أَوَّلِ المَخلُوقَاتِ و دَعوَى النُّورِ المُحَمَّدِيِّ وَسَبقِيَّةُ المَاءِ

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ.

الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.

*مُقَدِّمَةٌ*

❖ مِنَ المَفَاسِدِ العَقَدِيَّةِ الَّتِي سَرَت إِلَى بَعضِ العَوَامِّ، وَتَسَلَّلَت إِلَى بَعضِ المَجَالِسِ وَالمَنَابِرِ وَمَوَاقِعِ الِاحتِفَالِ بِالمَولِدِ النَّبَوِيِّ، أَو إِلَى أَلسِنَةِ بَعضِ المُؤَذِّنِينَ وَغَيرِهِم، مَا دَرَجَ عَلَيهِ بَعضُهُم مِن قَولِهِم: «إِنَّ مُحَمَّدًا أَوَّلُ المَخلُوقَاتِ». وَمَدَارُ هَذِهِ الدَّعوَى – فِي الغَالِبِ – عَلَى حَدِيثٍ يُتَدَاوَلُ بَينَهُم عَلَى أَنَّهُ مَروِيٌّ عَنِ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِاللَّفظِ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ نُورَ نَبِيِّكَ يَا جَابِرُ».

❖ وَالمَنهَجُ العِلمِيُّ المُنصِفُ يَقتَضِي أَن تُوزَنَ الدَّعَاوَى بِمِيزَانِ النَّقلِ الصَّحِيحِ وَالعَقلِ الصَّرِيحِ، وَأَن تُرَدَّ المَقُولَاتُ إِلَى أُصُولِهَا، وَأَن يُحفَظَ لِجَنَابِ النُّبُوَّةِ حَقُّهُ مِنَ التَّعظِيمِ بِغَيرِ غُلُوٍّ وَلَا كَذِبٍ وَلَا تَكَلُّفٍ.

❖ وَسَنَسُوقُ – بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى – الأَدِلَّةَ النَّقلِيَّةَ وَالعَقلِيَّةَ الَّتِي تُبَيِّنُ بُطلَانَ هَذَا الحَدِيثِ المَذكُورِ، وَتُقَرِّرُ مَا ثَبَتَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِن أَنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ مِن عَالَمِ هَذِهِ المَخلُوقَاتِ هُوَ المَاءُ، وَأَنَّ العَرشَ كَانَ عَلَى المَاءِ قَبلَ خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ.

*أَوَّلًا: تَقرِيرُ الأَصلِ القُرآنِيِّ فِي أَوَّلِيَّةِ المَاءِ*

❖ إِنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ نَصَّ عَلَى أَنَّ المَاءَ أَصلٌ عَظِيمٌ فِي الحَيَاةِ وَمَبدَأٌ فِي نِظَامِ المَخلُوقَاتِ الحَيَّةِ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿*وَجَعَلنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ*﴾ [الأَنبِيَاء: ٣٠]. وَهَذِهِ الآيَةُ تُقَرِّرُ أَصلًا كُلِّيًّا فِي خَلقِ الحَيَاةِ وَتَعَلُّقِهَا بِالمَاءِ، وَهُوَ مَعنًى مُتَّسِقٌ مَعَ مَا سَيَرِدُ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فِي أَنَّ المَاءَ أَوَّلُ مَا خُلِقَ.

❖ وَلَا يَسُوغُ شَرعًا أَن تُحمَلَ الآيَةُ عَلَى مَعَانِي مَجَازِيَّةٍ مُتَكَلَّفَةٍ لِتَسوِيغِ خَبَرٍ لَا يَثبُتُ، فَالنُّصُوصُ تُصَانُ عَنِ العَبَثِ، وَلا يُعدَلُ بِهَا عَن ظَاهِرِهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ ثَابِتٍ.

*ثَانِيًا: النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ فِي أَنَّ المَاءَ وَالعَرشَ مَبدَأُ خَلقِ العَالَمِ*

❖ إِذَا رَجَعنَا إِلَى السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَجَدنَاهَا نَصَّت نُصُوصًا صَرِيحَةً عَلَى بَدءِ الخَلقِ وَأَوَّلِيَّةِ المَاءِ، وَأَنَّ العَرشَ كَانَ عَلَى المَاءِ قَبلَ خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ.

❖ فَقَد رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ، وَغَيرُهُ، عَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ نَفَرًا مِن أَهلِ اليَمَنِ أَتَوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: جِئنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، فَأَنبِئنَا عَن بَدءِ هَذَا الأَمرِ مَا كَانَ؟ فَقَالَ ﷺ: «كَانَ اللهُ وَلَم يَكُن شَيءٌ غَيرُهُ، وَكَانَ عَرشُهُ عَلَى المَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكرِ كُلَّ شَيءٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ».

❖ فَهَذَا الحَدِيثُ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي مَقَامِ البَيَانِ عَن بَدءِ العَالَمِ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَن «بَدءِ هَذَا الأَمرِ»، فَجَاءَ الجَوَابُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالسُّؤَالِ، فَبَيَّنَ ﷺ أَوَّلًا أَزَلِيَّةَ اللهِ تَعَالَى فِي قَولِهِ: «كَانَ اللهُ وَلَم يَكُن شَيءٌ غَيرُهُ»، فَهُوَ إِثبَاتٌ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا ابتِدَاءَ لِوُجُودِهِ، وَأَنَّ وُجُودَهُ سَابِقٌ عَلَى جَمِيعِ المَخلُوقَاتِ.

❖ ثُمَّ قَالَ ﷺ: «وَكَانَ عَرشُهُ عَلَى المَاءِ»، وَفِي هَذِهِ الجُملَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ المَاءَ وَالعَرشَ كَانَا مَبدَأَ خَلقِ هَذَا العَالَمِ، وَأَنَّ خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ جَاءَ بَعدَ ذَلِكَ. وَتَعبِيرُ «عَلَى المَاءِ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَاءَ مُتَقَدِّمٌ فِي المَرتَبَةِ عَلَى مَا كَانَ العَرشُ عَلَيهِ، وَيَتَّسِقُ هَذَا مَعَ مَا وَرَدَ فِي نُصُوصٍ أُخرَى تُصَرِّحُ بِأَنَّ كُلَّ شَيءٍ خُلِقَ مِنَ المَاءِ.

❖ وَقَد رُوِيَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي إِذَا رَأَيتُكَ طَابَت نَفسِي وَقَرَّت عَينِي، فَأَنبِئنِي عَن كُلِّ شَيءٍ، فَقَالَ ﷺ: «كُلُّ شَيءٍ خُلِقَ مِنَ المَاءِ»، وَفِي لَفظٍ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ مِنَ المَاءِ». وَهَذَا يَكُونُ مُفَسِّرًا لِمَا سَبَقَ، وَمُقَرِّرًا لِأَوَّلِيَّةِ المَاءِ عَلَى وَجهِ الإِطلَاقِ.

❖ وَمِمَّا يَزِيدُ هَذَا المَعنَى وُضُوحًا: مَا رُوِيَ عَن جَمَاعَةٍ مِن أَبنَاءِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُم قَالُوا: «إِنَّ اللهَ لَم يَخلُق شَيئًا مِمَّا خَلَقَ قَبلَ المَاءِ»، فَهَذَا مُتَوَافِقٌ مَعَ دَلَالَةِ الآيَةِ وَالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.

❖ وَقَد نَقَلَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي شَرحِهِ مَا يُفِيدُ أَنَّ قَولَهُ ﷺ: «وَكَانَ عَرشُهُ عَلَى المَاءِ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ المَاءَ وَالعَرشَ مَبدَأُ هَذَا العَالَمِ، وَأَنَّهُ لَم يَكُن تَحتَ العَرشِ يَومَئِذٍ إِلَّا المَاءُ، وَهَذَا مِمَّا يَدفَعُ التَّكَلُّفَ فِي تَأوِيلِ النُّصُوصِ.

❖ وَقَد رُوِيَ عَن قَتَادَةَ فِي شَرحِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿*وَكَانَ عَرشُهُ عَلَى المَاءِ*﴾ [هُود: ٧] أَنَّهُ قَالَ: «هَذَا بَدءُ خَلقِهِ قَبلَ أَن يَخلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ»، وَرُوِيَ عَن مُجَاهِدٍ فِي الآيَةِ نَفسِهَا أَنَّهُ قَالَ: «قَبلَ أَن يَخلُقَ شَيئًا». فَهَذَا كُلُّهُ يَتَضَافَرُ عَلَى مَعنًى وَاحِدٍ: أَنَّ بَدءَ خَلقِ العَالَمِ كَانَ بِالمَاءِ، وَأَنَّ العَرشَ كَانَ عَلَى المَاءِ قَبلَ خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ.

*ثَالِثًا: بُطلَانُ حَدِيثِ «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ نُورَ نَبِيِّكَ» نَقلًا وَعَقلًا*

❖ فَإِذَا قِيلَ: أَلَيسَ قَد وَرَدَ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ نُورَ نَبِيِّكَ يَا جَابِرُ»؟

قُلنَا: هَذَا الحَدِيثُ لَا يَثبُتُ، وَيَكفِي فِي رَدِّهِ أَنَّهُ يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، فَإِنَّ القَاعِدَةَ المُقَرَّرَةَ عِندَ أَهلِ العِلمِ: أَنَّ الحَدِيثَ الضَّعِيفَ إِذَا خَالَفَ الثَّابِتَ الصَّحِيحَ فَلَا يُحتَاجُ إِلَى تَأوِيلِ الصَّحِيحِ لِأَجلِهِ، بَل يُعمَلُ بِالثَّابِتِ وَيُترَكُ المُخَالِفُ.

❖ ثُمَّ إِنَّ نُقَّادَ الحَدِيثِ ذَكَرُوا فِي شَأنِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا إِسنَادَ لَهُ يُعتَمَدُ عَلَيهِ؛ فَقَد نُقِلَ عَن الحَافِظِ السُّيُوطِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: «لَيسَ لَهُ إِسنَادٌ يُعتَمَدُ عَلَيهِ»، وَنُقِلَ أَيضًا أَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ حَدِيثَ أَوَّلِيَّةِ النُّورِ المُحَمَّدِيِّ لَم يَثبُت.

❖ وَزَادَ بَعضُ المُحَقِّقِينَ فِي العَصرِ المُتَأَخِّرِ تَقرِيرًا: أَنَّ عَزوَ هَذَا الحَدِيثِ إِلَى بَعضِ المُصَنَّفَاتِ خَطَأٌ، وَأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي بَعضِ المَجَامِيعِ الَّتِي يُدَّعَى وُجُودُهُ فِيهَا.

❖ وَأَمَّا مِن جِهَةِ العَقلِ وَالتَّحقِيقِ فَإِنَّ فِي بَعضِ أَلفَاظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى رَكَاكَتِهِ وَاضطِرَابِ مَعَانِيهِ، وَهَذَا مِمَّا يَعرِفُهُ مَن لَهُ ذَوقٌ فِي كَلَامِ النُّبُوَّةِ وَمَعرِفَةٌ بِأُسلُوبِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.

❖ وَمِن أَبيَنِ مَا يُرَدُّ بِهِ: تَعَلُّقُ بَعضِ النُّسَخِ بِعِبَارَةِ: «خَلَقَهُ اللهُ مِن نُورِهِ قَبلَ الأَشيَاءِ»، فَإِنَّ هَذِهِ الإِضَافَةَ إِن حُمِلَت عَلَى إِضَافَةِ المِلكِ، صَارَ المَعنَى: أَنَّ هُنَاكَ نُورًا مَخلُوقًا لِلهِ هُوَ الأَوَّلُ، ثُمَّ خُلِقَ مِنهُ نُورُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَنقَلِبُ الدَّعوَى عَلَى أَصحَابِهَا، وَيَصِيرُ نُورُ مُحَمَّدٍ ثَانِيًا لَا أَوَّلًا.

❖ وَإِن حُمِلَت عَلَى مَعنًى يُفهَمُ مِنهُ أَنَّ المَضَافَ إِلَيهِ جُزءٌ مِنَ الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ – وَالعِيَاذُ بِاللهِ – فَهَذَا أَفظَعُ وَأَقبَحُ؛ لِأَنَّهُ يَستَلزِمُ التَّركِيبَ فِي ذَاتِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ مِن أَبشَعِ البَاطِلِ؛ إِذِ التَّركِيبُ سِمَةُ المُحدَثَاتِ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن ذَلِكَ كُلِّهِ.

❖ وَمِن أَدِلَّةِ سُقُوطِهَا أَيضًا: الِاضطِرَابُ الشَّدِيدُ فِي أَلفَاظِ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَد رَوَاهُ بَعضُهُم عَلَى وَجهٍ، وَرَوَاهُ آخَرُونَ عَلَى وَجهٍ مُغَايِرٍ تَبَايُنُهُ بَيِّنٌ، وَمِن قَوَاعِدِ أَهلِ الحَدِيثِ أَنَّ الِاضطِرَابَ مِمَّا يَقدَحُ فِي ثُبُوتِ الخَبَرِ.

❖ فَإِذَا اجتَمَعَ مُخَالَفَةُ الصَّحِيحِ، وَعَدَمُ ثُبُوتِ الإِسنَادِ المُعتَمَدِ، وَرَكَاكَةُ الأَلفَاظِ، وَالِاضطِرَابُ؛ كَانَ الحَدِيثُ سَاقِطًا، وَلا يَصِحُّ أَن يُجعَلَ أَصلًا لِعَقِيدَةٍ يَتَشَبَّثُ بِهَا العَوَامُّ.

*رَابِعًا: فِي مَا يُذكَرُ مِن حَدِيثِ «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ العَقلَ» وَحَدِيثِ القَلَمِ*

❖ وَمِمَّا يَنبَغِي التَّنبِيهُ عَلَيهِ: أَنَّ بَعضَ النَّاسِ قَد يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثٍ آخَرَ يُشَاعُ بَينَ العَوَامِّ، وَهُوَ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ العَقلَ». وَقَد نُقِلَ عَن أَهلِ العِلمِ أَنَّهُ لَيسَ لَهُ طَرِيقٌ يَثبُتُ، وَأَنَّ أَسَانِيدَهُ لَا تَخلُو مِن ضَعفٍ، وَأَنَّ فِيهِ نَكَارَةً، فَلَا يَصِحُّ أَن يُعَارَضَ بِهِ مَا ثَبَتَ مِنَ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ.

❖ أَمَّا حَدِيثُ القَلَمِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ أَنَّهُ «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمَ»، فَهُوَ مِمَّا تَكَلَّمَ فِيهِ العُلَمَاءُ جَمعًا وَتَوفِيقًا بَينَهُ وَبَينَ حَدِيثِ أَوَّلِيَّةِ المَاءِ؛ لِأَنَّ الجَمعَ بَينَ المَقبُولَينِ إِذَا أَمكَنَ هُوَ المَسلَكُ المَعرُوفُ. وَمِن أَوجُهِ الجَمعِ: أَن تُحمَلَ أَوَّلِيَّةُ القَلَمِ عَلَى أَنَّهَا أَوَّلِيَّةٌ نِسبِيَّةٌ بِاعتِبَارِ مَا صَدَرَ مِنهُ مِنَ الكِتَابَةِ، أَو أَنَّهُ أَوَّلُ مَا خُلِقَ لِغَرَضِ الكِتَابَةِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِالتَّقدِيرِ وَالتَّدوِينِ، بَينَمَا تَبقَى أَوَّلِيَّةُ المَاءِ عَلَى الإِطلَاقِ بِاعتِبَارِ بَدءِ الخَلقِ.

❖ وَهُنَا يَظهَرُ الفَرقُ العِلمِيُّ الدَّقِيقُ بَينَ مَن يُؤَوِّلُ نَصًّا ثَابِتًا لِلتَّوفِيقِ بَينَ نُصُوصٍ ثَابِتَةٍ، وَبَينَ مَن يُؤَوِّلُ نَصًّا ثَابِتًا لِأَجلِ خَبَرٍ وَاهٍ أَو مَوضُوعٍ؛ فَالأَوَّلُ مَسلَكٌ مُعتَبَرٌ عِندَ أَهلِ العِلمِ، وَالثَّانِي عَبَثٌ بِالنُّصُوصِ وَتَكَلُّفٌ لَا مُسَوِّغَ لَهُ.

*خَامِسًا: مَا يُتَعَلَّقُ بِأَحَادِيثَ تُذكَرُ فِي «نُبُوَّتِهِ ﷺ قَبلَ خَلقِ آدَمَ»*

❖ وَقَد يَتَعَلَّقُ بَعضُهُم بِمَا يُروَى: «كُنتُ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ فِي الخَلقِ وَآخِرَهُم فِي البَعثِ»، وَبِمَا يُشَاعُ مِن أَلفَاظٍ مِثلَ: «كُنتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَينَ المَاءِ وَالطِّينِ» أَو «وَلَا مَاءَ وَلَا طِين». وَالمَقَامُ يَقتَضِي التَّميِيزَ بَينَ مَا يَصِحُّ وَمَا لَا يَصِحُّ، وَبَينَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَوَّلِيَّةِ الخَلقِ وَمَا يَدُلُّ عَلَى سَبقِ التَّقدِيرِ وَالتَّشرِيفِ.

❖ فَأَمَّا مَا ثَبَتَ صِحَّتُهُ فَمِنهُ حَدِيثُ مَيسَرَةَ الفَجرِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى كُنتَ نَبِيًّا؟ فَقَالَ ﷺ: «كُنتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَينَ الرُّوحِ وَالجَسَدِ». وَمَعنَاهُ – عَلَى مَا يَظهَرُ – أَنَّهُ ﷺ كَانَ مُقَدَّرًا مُثبَتًا فِي عِلمِ اللهِ وَفِي مَلَأِ المَلَائِكَةِ بِوَصفِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ قَبلَ اكتِمَالِ تَكوِينِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَوَّلُ المَخلُوقَاتِ مُطلَقًا، بَل يَدُلُّ عَلَى سَبقِ التَّقدِيرِ وَالتَّشرِيفِ.

❖ وَمِن ذَلِكَ أَيضًا مَا رُوِيَ عَن العِربَاضِ بنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي عِندَ اللهِ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنجَدِلٌ فِي طِينتِهِ»، وَقَد فَسَّرَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَ فِي قَضَاءِ اللهِ وَتَقدِيرِهِ عَلَى هَذِهِ المَنزِلَةِ قَبلَ وُجُودِ آدَمَ، فَهُوَ تَقدِيرٌ وَقَضَاءٌ، لَا دَعوَى أَوَّلِيَّةِ خَلقٍ.

*سَادِسًا: الفَضلُ لَيسَ بِالسَّبقِ فِي الوُجُودِ، بَل بِتَفضِيلِ اللهِ*

❖ مِنَ الأُصُولِ المُهِمَّةِ الَّتِي تَجِبُ رِعَايَتُهَا فِي هَذِهِ المَسأَلَةِ: أَنَّ الأَفضَلِيَّةَ لَا تَلزَمُ مِنَ الأَسبَقِيَّةِ فِي الوُجُودِ، فَلَيسَ كُلُّ مَا تَقَدَّمَ زَمَانُ خَلقِهِ كَانَ أَفضَلَ مِمَّا تَأَخَّرَ، بَلِ الفَضلُ فَضلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ.

❖ وَهُنَا تَأتِي فَائِدَةٌ تَحقِيقِيَّةٌ تُلزِمُ المُتَشَبِّثَ بِدَعوَى «الأَوَّلِيَّةِ» لِأَجلِ «الأَفضَلِيَّةِ»؛ فَيُقَالُ لَهُ: أَلَستَ تَعتَقِدُ أَنَّ إِبلِيسَ خُلِقَ قَبلَ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ؟ فَإِن قَالَ: نَعَم، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿*وَالجَانَّ خَلَقنَاهُ مِن قَبلُ مِن نَارِ السَّمُومِ*﴾ [الحِجر: ٢٧]؛ قِيلَ لَهُ: فَهَل سَبقُ إِبلِيسَ لِآدَمَ يَقتَضِي أَفضَلِيَّةَ إِبلِيسَ؟! وَلَا أَحَدَ يَقُولُ بِذَلِكَ. فَيَظهَرُ أَنَّ رَبطَ الأَفضَلِيَّةِ بِأَوَّلِيَّةِ الخَلقِ رَبطٌ غَيرُ صَحِيحٍ.

