِحَاطَتِهِ عِلمًا، لَا عَلَى مَعنَى أَنَّهُ يَتَجَزَّأُ فَيَكُونُ «رَابِعًا» بِذَاتِهِ حَاشَاهُ. فَمَن حَمَلَهَا عَلَى الحُلُولِ فَقَد جَهِلَ اللُّغَةَ وَالتَّنزِيهَ.
❖ (٧) ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِن فَوقِهِم﴾ [النَّحل: ٥٠]
«مِن فَوقِهِم» تُحمَلُ عَلَى فَوقِيَّةِ القَهرِ وَالسُّلطَانِ، لِأَنَّ المَلَائِكَةَ أَنفُسَهُم فِي السَّمَاوَاتِ، فَلَو كَانَت فَوقِيَّةَ مَكَانٍ لَاحتَاجَت إِلَى تَحدِيدِ مَسَافَةٍ وَحَيِّزٍ، وَذٰلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ.
❖ (٨) ﴿إِلَيهِ يَصعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فَاطِر: ١٠]
الصُّعُودُ صُعُودُ قَبُولٍ وَرَفعِ قَدرٍ، أَي إِلَى مَرتَبَةِ القَبُولِ عِندَ اللهِ، لَا صُعُودُ مَكَانٍ إِلَى ذَاتٍ فِي جِهَةٍ. وَإِلَّا لَزِمَ أَن يَكُونَ اللهُ «نِهَايَةَ مَسَافَةٍ» وَهٰذَا بَاطِلٌ.
❖ (٩) ﴿تَعرُجُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيهِ﴾ [المَعَارِج: ٤]
العُرُوجُ حِسِّيٌّ لِلمَلَائِكَةِ (وَهُم مَخلُوقُونَ)، وَ«إِلَيهِ» أَي إِلَى مَوضِعِ تَنفِيذِ أَمرِهِ وَتَدبِيرِهِ فِي عَالَمِ المَلَكُوتِ، أَو إِلَى مَرتَبَةِ القُربِ وَالتَّشرِيفِ، وَلَا يَلزَمُ مِنهُ أَنَّ ذَاتَهُ فِي جِهَةٍ.
❖ (١٠) ﴿وَرَفَعنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مَريَم: ٥٧]
هٰذِهِ فِي نَبِيٍّ مَخلُوقٍ (إِدرِيسَ عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى أَحَدِ الأَقوَالِ)، فَهِيَ فِي رَفعِ مَخلُوقٍ إِلَى مَوضِعٍ عَالٍ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى مَكَانٍ لِلخَالِقِ.
❖ (١١) ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آلِ عِمرَان: ٥٥]
المَعنَى: رَافِعُكَ إِلَى حِفظِي وَتَشرِيفِي، أَو رَافِعُكَ إِلَى السَّمَاءِ (وَهِيَ مَخلُوقَةٌ) مَعَ تَشرِيفِ المَرتَبَةِ عِندِي. وَلَا يَلزَمُ مِن ذٰلِكَ أَنَّ اللهَ فِي السَّمَاءِ.
❖ (١٢) ﴿بَل رَفَعَهُ اللهُ إِلَيهِ﴾ [النِّسَاء: ١٥٨]
كَذٰلِكَ: الرَّفعُ رَفعُ تَشرِيفٍ وَحِفظٍ، وَإِضَافَةُ الرَّفعِ إِلَى اللهِ لِأَنَّهُ الفَاعِلُ، وَلَا يَعنِي أَنَّ ذَاتَهُ مَكَانٌ يُرفَعُ إِلَيهِ.
❖ (١٣) ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفَجر: ٢٢]
المَجِيءُ عَلَى المَعنَى الحِسِّيِّ حَرَكَةٌ وَانتِقَالٌ، وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ. فَيُؤَوَّلُ بِمَجِيءِ أَمرِهِ وَقَضَائِهِ، أَو ظُهُورِ آثَارِ قَهرِهِ وَسُلطَانِهِ فِي ذٰلِكَ المَوطِنِ.
❖ (١٤) ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النَّجم: ٨]
هٰذَا فِي قِصَّةِ المِعرَاجِ، وَالمُرَادُ بِالدُّنُوِّ دُنُوُّ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى تَفسِيرِ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وَلَا يَصِحُّ جَعلُهُ دُنُوَّ ذَاتِ اللهِ، لِأَنَّ الدُّنُوَّ مَسَافَةٌ وَمَكَانٌ.
❖ (١٥) ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرصَادِ﴾ [الفَجر: ١٤]
لَيسَ المُرَادُ أَنَّهُ فِي «مَوضِعٍ» يَرصُدُ، بَلِ المُرَادُ: أَنَّ عِلمَهُ وَقُدرَتَهُ وَإِحَاطَتَهُ بِالعِبَادِ وَأَعمَالِهِم لَا تَفُوتُ، وَأَنَّ الجَزَاءَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ.
❖ (١٦) ﴿وَهُوَ القَاهِرُ فَوقَ عِبَادِهِ﴾ [الأَنعَام: ١٨]
هٰذِهِ مِن أَبيَنِ الآيَاتِ فِي أَنَّ «فَوقَ» تَأتِي لِلقَهرِ وَالسُّلطَانِ، لَا لِلمَكَانِ؛ إِذ لَو كَانَ فَوقًا مَكَانِيًّا لَكَانَ فَوقُ «بَعضِ العِبَادِ» دُونَ بَعضٍ بِحَسَبِ المَسَافَاتِ، وَهٰذَا مُحَالٌ وَمُضطَرِبٌ.
