(95) تكلم عن صفة الوجود لله

      يجب اعتقاد أن الله موجود لا شك فى وجوده ووجوده تعالى ليس بإيجاد موجدٍ لأنه لم يسبق وجوده عدم قال الله تعالى فى سورة إبراهيم ﴿أفى الله شك﴾ أى لا شك فى وجوده.

من كتاب الدرة الوضية في توحيد رب البرية للشيخ المحدث السيد محمد الحوت البيروتي. وهو من علماء بيروت المشهورين بل شيخ علمائها: 

القاعدة الأولى: الوجود

         من قواعد التوحيد اعتقاد وجود الحق تعالى. وهي صفة نفسية لا يعقل الذات إلا بها، ووجوده تعالى بذاته لا من مادة وعنصر وليس موقوفاً على أمر ءاخر.

          والوجود نوعان: وجودٌ قديم وهو واجبٌ وهو وجودُ الحق تعالى. قال تعالى: { ذلك بأن الله هو الحق } أي الثابت الوجود المحقق (17) . والوجود الثاني وجود جائز ممكن وهو وجود مَن عداه، وذلك كل الأكوان.

           ثم وقع في كلام المتأخرين من المتصوفين ما لم يتكلم به أحد من السلف وهو قولهم بوحدة الوجود وأن الوجود واحد وهو وجود الحق تعالى، وهذه العبارة كفر فلذا وجب الإعراض عن القول بها ولا يُتمسك بمن قالها لأنا مقتدون به صلى الله عليه وسلم وبأصحابه، ولا يقال فلان معتبَر وقد تكلم بها، لأنا نقول لم نؤمر بالاقتداء به وإنما أُمِرنا بالاقتداء بالسلف بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرجوع لما عليه السلف سلامة والخوض في قول غيرهم سبب للندامة. ثم هذا القول المذكور المعَبَرعنه بوحدة الوجود (18) أُريدَ به اتحاد الحق بالخلق وأنه لا شيء سواه ويقولون: الكل هو وأنا من أهوى ومَن أهوى أنا وفي كل شيء له ءاية تدل على أنه عينه. فهذا القول كفر وقد غلب أهله النصارى فإنهم خصوا الحلول بعيسى وهؤلاء عمموا في كل شيء دفع اللهُ شرَهم عن الأمة وعمهم باللطف والرحمة.

          إذا فهمت ما تقرر لك من ذلك فاعلم أنه تعالى منزَهٌ عن الحلول والاتحاد بشيء من الكون وأن الخالق تعالى مخالف للخليقة. وأول مَن أظهر هذا المذهب أبو سعيد القرمطي من أهل البحرين، وفعل أبو سعيد هذا وأخوه أبو طاهر بأهل الإيمان من القتل والاغتيال على بلاد الإسلام ما لم يفعله كافر من أهل الحرب حتى بلغ أن أبا طاهر قتل الحُجاجَ بمنى يوم النحر وجعلهم مكان الأضحية وقد عجّل الله له العقوبة وأنزل الله تعالى عليه وعلى بعض أصحابه بلاء كالطاعون فهلك عن قرب هو وجملة من جنده بذلك الداء، ثم اقتلعوا الحجر الأسود وأخذوه لبلادهم فبئس الاعتقاد وبئس المذهب وبقي هذا الاعتقاد وانتشر مع كثير من الناس.

(17)  يجوز أن يقال: (الله موجود)، ذكر شارح القاموس الزبيدي في شرح الإحياء ما نصه: “والبارئ تعالى موجود فصح أن يُرى”. فلا عبرة بقول من زعم أن كلمة (موجود) هي اسم مفعول تدل على المخلوق فقط.

(18)  قال الشيخ عبد الغني النابلسي في الفتح الرباني ما نصه: “ونشهد أنه تعالى لم يحل في شيء من مخلوقاته، ولا حلّ فيه شيء من مخلوقاته. لأن الحلول إنما يُتصَوَرُ بين الشيئين اللذَين يجمعهما وصف واحد. ولا مناسبة بين العبد والرب في شيء من الأشياء ولا في مجرد الوجود. فكيف يُتصَوَر أن يحل أحدُهما في الآخر ويتحد أحدهما بالآخر” اهـ. وذكر أيضاً في أقسام الكفر في تبيان كفر التشبيه: “أو أنه ملأ السموات والأرض أو أن له الحلول في شيء من الأشياء أو في جميع الأشياء، أو أنه متحد بشيء من الأشياء أو في جميع الأشياء أو أن الأشياء منحلة منه، وجميع ذلك كفر صريح والعياذ بالله تعالى” اهـ.

أضف تعليق