❖ وَيَكفِي سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ فَضلًا أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَهُ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، وَجَعَلَهُ خَيرَ خَلقِهِ عَلَى الإِطلَاقِ، وَأَعطَاهُ مِنَ الكَرَامَاتِ وَالخَصَائِصِ وَمَا أَثبَتَهُ الوَحيُ مِنَ المَقَامَاتِ مَا يَغنِي عَن تَكَلُّفِ دَعَاوَى لَا تَثبُتُ.

*سَابِعًا: قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ وَحَدِيثِيَّةٌ تَحسِمُ النِّزَاعَ*

❖ مِنَ القَوَاعِدِ المُقَرَّرَةِ عِندَ الأُصُولِيِّينَ: أَنَّ النَّصَّ لَا يُؤَوَّلُ إِلَّا بِدَلِيلٍ سَمعِيٍّ ثَابِتٍ، أَو دَلِيلٍ عَقلِيٍّ قَاطِعٍ، وَإِلَّا كَانَ التَّأوِيلُ عَبَثًا، وَالنُّصُوصُ تُصَانُ عَنِ العَبَثِ. وَبِنَاءً عَلَى هَذِهِ القَاعِدَةِ، يَبطُلُ تَأوِيلُ مَن أَوَّلَ دَلَالَةَ النُّصُوصِ الثَّابِتَةِ فِي أَوَّلِيَّةِ المَاءِ لِأَجلِ خَبَرٍ وَاهٍ.

❖ وَمِن قَوَاعِدِ المُحَدِّثِينَ: أَنَّ العِبرَةَ فِي التَّصحِيحِ وَالتَّضعِيفِ بِكَلَامِ الحُفَّاظِ، وَبِمَا اشتُهِرَ عِندَ أَهلِ هَذَا الشَّأنِ، وَأَنَّ مُجَرَّدَ إِيرَادِ الحَدِيثِ فِي كِتَابٍ لَا يَقتَضِي صِحَّتَهُ؛ فَقَد يَذكُرُ الحَافِظُ فِي مُصَنَّفِهِ الصَّحِيحَ وَالحَسَنَ وَالضَّعِيفَ لِغَرَضٍ مِنَ الأَغرَاضِ، وَهَذَا مَعرُوفٌ عِندَ أَهلِ الفَنِّ.

❖ وَهُنَا يَتَأَكَّدُ أَنَّ حَدِيثَ «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ نُورَ نَبِيِّكَ» لَم يُنقَل أَنَّ حَافِظًا مُعتَبَرًا صَحَّحَهُ، وَلَا أَنَّهُ وُجِدَ فِي كِتَابٍ اشتَرَطَ مُؤَلِّفُهُ الِاقتِصَارَ عَلَى الصَّحِيحِ؛ فَكَيفَ يَصِحُّ أَن تُبنَى عَلَيهِ مَقَالَةٌ تُذكَرُ عَلَى المَنَابِرِ وَتَتَنَاقَلُهَا الأَلسُنُ؟

*ثَامِنًا: نَصِيحَةٌ فِي تَركِ الغُلُوِّ وَالتَّثَبُّتِ فِيمَا يُنسَبُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ*

❖ إِنَّ مَا يُوجَدُ فِي بَعضِ كُتُبِ المَوَالِدِ وَالمَجَالِسِ مِن أَحَادِيثَ «لَا خِطَامَ لَهَا وَلَا زِمَامَ» – عَلَى تَعبِيرِ بَعضِ المُحَقِّقِينَ – مِن مَظَاهِرِ الغُلُوِّ الَّذِي نُهِينَا عَنهُ. وَقَد ثَبَتَ التَّحذِيرُ الشَّدِيدُ مِنَ الكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَنَّ مَن نَقَلَ حَدِيثًا يَعلَمُ أَو يَغلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ كَذِبٌ دَخَلَ فِي الوَعِيدِ.

❖ وَلَيسَت مَحَبَّةُ النَّبِيِّ ﷺ بِالكَذِبِ عَلَيهِ، وَلَا بِتَركِ مِيزَانِ العِلمِ، وَلَا بِتَكَلُّفِ مَا لَا يَثبُتُ؛ بَل مَحَبَّتُهُ بِاتِّبَاعِهِ وَتَعظِيمِهِ وَنُصرَةِ سُنَّتِهِ وَصِيَانَةِ مَقَامِهِ عَن أَن يُلصَقَ بِهِ مَا لَم يَقُلهُ.

❖ وَمِن هُنَا يَجِبُ تَحذِيرُ النَّاسِ مِنَ التَّشَبُّثِ بِأَقوَالٍ تُنسَبُ إِلَى بَعضِ الأَولِيَاءِ أَوِ المَشَايِخِ مِمَّا يُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ، فَإِنَّ العِصمَةَ لِلنُّبُوَّةِ لَا لِغَيرِهَا، وَكُلُّ أَحَدٍ يُؤخَذُ مِن قَولِهِ وَيُترَكُ إِلَّا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَالمِيزَانُ الدَّائِمُ هُوَ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَفَهمُ أَهلِ العِلمِ.

*تَاسِعًا: خَاتِمَةٌ وَتَقرِيرُ النَّتِيجَةِ*

❖ خُلَاصَةُ المَسأَلَةِ أَنَّ الدَّعوَى القَائِلَةَ: «إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أَوَّلُ المَخلُوقَاتِ عَلَى الإِطلَاقِ» دَعوَى لَا يَقُومُ عَلَيهَا دَلِيلٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، وَأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُونَ بِهِ مِن حَدِيثِ جَابِرٍ فِي «أَوَّلِيَّةِ النُّورِ» حَدِيثٌ لَا يَثبُتُ، وَقَد خَالَفَ القُرآنَ وَالسُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ، وَاشتَمَلَ – فِيمَا نُقِلَ مِن أَلفَاظِهِ – عَلَى رَكَاكَةٍ وَاضطِرَابٍ وَمَعَانٍ لَا تَلِيقُ بِمَقَامِ النُّبُوَّةِ.

❖ وَأَنَّ الثَّابِتَ فِي النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَانَ وَلَم يَكُن شَيءٌ غَيرُهُ، وَأَنَّ عَرشَهُ كَانَ عَلَى المَاءِ، وَأَنَّ خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ جَاءَ بَعدَ ذَلِكَ، وَأَنَّ «كُلَّ شَيءٍ خُلِقَ مِنَ المَاءِ».

❖ ثُمَّ إِنَّ فَضلَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَحتَاجُ إِلَى دَعَاوَى مَوضُوعَةٍ وَلَا أَخبَارٍ وَاهِيَةٍ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَد فَضَّلَهُ عَلَى العَالَمِينَ، وَجَعَلَهُ خَيرَ خَلقِهِ وَأَكرَمَهُم، وَهَذَا فَضلٌ رَبَّانِيٌّ ثَابِتٌ بِالمُحكَمَاتِ وَالصِّحَاحِ، فَلنَكتَفِ بِمَا ثَبَتَ وَنَترُك مَا لَا يَثبُتُ، وَلنَجعَل مَحَبَّتَنَا لِلنَّبِيِّ ﷺ مَبنِيَّةً عَلَى الاتِّبَاعِ وَالتَّحَقُّقِ وَصِيَانَةِ السُّنَّةِ مِنَ الدَّخِيلِ وَالمَوضُوعِ، فَذَلِكَ أَقرَبُ إِلَى رِضَا اللهِ وَأَحفَظُ لِجَلَالِ النُّبُوَّةِ.

وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ، وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا، وَالحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

وَكَتَبَهُ الرَّاجِي رَحمَةَ رَبِّهِ

✍ د. مُحَمَّدُ عَبدُ الجَوَادِ الصَّبَّاغُ

📚✨ فِي هٰذِهِ القَنَاةِ تَجِدُونَ سِلْسِلَةً مِنَ الرُّدُودِ وَالمَقَالَاتِ المُتَمَيِّزَةِ، الَّتِي قَدْ لَا تَجِدُونَهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ؛ كُتِبَتْ بِأُسْلُوبٍ عِلْمِيٍّ رَصِينٍ، وَمَنْهَجٍ مُحْكَمٍ، يَهْدِفُ إِلَى بَيَانِ الحَقِّ، وَنَشْرِ العِلْمِ النَّافِعِ. 🖋️📖

🔗✨ نَرْجُو مِنْكُمُ الآَنَ الِانْضِمَامَ إِلَى قَنَاتِنَا الرَّسْمِيَّةِ عَبْرَ هٰذَا الرَّابِطِ:

👇

أضف تعليق