❖ (١٧) ﴿إِلَيهِ المَصِيرُ﴾ وَ﴿إِلَيهِ تُرجَعُونَ﴾
المَصِيرُ وَالرُّجُوعُ إِلَى اللهِ مَعنَاهُ الرُّجُوعُ إِلَى حُكمِهِ وَجَزَائِهِ وَقَضَائِهِ، لَا إِلَى «مَكَانٍ» يَحُلُّ فِيهِ.
❖ (١٨) ﴿تَنزِيلٌ مِن رَبِّ العَالَمِينَ﴾ وَأَلفَاظُ الإِنزَالِ
لَا يَلزَمُ مِنَ الإِنزَالِ أَنَّ القُرآنَ «انتَقَلَ» مِن مَكَانِ ذَاتِ اللهِ؛ فَإِنَّ القُرآنَ كَلَامُ اللهِ، وَإِنَّمَا المُنَزَّلُ هُوَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ بِهِ مِن جِهَةِ العُلُوِّ إِلَى الأَرضِ؛ فَنُسِبَ الإِنزَالُ إِلَى اللهِ لِأَنَّهُ الآمِرُ بِهِ وَالمُرسِلُ لَهُ.
❖ (١٩) ﴿وَسِعَ كُرسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥]
هٰذَا فِي مَخلُوقٍ مُسَمًّى «كُرسِيًّا»، وَلَا يَلزَمُ مِنهُ مَكَانٌ لِلخَالِقِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الكُرسِيَّ وَالعَرشَ مَخلُوقَانِ، استَحَالَ أَن يَكُونَ الخَالِقُ مُحتَاجًا إِلَيهِمَا.
❖ (٢٠) ﴿الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبِّي﴾ [الإِسرَاء: ٨٥] (تَنبِيهٌ مُهِمٌّ)
هٰذِهِ الآيَةُ تُفِيدُ تَنبِيهًا: أَنَّ فِي الوُجُودِ مَا يَخفَى عَلَى الحِسِّ وَالوَهمِ، وَأَنَّ «الكَيفِيَّاتِ» لَيسَت شَرطًا فِي ثُبُوتِ الحَقَائِقِ. فَإِذَا كَانَتِ الرُّوحُ لَا تُدرَكُ كَيفِيَّتُهَا، فَكَيفَ يُجعَلُ عَدَمُ تَخَيُّلِ الجِهَةِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ المَوجُودِ القَدِيمِ؟
*خَاتِمَةٌ رِسَالِيَّةٌ: مَجمُوعُ المَعنَى وَنَتِيجَةُ البَحثِ*
❖ إِذًا يَتَبَيَّنُ لِمَن أَنصَفَ أَنَّ إِثبَاتَ المَكَانِ وَالجِهَةِ لِلَّهِ تَعَالَى يَرُدُّ الأَمرَ إِلَى أَحَدِ مَآلَينِ: إِمَّا *التَّجسِيمُ* وَإِمَّا *التَّعطِيلُ*؛ لِأَنَّ مَن أَثبَتَ المَكَانَ أَثبَتَ لَوَازِمَهُ مِنَ الحَدِّ وَالِافتِقَارِ وَالتَّغَيُّرِ، وَمَن جَعَلَ نَفيَ المَكَانِ نَفيًا لِلوُجُودِ فَقَد جَعَلَ الوَهمَ يَحكُمُ عَلَى العَقلِ وَالنَّقلِ.
❖ وَأَمَّا مَذهَبُ أَهلِ السُّنَّةِ فَمُحكَمٌ: يُثبِتُونَ مَا أَثبَتَهُ اللهُ لِنَفسِهِ عَلَى وَجهٍ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَيَنفُونَ عَنهُ مَا استَحَالَ فِي حَقِّهِ مِن خَصَائِصِ المُحدَثَاتِ، وَيَرُدُّونَ المُتَشَابِهَ إِلَى المُحكَمِ دَفعًا لِلتَّنَاقُضِ.
❖ فَاللهُ تَعَالَى *كَانَ وَلَا مَكَانَ*، وَخَلَقَ المَكَانَ وَالجِهَاتِ، فَهُوَ *غَنِيٌّ عَنهَا*، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيهِ كَانَ: مَوجُودٌ بِلَا جِهَةٍ وَلَا حَدٍّ وَلَا حَيِّزٍ، مُتَّصِفٌ بِعُلُوِّ القَدرِ وَالقَهرِ وَالعَظَمَةِ، لَا بِعُلُوِّ المَسَافَةِ وَالمَكَانِ.
وَكَتَبَهُ الرَّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ
د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ
![]()
فِي هٰذِهِ القَنَاةِ تَجِدُونَ سِلْسِلَةً مِنَ الرُّدُودِ وَالمَقَالَاتِ المُتَمَيِّزَةِ، الَّتِي قَدْ لَا تَجِدُونَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ كُتِبَتْ بِأُسْلُوبٍ عِلْمِيٍّ رَصِينٍ، وَمَنْهَجٍ مُحْكَمٍ، يَهْدِفُ إِلَى بَيَانِ الحَقِّ، وَنَشْرِ العِلْمِ النَّافِعِ. ![]()
![]()
![]()
نَرْجُو مِنْكُمُ الآَنَ الِانْضِمَامَ إِلَى قَنَاتِنَا الرَّسْمِيَّةِ عَبْرَ هٰذَا الرَّابِطِ:

