- لا يعفى الجاهل مما ذكرناه من الأصول، ولا يعذر فيما يقع منه من الكفر لعدم اهتمامه بالدين.
- قال المؤلف رحمه الله: [واستحلال المعصية كفر].
- قال الشيخ كمال الدين البياضي في كتاب “إشارات المرام من عبارات الإمام أبي حنيفة النعمان في أصول الدين”
- قال المؤلف رحمه الله: ولو كان الجهل يسقط المؤاخذة لكان الجهل خيرا من العلم
- قال المؤلف رحمه الله: ثانيها التكذيب: أي تكذيب ما ورد في القرءان الكريم أو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم على وجه ثابت وكان مما علم من الدين بالضرورة
- سئل الشيخ: يقال إن المعلوم من الدين بالضرورة هو الذي يشترك في علمه العوام والخواص،
- وقال أبو حنيفة رضي الله عنه كذلك([12]): «كان الله ولا مكان، كان قبل أن يخلق الخلق، كان ولم يكن أين ولا خلق ولا شىء، وهو خالق كل شىء» اهـ.
- قال الغزالي أيضا في الكتاب نفسه([6]): «الأصل الخامس: العلم بأنه تعالى ليس بجسم مؤلف من جواهر،
- قال المؤلف رحمه الله: ثم الحكاية المانعة لكفر حاكي الكفر
- قال المؤلف رحمه الله: وكذلك إن كان اللفظ له معان كثيرة
- أولا: قد بين لنا النبي ﷺ أن الناس مراتب،
- تكفير المجسم
لا يعفى الجاهل مما ذكرناه من الأصول، ولا يعذر فيما يقع منه من الكفر لعدم اهتمامه بالدين.
أفضل الواجبات الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وأعظم الذنوب الكفر بأنواعه، وأشده التعطيل وأبشعه الردة وهى ثلاثة أقسام اعتقادات وأقوال وأفعال وكل قسم يتشعب شعبا كثيرة فمن الأول الشك فى الله أو فى رسوله أو القرءان ونفى صفة من صفات الله الواجبة له إجماعا ونسبة ما يجب تنزيهه عنه إجماعا إليه كالجسم والقعود وتكذيب نبى أو تنقيصه وجحد معلوم من الدين بالضرورة مما لا يخفى عليه والتكذيب بالقدر والعزم على الكفر فى المستقبل وعقيدة الحلول والوحدة المطلقة. ومن الثانى السجود لصنم أو شمس أو نار ورمى المصحف فى القاذورة والعياذ بالله تعالى. ومن الثالث أن يقول لمسلم يا كافر غير متأول والسخرية باسم من أسماء الله تعالى أو وعده أو وعيده ممن لا يخفى عليه نسبة ذلك إليه سبحانه والاستخفاف بالإسلام أو بالكعبة أو بالقرءان أو بحكم الشريعة أو بالأنبياء أو الملائكة.
من أنكر ما علم علما ظاهرا يشترك فى معرفته العلماء والعامة من المسلمين كفر إلا أن يكون نحو حديث عهد بإسلام أو نشأ فى بادية بعيدة عن العلماء شرط أن يكون غير عالم بأن هذا من دين الإسلام وشرط أن يكون هذا الأمر غير نحو تنزيه الله عن الشبيه والمكان.
وإليك أيها القارئ بعض ما ورد عن العلماء في تزييف وبطلان هذه المقالة الفاسدة وتكفير من خالف أمرا قطعيا من أمور الشريعة المعلومة من الدين بالضرورة:
قال الفقيه الشافعي تقي الدين السبكي([277])، وهو ممن قيل ببلوغه درجة الاجتهاد([278]): «إن إنكار القطعي كفر، ولا يشترط أن يعلم ذلك المنكر قطعيته ثم ينكر فيكون بذلك كافرا على ما يتوهمه الخائلون([279])؛ بل يشترط قطعيته في الواقع».اهـ.
وفي كتاب «فتح الباري»([280]): «وقد حكى عياض وغيره الإجماع على تكفير من يقول بقدم العالم، فقال ابن دقيق العيد: وقع هنا من يدعي الحذق في المعقولات ويميل إلى الفلسفة، فظن أن المخالف في حدوث العالم لا يكفر، لأنه من قبيل مخالفة الإجماع، وتمسك بقولنا: إن منكر الإجماع لا يكفر على الإطلاق حتى يثبت النقل بذلك متواترا عن صاحب الشرع، قال: وهو تمسك ساقط، إما عن عمى في البصرة أو تعام، لأن حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع والتواتر بالنقل».اهـ.
فإن قيل: قال شمس الدين الرملي([281]) عند شرح قول النووي: «الردة قطع الإسلام بنية أو قول كفر» ما نصه: «فلا أثر لسبق لسان أو إكراه واجتهاد وحكاية كفر». فالجواب: ما قاله الـمحشي([282])، أي: صاحب الحاشية نور الدين علي الشبْراملسي على شرح الرملي المسمى «نهاية المحتاج»: «قوله (واجتهاد)، أي: لا مطلقا كما هو ظاهر لما سيأتي من نحو كفر القائلين بقدم العالم مع أنه بالاجتهاد والاستدلال».اهـ. وتابعه على ذلك الـمحشي الآخر على الرملي أحمد بن عبد الرزاق المعروف بالمغربي الرشيدي فقال([283]): «قوله (واجتهاد)، أي: فيما لم يقم الدليل القاطع على خلافه، بدليل كفر نحو القائلين بقدم العالم مع أنه بالاجتهاد».اهـ.
ومن هنا يعلم أنه ليس كل متأول أو مجتهد يمنع عنه تأويله التكفير، فمن اجتهد في القطعيات فأخطأ لا يعذر، فقول ابن تيمية: بأن العالم أزلي بجنسيه، أي: لم يتقدم الله جنس العالم بالوجود بل قال: وهذا كمال لله، ذكر هذا في كتاب «شرح حديث عمران بن الحصين»([284])، وقوله: بأن النار تفنى وينتهي عذابها([285]) لا يخلصه من الكفر، ولو زعم أنه اجتهد أو ادعى أحد له ذلك، وتابعه في مقولته الثانية وأيده تلميذه ابن قيم الجوزية([286])، فالذي يعتقد أن كل متأول يعذر مهما كان تأوله فقد عطل الشريعة.
[277]() محمد أنور شاه الكشميري، إكفار الملحدين (ص33).
[278]() وصفه بالاجتهاد السيوطي في بغية الوعاة (2/176).
[279]() أي: الظانون.
[280]() ابن حجر العسقلاني، فتح الباري (12/202).
[281]() شمس الدين الرملي، نهاية المحتاج (7/414).
[282]() حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج المطبوعة بذيل نهاية المحتاج (7/414).
[283]() حاشية المغربي الرشيدي على نهاية المحتاج المطبوعة بذيل حاشية الشبراملسي (7/414).
[284]() ابن تيمية، الكتاب المسمى شرح حديث عمران بن الحصين (ص193)، ابن تيمية، مجموع الفتاوى (18/239).
[285]() ابن قيم الجوزية، حادي الأرواح (ص579 و582).
[286]() ابن قيم الجوزية، حادي الأرواح (ص579 و582).
ما حكم جماع الزوجة فى حال الحيض أو النفاس
يحرم جماع الزوجة فى حال الحيض أو النفاس سواء كان بحائل أو بدون حائل وهو من كبائر الذنوب ويحرم جماعها بعد انقطاع الدم وقبل الغسل. ومن استحل جماعها فى حال الحيض كفر لأن حرمته معلومة من الدين بالضرورة أى يعلم ذلك العالم والجاهل من المسلمين. ويجوز على قول فى المذهب الشافعى الاستمتاع بها بغير الجماع ولو بغير حائل لقوله ﷺ اصنعوا كل شىء إلا النكاح رواه مسلم. والنكاح هنا بمعنى الجماع. وبدن الحائض طاهر فلا تكره مخالطتها بدليل أن الرسول ﷺ كان يقرأ القرءان ورأسه فى حجر عائشة وهى حائض رواه البخارى.
ووصل بالبعض أنهم زعموا أن أيوب عليه السلام كان كلما سقط الدود من جسمه رده إليه وهذا كفر والعياذ بالله، وجوابنا عن ذلك أن أهل الحق أجمعوا على أن الكبائر مستحيلة على الأنبياء عليهم السلام، فما يروونه في تلك القصة من أنه كانت تتساقط الديدان من جسمه ثم يعيدها ويقول لها: يا مخلوقة الله، يا مباركة، كلي مما رزقك الله. فهذا فيه نسبة الكبائر إلى أيوب عليه السلام وهو مخرج من الدين، لأن الإضرار بالجسم والعقل وإيذاء النفس بغير حق معلوم من الدين بالضرورة حرمته. وفي هذا القول سفه، والأنبياء منـزهون عن السفه، فكيف ينسب ذلك لنبي من أنبياء الله يضرب به المثل في الصبر.
فإذا كانت مصافحة المرأة الأجنبية حرامًا فبالأوْلى ان يكون تقبيلها وإلصاق عورتها بعورة الأجنبي حرامًا.
هذا ما تعلمناه عند المحدث العالم الشيخ عبد الله الهرري حفظه الله، هذا ما تعلمناه عند جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية .لذلك إخوة الإيمان لا يلتفت إلى كلام المشوشين الذين كشفتِ الجمعية زيغهم وانحرافهم فصاروا يفترون على الشيخ والجمعية بقولهم أن الجمعية تحلل المفاخذة والعياذ بالله. وها نحن نقول على المنابر إن مصافحة المرأة الأجنبية حرام وإن المفاخذة حرام، وليعلم أنّ مستحلّ المفاخذة مع الأجنبية كافر لاستحلاله ما علم من الدين بالضرورة حرمته، فبالله عليكم الذي يحرّم المصافحة يحلل المفاخذة ؟ إن هو إلا افتراء، فلا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم ، والله المستعان .
ومما يجب التحذير منه قول بعض جهلة المتصوفة: “إن الطريقة واجبة”، وهذا الكلام يردده بالخصوص رجل ينتسب انتسابا إلى الطريقة النقشبندية يقال له “محمد الخزنوي” وهو ابن الشيخ العالم الجليل عز الدين ابن الشيخ الولي الكبير أحمد الخزنوي رحمهما الله تعالى. فقيل له: “إن أباك قال: ليس واجبة” فأصر على كلامه ولم يرجع، ويشهد عليه بهذا ثلاثة من طلبة العلم وهم: جمال صقر، وجميل حليم، ويوسف داود، وكثير من جماعته يذكرون هذه العبارة.
فقوله: “إن الطريقة واجبة” أي فرض ردة لأن من أوجب ما ليس بواجب عند المسلمين مما هو معلوم بالضرورة أنه ليس جانبا ارتد كما قال الفقهاء في كتبهم في باب الردة.
وهذا الرجل قال أيضا: إن رجلا زنا بامرأة ميتة فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد التوبة فقال له رسول الله: اذهب عني يا فاسق ليس لك عندي شئ كي لا تحرقني بنارك، ويشهد عليه بهذا جمال صقر، ويوسف داود، وجميل حليم، وإسماعيل سرحان، ومحمد اسطنبولي، وهذا فيه نسبة شئ لا يليق بالرسول لأن الرسول لا يرد من جاءه يطلب التوبة كائنا من كان، لا يرد الكافر إذا جاءه ليسلم، ولا قاتل النفس ظلما، فكيف يقول هذا الرجل إن الرسول قال لهذا الذي قال إني زنيت بامرأة ميتة ليرشده للخلاص من تلك المعصية: اذهب عني يا فاسق ليس لك عندي شئ كي لا تحرقني بنارك، ونسبة مثل هذا إلى الرسول كفر، وهذه الحادثة لم تحصل.
وهذا الرجل أي محمد الخزنوي لم يتلق العلم ولم يحصل القدر الواجب لا من أبيه ولا من غيره لذلك ظهر منه ما يخالف عقيدة أهل السنة، فقد قال في حياة أبيه: “إن ابن تيمية لا يكفر بقوله إن الله جالس على العرش” فاعترضه رجل يسمى الحاج أسعد صوفي فقال محمد: اسأل أبي، فسأل الحاج أسعد الشيخ عز الدين رحمه الله فقال: “من اعتقد أن الله قاعد على العرش كافر”، وكلام الشيخ عز الدين هو عين الصواب لأن القعود وصف يشترك فيه الإنسان والبهائم والجن والملائكة والحشرات.
ثم من غول جماعته أي جماعة محمد الخزنوي أنهم فضلوه على الأقطاب كلهم على أبيه وجده وغيرهما، ثم قالوا عنه: “عمر بن الخطاب الثاني”، نسأل الله تعالى السلامة.
ومما يجب الحذر منه قول كثير من الناس لمن يرفع السعر في البيع والشراء: “حرامي” أي سارق، فإن كان الرفع إلى حد قريب لا يستغربه الناس فتسمية البائع بهذا كفر لأنه تحريم ما أحل الله لأن رفع السعر جوازه معلوم من الدين بالضرورة عند العلماء والعامة، إنما ينكر الناس الرفع المجاوز للعادة. ثم رفع السعر إلى حد قليل أو كثير ليس حراما في شرع الله، والدليل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم [17]: “إنما البيع عن تراض” وذلك قاله لما طلب منه أن يسعر لغلاء حصل بالمدينة، ومعنى الحديث أن الإنسان له أن يرفع السعر كما يشاء، فرفع البائع السعر إلى الحد الذي يريده لو كان مجاوزا لسعر البلد أضعاف المرات ليس حراما إن لم يكذب ويوهم المشتري بما هو خداع، فأما إن دخل الكذب والخداع فالبائع ءاثم ولو كان رفعه إلى حد قليل.
لذلك مهما رفع الشخص السعر لا يقال عنه “حرامي” أو “هذا حرام”، فمن شاء يشتري ومن شاء يترك، إنما الحرام أن يغش البائع ويكذب فيقول: “هذا رأس ماله كذا” وهو ليس كذلك، هذا لو قيل فيه “حرامي” لا يكون كفرا لأن هذا من باب التشبيه بالسارق، والبيع صح مع المعصية، كذلك الذي يقول: “هذا من الصنف الجيد” وهو ليس من الصنف الجيد هذا حرام فلو قيل عنه “حرامي” لا يكون كفرا.
القول بفناء جهنم قال به ابن تيمية وأيده تلميذه ابن قيم الجوزية بعده وأكثر الكلام في تأييده، والقائل بهذا كافر. وهذه من أكبر ضلالات ابن تيمية الحراني.
أما مخالفته للآيات القرءانية الدالة على بقاء النار واستمرار عذاب الكفار بلا انقطاع إلى ما لا نهاية له كثيرة جدا منها قوله تعالى: {وما هم بخارجين من النار} [سورة البقرة/167]، وقوله تعالى: {ولا يخفف عنهم من عذابها} [سورة فاطر/36]، وقوله تعالى: {كلما خبت زدناهم سعيرا} [سورة الإسراء/97].
وأما مخالفته للحديث الصحيح الثابت: فحديث: “يقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ولأهل النار: يا أهل النار خلود فلا موت” رواه البخاري [30].
وأما الإجماع فهو منعقد على بقاء النار ودوام عذاب الكفار فيها، نقله الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي في رسالته “الاعتبار ببقاء الجنة والنار” وذكر أن من رد ذلك فهو كافر.
ومثل هذا الاعتقاد مركوز في فطرة المسلمين معلوم من الدين بالضرورة فلا يليق بالشيخ محي الدين بن عربي ولا بالشيخ عبد الغني النابلسي فهو مما دس عليهما رحمهما الله تعالى.
ومما يجب التحذير منه ما في كتاب “بغية المسترشدين” لعبد الرحمن باعلوي الحضرمي من أنه لا يجوز تزوج غير الشريف بالشريفة إلا أن يخشى منها الفساد، وهذا الكلام مخالف لإجماع علماء الإسلام، ويكفي في ذلك تزويج سيدنا عمر رضي الله عنه بأم كلثوم بنت سيدنا علي أخت الحسن والحسين رضي الله عنهم [7]. وتحريم هذا كفر لأنه معلوم من الدين بالضرورة جواز زواج غير الشريف بالشريفة، ولم ينكره أحد غيره في هذه القرون الأربعة عشر بين المسلمين
ومما يجب الحذر منه ما جاء في كتاب “إحياء علوم الدين” ونصه [1]: “وفي الحديث من قال أنا مؤمن فهو كافر ومن قال أنا عالم فهو جاهل” اهـ، وهذا كذب على الرسول فإن الرسول لا يقول: “من قال أنا مؤمن فهو كافر”، ولا يقول: “من قال أنا عالم فهو جاهل”، بل اشتهر حديث عند الصوفية وهو حديث حارثة بن مالك أن الرسول عليه السلام لقيه ذات يوم فقال له: “كيف أصبحت يا حارثة” قال: “انظر ما تقول فإن لكل قول حقيقة” قال: “عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري فكأني بعرش ربي بارزا وكأني بأهل الجنة يتزاورون فيها وكأني بأهل النار يتعاوون فيها” قال: “عرفت فالزم عبد نور الله الإيمان في قلبه”.
وهذا الحديث متادول بين الصوفية [2] وفيه أن الرسول لم ينكر على حارثة قوله: “أصبحت مؤمنا حقا” فكيف هذا الحديث الذي فيه ضد ما عليه الصوفية وغيرهم، هذا تكفير للمسلم بغير سبب وهذا أمر عظيم لأن فيه إخراج المسلم من الإسلام من غير سبب. وإن كان راو من رواة هذا الحديث [3] يعني حديث حارثة ضعيفا ضفعا خفيفا، وهو في فضائل الأعمال يعمل به وهذا مقرر عند المحدثين، ومعناه صحيح، بل قول المؤمن: “أنا مؤمن” مما علم من الدين جوازه بالضرورة، إنا لله وإنا إليه راجعون.
وأما ما فيه –يعني الإحياء- في موضع ءاخر من قوله [4]: “إن الصحيح أن الرسول لم ير ربه ليلة المعراج” فهو قول قال به بعض الصحابة، وهو خلاف المشهور بل الصحيح المشهور أن الرسول رأى ربه ليلة المعراج.
وقد ذكر العلماء أن كتاب “الإحياء” لا يعتمد عليه في الحديث لذكره في كتابه المذكور جملة من الأحاديث الموضوعة وهي نحو ثلاثمائة حديث. قاله تاج الدين السبكي وسردها في بعض مؤلفاته فلتنظر طبقات الشافعية الكبرى له [5].
قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني ما نصه [6]: “قال الإمام العلامة عمر بن محمد الإشبيلي الأشعري رضي الله عنه في كتابه المسمى بلحن العوام: “وليحذر من العمل بمواضع من كتاب الإحياء للغزالي ومن كتاب النفخ والتسوية له وغير ذلك من كتب الفقه فإنها إما مدسوسة عليه أو وضعها أوائل أمره ثم رجع عنها كما ذكره في كتابه المنقذ من الضلال” اهـ.
حجية الاجماع
(67) اذكر واحدا من العلماء ممن نقلوا الإجماع على تكفير من تلفظ بلفظ كفرى أو فعل فعلا كفريا.
قال تاج الدين السبكى فى مقدمة الطبقات «لا خلاف عند الأشعرى وأصحابه بل وسائر المسلمين أن من تلفظ بالكفر أو فعل أفعال الكفار أنه كافر بالله العظيم مخلد فى النار وإن عرف قلبه وأنه لا تنفعه المعرفة مع العناد ولا تغنى عنه شيئا لا يختلف مسلمان فى ذلك».
ليعلم أن الإجماع هو اتفاق مجتهدي أمة محمد عليه الصلاة والسلام في عصر من العصور على أمر ديني، فهو يَثبُت بالمجتَهدين و ليسَ بكلّ مَن هو يُقالُ لهُ عَالم، إذ لا اعتبارَ بغَير المجتَهدِ في الإجماع.
المجتَهدونُ في عصرِ التّابعِين إذَا اتّفَقوا على شَىءٍ هذا إجماعٌ شَرعيٌّ كذلكَ في العصرِ الذي يلِيه إن اتفَق مجتهدو ذلكَ العصر على شَىء هذا يُعَدّ إجماعًا كذلك الذينَ بَعدَهم، فغَيرُ المجتهدينَ لا عِبرةَ بهم، والإجماع حجَّة في الشرع الحنيف.
قال الفقيه المفسّر الأصولي ابن جزي الغرناطي المالكي في تقريب الوصول صحيفة 87 مانصه: وهو حُجَّة عند جمهور الأمة خلافًا للخوراج والروافض. اهـ
والدليل عليه من القرآن قول الله تعالى (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) سورة النساء.
قال الجلال المحلّي الشافعي في شرح جمع الجوامع: قال الله تعالى (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ)، توعَّد فيها على اتباع غير سبيل المؤمنين فيجب اتباع سبيلهم وهو قولهم أو فعلهم فيكون حجة. اهـ
ولو لم يكن سبيل المؤمنين حقاً لما توعد الله مخالفه بالعقاب، فمن يخالف أمرا أجمع عليه علماء امة سيدنا محمد يكون في ضلال شديد.
وليعلم أيضا أن خرق الاجماع القطعي ليس بالأمر الهيين فقد قال أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي الحنفي في كلياته صحيفة 766 ما نصه: وخرق الإجماع القطعي الذي صار من ضروريات الدين كفر. انتهى
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي في فتح الباري ما نصه: قال شيخنا (يعني العراقي) في شرح الترمذي: الصحيح في تكفير منكر الإجماع تقييده بإنكار ما يعلم وجوبه من الدين بالضرورة كالصلوات الخمس، ومنهم من عبر بإنكار ما علم وجوبه بالتواتر. اهـ
فلينتبه اولئك المغرورون الذين ناقضوا الاجماع القائم في مسألة تكفير المجسم محتجين في ذلك ببعض المقالات المدسوسة على العلماء أو ببعض العبارات التي أساؤوا فهمها عنهم.
وسبحان الله والحمد لله رب العالمين
(226) ما هو كفر الجحود.
الجحود معناه الإنكار وهنا معناه إنكار ما علم من الدين بالضرورة أى ما هو معلوم عند العالم والجاهل من المسلمين وهو كفر كإنكار الثواب أو العقاب فى الآخرة أو البعث بعد الموت أو إنكار وجوب الصلاة أو الصيام أو الزكاة أو الحج أو إنكار حرمة شرب الخمر أو الكذب أو الغيبة أو الانتحار أما من كان قريب عهد بإسلام ونحوه فلا يكفر بإنكار فرضية الصلاة وتحريم الخمر ونحو ذلك إن لم يكن سمع أن هذا دين الإسلام أما إذا أنكر صفة من صفات الله الثلاث عشرة الواجبة له إجماعا أو صحح دينا غير دين الإسلام فإنه يكفر ولو كان قريب عهد بإسلام. فمن وقع فى الكفر يجب عليه أن ينطق بالشهادتين للرجوع إلى الإسلام ولا يرجع إلى الإسلام بقول أستغفر الله كما نقل الإجماع على ذلك أبو بكر بن المنذر فى كتابيه الإشراف والإجماع.
(202) ما حكم من يقول إذا كان فى الكلمة الكفرية تسعة وتسعون قولا بالتكفير وقول واحد بترك التكفير يأخذ بترك التكفير.
ما يقوله البعض من أنه إذا اختلف الناس على تسعة وتسعين قولا بالتكفير وقول واحد بترك التكفير يؤخذ بهذا القول الواحد فهو باطل ولا يصح نسبة ذلك إلى مالك ولا إلى أبى حنيفة كما نسب سيد سابق فى كتابه المسمى فقه السنة شبه ذلك إلى الإمام مالك وهو شائع على ألسنة بعض العصريين فليتقوا الله. فيفهم من ذلك أن ما كان من الكلام فيه استخفاف بالدين أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة أى ما كان معلوما عند العالم والجاهل من المسلمين يكفر قائله ولو خالف فى ذلك ألف إنسان ولا ينظر إلى كثرة المخالفين إنما ينظر إلى موافقة الحق.
لا يعفى الجاهل مما ذكرناه من الأصول، ولا يعذر فيما يقع منه من الكفر لعدم اهتمامه بالدين.
الشرح الجاهل إذا كان لا يعرف أن سب الله كفر فسب الله لا يقال هذا معذور لا يكفر لأنه جهل الحكم، لا يعذر أحد بالكفر بسبب جهله هكذا قال المالكية كالقاضي عياض وابن حجر من الشافعية وكذا الحنفية، بل قال بعض الحنفية والقول بأن من تكلم بالكفر عامدا لكن يجهل الحكم إنه يعذر خلاف الصحيح أي قول لا يعتبر فهو كالعدم.
وحكم غير سب الله من سائر أنواع الكفر كحكم سب الله وذلك كسب الرسول والملائكة والكتب السماوية ودين الله الإسلام مع اعتقاد أو بغير اعتقاد لا فرق بين من يقول هذه الكلمات عن اعتقاد وبين من يقولها مزحا أو تقية إلا المكره فإن المكره بالقتل على أن ينطق بكلمة الكفر أو على فعل الكفر كالسجود للصنم ودوس المصحف بالقدم لا يكفر. والعبرة في الكلمات الكفرية بكون الناطق بها يفهم المعنى الذي هو كفر فلا يشترط أن يكون قاصدا للمعنى أو غير قاصد كالذي حصل لرجل في الشام كان مع زملائه في دائرة من دوائر الحكومة فرأوا رجلا أعمى مقبلا فقال أحدهم قال الله تعالى إذا رأيت الأعمى فكبه لست أكرم من ربه. قال ذلك ليضحك زملائه وهو لا يعتقد أن هذا قرءان. وكثير من الجهلة يقولون مثل هذا ولا يظنون فيه معصية فضلا عن أن يروه كفرا.
ما حكم من أنكر أصلا من أصول الدين
اعلم أن أصول الدين أى العقائد على قسمين قسم يتعلق بأصل معنى الشهادتين من خالفه أو شك فيه ولو مع الجهل بوروده فى الشرع لا يصح إيمانه بالله أو برسول الله ﷺ كاعتقاد وجود الله ووحدانيته وقدمه وبقائه وقيامه بنفسه وقدرته وإرادته وعلمه وسمعه وبصره وحياته وكلامه وتنزهه عن الشبيه والمثيل واعتقاد نبوة سيدنا محمد ﷺ وتنزه الأنبياء عن الكفر والكبائر وعن الصفات الذميمة كالكذب والسفاهة والدناءة والرذالة فمن أنكر بقلبه أو بلسانه أصلا من أصول هذا القسم فإنه يكفر وإن كان قريب عهد بإسلام أى أسلم من وقت قريب. وأما القسم الثانى من أصول الاعتقاد فهو على قسمين أيضا القسم الأول ما كان من الأصول معلوما من الدين بالضرورة أى يشترك فى معرفته العلماء والعامة من المسلمين كالإيمان بعذاب القبر فيكفر منكره والشاك فيه والثانى ليس معلوما من الدين بالضرورة أى لا يشترك فى معرفته العلماء والعامة من المسلمين بل يخفى على كثير من العوام وإن كان مجمعا عليه كالإيمان بالحوض الذى يشرب منه المؤمنون قبل دخولهم الجنة فلا يكفر منكره والشاك فيه ما لم يكن إنكاره على وجه العناد.
الألباني يحرم زيارة الأحياء للأحياء في العيد:
لقد اعتاد الألباني المدعي للعلم على زرع الفتنة والفرقة وبث الحقد والعداوة والبغضاء بين المسلمين، وفتاويه تدل على اعتماده المقولة المشهورة «فرّق تسد»، فهو يحرم زيارة الأحياء للأحياء في العيد([1]).
الرد:
إن الإسلام رغب في صلة الرحم وزيارتهم لاسيما في الأعياد، وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة.
[1])) الألباني، فتاوى الألباني (ص61 و63).
الألباني يزعم أنه يجوز الاجتهاد في أصول العقيدة:
خرج الألباني عما أجمع عليه العلماء فقال([1]): «بطلان الخرافة التي يطلقها اليوم كثير من الكتاب الإسلاميين المعاصرين وفيهم بعض من يجلون شيخ الإسلام ابن تيمية أن الخلاف في الفروع وليس في الأصول».اهـ.
الرد:
على مقتضى كلامه يجوز أن يجتهد الشخص فيقول بأن الجنة تفنى، وأن العالم أزلي، وأن لله زوجة وولدا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، أو أن الرسول كان يحصل منه الزنى وشرب الخمر، وكل ذلك كفر والعياذ بالله، وغير ذلك مما يخالف العقيدة، وإذا ما أنكر على هذا القائل يقول بأني اجتهدت ولي أجر الاجتهاد على زعمه، انظروا إلى مقالة الألباني الذي فتح بابا واسعا من أبواب الكفر، يلتمس العذر لمن كفر بالله وبما جاء عن الله، ولمن كفر بالرسول وبما جاء به الرسول ، فعلى مقتضى كلامه لا يوجد مرتد على وجه الأرض، لأنهم كلهم سيقولون بمقالة هذا المبتدع الذي شذ بها عن الأمة الإسلامية وضل وأضل من أخذ بفتواه.
لقد أغلق الألباني باب الردة وفتح باب الكفر على مصراعيه بهذه المقالة الباطلة. وقد يتساءل البعض لماذا تجرأ على إصدار هذه الفتوى التي تشجع المبتدعة على التمادي في الضلال، وتتيح لنفسه وأتباعه وغيرهم الكفر بالقرءان والسنة تحت ستار الاجتهاد؟! والجواب: هو أن الذي حركه حب الدفاع عن ابن تيمية المجسم الذي زرعت كتبه وفتاويه في قلب الألباني وجماعته الوهابية بذور الفتنة والفساد والانحراف عن منهج أهل السنة والجماعة فغرست في نفوسهم حب التشبيه والنفور من التنزيه وحب المبتدعة وكراهية أهل السنة، الأشاعرة والماتريدية؛ بل وكراهية الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فلا يسمع وهابي مؤذنا سنيا يصلي على النبي بعد الأذان جهرا إلا ويبادر إلى الإنكار عليه وشتمه ونسبة بدعة الضلالة إليه، لأنه يحب الرسول ويحب الصلاة عليه، والسؤال هو: ما الذي اقترفه هذا السني إلا أنه عمل بقوله عليه الصلاة والسلام: «من ذكرني فليصل علي»([2])؛ بل ويبادرون إلى تبديع من رأوه يحمل سبحة يذكر الله تعالى بالتسبيح والتهليل ويصلي على نبيه ، لزعمهم أنها بدعة سيئة لم تكن زمن النبي ، فهؤلاء شأنهم الحكم على أهل السنة الأشاعرة والماتريدية بالتضليل([3])، ولم يشربوا إلا حب ابن تيمية فاقتدوا به فأشربوا الكفر والبدعة فضلوا وأضلوا، نسأل الله السلامة.
وإليك أيها القارئ بعض ما ورد عن العلماء في تزييف وبطلان هذه المقالة الفاسدة وتكفير من خالف أمرا قطعيا من أمور الشريعة المعلومة من الدين بالضرورة:
قال الفقيه الشافعي تقي الدين السبكي([4])، وهو ممن قيل ببلوغه درجة الاجتهاد([5]): «إن إنكار القطعي كفر، ولا يشترط أن يعلم ذلك المنكر قطعيته ثم ينكر فيكون بذلك كافرا على ما يتوهمه الخائلون([6])؛ بل يشترط قطعيته في الواقع».اهـ.
وفي كتاب «فتح الباري»([7]): «وقد حكى عياض وغيره الإجماع على تكفير من يقول بقدم العالم، فقال ابن دقيق العيد: وقع هنا من يدعي الحذق في المعقولات ويميل إلى الفلسفة، فظن أن المخالف في حدوث العالم لا يكفر، لأنه من قبيل مخالفة الإجماع، وتمسك بقولنا: إن منكر الإجماع لا يكفر على الإطلاق حتى يثبت النقل بذلك متواترا عن صاحب الشرع، قال: وهو تمسك ساقط، إما عن عمى في البصرة أو تعام، لأن حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع والتواتر بالنقل».اهـ.
فإن قيل: قال شمس الدين الرملي([8]) عند شرح قول النووي: «الردة قطع الإسلام بنية أو قول كفر» ما نصه: «فلا أثر لسبق لسان أو إكراه واجتهاد وحكاية كفر». فالجواب: ما قاله الـمحشي([9])، أي: صاحب الحاشية نور الدين علي الشبراملسي على شرح الرملي المسمى «نهاية المحتاج»: «قوله (واجتهاد)، أي: لا مطلقا كما هو ظاهر لما سيأتي من نحو كفر القائلين بقدم العالم مع أنه بالاجتهاد والاستدلال».اهـ. وتابعه على ذلك الـمحشي الآخر على الرملي أحمد بن عبد الرزاق المعروف بالمغربي الرشيدي فقال([10]): «قوله (واجتهاد)، أي: فيما لم يقم الدليل القاطع على خلافه، بدليل كفر نحو القائلين بقدم العالم مع أنه بالاجتهاد».اهـ.
ومن هنا يعلم أنه ليس كل متأول أو مجتهد يمنع عنه تأويله التكفير، فمن اجتهد في القطعيات فأخطأ لا يعذر، فقول ابن تيمية: بأن العالم أزلي بجنسيه، أي: لم يتقدم الله جنس العالم بالوجود بل قال: وهذا كمال لله، ذكر هذا في كتاب «شرح حديث عمران بن الحصين»([11])، وقوله: بأن النار تفنى وينتهي عذابها([12]) لا يخلصه من الكفر، ولو زعم أنه اجتهد أو ادعى أحد له ذلك، وتابعه في مقولته الثانية وأيده تلميذه ابن قيم الجوزية([13])، فالذي يعتقد أن كل متأول يعذر مهما كان تأوله فقد عطل الشريعة.
[1]() مقدمة الألباني لكتاب رفع الأستار لإبطال القائلين بفناء النار للصنعاني (ص47).
[2]() تقدم تخريجه.
[3]() محمد صالح العثيمين، لقاء الباب المفتوح (ص40 – 43) وهو من أركان الداعين للعقيدة الوهابية.
[4]() محمد أنور شاه الكشميري، إكفار الملحدين (ص33).
[5]() وصفه بالاجتهاد السيوطي في بغية الوعاة (2/176).
[6]() أي: الظانون.
[7]() ابن حجر العسقلاني، فتح الباري (12/202).
[8]() شمس الدين الرملي، نهاية المحتاج (7/414).
[9]() حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج المطبوعة بذيل نهاية المحتاج (7/414).
[10]() حاشية المغربي الرشيدي على نهاية المحتاج المطبوعة بذيل حاشية الشبراملسي (7/414).
[11]() ابن تيمية، الكتاب المسمى شرح حديث عمران بن الحصين (ص193)، ابن تيمية، مجموع الفتاوى (18/239).
[12]() ابن قيم الجوزية، حادي الأرواح (ص579 و582).
[13]() ابن قيم الجوزية، حادي الأرواح (ص579 و582).
الألباني يقول بغفران بعض الشرك في الآخرة:
من كفريات الألباني قوله في فتاويه ما نصه([1]): «{إن الله لا يغفر أن يشرك به} [سورة النساء: 48] ليست الآية على عمومها وشمولها، فبعض الشرك يغفر».اهـ.
الرد:
الله تبارك وتعالى لم يذكر الاستثناء في هذه الآية كما استثنى في ءاية المكره، فالله تعالى يقول: {إن الله يغفر أن يشرك به} [سورة النساء: 48]، وسيدنا محمد يقول: «إن الله ليغفر لعبده ما لم يقع الحجاب» قيل: وما يقع الحجاب يا رسول الله؟ قال: «أن تموت النفس وهي مشركة»([2])، والألباني يعارض هذين النصين الصريحين فيقول: إن الله يغفر بعض الشرك، ومعلوم عند المسلمين أن أعظم حقوق الله تعالى على عباده هو توحيده تعالى وأن لا يشرك به شيء، لأن الشرك هو أكبر ذنب يقترفه العبد، وهو الذنب الذي لا يغفره الله لمن مات عليه، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
إن الألباني بقوله هذا رد نص كتاب الله تعالى، وقد أجمع الفقهاء على أن رد النصوص كفر.
ثم إن الألباني لم يكتف بذلك؛ بل وضع قاعدة لم يقلها عالم ولا عامي قبله، وهي قوله في فتاويه ما نصه([3]): «كل كافر مشرك وكل مشرك كافر».اهـ. وهذا يرده القرءان والإجماع، قال الله تعالى: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم} [سورة البينة: 6] قسم الله تعالى الكفر إلى قسمين: كفر إشراك، وكفر غير إشراك، فما أعظم هذه الفضيحة! إنما الشرك بإجماع المسلمين عبادة غير الله([4])، أي: يتذلل العبد لغير الله غاية التذلل.
وهذه كتب علماء المسلمين، سلفهم وخلفهم، صريحة في أن كل مشرك كافر، وليس بالضرورة كل كافر مشركا، فالكفر أنواع، منه ما هو تكذيب، ومنه ما هو جحود، ومنه ما هو إشراك، ومنه ما هو تشبيه.
[1]() الألباني، فتاوى الألباني (ص350، 351).
[2]() رواه أحمد في مسنده (5/174).
[3]() الألباني، فتاوى الألباني (ص351).
[4]() القاضي عياض، الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/282، 283).
الألباني يتلاعب بالدين، ومذهبه أن من اجتهد فخالف الإجماع فله أجر:
قال الألباني في معرض الدفاع عن ابن تيمية حين زعم فناء النار ما نصه([1]): «أسوأ ما يمكن أن يقال إنه [يقصد قول ابن تيمية] خطأ مغفور لهما [يقصد ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية] بإذن الله تعالى، لأنه صدر عن اجتهاد صادق منهما، ومعلوم أن المجتهد مأجور ولو أخطأ».اهـ.
الرد:
من خطر الألباني وجماعته على الأمة الإسلامية أنهم يحللون ويحرمون على حسب ما تهواه نفوسهم، ويتبعون غير سبيل المؤمنين، ويزعمون الاجتهاد، وهم دعاة للفساد والإفساد، ويقولون: نحن مصلحون، ويضلون ويزعمون أنهم الهداة، ويهدمون ويدعون أنهم البناة ويفتون بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان؛ بل هي من وساوس الشيطان، ويعملون على إضاعة الثقة بالدين والعلماء، لتميل الناس إليهم، ليلقوا إلى أسماعهم الأباطيل والكفر، ويسمون أنفسهم سنيين وسلفيين ومصلحين ومجددين ومجتهدين، وفي الحقيقة تجمعهم كراهة أئمة المذاهب الأربعة وعداوتهم لهم، ولقد قيل: [الخفيف]
| ليس فيهم إلى جهول ولكن هل سمعتم يوما بغير بصير يزعمون الإصلاح للدين فاعجب كم جهول منهم يعيب سفاها وكثير يقول: نحن رجال كيف هل يستوي ظلام ونور | قد رأوا أن يعلموا العالمينا قائد في الطريق للمبصرينا لشياطين يصلحون الدينا وضلالا أئمة الـمسلمينا مثل من كان، ساء ما يحكمونا وخبيث وطيب أفتونا |
ثم زاد الألباني في دفاعه عن هذه المقولة التي خرق ابن تيمية بها الإجماع فقال([2]): «فهل من العدل في شيء أن يتخذوا شيخ الإسلام [يقصد ابن تيمية] غرضا للتكفير والتضليل لقوله هذا ونحوه من الأقاويل».اهـ. يقصد قوله بفناء النار وانتهاء عذاب المشركين الذين حاربوا الرسول وكفروا بالله وبرسله وكتبه، فانتبه للخطر الجسيم والضرر الكبير الذي يبثه أدعياء العلم تحت ستار العلم.
-
-
- إن قول ابن تيمية بفناء النار وانتهاء عذابها هو كفر مخرج من الدين، كما صرح بذلك العلماء، أذكر منهم قول القاضي عياض المالكي في كتابه «الشفا»([3]): «من دافع نص الكتاب أو السنة المقطوع بها المحمول على ظاهره فهو كافر بالإجماع».اهـ. والمسألة هذه من هذا القبيل، أي: رد النصوص القطعية بأن النار لا تفنى ولا ينتهي عذابها، وسيأتي اعتراف الألباني بذلك. وقال ابن الهمام الحنفي في كتابه «التقرير والتحبير» ما نصه([4]): «لا خلاف في تكفير المخالف في ضروريات الإسلام من حدوث العالم وحشر الأجساد وإثبات العلم بالجزئيات، وإن كان من أهل القبلة المواظب طول العمر على الطاعات [أي: صورة يفعل صور الطاعات]». فلا تغتر بعد ذلك بتمويه الوهابية أتباع ابن تيمية بأنه ذاع صيته وانتشرت مؤلفاته وغير ذلك، فالعبرة بالاعتقاد الموافق للشرع، فإن إبليس أشهر منه، وهو كافر يضل الناس بوساوسه، كما يضل ابن تيمية وأتباعه الناس بآرائهم الكفرية المخالفة والمعارضة والمناقضة للشريعة الإسلامية.
-
وقال تقي الدين السبكي الشافعي في رسالته «الاعتبار ببقاء الجنة والنار» التي رد فيها على ابن قيم الجوزية لقوله بفناء النار، مثل شيخه ابن تيمية ما نصه([5]): «إن اعتقاد المسلمين أن الجنة والنار لا تفنيان، وقد نقل أبو محمد ابن حزم الإجماع على ذلك، وأن من خالفه كافر بإجماع، ولا شك في ذلك، فإنه معلوم من الدين بالضرورة، وتواردت الأدلة عليه».اهـ.
-
-
- قول الألباني: «إنه خطأ مغفور لهما لأنه صدر عن اجتهاد».اهـ. مخالف لاتفاق العلماء على أن النصوص الصريحة لا يدخلها الاجتهاد، فقد قال الإمام المجتهد أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر: «إذا جاء الخبر ارتفع النظر».اهـ. ومعناه: إذا ورد نص صريح في القرءان والحديث الثابت بطل الاجتهاد والرأي.
-
وقال الإمام المجتهد الشافعي في كتابه «الرسالة»([6]): «قال: فما القياس؟ أهو الاجتهاد أم هما مفترقان؟ قلت [القائل هو الشافعي]: هما اسمان لمعنى واحد».اهـ. وقال أيضا([7]): «لا يحل القياس والخبر موجود».اهـ.
وقد سلم الألباني بذلك فقال بتحريم الاجتهاد مع وجود النص، ثم خالف هنا كما ترى دفاعا عن زعيمه ابن تيمية، ونص عبارته في كتابه المسمى «سلسلة الأحاديث الضعيفة الموضوعة»([8]):
«ومن المعلوم أنه لا قياس ولا اجتهاد في مورد النص».اهـ. وقال فيه أيضا([9]): «لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص في الكتاب والسنة».اهـ. وقال أيضا في مقدمته على كتاب «رفع الأستار» ما نصه([10]): «الآيات والأحاديث صريحة في الدلالة على بطلان القول بفناء النار».اهـ. وقال فيه أيضا([11]): «تلك الدلالة القاطعة وقالا [يقصد ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية] ما لم يقل أحد قبلهما».اهـ. وقال فيه أيضا([12]): «أجمع العلماء على خلافه».اهـ. أي: على خلاف ما قالا، وقال فيه أيضا([13]): «تأول [يقصد ابن تيمية] النصوص القاطعة فخرج عما عليه أهل السنة والجماعة».اهـ.
انظر أيها القارئ إلى قوله: «لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص»، وإلى قوله: «لأنه صدر عن اجتهاد صادق منهما، ومعلوم أن المجتهد مأجور ولو أخطأ». انظر كيف يحرم الإقدام على فعل ثم يجعل من فعله مثابا مأجورا، ولم يكتف بذلك بل انتصر له وادعى شرعيته فأورد حديثا في غير موضعه، وهو حديث([14]): «إذا حكم الحاكم فاجتهد» انظروا القراء كيف يتلاعب بالأحاديث ويجعلها تابعة لرأيه لأجل دفاعه عن ابن تيمية، فهذا الحديث وارد في غير النصوص الصريحة التي لا اجتهاد فيها كما ذكرت سابقا، ثم استدلاله بهذا الحديث على مدعاه دليل جهله بأصول الفقه أولا، وغشه وتلبيسه على الناس ثانيا، لأن علماء الأصول([15]) وغيرهم اتفقوا على أنه لا اجتهاد في مورد النص، فلا يوردون الحديث في ما ورد به الخبر الصريح أو ما أجمع عليه المجتهدون، وأما ما تلبيسه على الناس فإنه سلم وأقر بأنه لا يجوز الاجتهاد مع وجود نص من الكتاب والسنة. فكيف يحتج بهذا الحديث على جواز الاجتهاد في مسائل فيها نص من القرءان والحديث؟!
[1]() الصنعاني، رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار (ص32).
[2]() الصنعاني، رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بناء النار (ص30).
[3]() القاضي عياض، الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/282).
[4]() ابن أمير الحاج، التقرير والتحبير (3/318).
[5]() تقي الدين السبكي، الاعتبار ببقاء الجنة والنار (ص61).
[6]() الشافعي، الرسالة (ص477).
[7]() الشافعي، الرسالة (ص599).
[8]() الألباني، الكتاب المسمى سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (2/240 رقم 843).
[9]() الألباني، الكتاب المسمى سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (2/289 رقم 881).
[10]() الصنعاني، رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار (ص21).
[11]() الصنعاني، رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار (ص21).
[12]() الصنعاني، رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار (ص36).
[13]() الصنعاني، رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار (ص44)
[14]() أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (6/2676).
[15]() الشافعي، الرسالة (ص599).
فائدة في بيان حكم إنكار غير المجمع عليه
قال الفقيه الأصولي بدر الدين الزركشي في «تشنيف المسامع»([1]) ما نصه: «من جحد مجمعا عليه فله أحوال:
* أن يكون ذلك المجمع عليه معلوما من الدين بالضرورة كأركان الإسلام فهو كافر قطعا، وليس كفره من حيث إنه مجمع عليه بل لجحده ما اشترك الخلق في معرفتهن ولأنه صار بخلافه جاحدا لصدق الرسول.
* وأن يكون خفيا لا يعرفه إلا الخواص كفساد الحج بالوطء قبل الوقوف، وتوريث بنت الابن السدس مع بنت الصلب([2])، فإذا اعتقد المعتقد في شيء من هذا أنه خلاف إجماع العلماء لم نكفره لكن يحكم بضلاله وخطئه، ولا فرق في هذا القسم بين المنصوص عليه وغيره لاشتراك الكل في الخفاء ولا نعلم فيه خلافا» اهـ مختصرا.
قال زكريا الأنصاري في «شرح الروض في كتاب السير»([3]) ممزوجا بالمتن ما نصه: «ولا ينكر العالم إلا مجمعا عليه أي على إنكاره لا ما اختلف فيه إلا أن يرى الفاعل تحريمه» اهـ.
وفي هامشه لأبي العباس الرملي نقلا عن عز الدين بن عبد السلام قال: «من أتى شيئا مختلفا في تحريمه معتقدا تحريمه وجب الإنكار عليه، وإن اعتقد تحليله لم يجز الإنكار عليه إلا أن يكون مأخذ الـمحلل([4]) ضعيفا تنتقض الأحكام بمثله لبطلانه في الشرع ولا ينقض إلا لكونه باطلا، وذلك كمن يطأ جارية بالإباحة([5]) معتقدا لمذهب عطاء فيجب عليه الإنكار. وإن لم يعتقد تحريما ولا تحليلا أرشد إلى اجتنابه من غير توبيخ ولا إنكار» انتهى كلام أبي العباس الرملي.
قال الشيخ زكريا في «شرح روض الطالب» ممزوجا بالمتن ما نصه([6]): «لكن إن ندب على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف برفق فحسن إن لم يقع في خلاف ءاخر وترك أي وفي ترك سنة ثابتة لاتفاق العلماء على استحباب الخروج من الخلاف حينئذ. وليس للمحتسب([7]) المجتهد أو المقلد كما فهم بالأولى حمل الناس على مذهبه لما مر ولم يزل الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع ولا ينكر أحد على غيره مجتهدا فيه، وإنما ينكرون ما خالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا» اهـ.
أما القاعدة: «لا ينكر المختلف فيه وإنما ينكر المتفق عليه إلا أن يكون فاعله يرى تحريمه»، ذكرها الأصوليون في كتبهم، وكذا الفقهاء كما تقدم. ولو تعامل الناس على موجب هذه القاعدة لخف الخلاف والتشويش، كالتشويش الذي يحصل من بعض الناس على بعض بغير حق. اللهم إلا أن يكون الخلاف بعد انعقاد الإجماع فلا عبرة به كالخلاف في وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثا لأن الإجماع انعقد في عهد عمر، وما حصل بعد ذلك فلا معنى له كما ذكر الحافظ ابن حجر، ومن خالف هذا فهو منابذ للإجماع، ذكر ذلك في شرحه فتح الباري في كتاب الطلاق.
ويدخل في هذا الخلاف الذي يشوش به بعض الناس في مسألة كشف الفخذ للرجل فإن هذا لا يعتد به عند المحصلين، ومن لا يراعي هذه القاعدة فكأنه ينكر المذاهب كلها إلا المذهب الذي يتقلده. وهذا مخالف لما جرى عليه السلف فقد قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز حين عرض عليه أن يجمع الناس على مذهب واحد: «دعوا الناس على ما هم عليه»، وكان هو مع كونه أميرا للمؤمنين مجتهدا مطلقا كغيره من المجتهدين، فما لهؤلاء الذين لا يتقنون مذهبا واحدا هم يقلدونه ينكرون على الناس ما خالف رأيهم كأنه عمل معصية كبيرة متفقا عليها، وما بال من ينتهر الأطفال الذين يسترون السوأتين وبعض الفخذ ويعتبره أكبر الكبائر([8]) وأفحش الفاحشات بحيث إذا دخل أحد هؤلاء الأطفال المسجد يطردونه طرد الكلب، فليتق الله وليذكر القاعدة المتفق عليها المتقدم ذكرها: «لا ينكر المختلف فيه، وإنما ينكر المجمع عليه إلا أن يكون فاعله يعتقد حرمته».
تم الكتاب بحمد الله تعالى، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
([4]) أي: ما استند إليه من قال بالحل.
([5]) فقد حكي عن عطاء بن أبي رباح أنه أباح وطء الجارية المملوكة غير المتزوجة بإذن مالكها، وليس ذلك بصحيح.
([7]) المحتسب الذي عينه الخليفة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يدور بين الناس.
قال المؤلف رحمه الله: [واستحلال المعصية كفر].
(الشرح): أن جعل المعصية المعلوم من الدين بالضرورة أنها معصية صغيرة كانت أم كبيرة حلالا كفر وقد مر بيان ذلك.
قال الشيخ كمال الدين البياضي في كتاب “إشارات المرام من عبارات الإمام أبي حنيفة النعمان في أصول الدين”
، طبع دار الكتب العلمية ط١\ص١٦٣
“وقال أبو حنيفة في الوصية وهو حافظ العرش وغير العرش من غير احتياج ولو كان في مكان لكان محتاجا إليه بالضرورة ولم يكن حافظا له لأن المتمكن محتاج إلى مكانه بحيث يستحيل وجوده بدونه فلو كان محتاجا إليه بالقرار لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره وحفظه لأن المحتاج عاجز في نفسه فكيف يقدر على تدبير غيره”.
قال الشيخ كمال الدين البياضي في كتاب “إشارات المرام من عبارات الإمام أبي حنيفة النعمان في أصول الدين” طبع دار الكتب العلمية ط۱\ص۱٦٤:
“ولو كان (تعالى) في مكان محتاجا إلى الجلوس والقرار، مختصا بجهة من الجهات فإما أن يكون ذلك القرار والاختصاص في الأزل، أو يحدث له بعد حدوث العرش وحدوث الجهات. فإن كان الأول فقبل خلق العرش أين كان الله؟ وكيف كان في ‘أين’ ولا جهة في الأزل. وإن كان الثاني فكيف صار مختصا بمكان وجهة وعرض له ذلك الاختصاص فيما لا يزال بعد أن لم يكن متصفا بذلك الاختصاص في الأزل تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا”.
ص۱٦٣: “وقال أبو حنيفة في الوصية وهو حافظ العرش وغير العرش من غير احتياج ولو كان في مكان لكان محتاجا إليه بالضرورة ولم يكن حافظا له لأن المتمكن محتاج إلى مكانه بحيث يستحيل وجوده بدونه فلو كان محتاجا إليه بالقرار لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره وحفظه لأن المحتاج عاجز في نفسه فكيف يقدر على تدبير غيره”.
وقال: “وقال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأبسط: كان الله تعالى ولا مكان، كان قبل أن يخلق الخلق، كان ولم يكن أين –أي مكان- ولا خلق ولا شيء وهو خالق كل شيء موجد له بعد العدم فلا يكون شيء من المكان والجهة قديما”. اهـ.
قال المؤلف رحمه الله: ولو كان الجهل يسقط المؤاخذة لكان الجهل خيرا من العلم
وهذا خلاف قوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [سورة الزمر/9]، إلا أن من كان قريب عهد بإسلام ونحوه لا يكفر بإنكار فرضية الصلاة وتحريم الخمر ونحو ذلك إن لم يكن سمع أن هذا دين الإسلام.
الشرح هذا معناه أن الجهل لو كان يسقط العقوبة في الآخرة على الإطلاق لكان الجهل خيرا للناس، ولكن الأمر ليس كذلك بدليل الآية التي ذكرناها. الله تعالى فضل الذين يعلمون على الذين لا يعلمون فلو كان الجاهل يعذر لجهله على الإطلاق لكان الجهل أفضل للناس. إلا أنه إذا أنكر شخص أمرا من أمور الدين ولم يعلم أنه من أمور الدين مما هو غير معلوم من الدين بالضرورة لا يكفر منكره بل يعلم ثم إن عاد فأنكر يكفر، حتى لو دخل رجل في الإسلام ومضت عليه مدة ولم يعلم قبل دخوله أن الزنى حرام عند المسلمين ولم يسمع فجرى على لسانه استحلال الزنى لا يكفر بل يعلم أن الزنى في دين الله حرام، فإن عاد فأنكر أو شك كفر، وعلى هذا يقاس كثير من الأمور. وكذلك لو لم يسمع شخص ولد بين أبوين مسلمين وعاش ولم يسمع بأنه في دين الإسلام تجب خمس صلوات في اليوم والليلة فأنكر وجوبها فظن أنها ليست واجبة فلا يكفر بل يعلم، يقال له إن في دين الإسلام خمس صلوات كتبهن الله على العباد ثم إن أنكر بعد ذلك يحكم عليه بالردة فيطالب بالعودة إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين فمن كان حاله هذا فهو كالكافر الذي أسلم من قريب.
قال المؤلف رحمه الله: ثانيها التكذيب: أي تكذيب ما ورد في القرءان الكريم أو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم على وجه ثابت وكان مما علم من الدين بالضرورة
كاعتقاد فناء الجنة والنار، أو أن الجنة لذات غير حسية، وأن النار ءالام معنوية، أو إنكار بعث الأجساد والأرواح معا أو إنكار وجوب الصلاة أو الصيام أو الزكاة، أو اعتقاد تحريم الطلاق أو تحليل الخمر وغير ذلك مما ثبت بالقطع وظهر بين المسلمين.
الشرح أن من أنواع الكفر والعياذ بالله كفر التكذيب ويكون بتكذيب ما جاء به القرءان مما هو ظاهر بين المسلمين كتحليل لحم الخنزير أو برد ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد معرفته بأن هذا الأمر مما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، فمن جحد خبر القرءان وما قد ثبت عنده أن رسول الله جاء به فهو كافر لا شك في ذلك، وأما إن سمع حديثا يوهم ظاهره أن لله جوارح فأنكره جهلا منه فإنه لا يكفر وذلك كأن سمع حديث: »ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها« فأنكره ظنا منه أنه مفترى على الرسول وأن فيه إثبات الجوارح لله فإنه لا يكفر. وهذا الحديث معناه أحفظ له سمعه وبصره ويده ورجله، وقال بعضهم: أي أعطيه قوة غريبة في سمعه وبصره ويده ورجله.
ومن كفر التكذيب أيضا اعتقاد فناء الجنة والنار أو إحداهما وهو كفر بالإجماع، ومثله في الحكم من يعتقد أن الجنة لذاتها معنوية فقط أو أن النار ليس فيها ءالام حسية لأن هذا إنكار لنصوص الشرع الصريحة المتواترة المعروفة بين المسلمين العلماء والعوام. ومن الدليل على أن الجنة فيها لذات حسية ءايات منها قوله تعالى: ﴿كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية﴾ [سورة الحاقة/24]، ومن الدليل على أن النار فيها ءالام حسية ءايات منها قوله تعالى: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب﴾ [سورة النساء/56].
ومن التكذيب للشرع إنكار بعث الأرواح والأجساد معا فإن اعتقد معتقد أن الأرواح تبعث فقط دون الأجساد فإنه يكفر والعياذ بالله تعالى، والنصوص الصريحة ببعث الأجساد كثيرة منها قوله تعالى ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾ [سورة الأنبياء/104] وهذا الأمر معلوم عند الجاهل والعالم من المسلمين. ومن الكفر إنكار أي أمر معلوم من الدين بالضرورة كإنكار وجوب الصلاة والصيام والزكاة، ونقل القاضي عياض في الشفا الإجماع على تكفير من أنكر وجوب الصلوات الخمس وعدد ركعاتها وسجداتها. وكذا الحكم فيمن يعتقد تحريم الطلاق على الإطلاق فإن فساد هذا ظاهر بين عامة المسلمين وعلمائهم، ومثله حكم من أحل شرب الخمر فقد أجمع على تحريمها الأئمة من عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أيامنا هذه وانتشر هذا الحكم وشهر حتى بين من يشربها من الأمة ولذلك جزم العلماء بتكفير من أحل شربها مطلقا، وخالف في ذلك وشذ رعاع مرادهم هدم الدين وإفساد الشرع وإشاعة الفواحش والرذائل فزعموا أن ليس في القرءان نصوص على تحريم الخمر بل غاية ما جاء فيه قوله تعالى عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ﴿فاجتنبوه﴾ وغرضهم بهذا الكلام المموه التوصل إلى إباحة الخمر، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ [سورة المائدة]، فقوله ﴿فاجتنبوه﴾ مع قوله ﴿فهل أنتم منتهون﴾ يفهمان التحريم الشديد ولهذا قال عمر لما سمعها: »انتهينا انتهينا« رواه الترمذي وغيره، وأراق المسلمون لما نزلت ءاية التحريم الخمر حتى جرت في شوارع المدينة.
سئل الشيخ: يقال إن المعلوم من الدين بالضرورة هو الذي يشترك في علمه العوام والخواص،
هل العبرة بعلم الخواص في هذا العصر أم بعلم العوام في أيام الرسول ﷺ وفي أيام السلف الصالح؟ لأن في هذا العصر أكثرية العوام يجهلون الكثير مما هو معتبر معلوم من الدين بالضرورة.
قال الشيخ: ما كان في ذلك الوقت معلوما من الدين بالضرورة فهو إلى اليوم معلوم من الدين بالضرورة، لم يكن كل شيء من أمور الدين في ذلك الزمن معلوما من الدين بالضرورة.
هذا سيدنا عبد الله بن عباس كان يرى برهة من الزمن أن الذي يبادل الذهب بالذهب مع الزيادة، رطل الذهب بعشرة أرطال من الذهب يدا بيد، أنت سلمته رطلا من الذهب وهو سلمك عشرة أرطال من الذهب تبادلتما، كان يعتبره حلالا برهة من الزمن، ثم أعلمه أبو سعيد الخدري رضي الله عنهم أن هذا غلط فجاء إليه قال له: هذا ربا، الرسول ﷺ قال: «الذهب بالذهب ربا إلا سواء بسواء»، فقال: «إنما كان هذا رأيا مني وأنتم أعلم بحديث رسول الله ﷺ، لأن أبا سعيد كان أكبر منه سنا، فرجع عن رأيه وكان يعتبر الربا في الأجل فقط قبلا، الربا المحرم عنده كان ما لا يكون يدا بيد، الذهب بالذهب والفضة بالفضة مع التساوي وبلا تساو إذا كان يدا بيد هو كان يعتبره جائزا، أما إذا لم يكن يدا بيد حصل تأخير من أحد الجانبين أو من كلا الجانبين هذا الذي كان يعتقده ربا، مثل هذا إذا وقع فيه مسلم لا يكون كفرا في يومنا هذا وفيما مضى.
قال الشيخ: معرفة حرمة لبس خاتم الذهب ولبس الحرير للرجال مجمع عليه ولكنه ليس معلوما من الدين بالضرورة. أحد الصحابة كان الرسول ﷺ ألبسه خاتما من ذهب فلما بلغه أن هذا حرم على الرجال قال: لا أخلع شيئا ألبسنيه رسول الله ﷺ.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه كذلك([12]): «كان الله ولا مكان، كان قبل أن يخلق الخلق، كان ولم يكن أين ولا خلق ولا شىء، وهو خالق كل شىء» اهـ.
وقال رضي الله عنه أيضا([13]): «فمن قال: لا أعرف ربي أفي السماء هو أم في الأرض فهو كافر، كذلك من قال: إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض» اهـ.
وإنما كفر الإمام قائل هاتين العبارتين لأنه يلزم القائل بذلك جعل الله مختصا بالجهة والتحيز، وكل ما هو مختص بالجهة والتحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة أي بلا شك، وليس مراده كما زعم المشبهة إثبات أن السماء والعرش مكان لله تعالى، بدليل كلامه السابق الصريح في نفي الجهة عن الله ـ وقد نقلنا ذلك ـ، ومن ذلك قوله: «ولو كان محتاجا إلى الجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان» اهـ. ففي هذا إشارة من الإمام رضي الله عنه إلى إكفار من أطلق التشبيه والتحيز على الله، كما قال العلامة البياضي الحنفي([14]) والشيخ الكوثري([15]) وغيرهما. وقد قال الإمام البياضي في كتابه إشارات المرام([16]) الذي ألفه لبيان وشرح كلام أبي حنيفة وما يستفاد منه من الإشارات ما نصه: «ومن وصفه تعالى بكونه جسما: منهم من قال إنه جسم أي موجودا لا كالأجسام كبعض الكرامية، ومنهم من قال: إنه على صورة شاب أمرد، ومنهم من قال: على صورة شيخ أشمط، وكل ذلك كفر وجهل بالرب ونسبة للنقص الصريح إليه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا» اهـ.
[12] ) الفقه الأبسط، أبو حنيفة، ص57.
[13] ) الفقه الأبسط، أبو حنيفة، ص49.
[14] ) إشارات المرام، البياضي الحنفي، ص 200.
أحمد بن حسن بن سنان الدين البياضي، ت 1098هـ، قاض فاضل، بوسنوي الأصل. ولد في إستانبول وأخذ عن علمائها، وتوفي في قرية قريبة منها. له تآليف بالعربية منها: «إشارات المرام من عبارات الإمام» في فقه الحنفية، و«سوانح العلوم» في ستة فنون، و«الفقه الأبسط». الأعلام، الزركلي، 1/112.
[15] ) التكملة، الكوثري، ص 180.
[16] ) إشارات المرام، البياضي الحنفي، ص 200.
قال الغزالي أيضا في الكتاب نفسه([6]): «الأصل الخامس: العلم بأنه تعالى ليس بجسم مؤلف من جواهر،
إذ الجسم عبارة عن المؤلف من الجواهر، وإذا بطل كونه جوهرا مخصوصا بحيز بطل كونه جسما، لأن كل جسم مختص بحيز ومركب من جوهر، فالجوهر يستحيل خلوه عن الافتراق والاجتماع والحركة والسكون والهيئة والمقدار، وهذه سمات الحدوث، ولو جاز أن يعتقد أن صانع العالم جسم لجاز أن يعتقد الألوهية للشمس والقمر، أو لشىء آخر من أقسام الأجسام» اهـ.
بالرجوع إلى نقول الأئمة في تنزيه الله عن الجسمية والجهة ببين لنا الغزالي منشأ تخبطهم وسبب ضلالهم فيقول:([8]): «أما الحشوية فإنهم لم يتمكنوا من فهم موجود إلا في جهة، فأثبتوا الجهة حتى ألزمتهم بالضرورة الجسمية والتقدير والاختصاص بصفات الحدوث»اهـ.
ثم حذرنا من الإفراط ومجاوزة الحد المؤدية إلى إنكار الصفات بقوله: «وأما المعتزلة فإنهم نفوا الجهة ولم يتمكنوا من إثبات الرؤية دونها وخالفوا به قواطع الشرع وظنوا في إثباتها ـ أي في إثبات الرؤية ـ إثبات الجهة، فهؤلاء تغلغلوا في التنزيه([9]) محترزين من التشبيه فأفرطوا. والحشوية أثبتوا الجهة احترازا من التعطيل فشبهوا.
فوفق الله سبحانه أهل السنة للقيام بالحق، فتفطنوا للمسلك القصد، وعرفوا أن الجهة منفية -عن الله- لأنها للجسمية تابعة وتتمة، وأن الرؤية ثابتة لأنها رديف العلم وفريقه، وهي تكملة له، فانتفاء الجسمية أوجب انتفاء الجهة التي من لوازمها. وثبوت العلم أوجب ثبوت الرؤية التي هي من روادفه وتكملاته ومشاركة له في خاصيته، وهي أنها لا توجب تغييرا في ذات المرئي، بل تتعلق به على ما هو عليه كالعلم» اهـ.
وقال الغزالي([10]): «فعلى العامي أن يتحقق قطعا ويقينا أن الرسول ﷺ لم يرد بذلك جسما هو عضو مركب من لحم ودم وعظم، وأن ذلك في حق الله تعالى محال، وهو عنه مقدس، فإن خطر بباله أن الله جسم مركب من أعضاء فهو عابد صنم، فإن كل جسم مخلوق وعبادة المخلوق كفر، وعبادة الصنم كانت كفرا لأنه مخلوق، وكان مخلوقا لأنه جسم، فمن عبد جسما فهو كافر بإجماع الأمة السلف منهم والخلف» اهـ.
فانظر كيف نقل الغزالي رحمه الله إجماع الأمة من سلف وخلف على تكفير المجسم الذي اعتقد أو قال: إن الله جسم، تنزه الله عما يقول الظالمون تنزها كبيرا.
[8] ) الاقتصاد في الاعتقاد، الغزالي، ص80.
[9] ) ليس هذا ثناء على المعتزلة بل مراده أنهم من شدة ما يزعمونه من التنزيه في حق الله تعالى نفوا الرؤية ليحترزوا من التشبيه كما ادعوا، فردوا النص القرآني في إثبات رؤية المؤمنين لله لتوهمهم أن في ذلك إثبات الجهة والتشبيه، لكنهم أفرطوا فوقعوا في المحظور ولم يوفقوا بين العقل والشرع.
[10] ) إلجام العوام عن علم الكلام، الغزالي، ص62، 63.
قال المؤلف رحمه الله: ثم الحكاية المانعة لكفر حاكي الكفر
الألفاظ قسمان: صريح ليس له إلا وجه واحد، وظاهر يحتمل معنيين: أحدهما أقرب من الآخر، فمن نطلق بالكفر الصريح وهو عامد، أي: بغير سبق اللسان، وغير مكره، وعالم بمعنى اللفظ، فهذا يكفر سواء كان نطقه من باب السب لله أو للرسول أو لغيره من الأنبياء أو الملائكة أو سب شريعة الإسلام أو من باب إنكار ما علم من الدين بالضرورة، ولا يدخله التأويل، لأنه لو كان يدخله التأويل لتعطل تطبيق أحكام الردة، وتلفظ من يشاء بما يشاء من الصريح، ثم قال: كلامي له تأويل؛ وهذا باب من الفوضى كبير، فلا ينظر بعد كون اللفظ صريحا إلى قصد الشخص ولا إلى معرفته بحكم تلك الكلمة أنها تخرج من الإسلام. أما أن الصريح لا يؤول فقد ذكر ذلك غير واحد من الأصوليين، كإمام الحرمين الجويي، وأقرهم الرملي على ذلك في كتابه «نهاية المحتاج»، كتاب الردة، (7/414 ، 415): « ونقل الإمام عن الأصوليين أن إضمار التورية، أي: فيما لا يحتملها كما هو واضح لا يفيد، فيكفر باطنا أيضا لحصول التهاون منه».اهـ.
* وفي الفتاوى الهندية (2/309): «رجل كفر بلسانه طائعا وقلبه مطمئن بالإيمان يكون كافرا، ولا يكون عند الله مؤمنا، كذا في فتاوى قاضيخان».اهـ.
* فمن تكلم بلفظ صريح في الكفر كفر، ولا يسأل عن مراده ولا يقبل له تأويل إلا أن يكون لا يعرف ذلك المعنى الصريح؛ بل يظن أن معناه غير ذلك، فإن هذا اللفظ بالنسبة إليه ليس له حكم الصريح.
* وأما من نطق بكلام له معنيان: أحدهما كفري، والآخر ليس بكفري، فهذا إذا لم يرد المعنى الكفري فلا يكفر، مثال ذلك أن يقول شخص: «هذا خير من الله»، إذا رأى نعمة، كأن رأى عالـما جليلا تقيا ناصحا للناس شفوقا عليهم، فإنه إن أراد أنه خير من عند الله فلا يكفر، ولا بأس بذلك، وهذا فهم من ينطق بها غالبا، وإن أراد به أن ذلك العالم هو أفضل من الله فيكفر. ثم إن الكفر الصريح يخرج قائله من الإسلام، سواء كان الشخص عالـما بالحكم أم لا. ولا يشرط للوقوع في الكفر انشراح الصدر بالإجماع، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: «قلت: وممن جنح إلى بعض هذا البحث الطبري في تهذيبه، فقال بعد أن سرد أحاديث الباب [يعني: أحاديث الخوارج] فيه الرد على قول من قال: لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالـما، فإنه مبطل لقوله ﷺ في الحديث: «يقولون الحق ويقرؤون القرءان، ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشيء ». ثم قال: «وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينا على دين الإسلام».اهـ. ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، 22/252 – 256.
* قال الشيخ تقي الدين السبكي في فتاويه المشهورة: «ولا ينجيهم [أي الخوارج] اعتقاد الإسلام إجمالا والعمل بالواجبات عن الحكم بكفرهم، كما لا ينجي الساجد للصنم ذلك».اهـ. وفي ذلك أوضح بيان أن ما ينسب إلى السبكي مما يخالف هذا المعنى فاسد، وأن السبكي بريء منه.
* قال الطحاوي في عقيدته (ص21): «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله».اهـ. وقد اختلط على بعض الناس فهم هذه الكلمة، ولذلك أنقل هنا شرحا لها.
قال المحدث الشيخ محمد أنور شاه الكشميري المتوفى سنة 1352هـ في كتابه «إكفار الملحدين» (ص42): «أهل القبلة في اصطلاح المتكلمين من يصدق بضروريات الدين، أي: الأمور التي علم ثبوتها في الشرع واشتهر، فمن أنكر شيئا من الضروريات؛ كحدوث العالم وحشر الأجساد وعلم الله سبحانه بالجزئيات وفرضية الصلاة والصوم لم يكن من أهل القبلة، ولو كان مجاهدا بالطاعات، وكذلك من باشر شيئا من أمارات التكذيب كسجود للصنم والإهانة بأمر شرعي والاستهزاء عليه، فليس من أهل القبلة؛ ومعنى عدم تكفير أهل القبلة أن لا يكفر بارتكاب المعاصي ولا بإنكار الأمور الخفية غير المشهورة، هذا ما حققه المحققون فاحفظه».اهـ.
* قال الحافظ الفقيه الحنفي اللغوي خاتمة اللغويين محمد مرتضى الزبيدي (الإتحاف، 5/333): «وقد ألف فيها غير واحد ومن الأئمة من المذاهب الأربعة رسائل [في بيان الكلمات الكفرية]».اهـ.
إما أن تكون في أول الكلمة التي يحكيها عمن تكلم بكفر، أو بعد ذكره الكلمة عقبها وقد كان ناويا أن يأتي بأداة الحكاية قبل أن يقول كلمة الكفر
، فلو قال: المسيح ابن الله قول النصارى، أو قالته النصارى، فهي حكاية مانعة للكفر عن الحاكي. وحالة كون الشخص متأولا باجتهاده في فهم الشرع: فإنه لا يكفر المتأول إلا إذا كان تأوله في القطعيات فأخطأ فإنه لا يعذر كتأول الذين قالوا بقدم العالم وأزليته كابن تيمية. وأما مثال من لا يكفر ممن تأول فهو كتأول الذين منعوا الزكاة في عهد أبي بكر بأن الزكاة وجبت في عهد الرسول لأن صلاته كانت عليهم سكنا لهم وطهرة – أي رحمة وطمأنينة – وأن ذلك انقطع بموته فإن الصحابة لم يكفروهم لذلك لأن هؤلاء فهموا من قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ [سورة التوبة/103] أن المراد من قوله خذ أي يا محمد الزكاة لتكون إذا دفعوها إليك سكنا لهم، وأن هذا لا يحصل بعد وفاته فلا يجب عليهم دفعها لأنه قد مات وهو المأمور بأخذها منهم، ولم يفهموا أن الحكم عام في حال حياته وبعد موته وإنما قاتلهم أبو بكر كما قاتل المرتدين الذين اتبعوا مسيلمة الكذاب في دعواه النبوة لأنه ما كان يمكنه أن يأخذ منهم قهرا بدون قتال لأنهم كانوا ذوي قوة فاضطر إلى القتال. وكذلك الذين فسروا قول الله تعالى: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ بأنه تخيير وليس تحريما للخمر فشربوها لأن عمر ما كفرهم وإنما قال: »اجلدوهم ثمانين ثمانين، ثم إن عادوا فاقتلوهم« اهـ. رواه ابن أبي شيبة.
الشرح أي إن عادوا إلى استحلال الخمر أما في زماننا هذا فلا عذر لمن ينكر حرمة الخمر ممن كان يعيش بين المسلمين لأنه في زماننا انتشر حرمة الخمر بين المسلمين ولا يخفى على من يعيش بينهم ذلك، فصار معلوما من الدين بالضرورة.
قال المؤلف رحمه الله: وكذلك إن كان اللفظ له معان كثيرة
وكان كل معانيه كفرا وكان معنى واحد منها غير كفر لا يكفر إلا أن يعرف منه إرادة المعنى الكفري، وهذا هو الذي ذكره بعض العلماء الحنفيين في كتبهم.
وأما ما يقوله بعض الناس من أنه إذا كان في الكلمة تسعة وتسعون قولا بالتكفير وقول واحد بترك التكفير أخذ بترك التكفير فلا معنى له، ولا يصح نسبة ذلك إلى مالك، ولا إلى أبي حنيفة كما نسب سيد سابق شبه ذلك إلى مالك، وهو شائع على ألسنة بعض العصريين فليتقوا الله.
الشرح أنه ينبغي الحذر مما يقوله بعض المؤلفين عن مالك رضي الله عنه أنه إذا اختلف الناس على تسعة وتسعين قولا بالتكفير وقول واحد بترك التكفير يؤخذ بهذا القول الواحد، وهذه لا أصل لها عن مالك ولا عن أبي حنيفة فلا تثبت عن أحد منهما، وهذا ليس معناه أن هذه الكلمة لها عدة معان أحد معانيها ليس كفرا والأخرى كلها كفر وإنما بعض المؤلفين يوردونها في الكلمة الصريحة في الكفر. وإنما الذي في عبارات الفقهاء وفي مؤلفاتهم أن من تكلم بلفظ له أوجه عديدة تقتضي التكفير ووجه واحد لا يقتضي التكفير يحكم المفتي بالوجه الواحد إلا أن يقول المتلفظ به إنه أراد غير ذلك الوجه فلا ينفعه فتوى المفتي وتبين امرأته، ومعنى هذا أن الذي يتلفظ بلفظ له عدة معان وله معنى واحد لا يقتضي التكفير والمعاني الأخر تقتضي التكفير لا يحكم بكفره إلا أن يقول إنه أراد المعنى الكفري. وقد ذكر لذلك مثال عن محمد بن الحسن رضي الله عنه وهو أن الرجل إذا قيل له: صل، فقال: لا أصلي، فإن أراد لا أصلي لأني قد صليت لا يكفر، وإن أراد لا أصلي لقولك لا يكفر، وكذا إن أراد لا أصلي أنا متكاسل لا يكفر، وإن أراد أنه لا يصلي لأنه مستخف بها كفر. ويفهم من لفظ المتن أيضا أن ما كان من الكلام فيه استخفاف بالدين أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة نكفر قائله ولو خالف في ذلك ألف إنسان ولا ننظر إلى كثرة المخالفين وإنما ننظر إلى موافقة الحق.
أولا: قد بين لنا النبي ﷺ أن الناس مراتب،
ليسوا كلهم في طبقة واحدة حيث قال ﷺ: «نضر الله امرأ سمع منا حديثا، فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه»([1]) فأفهمنا رسول الله ﷺ أن الناس بين مجتهدين وعوام وأمرنا الله سبحانه وتعالى باستفتاء العلماء عند طروء المسائل، فقال سبحانه: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [الأنبياء: 7].
ثانيا: علم الدين أيضا ليست كل مسائله في مرتبة واحدة، إذ إن من العلم ما يتعلق بأصل الدين وأصل العقيدة، ومنه ما يتعلق بفروع الشريعة، فالأول مثل: توحيد الله، والثاني: مثل مسألة في الوضوء أو الصلاة.
ثالثا: الكلام على مذاهب العلماء المجتهدين التي عليها عمل الناس، قال ابن قدامة في «المغني»([2]): «وجعل في سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام، مهد بهم قواعد الإسلام، وأوضح بهم مشكلات الأحكام، اتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة».
وقال ابن العربي في «أحكام القرءان»([3]): «والذي يسقط لعدم بيان الله سبحانه فيه وسكوته عنه([4]) هو باب التكليف فإنه بعد موت النبي ﷺ تختلف العلماء فيه، فيحرم عالم، ويحل ءاخر، ويوجب مجتهد، ويسقط ءاخر؛ واختلاف العلماء([5]) رحمة للخلق، وفسحة في الحق، وطريق مهيع إلى الرفق».
ونزيد الأمر تفصيلا فنقول: إن قواعد الإسلام وأصوله العقدية لا تختلف بين عالم وءاخر بين المجتهدين، ولا بين فقيه وعامي، فلا تختلف بين أهل السنة والجماعة أنفسهم، وبناء على هذا نقول: إن ما نشهده من المسلمين من انتساب إلى أشاعرة وماتريدية ليس معناه أن المسلمين منقسمون في أصول العقائد، وليس معناه أن الإمام أبا الحسن الأشعري والإمام أبا منصور الماتريدي رضي الله عنهما اختلفا في أصل الدين.
والحق أن فرقتي المسلمين الأشاعرة والماتريدية متفقان في أصول الدين كتوحيد الله تعالى وترك الإشراك به شيئا وتنزيهه سبحانه عن الحيز والمكان والجهة واللون والشكل والصورة والخيال والحركة والسكون والاتصال والانفصال والدخول والخروج والإحساس والشعور والشم والذوق واللمس والجسم والحجم والكيفية والكمية والأعضاء والجوارح وسائر الكيفيات. وكلهم مجمعون على اتصاف الله تعالى بالوجود، والوحدانية، والقدم، والبقاء، والقيام بالنفس، والقدرة، والإرادة، والعلم، والسمع، والبصر، والحياة، والكلام، والمخالفة للحوادث.
وعلماء الأشاعرة والماتريدية هم الذين قرروا في كتبهم قاعدة من أنكر ما علم من الدين بالضرورة أي ما علم علما ظاهرا يشترك في معرفته العلماء والعامة من المسلمين كفر، لكن من كان قريب عهد بإسلام أو كان يشبه قريب العهد بالإسلام كأن نشأ في بادية بعيدة عن العلماء أو نشأ بين المسلمين ولكن لم يتردد على سمعه الحكم الذي أنكره فإنه لا يكفر بشرط أن يكون غير عالم بورود الحكم الذي أنكره في دين الإسلام، وقالوا: هذا كله في إنكار حكم فرعي أي إن لم يكن الأمر الذي أنكره نحو تنزيه الله عن الشبيه وتنزيهه عن التحيز في الجهة والمكان وتنزيهه عن الصورة والهيئة والشكل واللون والحد والعجز والسفه وصفات المخلوقين، ونحو تبرئة الأنبياء من الخيانة والسفاهة والرذالة ونحو ذلك من الصفات الحسية، وقالوا: من نسب إلى الله المكان أو الجهة أو الجسم أو أي صفة من صفات المخلوقين، أو نسب إلى الأنبياء الفسوق بارتكاب الكبائر أو الرذالة أو الخيانة أو السفاهة قبل النبوة أو بعدها فإنه يكفر ولو كان حديث عهد بإسلام أو متأولا بعض الآيات أو الأحاديث على غير معناها لضعف فهم أو علم لأن تجويز النقائص المذكورة على الله تعالى ينقض الإيمان به سبحانه، إذ من جوز ذلك لم يعرف الله تعالى على ما يجب، فلا يكون مؤمنا به عز وجل، ولأن تجويز النقائص الآنفة الذكر على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ينقض الإيمان برسول الله فلا يكون عارفا بالرسول على ما يجب.
وعمد هؤلاء الأعلام في كتبهم إلى القول بأن أصول الدين أي العقائد قسم متعلق بأصل معنى الشهادتين، فمن خالفه ولو مع الجهل بوروده في الشرع لا يصح إيمانه بالله أو برسول الله ﷺ.
وهنا تنبيه مهم جدا: ما رواه يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي أن لله أسماء وصفات لا يسع أحد ردها ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الروية والفكر، فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]، فمراده أن صفات الله تعالى قسمان: قسم يدرك ثبوته لله بالعقل كالصفات الثلاث عشرة، والقسم الثاني: ما لا يدرك بالعقل والروية والفكر.
فالقسم الأول يكفر جاحده والشاك فيه والمتردد والمتوقف فيه، والقسم الثاني لا يكفر جاحده قبل العلم بالحجة التي علم بها لأنه يتعلق بالسمع بدليل قوله: «لا يدرك بالعقل والروية والفكر».
وليس مراد الشافعي بقوله: «يعذر بالجهل» ما كان من تلك الصفات الثلاث عشرة، فإن الصفات الثلاث عشرة يدرك ثبوتها لله بالعقل والسمع ولو لم يرد بها نص قرءاني أو حديثي فإن العقل يدل على أن الله قادر على كل شيء عالم بكل شيء بلا استثناء. فمن جهل شيئا منها فنفى فلا عذر له ولو أسلم من جديد لأنها شرط للألوهية، قال الحافظ ابن الجوزي: «من نفى قدرة الله على كل شيء كافر بالاتفاق» أي: بلا خلاف. قاله في كتابه «كشف المشكل على صحيح البخاري»، ونقله عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه على البخاري([6]).
فإذا لا خلاف بين العلماء في الأصل، وهنا يقع السؤال: ما هو الخلاف الذي أراده الإمام في هذه الوصية؟
ليعلم أنه قد وقع خلافات بين الأشاعرة والماتريدية كان بعضها مجرد خلاف لفظي بينهما، وأما في الحقيقة فلا خلاف بينهم، وبعضها كان الخلاف فيها متحققا موجودا إلا أن هذه الخلافات إنما هي في فروع العقيدة لا أصولها. كما وقع مثل ذلك بين مذاهب العلماء في الأمور الفقهية كالخلافات الحاصلة بين الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد. لكن هذه الخلافات لا توجب تكفيرا ولا تفسيقا ولا تبديعا. كيف يكون ذلك وقد وقع الخلاف في مسائل بين صحابة النبي ﷺ.
فكلام الإمام لتلميذه في الوصية: «ثم تقول وفيها قول آخر كذا» محمول على هذين النوعين من الخلاف بدليل قوله بعد في الوصية: فقل قول بعض الفقهاء.
فالفقهاء يجتهدون حيث كان للاجتهاد محل، وحيث كان للرأي فيه مجال، فلا يكون للاجتهاد مدخل في الأصول والقطعيات، ولذا نص العلماء أن من اجتهد فأخطأ فيها كفر، ولا اجتهاد إذا ورد النص وجاء الخبر. ولذا قد قال الحافظ ابن المنذر: إذا جاء الخبر ارتفع النظر.
وحيث لم يرد النص فالاجتهاد المبني على الأسس الصحيحة مقبول، وإلا فلا:
| وليس كل خلاف جاء معتبرا | إلا خلاف حظ من النظر |
وفي الختام فائدة جليلة:
بما أن الكلام قد مر في مراتب الناس، نقول: قد ذكر العلماء أن المشايخ في المذهب الفقهي على مراتب:
الأولى: المجتهد المطلق، وهو إمام المذهب كالشافعي وأبي حنيفة، وهذا وظيفته استنباط الأحكام من الكتاب والسنة.
الثانية: أصحاب الوجوه وهؤلاء وظيفتهم استنباط الأحكام من كلام الإمام، فقد ورد عن الشافعي قوله مثلا: «لا تقام جمعتان ببلد وإن كبرت»، قال بعض أصحاب الوجوه: «كلام الشافعي على ظاهره، فلو تعددت الجمع في بلد واحد صحت السابقة دون المسبوقة وإن شق الاجتماع»، وقال بعضهم: «كلام الإمام محمول على ما إذا لم يشق الاجتماع وإلا صحت السابقة والمسبوقة».
الثالثة: أهل الترجيح، وهؤلاء وظيفتهم ترجيح أحد أقوال الإمام على الآخر، أو أحد أصحاب الوجوه على الآخر، وذلك لأنه معلوم عند الفقهاء أنه إذا قيل: «وفي المسألة قول» معناه لإمام المذهب، وإذا قيل: «وجه» معناه لأصحاب الوجوه.
الرابعة: النقلة، وهؤلاء حظهم نقل المذهب لغيرهم، فليس لهم أهلية الاجتهاد، ولا حتى الترجيح، وذلك كابن العماد الأقفهسي وابن حجر الهيتمي والخطيب الشربيني وكثير من المتأخرين عند الشافعية.
وعليه نقول: إذا لم يكن للناقل مخالفة قول إمام المذهب في الفروع، فكيف في الأصول؟! وبناء عليه إذا وجد في كتاب من هو من النقلة عدم تكفير المجسم أو المعتزلي الذي ثبتت في حقه قضية مكفرة فلا عبرة بذلك، وعلى أنه قد ثبت عن الأئمة الأربعة تكفيرهم للمجسم والمعتزلي القائل بخلق أفعال العباد أو المكذب بالقدر. فأهل الإسلام أجمعوا على أن من نسب الجسمية أو الحد لله تعالى أو وصفه بصفة من صفات خلقه بأنه خارج من الإسلام بقوله أو اعتقاده هذا، وهاك سرد نقول لعلماء وفقهاء ومصنفين ذكروا لفظ الإجماع في تكفير المجسم، فالمجسم لا خلاف في تكفيره، وإليك بيان النقول:
- النقل الأول: قال الحافظ النووي في كتاب «روضة الطالبين»([7]) ما نصه: «وأن من دافع نص الكتاب أو السنة المقطوع بها المحمول على ظاهره فهو كافر بالإجماع»([8]).
والمجسم كذب قوله تعالى: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1]، وقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]، وقوله تعالى: {ولله المثل الأعلى} [النحل: 60] تكذيبا صريحا فهو كافر بالإجماع بنص الحافظ النووي هذا.
وكذلك قال ابن حجر الهيتمي في كتابه «الإعلام بقواطع الإسلام»([9]) ما نصه: «وأن من دفع نص الكتاب أو السنة المقطوع بها المحمول على ظاهره فهو كافر بالإجماع».
- النقل الثاني: قال الفقيه الشافعي أبو العباس نجم الدين أحمد بن محمد بن الرفعة في كتابه «كفاية النبيه شرح التنبيه»([10]) في فقه الإمام الشافعي ما نصه: «ولا تجوز الصلاة خلف كافر لأنه لا صلاة له، فكيف يقتدى به، وهذا ينظم من كفره مجمع عليه ومن كفرناه من أهل القبلة كالقائلين بخلق القرءان وبأنه لا يعلم المعدومات قبل وجودها، ومن لا يؤمن بالقدر وكذا من يعتقد أن الله جالس على العرش، كما حكاه القاضي حسين هنا عن نص الشافعي».
وانظر إلى قول ابن الرفعة «من كفره مجمع عليه» وذكر فيهم المجسمة والمعتزلة. وأكد أن تكفير المجسم هو نص الشافعي كما نقله القاضي حسين رحمه الله تعالى.
- النقل الثالث: قال الإمام الأستاذ عبد القاهر بن طاهر أبو منصور البغدادي التميمي في كتابه «تفسير الأسماء والصفات»([11]): «فأما أصحابنا فإنهم وإن أجمعوا على تكفير المعتزلة والغلاة من الخوارج والنجارية والجهمية والمشبهة فقد أجازوا لعامة المسلمين معاملتهم في عقود البياعات والإجارات».
وهذا إجماع صريح على تكفير المشبهة، والمجسمة مشبهة بلا شك، ومراده بأصحابنا جمهور الشافعية والأشاعرة لأنه رحمه الله كان رأسا مشهورا فيهم.
وقال الإمام الأستاذ الفقهي المؤرخ الخبير بالفرق والنحل الذي كان رأسا في الأشاعرة الشافعية أبو منصور البغدادي في كتابه «تفسير الأسماء والصفات»([12]): «إجماع الأمة على إكفار من أنكر النبوات أو شك في عقائد الأنبياء، وإذا كان شكه في صفات بعض الناس يورثه الكفر فشكه في صفة لازمة لله عز وجل أو جهله بها أولى بأن يوجب تكفيره».
وهنا نقل البغدادي الإجماع على كفر من جهل صفة لازمة لله، ولا شك أن المجسم جاهل بالله، وليس مجرد صفة لازمة له فقط، فيكون كافرا بالإجماع.
وقد قال إمام أهل السنة والجماعة أبو الحسن الأشعري رحمه الله([13]): «فكذلك اعتقاد من اعتقد أن البارئ تعالى أجزاء متصلة وأبعاض متلاصقة كفر به وجهل».
وقال رحمه الله: «والجهل بصفة لله تعالى كفر». ومعناه أن إنكار صفة من صفات الله الثلاث عشرة أو الشك فيها أو في واحدة منها كفر وخرج من الإسلام.
وهذا إجماع على كفر المجسم والجهوي الذي يثبت الجهة لله، لأنه بذلك أنكر صفة المخالفة للحوادث التي هي ثابتة لله عز وجل، وجعله جسما يفتقر إلى موجد، وجعله محتاجا إلى المكان وإلى مخصص يخصصه بذلك.
- النقل الرابع: قال الفقيه الشافعي أبو بكر تقي الدين الحصني الشافعي في كتابه «دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى السيد الجليل الإمام أحمد»([14]) ما نصه: «لأن الكيف من صفات الحدث، وكل ما كان من صفات الحدث، فالله عز وجل منزه عنه، فإثباته له سبحانه كفر محقق عند جميع أهل السنة والجماعة».
وهذا إجماع صريح على كفر المجسمة لأنهم وصفوا الله بصفات الحوادث التي هي الجسمية.
وقال أيضا في كتابه «كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار» ما نصه([15]): «إلا أن النووي جزم في صفة الصلاة من شرح المهذب بتكفير المجسمة.
قلت – أي: الحصني -: وهو الصواب الذي لا محيد عنه، إذ فيه مخالفة صريح القرءان قاتل الله المجسمة والمعطلة، ما أجرأهم على مخالفة من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وفي هذه الآية رد على الفريقين».
وانظر إلى قوله: «وهو الصواب الذي لا محيد عنه إذ فيه مخالفة صريح القرءان»، وتكذيب القرآن كفر بإجماع الأمة، فالمجسم كافر بإجماع الأمة.
- النقل الخامس: قال تقي الدين الحصني ما نصه: «خرج – أي: ابن تيمية – عن الاتباع إلى الابتداع وشذ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدس».
- النقل السادس: قال الشيخ ملا علي بن سلطان محمد القاري الحنفي في كتابه «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»([16]) ما نصه: «قال النووي في شرح مسلم في هذا الحديث (أي: حديث النزول) وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان مشهوران، فمذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين الإيمان بأنها حق على ما يليق بالله تعالى وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد ولا نتكلم في تأويلها مع اعتقادنا تنزيه الله سبحانه عن صفات المخلوق وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الحدوث. والثاني مذهب أكثر المتكلمين وجماعة من السلف وهو محكي عن مالك والأوزاعي أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها. فعليه: الخبر مؤول بتأويلين، أي المذكورين، وبكلامه وبكلام الشيخ الرباني أبي إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم من أئمتنا وغيرهم يعلم أن المذهبين متفقان على صرف تلك الظواهر – كالمجيء والصورة والشخص والرجل والقدم واليد والوجه والغضب والرحمة والاستواء على العرش والكون في السماء وغير ذلك – مما يفهمه ظاهرها لما يلزم عليه من محالات قطعية البطلان تستلزم أشياء يحكم بكفرها بالإجماع فاضطر ذلك جميع الخلف والسلف إلى صرف اللفظ عن ظاهره».
وانظر هنا إلى قوله: «يحكم بكفرها بالإجماع»، فإذا كان من يصف الله تعالى بظاهر هذه الأشياء المذكورة هنا كافرا بالإجماع، فكيف بالمجسم؟! فهو داخل في هؤلاء الذين ينسبون لله المكان ويصفه بظواهر الآيات والأحاديث المتشابهة، فلا خلاف في كفره!!
- النقل السابع: قال الإمام الحافظ الفقيه أحمد بن سلامة أبو جعفر الوراق الطحاوي المصري في عقيدته المشهورة بالعقيدة الطحاوية: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر».
وهذه العقيدة تلقتها الأمة سلفا وخلفا بالقبول والفرح والسرور، فأقبلوا عليها حفظا ودرسا وشرحا وتعلما وتعليما واستحسانا بلا نكير ولا خلاف.
ويقول الطحاوي رحمه الله: «إن هذه الرسالة هي ذكر عقيدة أهل السنة والجماعة على حسب ما قرره أبو حنيفة وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم وأبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني أي من حيث سبك العبارات أضع هذه الرسالة على أسلوب هؤلاء الأئمة الثلاثة، أما من حيث المعنى فهو مذهب أهل الحق أهل السنة والجماعة كلهم بلا استثناء». وأهل السنة والجماعة هم الصحابة ومن تبعهم في المعتقد([17]).
وانظر إلى قوله: «فهو مذهب أهل الحق، أهل السنة والجماعة كلهم بلا استثناء»، أي: هذا إجماع… وقد سبقت عبارة الطحاوي «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر»، إذا هو إجماع صريح ظاهر على كفر المشبهة المجسمة.
- النقل الثامن: قال الإمام الحافظ المجتهد المجدد الشيخ عبد الله بن محمد بن يوسف الهرري المعروف بالحبشي رضي الله عنه وأرضاه في كتابه التعاون([18]): «والمجسم كافر بإجماع الأئمة الأربعة وغيرهم لأن من جسم الله تعالى كذب قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]، فإنه جعل لله أمثالا كثيرة لا تحصى».
وقال بعد أسطر قليلة: «وقد اتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على أن المجسم كافر».
وهذا تصريح من إمام أهل السنة في عصرنا بوجود الإجماع على كفر المجسم.
- النقل التاسع: وقال الإمام الولي الشيخ عبد الله بن محمد الهرري المعروف بالحبشي في كتابه «التحذير الشرعي الواجب»([19]): «فقد نقل الإمام أبو منصور البغدادي إجماعهم على تكفير المجسم، وثبت عن الإمام أبي الحسن الأشعري أنه قال: المجسم غير عارف بالله فهو كافر به، كذلك في المعتزلة وغيرهم، فدفع التكفير عنهم يؤدي إلى إبطال الشريعة».
- النقل العاشر: قال الإمام الحافظ شيخ السنة عبد الله بن محمد بن يوسف الهرري المعروف بالحبشي في كتابه «التعاون على النهي عن المنكر»([20]): «وأما الوهابية فهم مجسمون وهم كفار لأن الإمام الشافعي رضي الله عنه قال: «المجسم كافر»([21]).
والإمام أحمد قال: «من قال الله جسم لا كالأجسام كفر»([22]).
وكذلك الإمام مالك رضي الله عنه كفر المجسم.
قال ابن حجر الهيتمي في كتابه المنهاج القويم شرح المقدمة الحضرمية: «واعلم أن القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم وهم حقيقون بذلك».
- النقل الحادي عشر: تفطن الطبري رحمه الله لهذه الطائفة الخبيثة التي جوزت أن يكون ذاته تعالى محلا للخلق والتغير بالانتقال والزوال من مكان إلى مكان، فصرح بكفرها في معرض بيان عقيدة أهل السنة في الكلام وكونها صفة وجودية قديمة قائمة بذاته تعالى، وأنه ليس حروفا وأصواتا يخلقها الله تعالى ويوجدها في ذاته بإرادته واختياره كما يصرح التيمية والوهابية ويثبتون حلول الصفات الحادثة بذات الله تعالى ويسمون ذلك قيام الصفات الاختيارية به، وقد رد الإمام الطبري كل ذلك قائلا: «من أبى ما قلنا في ذلك قيل له([23]): أخبرنا عن الكلام الذي وصفت أن القديم به متكلم مخلوق، أخلقه إذ كان عندك مخلوقا في ذاته، أم في غيره، أم قائم بنفسه؟ فإن زعم خلقه في ذاته، فقد أوجب أن تكون ذاته محلا للخلق، وذلك عند الجميع كفر.
فالطبري نص على أن الفوقية مصروفة عن ظاهرها حيث إن الله عز وجل منزه عن الفوقية المكانية لقول الله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]، فمن اعتقد أن لله تعالى مكانا فقد كفر بإجماع العقلاء([24]).
- النقل الثاني عشر: قال القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي ما نصه([25]): «واعلم أن الوصف له تعالى بالاستواء اتباع للنص وتسليم للشرع وتصديق لما وصف به نفسه تعالى به، ولا يجوز أن يثبت له الكيفية لأن الشرع لم يرد بذلك ولا أخبر النبي عليه السلام فيه بشيء ولا سألته الصحابة ولأن ذلك يرجع إلى التنقل والتحول وإشغال الحيز والافتقار إلى الأماكن وذلك يؤول إلى التجسيم وإلى قدم الأجسام وهذا كفر عند كافة أهل الإسلام».
وأقره عليه الأستاذ الدكتور الشيخ أحمد محمد نور سيف مدير عام دار البحوث ورئيس مجلس الأوقاف والشؤون الإسلامية – دبي([26]).
- النقل الثالث عشر: قال شارح سنن أبي داود محمود خطاب السبكي ما نصه([27]): «فمن اعتقد أن الله عز وجل متصف بالاستقرار على العرش أو التمكن فيه فهو كافر بالإجماع».
- النقل الرابع عشر: قال الشيخ أبو بكر محمد بن سابق الصقلي ما نصه([28]): «ومن قال إن الله عز وجل يحدث فيه الحرف بعد الحرف، فقد جعل ربه محلا للحوادث وشبهه بمخلوقاته وشبه مخلوقاته به، وهذا كفر بإجماع، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا».
- النقل الخامس عشر: قال الغزالي في كتابه المسمى «إلجام العوام عن علم الكلام» ما نصه([29]): «الوظيفة الأولى: التقديس ومعناه أنه إذا سمع اليد والإصبع في قوله ﷺ: «إن الله خمر طينة ءادم بيده» و«إن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمٰن»، فينبغي أن يعلم أن اليد تطلق لمعنيين أحدهما هو الوضع الأصلي وهو عضو مركب من لحم وعظم وعصب واللحم والعظم والعصب جسم مخصوص بصفات مخصوصة والجسم عبارة عن مقدار له طول وعرض وعمق يمنع غيره من أن يوجد بحيث هو إلا بأن ينتحي عن ذلك المكان، وقد يستعار هذا اللفظ أعني اليد لمعنى ءاخر ليس ذلك المعنى بجسم أصلا كما يقال: البلدة في يد الأمير فإن ذلك مفهوم وإن كان الأمير مقطوع اليد مثلا. فعلى العامي وغير العامي أن يتحقق قطعا ويقينا أن الرسول ﷺ لم يرد بذلك جسما هو عضو مركب من لحم ودم وعظم، وأن ذلك على الله تعالى محال وهو عند مقدس، فإن خطر بباله أن الله جسم مركب من أعضاء فهو عابد صنم فإن كل جسم هو مخلوق، وعبادة المخلوق كفر وعبادة الصنم كفر لأنه مخلوق، وكان مخلوقا لأنه جسم فمن عبد جسما فهو كافر بإجماع الأمة السلف منهم والخلف».
- النقل السادس عشر: نقل القرافي اتفاق الأئمة الأربعة على تكفير المجسم كما نقل ذلك عنه ابن حجر الهيتمي قال: «وهم حقيقون بذلك».
- النقل السابع عشر: قال القرطبي ما نصه([30]) وإن إثبات الجهة لله تعالى كفر عند الأئمة الأربعة كما نقل عنهم العراقي على ما في شرح المشكاة لعلي القاري([31])».
- النقل الثامن عشر: قال محمود خطاب السبكي ما نصه([32]): «سألني بعض الراغبين في معرفة عقائد الدين والوقوف على مذهب السلف والخلف في المتشابه من الآيات والأحاديث بما نصه: ما قول السادة العلماء حفظهم الله تعالى فيمن يعتقد أن الله عز جل له جهة وأنه جالس على العرش في مكان مخصوص ويقول ذلك هو عقيدة السلف ويحمل الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد، ويقول لهم: من لم يعتقد ذلك يكون كافرا مستدلا بقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5]، وقوله عز وجل: {ءأمنتم من في السماء} [الملك: 16]، أهذا الاعتقاد صحيح أم باطل؟ وعلى كونه باطلا أيكفر ذلك القائل باعتقاده المذكور ويبطل كل عمله من صلاة وصيام وغير ذلك من الأعمال الدينية وتبين منه زوجه، وإن مات على هذه الحالة قبل أن يتوب لا يغسل ولا يصلي عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وهل من صدقه في ذلك الاعتقاد يكون كافرا مثله؟ فأجبت بعون الله تعالى، فقلت: بسم الله الرحمٰن الرحيم الحمد لله الهادي إلى الصواب، والصلاة والسلام على من أوتي الحكمة وفصل الخطاب، وعلى ءاله وأصحابه الذين هداهم الله ورزقهم التوفيق والسداد. أما بعد: فالحكم أن هذا الاعتقاد باطل ومعتقده كافر بإجماع من يعتد به من علماء المسلمين، والدليل العقلي على ذلك قدم الله تعالى ومخالفته للحوادث، والنقلي قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]، فكل من اعتقد أنه تعالى حل في مكان أو اتصل به أو بشيء من الحوادث كالعرش أو الكرسي أو السماء أو الأرض أو غير ذلك فهو كافر قطعا، ويبطل جميع عمله من صلاة وصيام وحج وغير ذلك، وتبين منه زوجه، ووجب عليه أن يتوب فورا، وإذا مات على هذا الاعتقاد والعياذ بالله تعالى لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ومثله في ذلك كله من صدقه في اعتقاده أعاذنا الله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. وأما حمله الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد المكفر، وقوله لهم: من لم يعتقد ذلك يكون كافرا، فهو كفر وبهتان عظيم».
ونقل رحمه الله([33]) عن الإمام عماد الدين الكندي أنه نص على أن الله تعالى يستحيل عليه الحلول في الأماكن أو اتصاله بالأجسام أو مقابلته لها أو تحيزه في جهة لأن ذلك كله من صفات الحوادث، فمن اعتقد أنه تعالى حل في عرش أو سماء أو حاذى شيئا من مخلوقاته أو حل في أي جهة من الجهات الست كفر بإجماع العاقلين.
- النقل التاسع عشر: يقول علاء الدين البخاري بعد كلام عن مسألة لازم المذهب([34]): «فإذا؛ يكون القول بأن الله متمكن على العرش، متحيز فيه، وأنه في جهة الفوق قولا بأنه جسم لأن الجسمية من اللوازم العقلية للمتحيز ولذي الجهة، ومن قال بأن الله جسم فهو كافر إجماعا. ولهذا قال إمام الحرمين في الإرشاد: إثبات الجهة لله كفر صراح».
- النقل العشرون: قال الشيخ الكوثري ما نصه([35]): «إن القول بإثبات الجهة له تعالى كفر عند الأئمة الأربعة هداة الأمة كما نقل عنهم العراقي على ما في «شرح المشكاة» لعلي القاري».
- النقل الحادي والعشرون: قال الشيخ أحمد بالعيت الوقراوي محتجا بكلام السبكي ما نصه([36]): «فتوى شيخ الأزهر السبكي: الحمد لله رب العالمين المنزه عن صفات المخلوقين كالجهة والجسمية والمكان والفوقية، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي جاء بمحو الشرك والإلحاد وأمرنا بتنزيه الله تعالى عن صفات العباد والمنزل عليه {قل هو الله أحد* الله الصمد* لم يلد ولم يولد *ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 1- 4]، وقوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] وعلى ءاله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد، فيقول محمود بن محمد بن أحمد السبكي: قد سألني بعض الراغبين في معرفة – عقيدة – الدين، والوقوف على مذهب السلف والخلف في المتشابه من الآيات والأحاديث بما نصه: «ما قول السادة العلماء حفظهم الله تعالى فيمن يعتقد أن الله عز وجل له جهة وأنه جالس على العرش في مكان مخصوص.. فأجبت بعون الله تعالى… فالحكم أن هذا الاعتقاد باطل ومعتقده كافر بإجماع من يعتد به من علماء المسلمين. والدليل العقلي على ذلك: قدم الله تعالى ومخالفته للحوادث. والنقل قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] فكل من اعتقد أنه تعالى حل في كان أو اتصل به أو بشيء من الحوادث كالعرش أو الكرسي أو السماء أو الأرض أو غير ذلك فهو كافر قطعا ويبطل جميع عمله من صلاة وصيام وحج وغير ذلك، وتبين منه زوجته ووجب أن يتوب فورا – بنطقه بالشهادتين للدخول في دين الإسلام – وإذا مات على هذا الاعتقاد لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ومثله من صدقه في اعتقاده أعاذنا الله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا».
([1]) سنن أبي داود، أبو داود، (3/322)، حديث (3660).
([2]) المغني، ابن قدامة، (1/4).
([3]) أحكام القرءان، ابن العربي، (2/214).
([4]) أي: لم يبين حكمه، وليس معناه السكوت الذي هو في مقابل الكلام لأن الله منزه عن صفات المخلوقين.
([6]) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، (6/523).
([7]) روضة الطالبين، النووي، (10/70).
([8]) وهذا ما ذكره محمد عليش المالكي وغيره. منح الجليل شرح على مختصر خليل، محمد عليش، (9/210). فتاوى السبكي، السبكي، (5/38). الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد، علاء الدين ابن العطار، (1/169). الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض، (1/457).
([9]) الإعلام بقواطع الإسلام، ابن حجر الهيتمي، (ص74، 75).
([10]) كفاية النبيه شرح التنبيه، ابن الرفعة، (4/24).
([11]) تفسير الأسماء والصفات، أبو منصور البغدادي، (ص228، 229).
([12]) تفسير الأسماء والصفات، أبو منصور البغدادي، (ص46).
([13]) مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري، ابن فورك، (ص228).
([14]) دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى السيد الجليل الإمام أحمد، تقي الدين الحصني، (ص18).
([15]) كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار، تقي الدين الحصني، (ص382).
([16]) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ملا علي القاري، (2/136).
([17]) إظهار العقيدة السنية، الهرري، (ص31).
([18]) التعاون على النهي عن المنكر، الهرري، (ص59).
([19]) التحذير الشرعي الواجب، الهرري، (ص134).
([20]) التعاون على النهي عن المنكر، الهرري، (ص34).
([21]) الأشباه والنظائر، السيوطي، (ص488).
([22]) ذكره صاحب الخصال وهو من مشاهير الحنابلة.
([23]) التبصير في معالم الدين، الطبري، (ص202).
([24]) إتحاف الكائنات، محمود خطاب السبكي، (ص115).
([25]) شرح عقيدة الإمام مالك الصغير، عبد الوهاب البغدادي، (ص28).
([26]) سلسلة الدراسات العقدية، 2، أحمد محمد نور سيف، (ص68).
([27]) إتحاف الكائنات، محمود خطاب السبكي، (ص60).
([28]) كتاب الحدود الكلامية والفقهية على رأي أهل السنة الأشعرية، الصقلي، (ص215).
([29]) إلجام العوام عن علم الكلام، الغزالي، (ص209).
([30]) التذكار في أفضل الأذكار، القرطبي، (ص208).
([31]) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، القاري، (2/137).
([32]) إتحاف الكائنات، محمود خطاب السبكي، (ص3، 4).
([33]) إتحاف الكائنات، محمود خطاب السبكي، (ص125).
([34]) ملجمة المجسمة، علاء الدين البخاري، (ص61).
([35]) مقالات الكوثري، الكوثري، (ص321).
([36]) مختصر التيسير في التحكيم أهل التفسير، أحمد الوقراوي، (ص29 – 32).
تكفير المجسم
في كتاب “الفتاوى الهندية” المعروفة بالفتاوى العالمكيرية في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان طبع دار الكتب العلمية ط١\ج٢\ص٢٨٢:
“يكفر بإثبات المكان لله تعالى، فلو قال لا محل خالي من الله يكفر، ولو قال الله تعالى في السماء، فإن قصد به حكاية ما جاء فيه ظاهر الأخبار لا يكفر وإن راد به المكان يكفر”.
قال الإمام أبو القاسم عبد الكريم القشيري في كتابه “الرسالة القشيرية” طبع مؤسسة الكتب الثقافية ط١\ص۱٠:
“وسمعت الإمام أبا بكر ابن فورك رحمه الله يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول : كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة، فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي، فكتبت إلى أصحابنا بمكة أني أسلمت الآن إسلاما جديدا”.اهـ.
كتاب الفقه الأبسط للإمام أبي حنيفة
“من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش. قال الكوثري: ولم يذكر في المتن وجه كفره فبينه الشارح أبو الليث السمرقندي بقوله: لأنه بهذا القول يوهم أن يكون له تعالى مكان فكان مشركا”
كتاب الأشباه والنظائر للسيوطي. طبع دار الكتب العلمية ط١\ص٤٨٨
“قال الشافعي: لا يكفر أحد من أهل القبلة، واستثنى من ذلك المجسم ومنكر علم الجزئيات”
كتاب العقيدة الطحاوية لأبي جعفر الطحاوي
“ومن وصف الله بمعنى [أي بصفة] من معاني البشر فقد كفر”
كتاب شعب الإيمان للبيهقي. طبع مكتبة الرشد ج١\ص١٩٢
“وأما البراءة من التشبيه بإثبات أنه -تعالى- ليس بجوهر ولا عرض فلأن قوما زاغوا عن الحق فوصفوا البارئ جل وعز ببعض صفات المحدثين [أي المخلوقين]، فمنهم من قال: إنه جوهر، ومنهم من قال إنه جسم، ومنهم من أجاز أن يكون على العرش كما يكون الملك على سريره، وكان ذلك في وجوب اسم الكفر لقائله كالتعطيل والتشريك”
كتاب شرح عقيدة مالك الصغير للقاضي عبد الوهاب المالكي. طبع دار الكتب العلمية ط١\ص٢٨
“ولا يجوز أن يثبت له (أي لله) كيفية لأن الشرع لم يرد بذلك ولا أخبر النبي عليه السلام فيه بشىء ولا سألته الصحابة عنه، ولأن ذلك يرجع إلى التنقل والتحول وإشغال الحيز والافتقار إلى الأماكن، وذلك يؤول إلى التجسيم وإلى قدم الأجسام، وهذا كفر عند كافة أهل الإسلام” اهـ. [أي أن الإجماع انعقد على أن من نسب إلى الله الجسمية فهو كافر، وأن القائل بقدم الأجسام وأزليتها كافر أيضا]
كتاب الغنية في أصول الدين للمتولي. طبع مؤسسة الكتب الثقافية ص٧٤
“والغرض من هذا الفصل نفي الحاجة إلى المحل والجهة خلافا للكرامية والحشوية والمشبهة الذين قالوا إن لله جهة فوق. وأطلق بعضهم القول بأنه جالس على العرش مستقر عليه تعالى الله عن قولهم. والدليل على أنه مستغني عن المحل أنه لو افتقر إلى المحل لزم أن يكون المحل قديما لأنه قديم، أو يكون حادثا كما أن المحل حادث وكلاهما كفر”. ثم قال: “والدليل عليه أنه لو كان على العرش على ما زعموا لكان لا يخلو إما أن يكون مثل العرش أو أصغر منه أو أكبر، وفي جميع ذلك إثبات التقدير والحد [أي الحجم] والنهاية وهو كفر”
كتاب مجموعة رسائل الإمام الغزالي. طبع المكتبة التوفيقية ص٣٢١
“فإن خطر بباله أن الله جسم مركب من أعضاء فهو عابد صنم، فإن كل جسم مخلوق وعبادة المخلوق كفر، وعبادة الصنم كانت كفرا لأنه مخلوق، وكان مخلوقا لأنه جسم، فمن عبد جسما فهو كافر بإجماع الأمة السلف منهم والخلف”
كتاب تبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي
“والله تعالى نفى المماثلة بين ذاته وبين غيره من الأشياء فيكون القول بإثبات المكان له ردا لهذا النص المحكم [ ﴿ليس كمثله شىء وهو السميع البصير﴾ ] الذي لا احتمال فيه بوجه ما سوى ظاهره وراد النص كافر عصمنا الله تعالى عن ذلك”
كتاب أصول الدين للرازي . طبع المكتبة الأزهرية للتراث ص١٤٤
“المجسمة كفار لأنهم اعتقدوا أن كل ما لا يكون متحيزا ولا في جهة ليس بموجود، ونحن نعتقد أن كل متحيز فهو محدث، وخالقه موجود ليس بمتحيز ولا في جهة. فالمجسمة نفوا ذات الشىء الذي هو الإله، فيلزمهم الكفر”
كتاب التفسير الكبير للرازي. طبع دار الكتب العلمية ط٢\ج١٤\ص٩۳ :
“وعدم وصفه بالمكان والجهة دين موسى، وسائر جميع الأنبياء، وجميع وصفه تعالى بكونه في السماء [أي ساكن السماء] دين فرعون وإخوانه من الكفرة”
كتاب المفهم للقرطبي. دار الكلم الطيب ج٦\ص٦٩٧
“و(قوله: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم) يعني: يتبعونه ويجمعونه طلبا للتشكيك في القرءان وإضلال العوام كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرءان، أو طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية، حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وإصبع تعالى الله عن ذلك، فحذر النبي ﷺ عن سلوك طريقهم” ثم قال: “فالصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور”
كتاب حل الرموز للعز بن عبد السلام. طبع جريدة الإسلام ص٤٤
“وقال أبو حنيفة: من قال (لا أعرف الله أفي السماء هو أم في الأرض هو) فقد كفر لأن هذا القول يوهم أن لله مكانا ومن توهم أن لله مكانا فهو مشبه”
كتاب روضة الطالبين للنووي. في أول كتاب الردة
“وأما التفصيل فقال المتولي: من اعتقد قدم العالم أو حدوث الصانع أو نفى ما هو ثابت للقديم بالإجماع ككونه عالما قادرا، أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع كالألوان، أو أثبت له الاتصال والانفصال كان كافرا”
كتاب الاختيار لتعليل المختار لابن مودود الموصلي الحنفي. طبع دار الكتب العلمية ج٢\ص١٤٩
“ولا تقبل شهادة المجسمة لأنهم كفرة”
كتاب البحر الرائق لحافظ الدين النسفي. طبع دار الكتب العلمية ج٥\ص٢٠٣
“ويكفر بقوله يجوز أن يفعل الله فعلا لا حكمة فيه وبإثبات المكان لله تعالى فإن قال الله في السماء فإن قصد حكاية ما جاء في ظاهر الأخبار لا يكفر، وإن أراد المكان كفر، وإن لم يكن له نية كفر عند الأكثر وهو الأصح وعليه الفتوى”
كتاب تشنيف المسامع للزركشي. طبع دار الكتب العلمية ج٢\ص٢٤٩
“ونقل صاحب الخصال من الحنابلة عن أحمد أنه قال: من قال إن الله جسم لا كالأجسام كفر” [صاحب الخصال هو أبو محمد البغدادي كما رواه الزركشي في تشنيف المسامع، وهو والد ابن أبي يعلى مؤلف كتاب طبقات الحنابلة]
كتاب المنهج القويم لابن حجر الهيتمي. طبع دار المنهاج ص٢٥٤
“واعلم أن القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم، وهم حقيقون بذلك”
كتاب منح الروض الأزهر لملا علي القاري. طبع دار البشائر ص٣٥٥
“فمن أظلم ممن كذب على الله أو ادعى ادعاء معينا مشتملا على إثبات المكان والهيئة والجهة من مقابلة وثبوت مسافة وأمثال تلك الحالة، فيصير كافرا لا محالة”
كتاب فيض القدير للمناوي. طبع دار المعرفة ج١\ص٧٢
عند الكلام على تقسيم البدعة إلى كفرية وغير كفرية قال ما نصه: “أما من كفر بها كمنكر العلم بالجزئيات وزاعم التجسيم أو الجهة أو السكون أو الاتصال بالعالم أو الانفصال عنه فلا يوصف عمله بقبول ولا رد، لأنه أحقر من ذلك”
كتاب الفتاوى الهندية للشيخ نظام. طبع دار الكتب العلمية ط١\ج٢\ص٢٨٢
“يكفر بإثبات المكان لله”
كتاب المنهج الأحمد للقذومي. طبع دار الكتب العلمية ط١\ ص١٠٠
“فمن اعتقد أن الله بذاته في كل مكان أو في مكان فهو كافر”. ثم قال “فمن شبهه بخلقه فقد كفر، كمن اعتقده تعالى جسما، أو قال: إنه تعالى جسم لا كالأجسام”
كتاب إتحاف الكائنات لمحمود محمد خطاب السبكي
قال فيمن يعتقد أن الله عز وجل له جهة وأنه جالس على العرش زاعما أن هذا عقيدة السلف: “أما بعد، فالحكم أن هذا الاعتقاد باطل ومعتقده كافر بإجماع من يعتد به من علماء المسلمين. والدليل العقلي على ذلك قدم الله تعالى ومخالفته للحوادث [أي عدم مشابهته للمخلوقات] . والنقلي قوله تعالى ﴿ليس كمثله شىء وهو السميع البصير﴾ فكل من اعتقد أنه تعالى حل في مكان أو اتصل به أو بشيء من الحوادث كالعرش والكرسي أو السماء أو الأرض أو غير ذلك فهو كافر قطعا ويبطل جميع عمله من صلاة وصيام وحج وغير ذلك وتبين منه زوجه ووجب عليه أن يتوب فورا [بتصحيح عقيدته والنطق بالشهادتين والندم على ما صدر منه والعزم على أن لا يعود إليه] وإذا مات على هذا الاعتقاد -والعياذ بالله تعالى- لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ومثله في ذلك كله من صدقه في اعتقاده أعاذنا الله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. وأما حمله الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد المكفر وقوله لهم من لم يعتقد ذلك يكون كافرا فهو كفر وبهتان عظيم، واستدلاله على زعمه الباطل بهاتين الآيتين ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ و ﴿ءأمنتم من في السماء﴾ استدلال فاسد”.
ثم قال: “وعلى الجملة فهذا القائل المجازف وأمثاله قد ادعوا ما لا يقبل الثبوت لا عقلا ولا نقلا وقد كفروا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، والطامة الكبرى التي نزلت بهؤلاء دعواهم أنهم سلفيون، وهم عن سبيل الحق زائغون، وعلى خيار المسلمين يعيبون، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”.
كتاب إتحاف الكائنات لمحمود محمد خطاب السبكي
“وقد قال جمع من السلف والخلف: إن من اعتقد أن الله في جهة فهو كافر كما صرح به العراقي، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأبو الحسن الأشعري والباقلاني، ذكره العلامة ملا علي قاري في شرح المشكاة”
كتاب طالع البشرى للمارغني
“وخرج بـ “المطابق للواقع” الجزم الغير المطابق له، ويسمى الاعتقاد الفاسد، كاعتقاد قدم العالم، أو تعدد الإله، أو أن الله تعالى جسم. وصاحب هذا الاعتقاد مجمع على كفره”
كتاب مقالات الكوثري. طبع المكتبة التوفيقية ص٢٦٩
“وقال البياضي في (إشارات المرام): “قال أبو حنيفة من قال (لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض) فهو كافر، وكذا من قال (إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض) ثم ذكر وجه إكفاره فقال: “لكونه قائلا باختصاص البارئ تعالى بجهة وحيز، وكل ما هو مختص بالجهة والحيز فإنه محتاج محدث [أي مخلوق] بالضرورة: وهو قول بالنقص الصريح في حقه تعالى، والقائل بالجسمية والجهة منكر وجود موجود سوى الأشياء التي يمكن الإشارة إليها حسا، فهم منكرون لذات الإله المنزه عن ذلك فلزمهم الكفر لا محالة”
كتاب مقالات الكوثري. طبع المكتبة التوفيقية ص٢٧٤
“ولا إشكال لذي لب [أي عقل] في تكفير الكرامية مجسمة خراسان في قولهم إنه تعالى جسم له حد [أي حجم] ونهاية من تحته وأنه مماس لعرشه وأنه محل الحوادث”
كتاب مقالات الكوثري. طبع المكتبة التوفيقية ص٢٧٩
“وكفر من يثبت الحركة والقعود والحدود له تعالى، مما لا يتناطح فيه كبشان ولا يتنازع فيه مسلمان”
كتاب مقالات الكوثري. طبع المكتبة التوفيقية ص٢٩٤
“وليس القول بالتجسيم وما إلى ذلك بالأمر الهين عند أئمة أصول الدين، وقد جزم النووي في صفة الصلاة من شرح المهذب بتكفير المجسمة. ويقول عنهم ابن فرح القرطبي صاحب جامع أحكام القرآن في التذكار: والصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور”
تجدون في هذه المجموعة ماذا قال العلماء في هذه المواضيع:
الله موجود بلا مكان
حديث الجارية
﴿ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾
الاستواء
قول الإمام مالك في الاستواء
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء
﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾
﴿وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير﴾
﴿وجاء ربك﴾
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء
﴿ بل يداه مبسوطتان﴾
﴿يد ٱلله فوق أيديهم﴾
﴿والسماء بنيناها بأييد﴾
﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى ٱلسجود فلا يستطيعون﴾
السماء قبلة الدعاء
تفسير قوله تعالى ﴿ورافعك إلي﴾
﴿وهو العلي﴾
﴿وهو القاهر فوق عباده﴾
﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾
﴿وهو الله في السموات وفي الأرض﴾
﴿أويأتي ربك﴾
﴿كل شىء هالك إلا وجهه﴾
(تنبيه):
لم يقل أحد من علماء الإسلام بتحريم قول أنا مؤمن فليحذر ما في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي من قوله [وفي الحديث من قال أنا مؤمن فهو كافر ومن قال أنا عالم فهو جاهل] فإنه حديث موضوع مفترى على الرسول صلى الله عليه وسلم فإن الرسول لا يقول [من قال أنا مؤمن فهو كافر] ولا يقول [من قال أنا عالم فهو جاهل] بل اشتهر عند الصوفية حديث حارثة ابن مالك أن الرسول عليه السلام لقيه ذات يوم فقال له [كيف أصبحت يا حارثة] قال أصبحت مؤمنا حقا قال [انظر ما تقول فإن لكل قول حقيقة] قال عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري فكأني بعرش ربي بارزا وكأني بأهل الجنة يتزاورون فيها وكأني بأهل النار يتعاوون فيها قال [عرفت فالزم عبد نور الله الإيمان في قلبه] اهـ وهذا الحديث متداول بين الصوفية وفيه أن الرسول لم ينكر على حارثة قوله أصبحت مؤمنا حقا اهـ بل قول المؤمن أنا مؤمن مما علم من الدين جوازه بالضرورة.
وقد ذكر العلماء أن كتاب الإحياء لا يعتمد عليه في الحديث لاحتوائه على نحو ثلاثمائة حديث موضوع. قاله تاج الدين السبكي وسردها في طبقات الشافعية الكبرى له.
بيان عدم التسرع في التكفير
ما هو كفر الجحود
كفر الجحود هو إنكار ما علم من الدين بالضرورة أى ما هو معلوم عند العالم والجاهل من المسلمين كإنكار البعث بعد الموت أو إنكار الثواب أو العقاب فى الآخرة أو إنكار وجوب الصلاة أو الصيام أو إنكار حرمة شرب الخمر أو الزنى. أما من كان قريب عهد بإسلام أى أسلم من وقت قريب فأنكر حكما من أحكام الشرع كحرمة الزنى ولم يعلم أن الزنى حرام عند المسلمين لكونه لم يخالط المسلمين حال كفره فلا يكفر لأنه أمر لا يدرك بالعقل. وأما إذا أنكر صفة من صفات الله الثلاث عشرة الواجبة له إجماعا أو اعتقد بوجود دين صحيح غير الإسلام فإنه يكفر ولو كان قريب عهد بإسلام. ويجب عليه أن ينطق بالشهادتين للرجوع إلى الإسلام ولا يرجع إلى الإسلام بقول أستغفر الله كما نقل الإجماع على ذلك أبو بكر بن المنذر فى كتابيه الإشراف والإجماع.
(والردة ثلاثة أقسام كما قسمها النووى وغيره من شافعية وحنفية وغيرهم اعتقادات وأفعال وأقوال) أى أن الردة تحصل تارة بالقول وتارة بالفعل وتارة بالاعتقاد (وكل يتشعب شعبا كثيرة) أى أن كل قسم من الأقسام الثلاثة يتفرع فروعا كثيرة (فمن) الأمثلة على القسم (الأول) أى الكفر الاعتقادى (الشك فى) وجود (الله) أو وحدانيته أو قدرته أو علمه أو حكمته أو عدله أو فى أى صفة من صفاته الثلاث عشرة الواجبة له إجماعا (أو) الشك (فى) صدق (رسوله) محمد ﷺ أو رسالته أى فى كونه مرسلا من عند الله (أو) فى نزول (القرءان) عليه (أو) الشك فى (اليوم الآخر) أى يوم القيامة (أو) فى وجود (الجنة أو النار أو الثواب أو العقاب) فى الآخرة (أو نحو ذلك مما هو مجمع عليه) عند المسلمين (أو اعتقاد قدم العالم وأزليته بجنسه وتركيبه) أى أفراده (أو بجنسه فقط) أى اعتقاد أن العالم أزلى لا بداية لوجوده (أو نفى) أى إنكار (صفة من صفات الله) الثلاث عشرة (الواجبة له إجماعا ككونه عالما) أو قديرا أو سميعا أو بصيرا (أو نسبة ما يجب تنزيهه عنه إجماعا كالجسم) أى اعتقاد أن الله جسم والجسم هو ما له طول وعرض وعمق كبر أو صغر (أو تحليل محرم بالإجماع معلوم من الدين بالضرورة) أى أن من استحل شيئا محرما بالإجماع واشتهرت حرمته بين المسلمين وكان (مما لا يخفى عليه) تحريمه فى الشرع (كالزنى واللواط وقتل المسلم) بغير حق (والسرقة والغصب) فهو كافر (أو تحريم حلال ظاهر كذلك) أى أن من حرم شيئا حلالا عند المسلمين مع علمه أنه حلال (كالبيع والنكاح) كفر (أو نفى وجوب مجمع عليه كذلك) أى نفى وجوب ما أجمع المسلمون على وجوبه وكان وجوبه ظاهرا معروفا بين المسلمين عالمهم وجاهلهم (كالصلوات الخمس أو سجدة منها والزكاة والصوم) فى رمضان (والحج) على المستطيع (والوضوء) فمن اعتقد عدم وجوب شىء منها فقد كفر (أو إيجاب ما لم يجب إجماعا كذلك) أى أن من أوجب ما لم يجب بإجماع المسلمين وكان أمرا ظاهرا بينهم فهو كافر كمن أوجب زيادة ركعة على ركعتى فرض الصبح (أو نفى مشروعية) أمر (مجمع عليه كذلك) أى نفى أن يكون هذا الأمر مشروعا فى الدين أى حث الشرع على فعله واشتهرت مشروعيته بين المسلمين كصلاة الوتر ورواتب الفرائض الخمس أى السنن (أو عزم على الكفر فى المستقبل) كأن عزم على أن يكفر بعد سنة كفر فى الحال (أو على فعل شىء مما ذكر أو تردد فيه) بأن قال فى قلبه أفعل أو لا أفعل فإنه يكفر فى الحال (لا خطوره فى البال بدون إرادة) أى أما إذا خطر له ذلك فى باله بلا إرادة كأن خطر له شىء ينافى وجود الله بلا إرادة وهو معتقد الحق اعتقادا جازما فلا يكفر (أو أنكر صحبة سيدنا أبى بكر) الصديق (رضى الله عنه) لرسول الله ﷺ فهو كافر لتكذيبه الإجماع على أن المراد بالصاحب فى قوله تعالى ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ هو أبو بكر (أو) أنكر (رسالة واحد من الرسل المجمع على رسالته) أى أن من أنكر نبوة أحد من الأنبياء المجمع على نبوته كفر إلا إذا كان لا يعلم ذلك فلا نكفره بل نعلمه (أو جحد حرفا مجمعا عليه من القرءان) أى أنكر حرفا اتفق المسلمون على أنه من القرءان (أو زاد حرفا فيه مجمعا على نفيه) أى أجمع المسلمون على أنه ليس منه (معتقدا أنه منه عنادا) أى كان ذلك الحرف الذى زاده زيادته له عنادا لا ظنا منه أنه من القرءان بخلاف من زاده فى القراءة معتقدا أنه منه جهلا فلا يكفر (أو كذب رسولا أو نقصه) بأن نسب إليه ما لا يليق به (أو صغر اسمه بقصد تحقيره) كأن قال عن نبى الله موسى مويسى بقصد إهانته كفر (أو جوز نبوة أحد بعد نبينا محمد ﷺ) أى اعتقد أنه يجوز أن ينزل الوحى بالنبوة على شخص لم يكن نبيا قبل محمد ﷺ.
درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى وهو في بيان عدم التسرع في التكفير.
قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين.
أما بعد، فهناك مسائل عديدة يطلقها([i]) بعض الناس مجمعا عليها عند كل علماء الإسلام والأمر ليس كذلك، الأكل في رمضان ينتهي بالفجر جمهور علماء الإسلام على هذا وهو الحق، وفيهم من هو من أهل الاجتهاد قال يجوز الأكل إلى طلوع الشمس، والعلماء ما كفروا القائل بذلك إنما قالوا غلط، والذي قال هذا هو من التابعين الذين أدركوا الصحابة وأخذوا منهم علما لهذا لا يجوز التسرع في التفكير.
معرفة المجمع عليه ليس كل أحد يستطيع ذلك، العلماء الذين مضوا اختلفوا في مسائل كثيرة، قراءة القرءان في الصلاة من السلف من أهل الاجتهاد من قال من أتم ركوعه وسجوده صلاته صحيحة عن لم يقرأ شيئا في القيام، ومنهم من قال الله أكبر ليس شرطا ليس ركنا للدخول في الصلاة، النية تكفي بدون تكبير إذا نوى أنه يصلي صلاة كذا يكفي للصحة، وهناك أمثال هذا، فلا ينبغي التسرع، لا ينبغي أن يبنى الشخص التحليل والتحريم والتكفير على حسب ما وصل إليه فهمه، ينبغي أن يبنيه على الاحتياط مع النظر في حال المسألة هل هي مجمع عليها أم لا، ثم هل هي معلومة من الدين بالضرورة أم لا، بعد ذلك ينبغي القول بتكفير مخالفها إن كان في مخالفته تكذيب لما جاء في الشرع وعلم من الدين بالضرورة.
أما ما كان استخفافا بالله أو رسوله أو ملائكته أو دينه أو شعائر الإسلام أو ما كان نوعا من أنواع تشبيه الله بالعالم أو كان نفيا للصفات الثلاث عشرة فلا ينبغي التوقف في تكفير المخالف فيها لأن أهل الحق من علماء الإسلام لم يختلفوا في ذلك أي في تكفير المخالف في ذلك.
فالقائل والعياذ بالله بأن الله جسم لطيف أو كثيف لا يتوقف في تكفيره مهما كان غارقا في الجهل، لأن ثبوت الصفات الثلاث عشرة لله تعالى يدل عليه العقل لو لم يسمع ذكره في علم الدين، من سمع ومن لم يسمع في هذا سواء.
ولا ينظر إلى كثرة الجاهلين المخالفين لأهل الحق في أن الله تعالى منزه عن أضداد هذه الصفات الثلاث عشرة، لأن من اعتقد أن الله جسم فهو جاهل بخالقه لم يعرفه، وكيف يعد مسلما وهو جاهل بخالقه وقول لا إله إلا الله والعبادات لا تنفع إلا بعد معرفة الخالق، فالمشبه الذي يعتقد أن الله جسم ملأ العرش ليس عابدا لله بل هو عابد لشيء غير موجود والحق أنه ليس على العرش جسم يملأ قدر العرش أو زيادة على مساحة العرش.
وكذلك الذي يعتقد والعياذ بالله أن الله جسم حال في الفراغ فوق العرش لأنه شبه الله بالشمس والقمر والنجوم فإن هؤلاء واقفات في الفراغ فكلا الفريقين جاهل بخالقه كافر.
ويكفي دليلا على بطلان عقيدة الذي يعتقد الله جسما ءاية {ليس كمثله شيء}([ii]) لأنه لو كان الله جسما لكان له أمثال كثير، لا فرق بين من يقول إن الله جسم وعابد الشمس، عابد الشمس يعبد جسما كثيفا محقق الوجود، أما هؤلاء الذين يعتقدون أن الله جسم ملأ العرش أو واقف في الفراغ فوق العرش أشد سخافة عقل من عابد الشمس لأن عابد الشمس وإن كان كافرا جاهلا بخالقه لكنه يعبد شيئا موجودا مشاهدا ومنفعته محققة مشاهدة فإذا كانت الشمس لا تستحق أن تعبد فكيف يستحق ذلك الجسم المتوهم أن يعبد!
فتبين وظهر أن هؤلاء الذين يقولون إن الله قاعد على العرش أو فوق العرش في الفراغ أسخف عقلا من عباد الشمس ولا ينفعهم احتجاجهم بآية {الرحمٰن على العر استوى}([iii]) حيث فسروا استواء الله بالجلوس، والجلوس صفة مشتركة بين البشر والملائكة والجن والبهائم فليس مدحا لله بل هو شتم لله، والجلوس لا يكون إلا من جسم مركب من نصفين أعلى ونصف أسفل، أين غاب عنهم تفسير الاستواء بالقهر والقهر كمال في حق الله ومن أسمائه القهار والقاهر، فليس في هذا التفسير أي تفسير الاستواء بالقهر تشبيه لله تعالى بخلقه بل هذا هو الحق. أما تفسير المشبهة الآية {الرحمٰن على العرش استوى} بجلس أو استقر فهذا ضلال مبين حيث إنه تكذيب لمحكم القرءان قال تعالى: {ليس كمثله شيء}، وقال سبحانه تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال}([iv]) وقال: {وكل شيء عنده بمقدار}([v])، وقال: {ولم يكن له كفوا أحد}([vi]).
انتهى والله تعالى أعلم.
([ii]) سورة الشورى، الآية: (11).
([iv]) سورة النحل، الآية: (74).
([vi]) سورة الإخلاص، الآية (4).
قال خالد الجندي (ص205) في كتابه «فتاوى معاصرة»: «لا يجوز لمن عقد عقد النكاح على امرأة أن يقترب منها أو يمسها أو يحتضنها».
الرد: ما هذا التخبط العجيب يا خالد كيف قلت قبل هذا يجوز للرجل مصافحة المرأة الأجنبية والآن تحرم عليه مصافحة زوجته التي أحلها الله له، وهل يقبل بكلامك عاقل أم لك شهوة في تغيير الدين وإضلال الناس، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهذا الكلام الذي ذكرته لا أصل له؛ لأنه إذا عقد عليها عقدا شرعيا، أي: عقد النكاح فلمسها أو احتضنها أو اختلى بها هذا ليس حراما بالإجماع وهو من المعلوم من الدين بالضرورة ولا حاجة لسوق الأدلة على ذلك بل سوق الأدلة على ذلك كمن يسوق الأدلة على وجود الشمس في رابعة النهار ليس دونها سحاب، لأنها زوجته شرعا.
مجلس تلقي كتاب “سمعت الشيخ يقول رقم 42”
أما الذي يأكل الحرام ويعتقده حلالا هذا أمره أخطر، أعظم، أشد، لأن الإنسان إذا أحل ما حرم الله وكان معلوما من الدين بالضرورة أو كان هو يعرف أن هذا الشىء في الإسلام محرما فأحله صار من الكافرين، هذا أمره أعظم وأخطر من لو أكل جبالا من ذهب بالحرام وهو يعتقدها حراما، لأنه يكون ضمن المعصية الكبيرة ارتكب كبيرة، أما إذا كذب الشريعة صار كافرا خارجا من الإسلام، عندما يعرف أن هذه المسئلة في الإسلام حرام ثم يأتي فيقول هي حلال، ماذا يكون فعل؟ عاند الدين، عاند الشريعة، صار من الكافرين.
بعض الناس اليوم والعياذ بالله تعالى من فسادهم وجهلهم وبعدهم عن الدين يأكلون أموال الناس بالباطل بالحيلة بالتزوير بالتدليس بالغش بالكذب، فتقول له هذا حرام يقول لك أنا عندي هذا حلال، هذا صار من الكافرين. هذا معروف بين الناس أن يأكل أموال الناس بالباطل كيف يستحله؟ فهذا أمره أخطر وأعظم لأن الذي يكذب الشريعة ويموت على ذلك من غير أن يرجع إلى الإسلام بالشهادتين هذا يخلد في نار جهنم إلى أبد الآبدين لأنه مات على الكفر.
الألباني يحرم زيارة الأحياء للأحياء في العيد:
لقد اعتاد الألباني المدعي للعلم على زرع الفتنة والفرقة وبث الحقد والعداوة والبغضاء بين المسلمين، وفتاويه تدل على اعتماده المقولة المشهورة «فرق تسد»، فهو يحرم زيارة الأحياء للأحياء في العيد([18]).
الرد:
إن الإسلام رغب في صلة الرحم وزيارتهم لاسيما في الأعياد، وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة.
مجلس كتاب ” سمعت الشيخ يقول ” -133
الذي يحلل ويحرم بغير دليل شرعي فله الويل في الآخرة
قال فضيلة الشيخ الدكتور جميل حليم الحسيني غفر الله له وللمؤمنين والمؤمنات
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد طه النبي الأمي الأمين العالي القدر العظيم الجاه وعلى آله وصحبه ومن والاه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ضد ولا ند ولا زوجة ولا ولد له ولا شبيبه ولا مثيل له ولا جسم ولا حجم ولا جسد ولا جثة له ولا صورة ولا أعضاء ولا كيفية ولا كمية له ولا أين ولا جهة ولا حيز ولا مكان له كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان فلا تضربوا لله الأمثال ولله المثل الأعلى تنزه ربي عن الجلوس والقعود وعن الحركة والسكون وعن الاتصال والانفصال لا يحل فيه شىء ولا ينحل منه شىء ولا يحل هو في شىء لأنه ليس كمثله شىء
مهما تصورت ببالك فالله لا يشبه ذلك ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر
وأشهد أن حبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله وحبيبه صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبارك وعظم وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين وآل كل وصحب كل وسائر الأولياء والصالحين
أما بعد إخواني وأخواتي في الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أذكركم وأذكر نفسي بإخلاص النية لله تعالى في حضور مجلس العلم وأذكركم بتذكير غيركم بارك الله بكم ونبدأ بمجلسنا متوكلين على الله عز وجل مخلصين له سبحانه
وقال الإمام الهرري رضي الله عنه ” الذي يحلل أو يحرم بغير دليل شرعي فله الويل في الآخرة “
هذه القضية قضية خطيرة ومسئلة عويصة ، الذي يحلل ويحرم برأيه بهواه بلا دليل شرعي من غير نقل عن العلماء الثقات هذا أحد اثنين إما كافر وإما فاسق ملعون خبيث ظالم مجرم من أهل الكبائر لأنه إذا أحل ما حرمه الله وكان هذا الأمر المحرم معلوما من الدين بالضرورة اشترك في معرفته العامة والخاصة العلماء والجهال ، الكل يعرفون أنه محرم في دين الإسلام محرم في الشريعة الإسلامية ، جاء هذا الإنسان فأحله ، هذا صار معاندا للدين لأنه يعرف أن هذا الأمر حرام ، يعرف أن هذا الأمر لا يجوز منكر إثم مع ذلك قال حلال صار مكذبا للشريعة الإسلامية معاندا للدين ، فهذا صار من الكافرين خرج من الإسلام .
مثال ذلك شرب الخمر ، واحد يعيش بين المسلمين ويعرف أن في دين الإسلام شرب الخمر حرام أو سمع الآيات أو سمع الأحاديث أو عرف الإجماع أو سمع من الأفراد وصدق اعتقد أن هذا في دين الإسلام حرام ، رجع بعدما عرف وعلم وبلغه فقال شرب الخمر ليس حراما ، هذا صار كافرا بالله لأنه صار معاندا للدين ، تعمد أن يكذب الإسلام وتعمد أن يكذب الله تعمد أن يكذب القرآن ، فهذا صار من الكافرين ما عاد مسلما عاصيا بل صار كافرا بالله تعالى خارجا من الدين والإسلام لأنه كذب الله وكذب القرآن عاند الإسلام عاند الشريعة ، هذا خرج من الإسلام .
وهؤلاء السفهاء لهم وجود اليوم حتى من بعض أدعياء المشيخة والعياذ بالله تعالى يحلون شرب الخمر وهؤلاء نعوذ بالله تعالى نادوا على أنفسهم بالكفر .
وبعض السفهاء يقول القرآن ما حرم الخمر ، هذا الجاهل يقال له قال الفقيه الحنفي ملا علي القاري وغير واحد من الفقهاء ” من قال إن القرآن لم يحرم الخمر كفر ” لأن القرآن حرم الخمر .
بعض السفهاء يقول أنا أريد لفظ حرام أو حرمت عليكم الخمر ، يقال له ماذا تقول في قول الله عز وجل { ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما}[الإسراء/٢٣]؟ أين في كل القرآن حرم عليكم أن تضربوا أمهاتكم ؟ هذا النص أين هو في القرآن ؟ غير موجود
أين في القرآن لا يجوز لكم حرام عليكم أن تضربوا وجوه آبائكم بالنعال ؟ فإن كان هذا اللفظ غير موجود في القرآن بدعوى هذا المتقول الزنديق الذي يقول أنا أريد لفظ حرام وإلا لا يكون حراما ، يقال له يعني على زعمك يجوز أن نضرب والدك بالنعال على وجهه ؟ فهذا غير موجود بهذا اللفظ في القرآن ، لكن عندما نهى القرآن عن قول أف للأمهات والآباء دل ذلك على أن ما فوقه أولى بالتحريم وأشد
مثلا { ولا تقل لهما أف } يعني ما كان فوق هذه الكلمة فهو محرم من باب أولى لأنه إذا حرم الأدنى حرم الأعلى ، وكان تأكيدا على تحريم الأعلى .
فإذا هنا لا يوجد لفظ حرم عليكم أن تقولوا لأمهاتكم وآبائكم أف ، هذا غير موجود في القرآن ، فهل يجوز أن يقال للأمهات والآباء هذه الكلمة التي هي إيذاء لهم وتطاول عليهم ؟ ثم ما فوقها من سبهم وشتمهم وضربهم وأكل أموالهم يكون حراما أم لا يكون حراما ؟ بلى هو حرام من باب أولى مع أنه لم ينص في القرآن بلفظة التحريم على هذه المسئلة بعينها وعلى هذه القضية بذاتها .
فماذا يقول هذا القائل الذي يقول لا يوجد في القرآن حرمت عليكم الخمر ؟ ماذا يقول في هذه القضية ؟ ثم القرآن الكريم يفهمه أهل العلم وليس الأغبياء ، من أين للأغبياء أن يعرفوا وأن يجمعوا ما جاء فيه من أحكام ؟ الأغبياء لا يعرفون ذلك إنما العلماء والفقهاء هم الذين يفهمون معاني القرآن .
وقولوا لهذا الغر إذا زعمت أن كلمة حرمت عليكم الخمر أساس وشرط لتكون الخمر محرمة بزعمك قولوا له لماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم ” إن الله ورسوله حرم الخمر وثمنها ” فإذا كان القرآن لم يحرم الخمر بزعمك كيف حرمها الرسول ؟ القرآن نزل وحيا والرسول بين وقال هي حرام ، فإذا قلت القرآن لم يحرم كيف حرمها الرسول ؟ يعني إذا كانت بنظرك حلال والقرآن ما حرمها والرسول على زعمك حرمها من تلقاء نفسه افتراء على الله فأنت إذا مفتر على الرسول لأنك تكون كفرت الرسول فأنت الكافر ، أين تكون كفرت الرسول ؟ لأنها إذا كانت حلالا عند الله بزعمك أيها الزنديق والرسول حرمها مع أنها حلال عند الله فيكون الرسول كذب الله بزعمك ، وبهذا أنت تكذب الرسول وتكذب الله ، فأنت كفرت الرسول بهذا وأنت الكافر وحاشا لرسول الله أن يحرم شيئا أحله الله ثم يحرمه الرسول عنادا وتأليا على الله على زعمك (كان يوجد سبق لسان هنا صححته)
ثم الرسول صلى الله عليه وسلم قال ” إن الله حرم الخمر وثمنها ” إذا كان ثمن الخمر حرام لماذا ؟ لأنها هي حرام واللفظ فيه هذا لكن هذا تأكيد .
فإذا الذي يقول الله ما حرمها القرآن ما حرمها على زعمه يكون نسب إلى الرسول أنه كافر لأنه حرم شيئا أحله الله عنادا تكذيبا للوحي على زعمه ، وهذا من أكفر الكفر .
القرآن حرم الخمر ، في قوله تعالى { فاجتنبوه }[المائدة/٩٠] قولوا لهذا الجهول اذهب وتعلم أولا العقيدة والفقه والأحكام ولغة العرب وتعال إلى كلمة { فاجتنبوه } لتفهم وتعلم أن الآية فيها الأمر بتحريمه وبتركه وبالابتعاد عنه ، يعني ليس فيها لفظ حرمت عليكم الخمر أما فاجتنبوه أمر بطرحه جانبا والابتعاد عنه مع تحريمه ، يعني كأنك تقول للابتعاد عنه ولتجنبه تتركه وتطرحه جانبا وأنت في جانب لأجل أن لا تميل إليه ، كأنه من باب التأكيد على الابتعاد عن الخمر .
ثم في قوله تعالى { فهل أنتم منتهون }[المائدة/٩١] تهديد ووعيد ، معناه إن لم تنتهوا فلكم الويل العذاب ، يعني فيه مبالغة في النهي والتحريم .
ومما يدل على أن هذه الآيات للتحريم ولتأكيد التحريم ولتأكيد النهي ولطرحه جانبا وللابتعاد عنه الدليل على ذلك أقوال ليس قولا واحدا للرسول صلى الله عليه وسلم وأقوال وأفعال الصحابة الذين عندما نزلت هذه الآيات قالوا انتهينا انتهينا وأهريقت في الشوارع حتى جرت في السكك كما روى ذلك أبو داود في سننه ، عمر وغيره قالوا انتهينا انتهينا لأنهم فهموا التحريم ، لماذا سكبوها في الشوارع حتى جرت في السكك ؟ لأنهم فهموا التحريم وأن تطرح جانبا وأن يبتعد عنها وأن لا يقترب منها لأجل شربها ، هذا القرآن وهذه الأحاديث وهذا فهم الرسول صلى الله عليه وسلم وفهم الصحابة أضف إلى كل ذلك الإجماع الذي نقله النووي وغيره على تحريمها ، أضف إلى ذلك ما قلته ناقلا عن ملا علي القاري وعن غيره كقطب بغى قالوا : من قال إن القرآن لم يحرم الخمر كفر لأنه كذب القرآن .
بعد هذا البيان السريع في بيان تحريم الخمر اسمع إذا كنت تريد لفظ حرم أو حرام أنا أثبت لك بلفظ القرآن أنها محرمة بلفظ التحريم زيادة على ما ذكرناه تلك الآيات فيها التحريم الصريح والتهديد لمن ينتهي عنها لكن زيادة على كل هذه الأدلة من آيات وأحاديث وإجماع وفهم الصحابة اسمع الدليل الذي أنت تزعم أنك تريده
الله عز وجل يقول في سورة البقرة {يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير}[البقرة/٢١٩] إثم ضرر كبير
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول ” لا ضرر ولا ضرار “
تعال الآن إلى سورة الأعراف يقول الله عز وجل {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم}[الأعراف/٣٣] الإثم بنص القرآن حرام والخمرة بنص القرآن سورة البقرة أنها إثم ، فتكون محرمة بنص القرآن زيادة على تلك النصوص التي ذكرناها
لكن من أين للجهول أن يفهم النصوص ؟ إذا كانت نصوص صريحة ولا يفهمها فكيف لو كانت إشارة وليست نصا على زعمه ؟
لذلك أجمعت الأمة على تحريم شرب الخمر وعلى بيعها والإتجار بها وعلى أكلها مع الطعام ، لأن من الناس السفهاء حتى من المسلمين يوجد سفهاء يضعون شيئا من الخمر مع الطعام ، مثلا في بيروت بعض الناس عندهم عادة يأخذون شيئا من الخمر فيضعونه مع الحلواء مع الكاتو أو مع الشوكولا مثلا ، هذا صار نجسا محرما ، بعض الناس يأخذون الخمر يضعونه مع المقانق مع السجق يقلونه مع البفتاك ، هذا حرام صار نجسا حرم أكله لو كان ملعقة صغيرة ولو كان لا يسكر مع ذلك هو حرام
لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال “ما أسكر كثيره فملء الكف منه حرام” “ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام “
وفي حديث ” ما أسكر كثيره فقليله حرام ” يعني لو كان القدر الذي لا يسكر يكون محرما بالإجماع .
فإذا هذا الذي يعيش بين المسلمين ومع ذلك بلغته الأدلة أو بلغه أن هذا في الإسلام حرام واعتقد ذلك أو سمع الآيات وفهم أن القرآن حرم الخمر ، سمع الأحاديث ” إن الله ورسوله حرم الخمر (ة) وثمنها ” ثم رجع فقال هي حلال ، هذا كافر
أو سمع من أفراد المسلمين أنها حرام وصدق رجع فقال حلال صار مكذبا للدين، سمع أن الإجماع على تحريم الخمر رجع فقال حلال صار مكذبا للدين،
هذا الذي حلل من عند نفسه بدون دليل من تلقاء نفسه في مثل هذه القضية فهو كافر لأنه صار مكذبا للإسلام .
ومثل قضية الخمر قضية الزنا أيضا ، اليوم بعض السفهاء يقول طالما أنها هي راضية فهذا حلال ، يعني إن كانت أمك راضية أن يزني بها واحد يصير حلالا؟
جاوب يا قواد يا خبيث يا ملعون ، إذا كانت أختك راضية أن يزني بها واحد يصير الزنا حلالا بزعمك ؟ لو أنت كنت قليل شرف ونخوة وقلت أنا أرضى نحن نقول لا نرضى ونقول هو حرام ولا يجوز وإباحتك لهذا فهو كفر وخروج من الإسلام مع أنك ديوث وقواد إن كنت تجلب الزبائن لأمك ولأختك ويمكن لمن هي يقال عنها زوجتك أو لابنتك على زعمك .
بعض الناس وصلت بهم الصفاقة والوقاحة والخبث أنه يجلب الزبائن لزوجته أو لمن تسمى زوجة له أو لأخته ، ملعون خبيث ، مثل هذا الوقح لو قال نعم هي راضية أنا أقول حلال ، لو قال عن أخته حلال أن يزنى بها أو عن أمه نحن نقول هو حرام ، كذبت وكفرت ، يعني أنت لو رضيت أن يزنى بأمك هو حرام ، وإن استحليته فأنت كافر .
وهكذا في كل قضية عرف الإنسان أنها محرمة ، يعني ليس شرطا أن تكون بمستوى الزنا ولا شرط تكون بمستوى شرب الخمر ولا بمستوى السرقة بل لو كانت في مسائل أقل من ذلك بكثير لكنه عرف أنها في الإسلام محرمة ثم قال حلال صار كافرا لأنه صار في حكم المعاند للدين .
أما إذا كانت هذه القضية هو لا يعرف أنها محرمة ولا بلغه أنها محرمة ولا سمع أنها محرمة في الإسلام ولا فهم لا من الأحاديث ولا من الإجماع ولا من المسلمين فقال هي حلال هنا يعلم ولا يكفر .
في مثل أي شىء؟ مثلا جاهل لم يتعلم الأحكام ظن أن الرجل إذا صافح المرأة التي هي ليست محرما له وليست زوجة له لكن صافحها بلا شهوة ظنه حلال، في مثل هذا يعلم ولا يكفر لأنه ما سمع الحكم لا من الحديث ولا من الإجماع ولا من أحد من المسلمين ، جاهل يعيش على الجهل نشأ على الجهل صار عمره عشرين سنة يصافح ابنة الجيران يصافح البنات في المدرسة بدون شهوة فرفيقه قال له هذا حرام لا يجوز قال له لا هذا ليس حراما هذا حلال ، لكن ليس عنادا لجهله ، في مثل هذا يعلم ويقال له وقعت في معصية من الكبائر لأنك أفتيت بغير علم يعني حكمت في الدين برأيك بغير علم ، عليك معصية من الكبائر تب إلى الله ما كفرت لكن لا تعد ، لكن لو عرف أن هذا في الإسلام حرام ورجع فقال حلال لو قال بدون شهوة هو حلال صار كافرا لأنه صار يعرف أنه محرم ، هذا يكفر لأنه صار معاندا للدين .
وانتبهوا من بعض العفاريت المشايخ كالقرضاوي شيخ الناتو الذي قال عندما ضرب الناتو ليبيا ، قال هذا الوقح الذي لا يستحي من الله ولا من الناس لو كان النبي حيا لوضع يده في يد الناتو ، يعني على زعمه لكان وافقهم على ضرب ليبيا
كيف هذا ؟ أي فتوى شيطانية هذه ؟ هذه فتوى سياسية كم قبض عليها لا نعرف ، هو يقبض وهذا ثابت ، التي كانت زوجة له من بلاد المغرب هي فضحته ارجعوا إلى مقابلاتها وتسجيلاتها وإلى فضائحه التي هي أظهرتها وكشفتها .
وكم قبض على فتوى قتل المسلمين في العراق وأفغانستان لا نعرف ، هو معروف أنه يقبض
اذهبوا وسلوه إن كان ما زال في وعيه كم مليون دولار كان هو مساهما في تأسيس ما يسمى بنك التقوى الذي فضحه النائب المصري كما في جريدة السفير أن الذين أسسوا هذا البنك هو قادات جماعة التكفيريين في الدنيا ومنهم فيصل مولوي وفتحي يكن وهذا القرضاوي ، اذهبوا واعرفوا كم مليون دولار كان له تلك الأيام ، هو أحد المؤسسين . وكشف النائب المصري أحمد طه أن هذا البنك وظيفته ترويج المخدرات والأسلحة والدعارة ، أحد المؤسسين في هذا البنك هو القرضاوي ، فلما يفتي بقتل المسلمين في أفغانستان وفي العراق كم يقبض ويحول إلى ما يسمى بنك التقوى ؟ هذا بنك القذارة والحقارة والدعارة انظروا إلى خساستهم سموه بنك التقوى على زعمهم وهذا من زندقتهم ، مركز الإجرام والفساد نشر الدعارة والتفجير والتقتيل والتدمير يسمونه بنك التقوى على زعمهم
إذا هذا الرجل الذي لا يستحي من الله أفتى بهذه الفتاوى الباطلة ومنها أنه عندما صافح سأله مذيع الجزيرة مقدم البرنامج الذي يسمونه على زعمهم الشريعة والحياة وهذه ليست من شريعة الإسلام ، من كل الحلقات والمرات والبرامج التي أعطى فيها لو أن عالما يتتبع ما فيها من زلات وسقطات ومخازي وفساد وضلالات لجاءت مجلدات ويسميها الشريعة على زعمه .
تعرفون ماذا قال في قضية المصافحة ؟ سأله المذيع قال له ما هو حكم الإسلام في المصافحة للرجل يصافح امرأة ليست زوجة ولا محرما له ، ماذا تتخيلون أن يكون جواب مفتي الناتو ؟ على زعمه يخاف على شعور المرأة وعلى إحساسها قال عاوزني أكسفها ؟ يعني هو يصافح ، والآن أنتم بعدما تنتهون من هذا المجلس ادخلوا إلى النت والغوغل واطلبوا القرضاوي يصافح فتظهر لكم الصورة اليد في اليد صريحة واضحة لا تحتاج إلى منظار ولا مكبر ولا لمختبرات .
هذا الدكتور القرضاوي يعرف الأحاديث ، الرسول عليه الصلاة والسلام قال ” إني لا أصافح النساء “
فإذا قال المحرف كحزب التحرير المسمى الإسلامي جماعة تقي الدين النبهاني هم أيضا في هذه القضية يحرفون ويستحلون ، يقول هؤلاء الجهلاء بالعامية عندنا يقولون الجوقة ، يقولون هو قال عن نفسه إني لا أصافح النساء ، هو يقول عن نفسه نعم تعليما لنا لكن إن كان هذا الحديث لا يرضيكم بزعمكم فماذا تقولون في حديث ” لأن يطعن أحدكم بحديدة في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له ” الخطاب للأمة ما قال هذا في فقط .
ثم ماذا تقولون في حديث السيدة عائشة في الصحيح ؟ ” ما مس رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط إلا امرأة تحل له “
هذا إمام الأنبياء ومعلم الناس صلى الله عليه وسلم ، إذا هذا الحكم ليس خاصا برسول الله بل لكل الأفراد .
ثم الإجماع أيضا
لكن بعض هؤلاء يحرفون الأحاديث وبعضهم يقول عاوزني أكسفها ؟
هؤلاء جماعة حزب التحرير زادوا على القرضاوي ، قالوا يجوز المصافحة والتقبيل إذا كان للتوديع ، يعني مثلا فلانة عارضة الأزياء فلانة الراقصة فلانة الرخيصة مثلا يطلع قادة حزب التحرير والقرضاوي يودعونها ويعملون خيما في المطارات يودعون ويستقبلون ، على زعمهم جبرا لخواطر البنات الساقطات والنساء الرخيصات .
واسألوا الرجل الذي فضحهم وكشفهم في طرابلس الشام في المنشورات التي نشروها في إباحة هذه القضية وذهب فناظرهم ، وهذا معروف عنهم في منشوراتهم .
ثم هؤلاء أحيانا يغطون عورهم يقولون عند أبي حنيفة يجوز ، لعنة الله عليكم ، أبو حنيفة ما قال يجوز بل قال لا ينقض الوضوء
يعني إذا لمست امرأة لا تحل لك أبو حنيفة يقول معصية ما قال قبل وضم ..
الأئمة الأربعة حرموا هذا أبو حنيفة مالك الشافعي وأحمد ، لكن بعض هؤلاء الجهلة ليغطوا عورهم يقولون عند أبي حنيفة يجوز وكذبوا ما قال هذا ، بل قال لا ينقض الوضوء مع المعصية ، يعني إذا لمسها أو صافحها أبو حنيفة يقول حرام لا يجوز لكن لا ينقض الوضوء .
اليوم كثير من أصحاب العمائم المزيفة عمائم الغري والألتيكو يقولون عن كل شىء فاسد وباطل عند أبي حنيفة ويظنون أن من يعرف المذهب الحنفي على وجه الأرض انقرضوا ، يكذبون على أبي حنيفة ويصدقون الكذب الذي هم أسسوه وأبو حنيفة بريء منهم وهو إمام معتبر مجتهد مطلق تابعي جليل إمام ولي صادق صالح ، أبو حنيفة كان الشافعي يتبرك بقبره .
اليوم يلصقون بأبي حنيفة ما هب ودرج ويقولون أبو حينفة وهو بريء منهم .
ثم بعض الناس أيضا من ناحية ثانية كفروا الإمام أبا حنيفة خارج من الإسلام وبعضهم قال ارتد وخرج من الإسلام مرتين وحوكم ، ويقولون على زعمهم أبو حنيفة أضر على الإسلام من الكافرين ويقولون ضرب الله طاقا من نار على قبره ويقولون ما خلق الله أضر على الإسلام من أبي حنيفة ، ويقولون أبو حنيفة يبيح الخمر والخنزير وكل هذا كذب وافتراء ، الوهابية أطلقوا هذا على أبي حنيفة لأنه إمام منزه مرجع يبيح التوسل والاستغاثة وهو من أئمة أهل التنزيه
وقد ألفنا في الرد عليهم وفي تبرئة أبي حنيفة وبينا أنه رضي الله عنه بريء منهم ومن هذه الافتراءات ، بينا أنه افتري عليه وكذب عليه وأنهم زنادقة دجاجلة يكفرون علماء الأمة ، كفروا الصحابة وكفروا أبو أيوب الأنصاري لأنه وضع وجهه على قبر النبي صلى الله عليه وسلم .
بل أكثر من ذلك شيخهم وإمامهم في التشبيه والتجسيم وتكفير المتوسلين والمتأولين ابن تيمية الحراني في كتابه المسمى مجموع الفتاوى يقول عن نبي الله شعيب كان مشركا ، يكفر نبيا من أنبياء الله ، فهل سيتورعون عن تكفير أبي حنيفة ؟ هل سيتورعون عن تكفير الصحابة ؟ كفروا الشافعي كفروا الإمام مالك كفروا الجنيد البغدادي كفروا القطب الرفاعي والباز الجيلاني وكل أئمة التصوف الصادقين .
قال الشيخ جميل : هذا الكتاب عملناه في الرد عليهم ” الأدلة المنيفة في نفي الكفر عن أبي حنيفة “
انظروا واحد من هؤلاء الذين لا يستحون عمل سبع حلقات في اليوتيوب في تكفير أبي حنيفة ، ولهم كتاب يسمونه السنة هو مكذوب ومفترى على الإمام أحمد وعلى ابنه عبد الله ، في هذا الكتاب كل هذه المسائل التي ذكرتها عن أبي حنيفة على زعمهم وأكثر وهم الآن طبعوه وروجوها وأعلنوا بتكفير أبي حنيفة فلا يسعنا السكوت .
واحد قال لي أنت شافعي كيف تؤلف في الدفاع عن أبي حنيفة ؟ قلت له أبو حنيفة إمام من أئمة المسلمين الشافعي لو كان موجودا كان دافع عن أبي حنيفة ، والشافعي نفسه كان يقول إنه إذا عرضت له حاجة كما روى ذلك الخطيب البغدادي في كتاب تاريخ بغداد في المجلد الأول أنه كانت إذا عرضت له حاجة يقول أتوضأ وأصلي ركعتين -يعني في بيته أو حيث هو- يقول ثم أجيء إلى قبر أبي حنيفة فأدعو عنده فما تبعد عني حتى تقضى لي .
إذا كان الشافعي يتبرك بقبر أبي حنيفة نحن من عوام الشافعية كيف لا ندافع عن أبي حنيفة ؟ الدفاع عن أبي حنيفة أو عن مالك أو عن الشافعي أو عن أحمد أو عن الجنيد أو عن الجيلاني أو عن إمام من أئمة المسلمين هذا شرف لنا ، الدفاع عنهم دفاع عن الحق ليس لأجل الأشخاص .
هذا الكتاب كفى ووفى وشفى في تبرئة أبي حنيفة وفي بيان مقامه العظيم وفي الدفاع عنه وفي تبرئته وفي الرد على هؤلاء السفهاء الذين كفروه والعياذ بالله .
الحاصل أبو حنيفة ما قال يجوز لك أن تصافح المرأة الأجنبية -يعني غير الزوجة وغير المحرم- هذه إمرأة لا تحل لك لا هي زوجة ولا هي من المحارم ، لا يجوز لك أن تصافحها ولا أن تلمسها ولا أن تختلي بها ولا أن يحصل بينك وبينها تضام وتلاصق ، فكيف يكذبون على أبي حنيفة ؟ أبو حنيفة ما قال يجوز إنما قال لا ينقض الوضوء مع المعصية ، يعني هذا الفعل حرام لكن لا ينقض الوضوء .
هذا الذي ثبت عن الأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة المعتبرين .
فإذا في مثل هذه القضية من أحلها وهو يعرف أن الإسلام حرمها كفر أما من كان لا يعرف أنها محرمة بالفعل لا يعرف ما بلغه ما سمع فقال يجوز أن يصافح الإنسان رفيقته في المدرسة زميلته في الدراسة قال يجوز لجهله ليس عنادا ، هذا يعلم ولا يكفر ، وهكذا في كثير من القضايا .
وهنا يا إخواني انتبهوا لأمر مهم وهو أن الأحكام الشرعية يعني الوجوب والتحريم والندب يعني السنة والمباح والمكروه هذه القضايا لا تدرك بالعقل تدرك بالسماع بالتلقي ، يعني الإنسان لو قعد في بيته مثلا نصف قرن وهو يفكر يفكر وحده هل سيتوصل إلى معرفة كل الفرائض وإلى معرفة كل المحرمات وإلى معرفة كل السنن وإلى معرفةكل المكروهات ؟ لا ، هذا لا يدرك بالعقل ، إذا كيف يدرك ؟ بالنقل بالسماع بالتعلم بالتلقي بأخذ العلم ، لذلك عند أهل السنة والجماعة نصرهم الله العقل ليس هو أصل الشرع إنما هو شاهد لصحة ما جاء به الشرع ، ليس كالمعتزلة الذين يقولون العقل هو الأصل لا ، إنما العقل شاهد لصحة ما جاء به الشرع .
فإذا انتبهوا لأين نريد أن نصل ؟ أن هذه القضايا الفرضية والتحريم والندب (السنية) والكراهة والإباحة هذا يدرك بالتعلم بالسماع بالتلقي وليس بالعقل .
فمن كان قريب عهد بالإسلام أو كقريب عهد بالإسلام فقال بالتحريم أو بالتحليل ليس عنادا إنما لجهله وكان بالفعل لم يسمع بالفعل ما بلغه ، في مثل هذه الأحكام والقضايا يعلم ولا يكفر ، أما لو كان بلغه وعرف أن هذا في الإسلام لو في قضية صغيرة (في نظر الناس صغيرة) فقال الإسلام حرمها ؟ أنا أقول هي حلال ، وليس شرطا هذا التعبير لو بسياق الكلام ، هو يعرف أن الإسلام حرم هذه القضية هو رجع فقال حلال أو يعرف أن الإسلام أحلها هو قال حرام هذا صار بمعنى المعارض للدين المعاند ، ففي مثل هذا يكفر .
أما إن كان جاهلا ولم يبلغه ولم يسمع ولم يعرف وكانت في المسائل الفرعية في الوجوب والتحريم والسنية والكراهة والإباحة إذا قال بخلاف الذي ورد في الشرع لجهله وليس عنادا يعلم ولا يكفر إلا إن كان عنادا أو كان عرف ثم قال هذا صار في حكم المعاند وهو كافر
ويدخل في حكم المعاند أيضا من كان كافرا وهو على الكفر عرف أن الإسلام حرم الخمر واعتقد ذلك وصدقه وهو ما زال كافرا ثم أسلم ، بعد ما أسلم بخمس دقائق قال الخمر حلال ليست حراما ، وقبل أن يسلم كان يعتقد أنها محرمة في الإسلام ، هذا أيضا يكفر لأنه صار معاندا لأنه كان يعتقد قبل أن يسلم وأسلم وهو يعتقد أنها محرمة ، بعدما أسلم بدقيقة واحدة قال هي حلال صار معاندا للدين معارضا مكذبا ، فهذا يلزمه أن يتشهد .
وهذه القاعدة الأخيرة التي ذكرتها تنفي الكثير من المشاكل وتريح من كثير من القضايا والقلاقل ، وهي أن الوجوب (الفرضية) والتحريم والندب والكراهة والإباحة كل هذا يدرك بالسماع بالتلقي بالتعلم وليس بالعقل لأجل أن لا تتسرعوا في تكفير من قال بخلاف ذلك جهلا وليس عنادا ، لأجل أن لا يتسرع متسرع فيحكم بالكفر على من لم يكفره الشرع ، على من لم يكفره الإسلام
وهذه مسئلة من لم يبلغه ومن كان قريب عهد بالإسلام أو كقريب عهد بالإسلام أو نشأ في بادية بعيدة عن العلماء أو كان متأولا تأويلا معتبرا يدفع عنه التكفير، كل هذه القوعد تدفع التكفير وتعلمنا التريث وعدم الاستعجال وعدم التسرع في الحكم ، فالتسرع بالكفر على الإنسان الذي لم يكفر أمر خطير
(في بعض الحالات المكفر هو يكفر) وفي بعض الحالات ولو كان متأولا وبسبب تأوله لا يكفر لكنه لا يسلم من الكبيرة ، لا يسلم من الذنب الكبير.
لذلك يا إخواني ويا أخواتي لا تتسرعوا بالتكفير ولا تعجلوا إلى التكفير .
أما ما كان في أصول العقيدة ففي مثل هذا لا يعذر لا قريب عهد بإسلام ولا كمن هو كقريب عهد بالإسلام ولا المتأول المخطىء ، كل هؤلاء لا يعذرون يكفرون بالإجماع
كالذي ينكر الصفات الذاتية لله تعالى ، كالذي ينسب الله تعالى إلى الظلم إلى العجز إلى الجهل هذا كافر بالإجماع ، والذي لا يكفره كافر معه ، كالذي يقول والعياذ بالله تعالى إن الله جاهل ، كالذي يقول إن الله تعالى قاعد على العرش ، كالذي يقول إن الله تعالى جسد ، يعني أنكر صفة من الصفات الثلاث عشرة أو شك فيها أو كفر الأنبياء أو نسبهم إلى اللواط والزنا ، ففي مثل هذا لا يعذر ، في من يعبد غير الله ، فيمن يسب الله فيمن يشرك بالله ، فيمن يعظم الشرك والكفر ويمدح الشرك والكفر ويشبه الله بخلقه ويعتقد أن الله تعالى حال فيه ، في مثل هذه القضية لا ينفعه لا التأويل ولا الجهل ولو كان كقريب عهد بالإسلام.
أما القضايا الأولى الخمسة التي بينا تلك تدرك بالسماع وليس بالعقل أما مسئلة الصفات الثلاث عشرة وعصمة الأنبياء وما شابه من أصول العقيدة هذا بالعقل يدرك لا يعذر فيه الجاهل مهما بلغ به الجهل ، كالذي يقول مثلا الله جالس ، هذا لا عذر له هو كافر ومن شك في كفره كافر .
فإذا انتبهوا لهذه القواعد المهمة وانتبهوا لهذه المسائل لأن اليوم يغلب الجهل على أكثر الناس فلا بد لنا من العلم .
وأذكركم يا إخواني ويا أخواتي أننا من أول يوم من رمضان مجلسنا هذا سيتحول إلى وقت صلاة العصر بتوقيت بيروت لأننا سنكون في المسجد للذين في البلد في جامع البسطة الفوقا كل يوم عصرا رجالا ونساء ، والذين هم خارج البلد سيتابعون إن شاء الله عبر الصفحة ، لن نغيب عنكم ولن نترككم إنما سنكون يوميا معكم
ادعوا الرجال والنساء والأطفال والكبار والصغار ليحضروا معكم وليشاركوا هذا الدرس اليومي المركزي العصر والذين في البلد ليحضروا إلى المسجد وباقي مساجد ومصليات الجمعية ليستفيدوا وليتعلموا والذين هم خارج البلد إنما يكونون عبر الصفحة ، فتداعوا إلى هذا الخير
نحن غدا معكم إن شاء الله ومن أول يوم من رمضان ينتقل المجلس إلى العصر بتوقيت بيروت .
رمضان فرصة العمر التي قد لا تتكرر ، رمضان موسم لنتفقه في الدين لنحصل الفوائد لنعمل لنجتهد في الطاعات والعبادات .
كما وأنني أذكركم أن تشاركوا بمراقبة هلال رمضان عملا بالحكم الشرعي لأنه من الفروض الكفائية ، من الفروض الكفائية مراقبة الأهلة للشهور العربية ليس فقط لشهر رمضان لأنه يتعلق بذلك أحكام شرعية عديدة
بارك الله بكم غفر الله لي ولكم بلغني الله وإياكم رمضان وأعاننا على الصيام والقيام وأعتق رقابنا ورقابكم من النار وأكرمنا وإياكم برؤية ليلة القدر وفقهنا في الدين ورزقنا العمل بالعلم مع التقوى والصدق والإخلاص إنه على كل شىء قدير
لا تنسونا من دعواتكم بارك الله بكم
والحمد لله رب العالمين
خالد الجندي يبيح: ما هو مجمع على حرمته
قال خالد الجندي في برنامج «خليك بالبيت» في تلفزيون المستقبل لبنان: «لو انتو قرأتو كتاب فتاوى معاصرة لأستاذنا العلامة النحرير الفهامة الدكتور يوسف القرضاوي فقال اقرأ كده عامل بحث في عدم تحريم مصافحة المرأة الأجنبية، وأتحدى لو واحد جاب حديث واحد يقول لا تصافحوا النساء وأتحدى لو واحد جاب حديث فيه النهي لا تصافحوا النساء. قال لا نقول إنها حرام بحال من الأحوال».
الرد: اعلم أن تحريم مصافحة الرجل المرأة الأجنبية المشتهاة بلا حائل حرام مجمع عليه وهذا معلوم من قوله صلى الله عليه وسلم: «إني لا أصافح النساء». والرسول قدوتنا قال الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [سورة الأحزاب: 21]، والله تعالى يقول: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [سورة الحشر: 7]، والله تعالى يقول: {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [سورة الأحزاب: 71].
وأما قولك يا خالد إن هذا من خصائص الرسول فهذا افتراء؛ لأن القاعدة الأصولية تقول: «لا تثبت الخصوصية إلا بدليل» فأين دليلك في كون ذلك خاصا بالرسول، وهذه الكتب المؤلفة بالخصائص لم تذكر هذا.
ثم الحديث الذي رواه الطبراني رحمه الله وقال عنه الحافظ ابن حجر: «حديث حسن»، وقال الحافظ الهيثمي في «المجمع»: «ورجاله رجال الصحيح»، وهذا الحديث لو لم يكن غيره لكفى في حرمة مصافحة المرأة الأجنبية فقد قال عليه الصلاة والسلام: «لأن يطعن أحد في رأسه بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له». فالمس في هذا الحديث، معناه: الجس باليد ونحوها ليس الجماع كما زعمت التحريرية؛ لأن راوي الحديث معقل بن يسار فهم من الحديث خلاف ما تدعيه التحريرية.
وأما قولك لا تحرم المصافحة بحال من الأحوال هذا تكذيب للدين ورد للنصوص، وهذا افتراء على الشريعة، فقد وافقت حزب التحرير في فتواك بجواز مصافحة المرأة الأجنبية بلا حائل. وقد أخبر الرسول في الحديث أن العين تزني وأن اليد تزني روى مسلم في صحيحه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «فالعينان زناهما النظر» وقال: «واليد زناها البطش» – والبطش: هو الإمساك باليد؛ لأن البطش في اللغة له معنيان؛ أحدهما: الأخذ بعنف، والثاني: عمل اليد. قال الفيومي في «المصباح»: «بطشت اليد أي عملت»، والمراد بالبطش الوارد في الحديث «وزنى اليد البطش» هو الإمساك باليد بالمصافحة أو غمز الشيء من بدنها للتلذذ والاستمتاع بها أو لغير ذلك ونحو ذلك بدون حائل فلو لم يرد إلا هذا النص الشرعي لكفى، فلا جواب لك عن هذا الحديث.
وقال العراقي في «طرح التثريب» (7/45): «وقد قال الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أنه يحرم مس الأجنبية ولو في غير عورتها كالوجه». فبعد هذا البيان تقول ارجعوا إلى فتاوى القرضاوي، أنأخذ بقول رسول الله وبقول العلماء العاملين وإجماع الأمة أم بقولك وقول القرضاوي ما هذا؟ ثم تتحدى وتقول أتحدى أن يأتي أحد بحديث واحد أتحسب أن العلماء انقطعوا أم خلت الأرض منهم هذه عدة أحاديث وفي هذا الرد حجة عليك فأعد للسؤال جوابا يوم القيامة.
قال خالد الجندي (ص205) في كتابه «فتاوى معاصرة»: «لا يجوز لمن عقد عقد النكاح على امرأة أن يقترب منها أو يمسها أو يحتضنها».
الرد: ما هذا التخبط العجيب يا خالد كيف قلت قبل هذا يجوز للرجل مصافحة المرأة الأجنبية والآن تحرم عليه مصافحة زوجته التي أحلها الله له، وهل يقبل بكلامك عاقل أم لك شهوة في تغيير الدين وإضلال الناس، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهذا الكلام الذي ذكرته لا أصل له؛ لأنه إذا عقد عليها عقدا شرعيا، أي: عقد النكاح فلمسها أو احتضنها أو اختلى بها هذا ليس حراما بالإجماع وهو من المعلوم من الدين بالضرورة ولا حاجة لسوق الأدلة على ذلك بل سوق الأدلة على ذلك كمن يسوق الأدلة على وجود الشمس في رابعة النهار ليس دونها سحاب، لأنها زوجته شرعا.
وقال الإمام زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهما في «الصحيفة السجادية»
: «سبحانك أنت الله لا إلـٰه إلا أنت لا يحويك مكان لا تحس ولا تمس ولا تجس» رواه الحافظ محمد مرتضى الزبيدي في «إتحاف السادة المتقين». ويكفي في تنزيه الله عن المكان والحيز والجهة قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [سورة الشورى: 11] فلو كان له مكان لكان له أمثال وأبعاد وطول وعرض وعمق ومن كان كذلك كان محدثا محتاجا لمن حده بهذا الطول وبهذا العرض وهذا العمق، هذا الدليل من القرءان، أما من الحديث فما رواه البخاري وابن الجارود والبيهقي بالإسناد الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان الله ولم يكن شيء غيره»، ومعناه: أن الله موجود في الأزل ليس معه غيره لا ماء ولا هواء ولا أرض ولا سماء ولا كرسي ولا عرش ولا جني ولا ملائكة ولا زمان ولا مكان ولا جهات، فهو تعالى موجود قبل المكان بلا مكان، وهو الذي خلق المكان فليس بحاجة إليه. وهذا ما يستفاد من الحديث المذكور. قال الإمام أبو حنيفة في «الفقه الأبسط»: «كان الله ولا مكان، كان قبل أن يخلق الخلق، كان ولم يكن أين ولا خلق ولا شيء وهو خالق كل شيء». «فمن قال لا أعرف ربي أفي السماء أم في الأرض فهو كافر». كذلك من قال إنه على العرش ولا أدري العرش في السماء أم في الأرض. وإنما كفر الإمام علي قائل هاتين العبارتين لأنه جعل الله مختصا بجهة وحيز وكل ما هو مختص بالجهة والحيز فإنه محتاج إلى محدث بالضرورة أي بلا شك.
مدار الحكم على من وصف الله بالجسمية أو الجهة
فأكفر هؤلاء العلماء كما رأيت فيما تقدم من النقول من زعم أن البارئ جسم متركب مؤلف محدود، أما من لم يدرك معنى الجسم في لغة العرب، ظنا منه أن معناه مقصور في اللغة على الموجود مثلا، إن كان حاله في ذلك أنه كالأعجمي، ولم يصفه مع ذلك بمعانى الأجسام، فلم يكفروه أي مع كونه سماه جسما، وأكفروا من زعم أن الله سبحانه يرى كما ترى المرئيات بالمقابلة أو المحاذاة أو في مكان حالا فيه دون مكان ولم يزعموا أنه يرى لا كالمرئيات.
تنبيه إلى خيانة خطيرة:
قال جلال علي الجهاني في مقدمته التمهيدية على أجوبة إمام الحرمين على مسائل الصقلي: ثم اطلع عليها الأستاذ الكبير العلامة المحقق سيدي أبو الفداء سعيد فودة حفظه الله تعالى، وكتب عليها تعليقات نفيسة ومحررة، فجزاه الله خير الجزاء على ذلك الجهد، فكل ما تراه من تعليقات فهي من الأستاذ الكبير.
وكتب الشيخ أبو محمد عبد الحق بن محمد بن هارون الصقلي إلى الإمام أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني النيسابوري، على مسائل، فأجابه، والجواب مشتمل على السؤال، فلا معنى للتطويل بإيراد السؤال، وذلك بمكة – حرسها الله – عام خمسين وأربعمائة.
وقد فوجئنا بعنوان خبيث، وهو قولهم: إثبات سمة العارفين لمن قال: إن الله تعالى جسم لا كالأجسام.
بينما العنوان المطبوع في المعيار المعرب[(1005)] نصه هو التالي: اعتقاد البعض أن الله عظيم كالأجسام العظيمة.
وتابع ناقلا: «حرس الله الشيخ الجليل الأوحد، وأدام عزه، وأجزل من كل موهبة مؤيده، والحمد لله كفاء أفضاله، والصلاة على سيدنا محمد وآله.
هذا وقد وقفت على عزيز خطابه، وأحطت علما بمضمون كتابه، فألفيته محتويا على مسائل: منها مسألة صادفتها منطوية على اعتقاد بعض العوام، أن الله سبحانه عظيم كالأجسام العظيمة، التي تعظم بكثرة الأجزاء، والمسألة عن إثبات سمات العارفين لمن هذا وصفه ، فأقول – والله المستعان وعليه التكلان -:
إن هذا مما اختلف فيه مذاهب الأئمة ، وأنا أذكر الأرجح والأوضح إن شاء الله تعالى.
اتفق المحققون أن من أسند نظره في حدوث العالم وأفضى به الدليل إلى العلم به، ثم نظر فتحقق لديه أن العالم الحادث الذي يجوز تقدير حدوثه ويجوز تقدير استمرار عدمه – إذا اختص بالحدوث افتقر إلى محدث مخصص.
فإذا قاد الناظر نظره وسلم من الآفات والعاهات المانعة من استمرار النظر، فهو عالم بالمحدث، وعارف بصانع العالم على الجملة، وإن لم ينظر فيما يجب لله من الصفات وفيما يجوز عليه وفيما يجب تقديسه وتنـزيهه عنه .
فأما من اعتقد في صفات الباري ما يتقدس الرب عنه، نحو أن يعتقد في صفات الإله ما اشتملت المسألة عليه، فقد اختلفت طرق الأئمة فيه:
فصارت طائفة منهم إلى أن من اعتقد أن الرب عظيم بالذات، على معنى كثرة الأجزاء وتركيبها في تأليفها، وأنه عز وجل مختص ببعض الجهات والمحاذات، وأن الأجسام المحدودة والأجرام المتقررة بأقطارها وآثارها تقابله في بعض جهاته، فهو غير عالم بالله رب العالمين.
فإنه علق معتقده بموجود ليس بإله، بل هو على صفات المخترعات وسمات المحدثات، فقد اعتقد موجودا غير الإله، واعتقد الإلهية [فيه]، فينزل منزلة من يعتقد أن الأصنام آلهة!!
فهذا مذهب بعض الأئمة، وهو الذي لا يصح غيره ، وقد ارتضاه القاضي في «نقض النقض».
وذكر في باب الهداية في باب تكفير المتأولين طريقة أخرى، فقال: الجهل بالصفات لا يضاد العلم بالصانع على الجملة، كما أن الغفلة عن الصفات والذهول عنها علما وجهلا في ابتداء النظر لا ينافي العلم بالصانع، وكل ما لا ينافي الغفلة عند العلم بالمعلوم والجهل به، لا ينافي العلم به أيضا، اعتبارا بكل معلومين.
فعلى هذه الطريقة قال في مثبتي الجهة: هم عالمون بما فيه، كافرون بصفاته جاهلون .
ثم وجه على نفسه سؤالا وانفصل عنه فقال: لو قال قائل: يلزم على موجب القاعدة التي مهدتموها أن [لا] تطلقوا القول بأن النصارى كافرون بالله جاهلون به، بل تقولوا: هم كافرون بصفات الإله، كاستحالة الحلول عليه !!
فقال مجيبا: قد أجمعت الأمة على تكفيرهم وتجهيلهم، فاستبان لنا بالإجماع أنهم غير عارفين بالله وأنهم مقلدون غير مستيقنين، إذ لا تجتمع الأمة على الباطل، فلم يعرف كفرهم بالله من حيث وصفوه بما يتقدس عنه، بل عرفنا ذلك بنصوص الكتاب.
والكلام في هذا يطول، فرأيت إيثار الاختصار، واختيار الاقتصار على ما يقع به الاكتفاء أحرى» اهـ.
تأمل أخي القارئ إلى الآتي:
قوله: «فهذا مذهب بعض الأئمة، وهو الذي لا يصح غيره » اهـ.
ثم قوله: «فعلى هذه الطريقة قال في مثبتي الجهة: هم عالمون بما فيه، كافرون بصفاته جاهلون » اهـ.
تلاحظ أنه في الطريقتين قد توصل الأئمة إلى تكفير المجسم، وإنما اختلفوا في وجه الدلالة على كفرهم لا غير.
ولكن الفساد وقع في العنوان الخطير المناقض لمضمون كلام إمام الحرمين، وهو ما أشرنا إليه من قبل أننا فوجئنا به، وهو قولهم: إثبات سمة العارفين لمن قال: إن الله تعالى جسم لا كالأجسام، بينما العنوان المطبوع في المعيار المعرب (11/231) هو التالي: اعتقاد البعض أن الله عظيم كالأجسام العظيمة، وهي خيانة خطيرة .
على أن لإمام الحرمين الجويني كتب أخرى تؤكد ما قلناه هنا ومنها كتابه الإرشاد، وفيه ما نصه: « ومذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيز والتخصيص بالجهات.
وذهبت الكرامية وبعض الحشوية إلى أن البارئ، تعالى عن قولهم، متحيز مختص بجهة فوق، تعالى الله عن قولهم، ومن الدليل على فساد ما انتحلوه أن المختص بالجهات يجوز عليه المحاذاة مع الأجسام، وكل ما حاذى الأجسام لم يخل من أن يكون مساويا لأقدارها، أو لأقدار بعضها، أو يحاذيها منه بعضه، وكل أصل قاد إلى تقدير الإله أو تبعيضه فهو كفر صراح» [(1006)] اهـ.
وقال رحمه الله: «فذهبت طوائف إلى وصف الرب بما يتقدس في جلاله عنه، من التحيز في جهة حتى انتهى غلاة إلى التشكيل والتمثيل تعالى الله عن قول الزائغين. والذي دعاهم إلى ذلك طلبتهم ربهم من المحسوسات، وما يتشكل في الأوهام ويتقدر في مجاري الوساوس، وخواطر الهواجس ، وهذا حيد بالكلية عن صفات الإلهية، وأي فرق بين هؤلاء وبين من يعبد بعض الأجرام العلوية »[(1007)] اهـ.
وقال: «ثم ما يحاذي الأجرام يجوز أن يماسها، وما جاز عليه مماسة الأجسام ومباينتها كان حادثا، إذ سبيل الدليل على حدث الجواهر قبولها للماسة والمباينة على ما سبق. فإن طردوا دليل حدث الجواهر، لزم القضاء بحدث ما أثبتوا متحيزا؛ وإن نقضوا الدليل فيما ألزموه، انحسم الطريق إلى إثبات حدث الجواهر»[(1008)] اهـ.
وقال: «ثم الاستواء بمعنى الاستقرار بالذات ينبئ عن اضطراب واعوجاج سابق، والتزام ذلك كفر»[(1009)] اهـ.
وقال: «فإن قيل: هلا أجريتم الآية على ظاهرها من غير تعرض للتأويل، مصيرا إلى أنها من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله، قلنا: إن رام السائل إجراء الاستواء على ما ينبئ عنه في ظاهر اللسان، وهو الاستقرار، فهو التزام للتجسيم؛ وإن تشكك في ذلك كان في حكم المصمم على اعتقاد التجسم، وإن قطع باستحالة الاستقرار، فقد زال الظاهر، والذي دعا إليه من إجراء الآية على ظاهرها لم يستقم له، وإذا أزيل الظاهر قطعا فلا بد بعده في حمل الآية على محمل مستقيم في العقول مستقر في موجب الشرع. والأعراض عن التأويل حذرا من موقعة محذور في الاعتقاد يجر إلى اللبس والإيهام، واستنـزال العوام، وتطريق الشبهات إلى أصول الدين، وتعريض بعض كتاب الله تعالى لرجم الظنون والمعنى بقوله تعالى: {…وأخر متشابهات} الآية، مراجعة منكري البعث لرسول الله صلى الله عليه وسلم في استعجال الساعة، والسؤال عن منتهاها وموقعها ومرساها. والمراد بقوله تعالى: {…وما يعلم تأويله إلا الله} ، أي وما يعلم مآله إلا الله، ويشهد لذلك قوله تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله} الآية، والتأويل فيها يحمل على الساعة في اتفاق الجماعة[(1010)].
قال إمام الحرمين الجويني: “فصل في أن الله ليس جسما خلافا للكرامية:
صرحت طوائف من الكرامية بتسمية الرب تعالى عن قولهم جسما، وسبيل مفاتحتهم بالكلام أن نقول: الجسم هو المؤلف في حقيقة اللغة، ولذلك يقال في شخص فضل شخصا بالعبالة[(1011)] وكثرة تآليف الأجزاء إنه أجسم منه وإنه جسيم، ولا وجه لحمل المبالغة إلا على تآلف الأجزاء. فإذا أنبأتنا المبالغة المأخوذة من الجسم على زيادة التأليف، فاسم الجسم يجب أن يدل على أصل التأليف؛ إذ الأعلم لما دل على مزية في العلم، دل العالم على أصله.
ثم نقول: إن سميتم البارئ تعالى جسما وأثبتم له حقائق الأجسام، فقد تعرضتم لأمرين: إما نقض دلالة حدث الجواهر، فإن مبناها على قبولها للتأليف والمماسة والمباينة؛ وإما إن تطردوها وتقضوا بقيام دلالة الحدث في وجود الصانع. وكلاهما خروج عن الدين، وانسلال عن ربقة المسلمين.
ومن زعم منهم أنه لا يثبت للبارئ تعالى أحكام الأجسام، وإنما المعنى بتسميته جسما الدلالة على وجوده؛ فإن قالوا ذلك قيل لهم: لم تحكمتم بتسمية ربكم باسم ينبئ عما يستحيل في صفته، من غير أن يرد به شرع أو يستقر فيه سمع، وما الفصل بينكم وبين من يسميه جسدا»[(1012)] اهـ.
وقال الإمام الجويني أيضا: «فصل مشتمل على ذكر شبه المجسمة والانفصال عنها: ومما تمسكوا به أن قالوا: قد ثبت أن القديم تعالى مخترع على الحقيقة، ثم تدبرنا أحوال الفاعلين شاهدا، فلم نجد فاعلا ليس بجسم، بل استحال ذلك في الشاهد، فيجب القضاء بذلك على كل فاعل. قالوا: وهذا كما أن الواحد منا لما استحال أن يكون عالما من غير علم، لزم طرد ذلك شاهدا وغائبا. وربما يستشهدون في شبههم هذه بالوجود فيقولون: لما علمنا وجوب الوجود للفاعل منا، قضينا بذلك على كل فاعل. فإذا وجب ذلك في وصف الوجود، وجب في الذي تنازعنا فيه.
وهذا الذي ذكروه غير سديد من أوجه: أحدها أن نقول: قد بنيتم كلامكم على كون الفاعل جسما في الشاهد، وهذا مما تمنعون منه. فإن الفاعل عندنا: كل جوهر فرد، فلا تتصف جملة بأنها تفعل فعلا واحدا. وإذا حرك المحرك يده على الاختيار واقتدار، فلا نقول صدرت الحركات من جملة اليد، بل صدر من كل جزء من أجزاء اليد حركة اختص ذلك الجوهر باكتسابها. فاستبان بذلك أن ما ادعوه في الشاهد فهم منه ممنوعون، وعن الاستدلال به مدفوعون. ويتضح ما قلناه بأن نعلمهم أن الرب تعالى لو خلق جوهرا فردا، وخلق له الحياة والعلم والقدرة، لكان ذلك ممكنا جائزا.
واعلموا أنه ليس من فرق المجسمة من ينكر ذلك، وإنما أنكره المعتزلة دون غيرهم من أصحاب المذاهب. فوضح بذلك بطلان ما عولوا عليه من أمر الشاهد. ثم لو سلم لهم جدلا ما ادعوه شاهدا، وقلنا لهم: كل فاعل من المحدثين جسم فليس في ذلك مستروح. فإن ذلك وإن سلم لهم تقديرا، فلسنا نقول: إنما كان الجسم حيث كان فاعلا، فلم نوجب القضاء بذلك على كل فاعل.
ثم أقصى ما تمسكوا به رد الغائب إلى الشاهد من غير تحقيق جمع بينهما. والتمسك بهذه الطريقة يجر إلى الدهر والإلحاد ونفي الإله. إذ لو قال قائل: لم نعقل فاعلا محسوسا إلا حادثا، فيجب طرد ذلك . أو قال قائل: لم نشاهد بشرا إلا من نطفة ولا نطفة إلا من بشر، فيلزم القضاء بذلك إلى غير أول، فلا يكون المجسم فيما ذكره أسعد حالا ممن يسلك هذه الطرق التي أشرنا إليها. وسنوضح إن شاء الله إبطال الاستشهاد بالشاهد على الغائب من غير علة ودليل وشرط وحقيقة إن شاء الله.
وأما ما أسندوا إليه كلامهم من إثبات العلم شاهدا وغائبا فساقط. فإنا لم نقتصر في ذلك على مجرد الشاهد، بل أقمنا الدلالة على كون العلم علة في كون العالم عالما. ثم من شأن العلة أن تطرد ولو لم تطرد لبطل كونها علة في كل صورة.
وأما الذي استروحوا إليه من الوجود فباطل. فإنا لم نتوصل إلى العلم بوجود البارئ من حيث وجب للفاعل منه الوجود، بل إنما أثبتنا ذلك بطرق نوضحها إن شاء الله في الصفات، منها: أن العدم نفي محض، والجمع بين تقديره وبين إثبات الصانع تناقض. فهذا سبيل الاستدلال، لا ما استروحوا إليه من وجود الشاهد.
ومما تمسك به المجسمة أن قالوا: المعلومات تتقسم إلى ما يعلم اضطرارا، وإلى ما يعلم استدلالا. وما يعلم استدلالا يستند العلم به إلى المعلوم اضطرارا. فإن كل دليل عقلي ينتهي في مساقة إلى الضروريات بدرجة أو درجات.
قالوا: فإذا ثبت ذلك بنينا عليه مقصودنا وقلنا: العلم بالإله وكونه فاعلا ليس من خبر الضروريات، بل يستدل عليه بكون لمحدث فاعلا. ثم من شـأن المدلول أن يشابه الدليل: إما من جميع الوجوه، وإما من بعض الوجوه. ومن المستحيل المصير إلى أن القديم سبحانه وتعالى لا يشابه المحدث الفاعل بوجه من الوجوه. فإنا لو قلنا ذلك، لزمنا منه نفي الوجود عن الإله، وذلك تعطيل. فإذا لم يكن بد من تثبيت المشابهة من بعض الوجوه، فينبغي أن يقال: ما يستحيل تقدير وقوع الفعل دونه يجب طرده في كل فاعل اعتبارا بالوجود، قالوا: والتركيب مما يستحيل تقدير وقوع الفعل دونه، فوجب طرده.
وهذا الذي ذكروه اقتصار على محض الدعوى. فمما اشتمل عليه كلامهم قولهم: إنا نستدل على كون القديم فاعلا بكوننا فاعلين، وليس الأمر على ما قدروه، فإن كون القديم فاعلا مخترعا يمكن الاستدلال عليه مع الإضراب عن الاستشهاد بالفاعلين المحدثين.
والسبيل في ذلك أن يقال: إذا ثبت جواز الفعل واستحالة وقوعه بنفسه، ثبت افتقاره إلى فاعل مخصص. فوضح بطلان قاعدة المشبهة.
ومما يشتمل عليه كلامهم مصيرهم إلى وجوب مماثلة الدليل المدلول، ولو من بعض الوجوه. وهذا جهل منهم بمواقع الأدلة . ولا غرو، فهم متطفلون بالتمسك بطرائق العقل، وقد يستدل بالعدم على الوجود، وبالوجود على العدم، فبطل قول من ادعى مماثلة المدلول الدليل.
ومما انطوى عليه كلامهم، وهو من أعظم الزلل في الدين، إفصاحهم بمشابهة الرب سبحانه وتعالى الفاعل المحدث من بعض الوجوه. وقد أبطلنا ذلك في باب التماثل. واسلك معهم – إن دعت الحاجة إلى تقرير ذلك – طريق القول بنفي الأحوال ليتبين في أوجا ما تقدر استحالة التماثل من وجه مع الاختلاف من وجه. ثم نقول: ألستم قلتم لا يجب مشابهة الدليل المدلول من كل وجه، فلم زعمتم أن التركيب من الوجوه التي يجب الاشتراك فيها؟ فإن رجعوا فقالوا: لا نعقل فاعلا ليس بجسم، فهو عود منهم إلى الشبهة الأولى. وقد قدمنا في ذلك قولا مقنعا.
ومما استدل به الكرامية أن قالوا: الموجود ينقسم إلى ما يقوم بنفسه، وإلى ما لا يقوم بنفسه، وليس بينهما منزلة ليست في أحدهما، كما أن الموجود لا يخرج عن أن يكون صفة أو موصوفا. قالوا: والقائم بالنفس هو المتحيز. وهذا الذي ذكروه لا محصول له.
أما قولهم: ينقسم الموجود إلى ما يقوم بنفسه وإلى ما لا يقوم بنفسه، فصحيح لا مناكرة فيه. وأما قولهم: القائم بالنفس هو المتحيز، ففي هذا أعظم التنازع. فلم قلتم إن القائم بالنفس هو المتحيز، فلا يرجعون عند هذه الطلبة إلى محصول إلا إلى التمسك بمجرد الشاهد، وقد أبطلناه.
ثم نقول: أنى يستقيم ذلك منكم معاشر الكرامية، وقد خرجتم عن المعقول، فأثبتم كائنا ليس بصفة ولا موصوف، وذلك أن من حقيقة أصلهم: أن ما يقوم بذات الله تعالى من الحوادث، تعالى الله عن قولهم، ليست بصفات. إذ لا يتصف القديم بها عندهم، بل يقوم به قول حادث وهو غير قائل به، وقد خرج عن أن يكون صفة له. والصفة ليست بموصوفة على أصولهم. فقد أثبتوا قسما بين الصفة والموصوف.
ومما نعارضهم به أن نقول: قد أثبتم بين القديم والمحدث رتبة خارجة من القسمين، فكيف تستبعدون قائما بالنفس خارجا عن صفة التحيز ولم تستبعدوا شيئا خارجا عن وصف المحدث والقديم؟
ثم نقول: إن كان مرجعكم إلى الشاهد، فكل ما لا يقوم بنفسه شاهدا عرض، كما أن الذي يقوم بنفسه متحيز. فإن لزم طرد التحيز في القائم بالنفس، لزم طرد وصف العرض فيما لا يقوم بنفسه، حتى يجب من ذلك الحكم بكون علم الله عرضا من حيث كان غير قائم بنفسه.
وقد ناقشهم بعض أئمتنا في إطلاق القيام بالنفس وقال: الجوهر ليس بقائم بنفسه، وإنما القائم بالنفس هو الله تعالى. وقد قال شيخنا أبو الحسن في بعض مناظراته مع البغداديين: لا حقيقة للقائم بالنفس شاهدا وغائبا. قال: وذلك رد على أسقف من أساقفة النصارى. واستدل على ذلك بأن هذه اللفظة لم يرد بها شرع، وهي غير سديدة في موجب الإطلاق، إلا أن يتجوز بها توسعا، وهي موهمة قياما. ولا معنى لمناقشتهم في العبارات ما دمنا نجد سبيلا إلى التعرض للمعاني.
ومما تمسك به جملة الكرامية أن قالوا: لو أخبر مخبر عن رؤية فاعل ليس بجسم، كان مستنكرا على الوجه الذي نستنكر قول القائل: رأيت السواد والبياض مجتمعين في المحل الواحد.
وهذا الذي قالوه خلف من القول لا محصول له، ويتبين الغرض فيه بتقسيم، وذلك أنا نقول: إن ادعيتم جريان المتنازع فيه واجتماع الضدين مجرى واحدا في الاستحالة، فإنكم منازعون فيه. وإن ادعيتم الجمع بينهما في محض الاستنكار فهو مسلم ولا مستروح. فإن خوارق العادات يستنكر وقوعها، وإن كانت من الجائزات المقدورات. ولو أخبر مخبر عن غيض البحار، وتقلع الجبال إلى غير ذلك من خوارق العادات، لا يستنكر قوله. ثم لم يتضمن ذلك إخراج ذلك من الجائزات.
ومما يوضح ذلك أن الكرامية والمجسمة، وإن وصفوا القديم بكونه جسما، تعالى الله عن قولهم، لم يصفوه بكونه صورة على ما ذهب إليه الغلاة من المشبهة.
ثم لو قال قائل: رأيت فعالا ليس بصورة ولا جوارح، كان ذلك مستنكرا في العادة، وإن كان القديم عندهم غير متصور، ولا متصف بالجوارح. فبطل ما قالوه من كل وجه.
ومما تمسك به المجسمة أن قالوا: إذا قلتم أن القديم شىء واحد لا يقبل الانقسام والتبعض، فيلزم منه أن يكون أصغر الأشياء وأقلها، فإن الجوهر الفرد لما لم يكن متركبا كان أقل قليل، وهذا ضرب من السخف والحبال. فإن الصغير يعبر به عن الأقدار، وإنما يتصف بالقدر ما له حظ من المساحة، وإنما تمسح ما له جرم وتحيز. وما يستحيل تحيزه، لا يتصف بالأقدار ولا يثبت له حظ من المساحة.
والذي يوضح ما قلناه أن المجسمة إن وافقونا في إثبات أن علم الله تعالى متعلق بالمعلومات التي لا تتناهى، لم يجب أن يقال: العلم من حيث لم ينقسم يتصف بالصغر والقلة، فبطل ما قالوه كل من وجه. فهذه جمل كافية في الرد على من أثبت لله حقيقة الأجسام»[(1013)] اهـ.
ليس ذلك فحسب، بل إنك تقرأ في نفس المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب ما نصه:
قال أحمد الونشريسي: «[لا ينفع النطق بكلمة التوحيد مع جهل معناها]..
وسئل سيدي أحمد بن عيسى فقيه بجاية عمن نشأ بين ظهراني المسلمين وهو يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ويصلي ويصوم، إلا أنه لا يعرف ما انطوت عليه الكلمة العليا فيما يعتقده لعدم معرفته بها، إذ اعتقاد شيء فرع المعرفة به، كالذي يقول لا أدري ما الله ورسوله، ولا أدري من هو الأخير منهما، أو لا أفرق بينهما أو غير ذلك من كلام لا يمكن معه معرفة الوحدانية ولا الرسالة، وإنما يقول سمعت الناس يقولون هذه الكلمة فقلتها ولا أدري المعنى الذي انطوت عليه ولا أتصور صحته ولا فساده ولا أدري ما أعتقد في ذلك بوجه ولا أعبر عنه بلساني ولا غيره، لأن التعبير عن الشيء فرع المعرفة به وأنا لا أعرفه. فهل يكتفي في إيمانه بمجرد النطق بالشهادتين والصلاة والصيام وغير ذلك من أركان الإسلام ويعذر بجهل معنى الكلمة؟ أو لا بد من معرفة المعنى الذي انطوت عليه الكلمة العليا من الوحدانية والرسالة وإلا لم يكن مؤمنا. فأجاب الحمد لله. من نشأ بين أظهر المسلمين وهو ينطق بكلمة التوحيد مع شهادة الرسول عليه السلام ويصوم ويصلي إلا أنه لا يعرف المعنى الذي انطوت عليه الكلمة الكريمة كما ذكرتم، لا يضرب له في التوحيد بسهم ولا يفوز منه بنصيب ولا ينسب إلى إيمان ولا إسلام، بل هو من جملة الهالكين وزمرة الكافرين، وحكمه حكم المجوس في جميع أحكامه إلا في القتل، فإنه لا يقتل إلا إذا امتنع من التعليم. وكذلك الطلاق إذا ظن بالمطلق أنه قصد بدعواه الجهل بمعنى الكلمة الكريمة إباحة البائن، كالرجل يبين زوجته ثم يدعي الجهل بمعنى الكلمة الكريمة أو غير ذلك مما يقتضي الكفر فيظن به أنه قصد بذلك إباحة المحظور فإنه لا يصدق في دعواه ذلك ويلزمه الطلاق، إلا أن يعرف ذلك منه قبل الطلاق وهي حينئذ في عصمته على ما يعتقد ببينة عادلة أو ما يقوم مقامها. وكذلك المرأة إذا ظن بها أنها قصدت بذلك إباحة الممتنع فإنها لا تصدق في دعواها ولا تحل لزوجها إلا أن يعلم ذلك منها قبل البينونة أو ما يقوم مقامها كالرجل فيما ذكر سواء. وكذلك إذا ظن بها أنها قصدت بذلك فسخ النكاح الحكم واحد والله أعلم.
وذهبت غلاة المرجئة، وهي طائفة من المبتدعة، إلى أن النطق المجرد عن المعرفة بما انطوت عليه الكلمة الكريمة مع صلاة أو صيام أو مع عدم ذلك يكفي في الإيمان، ويكون للمتصف به دخول الجنان. عصمنا الله من الآراء المغوية والفتن المحيرة، وأعاذنا من حيرة الجهل وتعاطي الباطل، ورزقنا التمسك بالسنة ولزوم الطريقة المستقيمة إنه كريم منان.
وكتب بالمسألة أيضا إلى سيدي عبد الرحمـن الواغليسي.
فأجاب الحمد لله تعالى. أسعدكم الله وسددكم وإيانا لمرضاته. بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقد وصل إلي ما كتبتموه مما فهمتم من فتوى الشيخين أبي العباس بن إدريس وأبي العباس أحمد بن عيسى فيمن يقول لا إله إلا الله ولم يدر ما انطوت عليه أن فتوى سيدي أحمد بن إدريس نصها من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن حقا، فمقتضى هذا الفهم من جواب الشيخ أن من نطق بالشهادة يجزئه نطقه وإن جهل معناه وما انطوت عليه الكلمة من مدلولها، فاعلم أن هذا الفهم عن الشيخ رحمه الله باطل لا يصح، فإنه لا يلزم منه أن من قال ذلك وهو معتقد في الإله تعالى شبه المخلوقات، وصورة من صور الموجودات، أن يكون مؤمنا حقا. وقد وجدنا من الجهلة من هو كذلك وكتب إلينا بذلك وأشباهه. ومن اعتقد ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين. وقد نص أئمتنا على ذلك وعلى غيره مما هو كفر بإجماع ، فلا يصح ذلك عن الشيخ أصلا ولا يصح أن يختلف في هذا أو شبهه. وفي هذا أجاب سيدي أحمد بن عيسى. وقد تحدثت أنا مع سيدي أحمد بن إدريس وذكرت له ما يقول صاحبنا فوافق عليه وقال هذا حق لا يقال غيره»[(1014)] اهـ.
وهو إجماع كما مر بك في هذا الكتاب، والإجماع قطعي، وهو أسلم من تخبط وتوهم المشبه المجسم الجهوي.
وقال الحافظ الفقيه اللغوي مرتضى الزبيدي في شرحه على الإحياء، ما نصه: «من جعل الله تعالى مقدرا بمقدار كفر» اهـ.
وقال الشيخ محمد أمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسيره عند قوله تعالى {…ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار} : «ومن اعتقد أن وصف الله تعالى يشابه صفات الخلق فهو مشبه ملحد ضال»[(1015)] اهـ.
ويقول الإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه: «صونوا عقائدكم من التمسك بظاهر ما تشابه من الكتاب والسنة، فإن ذلك من أصول الكفر» [(1016)] اهـ.
ثم يقال لهم :
أ) وصف الله بالجسم أو بصفات الجسم تكذيب أم تصديق للآية {…ليس كمثله شيء… *} ؟. إنه – قطعا – تكذيب.
ب) وتكذيب النص القرءاني أليس كفرا بالإجماع؟.
ج) وصفات الجسمية من دلائل الحدوث ، فوصف الله بها، أو ببعضها لا يكون إلا وصفا لله بما هو دال على الحدوث، فلا يكون إذا وصف الله بها إلا تنقيصا في حقه تعالى، وذلك أي نسبة النقص والحدوث إلى الله تعالى كفر لا شك فيه.
ومثله ما تجده في بعض كتب الفخر الرازي ، ويكفي في كشف تزييف ذلك الوجه الفاسد المنسوب إليه في خاتمة كتابه أساس التقديس أن أنقل لك ما قاله الرازي نفسه في تفسيره، ونصه: «أما الإيمان بوجوده فهو أن يعلم أن وراء المتحيزات موجودا خالقا لها، وعلى هذا التقدير فالمجسم لا يكون مقرا بوجود الإله تعالى، لأنه لا يثبت ما وراء المتحيزات شيئا آخر، فيكون اختلافه معنا في إثبات ذات الله تعالى، أما الفلاسفة والمعتزلة فإنهم مقرون بإثبات موجود سوى المتحيزات موجد لها، فيكون الخلاف معهم لا في الذات بل في الصفات»[(1017)] اهـ.
وقال أيضا في تفسيره: «وأقول أما قوله المجسمة قد افتروا على الله الكذب فهو حق، وأما قوله: إن هذا افتراء على الله في صفاته فليس بصحيح، لأن كون الذات جسما ومتحيزا ليس بصفة، بل هو نفس الذات المخصوصة، فمن زعم أن إله العالم ليس بجسم، كان معناه أنه يقول جميع الأجسام والمتحيزات محدثة، ولها بأسرها خالق هو موجود ليس بمتحيز، والمجسم ينفي هذه الذات، فكان الخلاف بين الموحد والمجسم ليس في الصفة بل في نفس الذات، لأن الموحد يثبت هذه الذات والمجسم ينفيها»[(1018)] اهـ.
وقال أيضا: «والجواب: أن الدليل دل على أن من قال: إن الإله جسم، فهو منكر للإله تعالى، وذلك لأن إله العالم موجود ليس بجسم ولا حال في الجسم، فإذا أنكر المجسم هذا الموجود فقد أنكر ذات الإله تعالى، فالخلاف بين المجسم والموحد ليس في الصفة بل في الذات، فصح في المجسم أنه لا يؤمن بالله .
أما المسائل التي حكيتموها فهي اختلافات في الصفة فظهر الفرق، وأما إلزام مذهب الحلولية والحروفية فنحن نكفرهم قطعا ، فإنه تعالى كفر النصارى بسبب أنهم اعتقدوا حلول كلمة الله في عيسى، وهؤلاء اعتقدوا حلول كلمة الله في ألسنة جميع من قرأ القرآن، وفي جميع الأجسام التي كتب فيها القرآن، فإذا كان القول بالحلول في حق الذات الواحدة يوجب التكفير، فلأن يكون القول بالحلول في حق جميع الأشخاص والأجسام موجبا للقول بالتكفير كان أولى. والصفة الثانية من صفاتهم أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر»[(1019)] اهـ.
وقال في أصول الدين: «بل الأقرب أن المجسمة كفار، لأنهم اعتقدوا أن كل ما لا يكون متحيزا ولا في جهة فليس بموجود، ونحن نعتقد أن كل متحيز فهو محدث، وخالقه موجود ليس بمتحيز ولا في جهة، فالمجسمة نفوا ذات الشىء الذي هو الإله فيلزمهم الكفر» [(1020)] اهـ. وقد تقدم.
أما النص المنقول عن الفخر الرازي كما في بعض النسخ المطبوعة لأساس التقديس، فنصه كما يلي: الفصل الثالث في أن من يثبت كونه تعالى جسما متحيزا مختصا بجهة معينة. هل يحكم بكفره أم لا؟ للعلماء فيه قولان:
أحدهما : أنه كافر – وهو الأظهر – وهذا لأن مذهبنا : أن كل شىء يكون مختصا بجهة وحيز، فإنه مخلوق محدث، وله إله أحدثه وخلقه.
وأما القائلون بالجسمية والجهة الذين أنكروا وجود موجود آخر سوى هذه الأشياء التي يمكن الإشارة إليها، فهم منكرون لذات الموجود، الذي يعتقد أنه هو الإله. وإذا كانوا منكرين لذاته، كانوا كفارا لا محالة. وهذا بخلاف المعتزلي فإنه يثبت موجودا، وراء هذه الأشياء التي يشار إليها بالحس، إلا أنه خالفنا في صفات ذلك الموجود. والمجسمة يخالفوننا في إثبات ذات المعبود ووجوده، فكان هذا الخلاف أعظم. فيلزمهم الكفر، لكونهم منكرين لذات المعبود الحق ولوجوده. والمعتزلة في صفته لا في ذاته.
والقول الثاني : أنا لا نكفرهم. لأن معرفة التنزيه، لو كانت شرطا لصحة الإيمان لوجب على الرسول صلى الله عليه وسلم، أن لا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يتفحص أن ذلك الإنسان هل عرف الله تعالى بصفات التنزيه، أو لا ؟ وحيث حكم بإيمان الخلق من غير هذا التفحص، علمنا: أن ذلك ليس شرطا للإيمان» اهـ.
وهذا الأخير نقل عن علماء لم يعينهم، معناه أن هذا القول ليس منسوبا لطبقة معينة يعول عليها في المذهب كالقول الأول، فيعود هذا القول للمجهول، أو لمن ليس لهم الإذن بالفتيا، فيتبين بأنه شاذ، ولا يخرق الإجماع بمثل ذلك.
وشاهدنا على أن القول الأول هو المعول عليه أن الفخر الرازي قال: «الأظهر» … ثم قال: «لأن مذهبنا» (أي معشر الشافعية)، وهذا معناه أن هذا القول هو النقل المعتمد عمن لهم دراية بأصول المذهب وحق الفتيا، ومن يعول عليهم في الأصول وفهم كلام الإمام أي الإمام الشافعي وأمثاله من الأئمة المجتهدين، أي ما يعول عليه والمنصوص عليه أي بالاعتماد على أصول أئمة المذهب أي الذين يثبت القول بهم – المذهب – المنصوص عليها من قبل الطبقة الثانية – وهو الأظهر – وهذا لأن مذهبنا – أن كل شىء يكون مختصا بجهة وحيز، فإنه مخلوق محدث، وله إله أحدثه وخلقه.
وهذا يكشف أن الرازي يعول على كلام أصحاب الوجوه، وهذا التعويل يبين درجته بأنه من دونهم، وإلا لتكلم الرازي مباشرة في كلام الإمام أي الشافعي، أو ما نقل عنه وتولاه بالتحميص والتدقيق ليخرج بحكم ما.
ونعلم أن الفخر الرازي على مذهب الشافعي، وشروط الاجتهاد كما روى الخطيب البغدادي: «قال الشافعي: لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلا عارفا بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنـزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذاك بصيرا بحديث رسول الله بالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن، ويكون بصيرا باللغة، بصيرا بالشعر، وبما يحتاج إليه للعلم والقرآن، ويستعمل مع هذا الإنصاف وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي»[(1021)]. انتهى بحروفه.
وفي أمر العقيدة يلاحظ أنه لا يجوز التعويل على مجرد نقل، خاصة إذا كان في مثل هذا الأمر العقدي، وإنما الأمر على ما فصلناه وبيناه في هذه الرسالة.
ويكفي في الرد على الخلاف المزعوم بأن تعلم أن «القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم، وهم حقيقون بذلك»[(1022)] اهـ.
وقد تقدم النقل عن جمهرة من الأعلام الذين لهذا الإجماع، فلا يلتفت بعد هذا إلى ما لا يعول عليه من النقول إما لعدم ثبوته عمن نسب إليه أو لنـزول القائل عن درجة الاحتجاج به ، لكونه ليس من أهل الاجتهاد ولا من أصحاب الوجوه في المذهب، أو خالف قوله قول إمامه، مع نزول القائل عن رتبة الاجتهاد، مهما تردد ذكرها في الكتب أو تكرر الاعتماد عليها من قبل بعض من شأنه أن يجمع الأقوال من غير تحقيق وضبط، ومن ذلك ما نبه إليه الزركشي: «ونقل صاحب الخصال من الحنابلة عن أحمد أنه قال: من قال: جسم لا كالأجسام كفر، ونقل عن الأشعرية أنه يفسق، وهذا النقل عن الأشعرية ليس بصحيح» [(1023)] اهـ.
وهو عين ما نبه إليه البرزلي المالكي بقوله: «وأنكر عليه شيخنا الإمام نقله عن بعض الأشعرية إنكارا شديدا»، وقال: «لم يقله أحد منهم فيما علمته واستقريته من كتبهم»[(1024)] اهـ، وذلك لأن الصواب الذي لا محيد عنه أنه يكفر لمعارضته صريح القرءان والسنة.
وهو منسجم تماما مع ما قاله تقي الدين الحصني: «إلا أن النووي جزم في صفة الصلاة من شرح المهذب بتكفير المجسمة[(1025)]، قلت (تقي الدين الحصني): وهو الصواب الذي لا محيد عنه، إذ فيه مخالفة صريح القرآن ، قاتل الله المجسمة والمعطلة، ما أجرأهم على مخالفة من {…ليس كمثله شيء وهو السميع البصير *} [(1026)]، وفي هذه الآية رد على الفرقتين»[(1027)] اهـ.
وقد قال العلامة فخر الدين أحمد بن حسن الجاربردي التبريزي (المتوفى سنة 746 هجرية): «اعلم أنه قال الأصوليون شرطه الإسلام. وإنما عدل المصنف إلى هذه العبارة لأن المجسمة كفار عند الأشاعرة»[(1028)] اهـ.
فأنت تلاحظ هنا الإطلاق، ولو كان الكلام موجبا للتخصيص لخصص، وانظر إلى من نسب الحكم بتكفير المجسم، نسبه إلى الأصوليين، ويكفيك ذلك دلالة.
قال المحدث العلامة السيد محمد بن محمد الحسيني الزبيدي الشهير بمرتضى رحمه الله ما نصه: «إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية . قال الخيالي في حاشيته على شرح العقائد: الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة، هذا هو المشهور في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار وفي ديار ما وراء النهر يطلق ذلك على الماتريدية أصحاب الإمام أبي منصور وبين الطائفتين اختلاف في بعض المسائل كمسئلة التكوين وغيرها – إلى أن قال: وذكر العز بن عبد السلام أن عقيدة الأشعري أجمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه أبو عمرو بن الحاجب، وشيخ الحنفية جمال الدين الحصيري، وأقره على ذلك التقي السبكي فيما نقله عنه ولده التاج. وفي كلام عبد الله الميوري المتقدم ما نصه: «أهل السنة من المالكية والشافعية وأكثر الحنفية بلسان أبي الحسن الأشعري يناضلون وبحجته يحتجون» .
إلى أن قال : «ثم قال التاج السبكي: وأنا أعلم أن المالكية كلهم أشاعرة لا أستثني أحدا، والشافعية أغلبهم أشاعرة لا أستثني إلا من لحق منهم بتجسيم أو اعتزال»[(1029)] اهـ.
فإذا كان المجسم كافرا عند الأشاعرة فيعني أنه كافر على مذهب أهل السنة والجماعة كما نص الطحاوي.
الطحاوي قال: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر» ، فلو أن شخصا أثبت الجسمية للحق لقلنا إنه كافر، لأن الحدود والتحيز من معاني البشر، وليس ما اجتمع من لحم وعظم فقط.
وقد تقدم تعريف الجسم، وليس هو فقط ما اجتمع من لحم وعظم ودم، بل ما له طول وعرض وارتفاع وسمك كل هذا يدخل تحت تعريف الجسم المتفق عليه، فلا نرى من المحققين أو من السادة الأشاعرة من قال إن الجسم ما اجتمع من لحم وعظم فقط، ولو كان تعريف الجسم على هذا لسخر منا التيميون، وهذا التقسيم هو أساسا لابن تيمية حيث قال: «الجسم لفظ محدث لكن إن نفاه العلماء فيريدون ما اجتمع من لحم وعظم»، وهو يشير إلى أن معبوده له أبعاد ليست مركبة من لحم وعظم[(1030)]، مما يجعله خارقا للإجماع في تعريف الجسم، وخارقا للإجماع في تنـزيه الله عن المشابهة للحوادث.
وأما ما ينقل عن العز بن عبد السلام فقد رده البلقيني أيضا: فقد أورده الرملي قوله: وما في المجموع من تكفير من يصرح بالتجسيم أشار إلى تضعيفه، وكتب أيضا، كأنه احترز بالتصريح عمن يثبت الجهة فإنه لا يكفر، كما قاله الغزالي في كتاب التفرقة بين الإسلام والزندقة، وقال ابن عبد السلام في القواعد: إنه الأصح بناء على أن لازم المذهب ليس بمذهب. (الرملي)، وكتب أيضا.
قال البلقيني: الصحيح أو الصواب خلاف ما قال»[(1031)].
وقد نقل الشيخ العز بن عبد السلام في كتابه حل الرموز مقالة الإمام المجتهد أبي حنيفة رضي الله عنه في كتابه الفقه الأبسط ما نصه: «من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض»[(1032)] اهـ.
ووافقه على ذلك ثم قال: «لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانا، ومن توهم أن للحق مكانا فهو مشبه» اهـ. وذلك دليل على التغاير بين القولين المنقولين عنه، وأنت تلاحظ أن عبارة العز بن عبد السلام يمعن في هذا في التحذير من هذا الاعتقاد حيث يقول: «ومن توهم أن للحق مكانا فهو مشبه» اهـ، وهذا منه تعميم لكل من تصور أن الله في مكان أو جهة، وأي فرق بين المكان والجهة.
على أن المحدث الكوثري بين وجه ما قاله العز في هذه المسألة التي نقلت عنه حيث قال: «نعم يعد ابن عبد السلام في قواعده الكبرى العامي معذورا في الكلمة الموهمة ، لكن ناقشه المقبلي في ذلك في العلم الشامخ، وعلى كل حال لا يرضى هؤلاء -أي مشبهة عصره- أن يعدوا من العامة ليعذروا في كلماتهم الشاطحة، وقد ملأت مؤلفاتهم البقاع، فلا محيص عن عدهم واعين لما نطقوا به ، فتعين إلزامهم بما يترتب على تلك التقولات في نظر أهل البرهان الصحيح»[(1033)] اهـ.
فأنت تلاحظ أن الشيخ الكوثري يرد ذلك الى أمرين :
الأول: حصر الأمر الذي أفتى به العز بالكلمة الموهمة.
الثاني: فهم المعنى من تلك الكلمات الموهمة.
وهو كما ترى يدور في الفلك الذي رسمناه وبيناه، فكن على انتباه لهذا. ولعله يشبه ما قاله الزرقاني، ونصه: « ثم إن هؤلاء المتحمسين في السلف متناقضون لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها، ولا ريب أن حقائقها تستلزم الحدوث وأعراض الحدوث كالجسمية والتجزؤ والحركة والانتقال، لكنهم بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقائقها ينفون هذه اللوازم، مع أن القول بثبوت الملزومات ونفي لوازمها تناقض لا يرضاه لنفسه عاقل فضلا عن طالب أو عالم ، فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة: إن الاستواء باق على حقيقته، يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز، وقولهم بعد ذلك: ليس هذا الاستواء على ما نعرف يفيد أنه ليس الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز، فكأنهم يقولون: إنه مستو غير مستو، ومستقر فوق العرش غير مستقر أو متحيز غير متحيز وجسم غير جسم أو أن الاستواء على العرش ليس هو الاستواء على العرش، والاستقرار فوقه ليس هو الاستقرار فوقه إلى غير ذلك من الإسفاف والتهافت، فإن أرادوا بقولهم: الاستواء على حقيقته أنه على حقيقته التي يعلمها الله ولا نعلمها نحن فقد اتفقنا، لكن بقي أن تعبيرهم هذا موهم لا يجوز أن يصدر من مؤمن ، خصوصا في مقام التعليم والإرشاد، وفي موقف النقاش والحجاج، لأن القول بأن اللفظ حقيقة أو مجاز لا ينظر فيه إلى علم الله وما هو عنده، ولكن ينظر فيه إلى المعنى الذي وضع له اللفظ في عرف اللغة، والاستواء في اللغة العربية يدل على ما هو مستحيل على الله في ظاهره، فلا بد إذن من صرفه عن هذا الظاهر، واللفظ إذا صرف عما وضع له واستعمل في غير ما وضع له خرج عن الحقيقة إلى المجاز لا محالة ما دامت هناك قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي»[(1034)] اهـ. وما يروى وينقل عن أبي حامد الغزالي في هذا الموضع من عدم تكفير القائل بالجهة خطير جدا، علما أنه قد اتفقت كلمة أهل العلم قاطبة بلا خلاف بينهم ولا نكير على أن معتقد الحجم والجسمية أو الجهة والحيز كافر، وأن تكفيرهم واجب، وعللوا سبب ذلك بأنهم يقولون بأن لله حدا ونهاية من جهة السفل[(1035)]، أي لأنه يكون وصف الله بالحجم، وكذا من زعم أن لمعبوده صورة أو أن له حدا ونهاية أي حجما ومساحة أو أنه يجوز عليه الحركة والسكون، بل عبروا بأنه لا إشكال لذي لب في تكفير القائل بذلك[(1036)].
وها هو أبو حامد الغزالي يقول: «التقديس، ومعناه أنه إذا سمع اليد والأصبع، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خمر طينة آدم بيده»[(1037)]، و«إن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمـن»[(1038)]. فينبغي أن يعلم أن اليد تطلق لمعنيين، أحدهما هو الموضع الأصلي، وهو عضو مركب من لحم وعصب، واللحم والعظم والعصب جسم مخصوص وصفات مخصوصة، أعني بالجسم عبارة عن مقدار له طول وعرض وعمق يمنع غيره من أن يوجد بحيث هو إلا بأن يتنحى عن ذلك المكان، وقد يستعار هذا اللفظ أعني اليد لمعنى ءاخر ليس ذلك المعنى بجسم أصلا كما يقال: البلدة في يد الأمير فإن ذلك مفهوم وإن كان الأمير مقطوع اليد مثلا، فعلى العامي أن يتحقق قطعا ويقينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك جسما هو عضو مركب من لحم ودم وعظم، وأن ذلك في حق الله تعالى محال وهو عنه مقدس، فإن خطر بباله أن الله جسم مركب من أعضاء فهو عابد صنم، فإن كل جسم فهو مخلوق، وعبادة المخلوق كفر، وعبادة الصنم كانت كفرا لأنه مخلوق، وكان مخلوقا لأنه جسم، فمن عبد جسما فهو كافر بإجماع الأمة السلف منهم والخلف »[(1039)] اهـ.
وقد قال أبو علي عمر بن محمد السكوني : «وليحترز من مواضع في كتاب «الإحياء» لأبي حامد الغزالي، ومن مواضع في كتاب «النفخ والتسوية» له أيضا، ومن مواضع في تآليفه أيضا دست في تآليفه، أو رجع عنها كما ذكره في كتابه المسمى بالمنقذ من الضلال» [(1040)] اهـ.
وبهذا يظهر أن ما ينسب للغزالي في هذه المسألة وإن وجد في بعض كتبه فإنه إما مدسوس عليه أو رجع عنه، وكيف يثبت عنه وقد رأيت هذا النص المبين آنفا من كلام أبي حامد الغزالي نفسه، وما نبه إليه السكوني تاليا من أمر الدس والتراجع، فتنبه.
وإذا وضح ما ذكرناه لك فإنه من المفيد أن نقف معا على ما يكشف اللبس الذي وقع فيه بعض الناس، من الضياع في أمر الفارق بين من ينطق بهذا اللفظ وهو فاهم لمعناه وبين من ينطق به وهو لا يفهم المعنى أو يظن أن لفظة جسم أو جهة فوق ترد في لسان العرب بمعنيين ، أحدهما المعنى الكفري الفاسد، والآخر المعنى الذي يوافق العقيدة السليمة، كما مر بك قريبا، على أنه تجدر الإشارة أن أغلب الناس اليوم ممن ينتسب للعربية يفهمون معنى الجسم والجهة إجمالا ، وعليه يأتي كلام بعض المشايخ إجماليا بما يؤدي للاضطراب في فهم كلامهم، وكان الأولى بمن يقرأ كلامهم أن يحرص على تلقيه وفهمه من أهل العلم لا أن يتجاسر على هذا الأمر الخطير الذي يؤدي به إلى التناقض في القول تارة بتكفير معتقد الحجم أو الجهة في حق الله، وتارة بأنه لا يكفر بمجرد إطلاق هذا اللفظ على الله، ووجه حل ذلك التناقض أن يقال: إن قائل هذا اللفظ إما أنه يعي ويفهم ما يقول، وإما أنه لا يعي ولا يفهم ما يقول .
وهو ما قاله الشيخ محمد الخضر الشنقيطي، ونصه: «وصرح العراقي بأن معتقد الجهة كافر، وقال إنه قول لأبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني، وقال بعض العلماء غيره بكفره أيضا لما يلزم على قوله من التجسيم المستحيل على الله تعالى، بل شدد بعضهم حتى قال: إن من اعتقد الجهة في حق الله تعالى كافر بالإجماع، ومن توقف في كفره فهو كافر، وما قاله من الإجماع مردود بما وقع بين الأئمة من الخلاف في تكفير أهل الأهواء[(1041)]، وقد حكى القاضي عياض وغيره جريان الخلاف في المشبهة وغيرهم من أهل الأهواء، والحق أن الخلاف في كفر القائل جار على الخلاف في لازم القول، هل هو كالقول أم لا ، قال ابن ميارة في التكميل:
«هل لازم القول يعد قولا
عليه كفر ذي هوى تجلى
وقيد بعض العلماء هذا الخلاف بما إذا كان اللزوم غير بين ، قال: وأما إن كان اللزوم بينا فهو كالقول بلا خلاف، والذي يظهر أن الجهة لازم عليها التجسيم لزوما بينا [(1042)].
قلت (أي الشنقيطي): ولعل هذا هو مستند من حكى الإجماع على كفر القائل بالجهة في حقه تعالى ، والتحرير أن قائل هذه المقالة التي هي القول بالجهة فوق إن كان يعتقد الحلول والاستقرار والظرفية أو التحيز فهو كافر، يسلك به مسلك المرتدين إن كان مظهرا لذلك ، وإن كان اعتقاده مثل أهل المذهب الثاني القائل بالجهة[(1043)]من غير تكييف ولا تحديد فقد تقرر الخلاف فيه، فعلى القول بالتكفير يرجع لما قبله، وعلى الصحيح ينظر فيه، فإن دعى الناس إلى ما هو عليه وأظهره وأشاعه فيصنع به ما قاله مالك رضي الله عنه فيمن يدعو إلى بدعته، ونص على ذلك في آخر الجهاد من المدونة وتأليف ابن يونس، وإن لم يدع إلى ذلك وكان يظهره فعلى من ولاه الله أمر المسلمين ردعه وزجره عن هذا الاعتقاد والتشديد عليه حتى ينصرف عن هذه البدعة»[(1044)] اهـ.
وهذا عينه هم ما نقله الشيخ ابن حجر الهيتمي، الذي قال بعد جمع نقول في هذه المسئلة ما نصه: «إذا تقرر هذا، فقائل هذه المقالة التي هي القول بالجهة فوق إن كان يعتقد الحلول والاستقرار والظرفية أو التحيز فهو كافر، يسلك به مسلك المرتدين إن كان مظهرا لذلك»[(1045)] اهـ.
فقول الشنقيطي وابن حجر: «إن كان يعتقد الحلول والاستقرار والظرفية أو التحيز فهو كافر»، كاف في تأكيد هذا المعنى مهما حاول بعض الناس اليوم أن يدوروا حول هذه المسئلة دوران التائه في تيه بني اسرائيل في سينا حين خالفوا أمر الله ونبي الله موسى عليه الصلاة والسلام.
بل يحسم هذه القضية ما قاله القرطبي، ونصه: «وقد قال هشام الجوالقي وطائفة من المجسمة: هو نور لا كالأنوار، وجسم لا كالأجسام، وهذا كله محال على الله تعالى عقلا ونقلا على ما يعرف في موضعه من علم الكلام.
ثم إن قولهم متناقض، فإن قولهم: جسم أو نور، حكم عليه بحقيقة ذلك، وقولهم: لا كالأنوار ولا كالأجسام نفي لما أثبتوه من الجسمية والنور، وذلك متناقض ، وتحقيقه في علم الكلام، والذي أوقعهم في ذلك ظواهر اتبعوها»[(1046)] اهـ.
وقال الشيخ تقي الدين الحصني: «وفي مواضع أغراضهم الفاسدة يجرون الأحاديث على مقتضى العرف والحس ويقولون ينزل بذاته وينتقل ويتحرك ويجلس على العرش بذاته ثم يقولون لا كما يعقل يغالطون بذلك من يسمع من عامي وسيء الفهم وذلك عين التناقض ومكابرة في الحس والعقل لأنه كلام متهافت يدفع آخره أوله وأوله آخره»[(1047)] اهـ.
قال الشيخ محمود خطاب السبكي: «(واعلم) أن من القواعد المقررة المعلومة بضرورة المشاهدة: أن من نهج منهج الضلال والإضلال، ليبطل الحق وينصر الباطل يتردى سريعا في ظلمات الخزي والدمار، بنفس كلامه الذي ينادى عليه أنه مبطل جاهل. وبذا يكفى المؤمن مؤنة الرد عليه بذكر الدلائل، ألا ترى ما وقع فيه ابن القيم وأمثاله من التناقض في قولهم إن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا وهو جالس على عرشه، فإن كونه تعالى على عرشه يناقض كونه في سماء الدنيا، وقولهم إنه تعالى يكون في سماء الدنيا وما زال العرش تحته، فهل العرش الذي هو أكبر المخلوقات ومنها السموات تحول إلى كونه أصغر من سماء الدنيا التي هي أصغر السموات وخرق الأفلاك حتى وصل إلى سماء الدنيا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. حقا إن هذه خرافات ووخيم ترهات وخزعبلات تضحك الثكلى. قال تعالى حكاية عن حال أهل النار {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير *} [(1048)]، فقل لهم أيها المؤمن، ما الذي دعاكم إلى ارتكاب هذه الجرائم المكفرة الشنيعة، التي آلت بمن اعتقدها إلى الوقوع في غياهب السعير والقطيعة، هل الله تعالى ليس قادرا على أن يغفر ويرحم ويقضي حوائج خلقه؟ وهو تعالى على ما كان عليه قبل خلق العالم، فحملتم الحديث على ظاهره فوقعتم في مهاوي تلك المهالك، وأوقعتم غيركم من ضعفاء العقول في صريح الكفر الحالك، ولم تتبعوا سبيل المؤمنين الذي كان عليه كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله سلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم وسلف الأمة المحمدية رحمهم الله تعالى، قال الله تعالى {…وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون *} [(1049)]، والحاصل أنه لا ريب في أن هذا الاعتقاد المذكور الذي عليه ابن القيم وأضرابه من فظيع البهتان والزور، نزغة شيطانية من أقبح النزغات، وعثرة من شنيع العثرات، أو وخيم أضغاث أحلام تخيلوها تحقيقات، وإلا فكيف يتصور من عنده أدنى شائبة عقل ودين، أن الإله القديم رب العالمين، يوصف بما يستحيل عليه من صفات الحوادث كالجلوس على العرش أو الحلول في السماء أو التحول والنزول، ويخالف إجماع المسلمين والمعقول والمنقول. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وعلا علوا كبيرا عما يعتقده المشبهون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى من كان بهديه من العاملين»[(1050)] اهـ.
وقال في موضع آخر: «(وبذكر) تلك النصوص والبراهين الناطقة بأن الله تبارك وتعالى يستحيل عليه الجلوس على العرش أو الحلول في السماء، أو في جهة من الجهات أو اتصافه بشىء من صفات الحوادث (تزداد) علما بكفر من يعتقد ذلك، كالمجسمة الذين كفر بسببهم كثير من جهلة العوام، نعوذ بالله تعالى من عمى البصيرة والعقائد الزائغة ونسأله السلامة من كل اعتقاد يخالف ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، والسلف الصالح الذين منهم الأئمة المجتهدون رضي الله تعالى عنهم أجمعين»[(1051)] اهـ.
قال الشيخ عبد الرحمـن الجزيري: «المالكية قالوا: إن ما يوجب الردة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يقول كلمة كفر صريحة كقوله: إنه كفر بالله، أو برسول الله، أو بالقرآن، أو يقول: إن الإله اثنان، أو ثلاثة، أو المسيح ابن الله، أو عزير ابن الله.
الثاني: أن يقول لفظا يستلزم الكفر استلزاما ظاهرا، وذلك كأن ينكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة، كفرضية الصلاة، فإنه وإن لم يكن كفرا صريحا ولكنه يستلزم تكذيب القرآن أو تكذيب رسول الله، أو يقول: إن الله جسم متحيز في مكان، لأن ذلك يستلزم أن يكون الإله محتاجا للمكان، والمحتاج حادث لا قديم ، ومن ذلك ما إذا أحل حراما معلوما من الدين بالضرورة، كشرب الخمر، والزنا، واللواط، وأكل أموال الناس بالباطل وغير ذلك.
الثالث: أن يفعل أمرا يستلزم الكفر استلزاما بينا، كأن يرمي مصحفا أو بعضه، ولو آية في شىء مستقذر تعافه النفس، ولو طاهرا كالبصاق والمخاط، أو يلطخه به بأن يبصق عليه، أو يراه ملطخا بالأقذار وهو قادر على إزالتها عنه فلم يفعل وتركه استخفافا وتحقيرا، فمدار الكفر على الاستخفاف والتحقير»[(1052)] اهـ. وبناء على ما تقدم من:
– بيان معنى تكذيب الدين ضمنا ومعنى.
– وبيان تقسيم الألفاظ إلى صريح وظاهر.
– وبيان من هم أهل القبلة.
– وبيان أن لازم المذهب في حال كونه بينا أي صريحا مذهب.
– وبيان أن لفظ الجسم والجهة صريح في إفادته معنى تشبيه الله بخلقه كما تقدم.
– وأن قائل هذه الألفاظ داخل تحت حكم المكذب للنصوص القطعية تواترا ودلالة من القرآن والسنة، بالإضافة لإنكار الحكم العقلي القاطع على تنـزيه الله عن مشابهة الخلق ومن ذلك تنـزيهه سبحانه عن الجسمية والمكان والجهة، فهو منكر لضروري من ضروريات الدين وقطعياته فلا يكون معدودا من أهل القبلة.
فلم يبق إلا النظر في فهم هذا القائل لهذا اللفظ، فإما أنه يفهم المعنى الفاسد حين تكلم به، وإما أنه لا يفهم ما يقول، ويحتمل أن يقال: إن من سمى الله بالجسم يظن أن معناه موجود أو قائم بالنفس أي مستغن عن غيره أو هو كمعنى شىء عنده أي متحقق الوجود، وهو وإن كان وهما من مطلقه على الله، لكنه إن لم يصرح بوصف الله بصفات الجسم وكان صادق الدعوى فيما يدعيه من ظنه ما تقدم بيانه في فهمه لمعنى الجسم، فهو كالأعجمي الذي لا يفهم ما يقول، وإلا بأن فهم ما يقول لكنه ادعى هذا المعنى للفظة الجسم أي ابتكره فلا عذر له، وهو بذلك متستر يخفي عقيدة التجسيم لا غير.
قال الأستاذ أبو منصور التميمي البغدادي رحمه الله: «وقد شاهدنا قوما من عوام الكرامية لا يعرفون من الجسم إلا اسمه، ولا يعرفون أن خواصهم يقولون بحدوث الحوادث في ذات الله البارئ تعالى، فهؤلاء -أي عوامهم- يحل نكاحهم وذبائحهم والصلاة عليهم»[(1053)] اهـ.
يساعدنا على هذا البيان ما قاله إمام الحرمين الجويني في الشامل: «وغلت طائفة من المثبتين، فاقتربوا من التشبيه، واعتقدوا ما يلزمهم القول بمماثلة القديم صنعه وفعله. فذهب ذاهبون إلى أن الرب سبحانه وتعالى جسم، ثم اختلفت مذاهب هؤلاء فزعم بعضهم أن معنى الجسم: الوجود، وأن المعنى بقولنا: إن الله جسم، أنه موجود. وصار آخرون إلى أن الجسم هو القائم بالنفس، وقد مال إلى هذين المذهبين طائفة من الكرامية. وذهب بعض المجسمة إلى وصف الرب تعالى بحقيقة أحكام الأجسام، وصار إلى أنه متركب متألف من جوارح وأبعاض، تعالى الله عن قولهم»[(1054)] اهـ.
وقال في موضع آخر[(1055)]: «القول في الجسم ومعناه.
اختلف الناس في حقيقة الجسم وحده. فالذي صار إليه الفلاسفة: أن الجسم هو الطويل العريض العميق، وإلى ذلك صار معظم المعتزلة. وربما عبروا عن هذا المعنى بعبارات ومحصول جميعها واحد. فقال بعضهم: الجسم هو الذهاب في الجهات، وعنى بالذهاب فيها ما قدمناه من جهة العرض والطول والعمق. وقال بعضهم: الجسم هو الذي له الأبعاد الثلاثة، وفسر الأبعاد بما قدمناه. وذهب الصالحي إلى: أن الجسم هو القائم بنفسه. وذهب هشام في آخر أقواله إلى أن الجسم إذا سمي به الإله تعالى وقيل: هو جسم لا كالأجسام، فالمراد به أنه شىء لا كالأشياء.
واختلفت مذاهب الكرامية في الجسم، فذهب شرذمة منهم إلى أن الجسم: هو الموجود. وصار آخرون إلى أن الجسم: هو القائم بالنفس ، وذهب الأكثرون منهم إلى أن الجسم: هو الذي يماس غيره من إحدى جهاته. وهؤلاء افترقوا فصار صائرون منهم إلى تجويز المماسة من جهة تحت ومنعها من سائر الجهات.
وذهب آخرون إلى تجويز المماسة من سائر الجهات، وألزم هؤلاء تجويز ذلك ليكون القديم محاطا بالأجسام، فالتزموا ذلك، ولم يكترثوا به.
والذي صار إليه أهل الحق أن: الجسم هو المؤلف والمتألف. والدليل على ما صرنا إليه أن نقول: وجدنا أهل اللسان إذا راموا الإنباء عن مفاضلة بين شخصين في الضخامة والعبالة[(1056)] وكثرة الأجزاء يقولون: هذا أجسم من هذا، فقد علمنا قطعا أنهم قصدوا بإطلاق هذه اللفظة التعرض لتفاضل بين الذاتين، ثم نظرنا في جملة صفات الذات وتتبعناها سبرا وتقسيما، فعلمنا أنهم لم يريدوا بالأجسم التفاضل في معنى، عدا كثرة الأجزاء والتأليف فيها» اهـ.
إلى أن قال[(1057)]: «وأما من قال: الجسم هو القائم بالنفس، فكل ما قدمناه رد عليه، إذ الجسم مما يسوغ التفاضل في معناه، وليس كذلك القائم بالنفس. وبقريب من ذلك نرد على هشام في تسميته وتفسيره الجسم بالشىء، ونزيده وجها آخر فنقول: أقصى ما تصير إليه أن الرب جسم لا كالأجسام، بمعنى أنه شىء لا كالأشياء، فيلزمك على طرد ذلك تسمية الأعراض أجساما من حيث كانت أشياء، هو يمنع تسمية العرض جسما، فإن اعترف بذلك، فقد نقض مذهبه، وإن أبى وامتنع من تسمية الأعراض أشياء فقد جحد اللغة، وراغم آيا من كتاب الله منها: {وكل شيء فعلوه في الزبر *} [(1058)]. والمراد بذلك تبديلهم وتحويلهم، وهو من أفعالهم وأفعال المحدثين أعراض. وقال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر *} [(1059)] إلى غير ذلك من الآيات. ووجه جحده اللغة واضح، فإن من أنكر تسمية اللون والأصوات أشياء، فقد راغم. ويتسرع إلى الرد عليه أقل من شدا طرفا من كلام العرب، وهذا سبيل الرد على الكرامية إذا زعموا أن الجسم: هو الموجود»[(1060)] اهـ.
قال الذهبي: «ومن بدع الكرامية قولهم في المعبود تعالى أنه جسم لا كالأجسام»[(1061)] اهـ.
وقال الحافظ البيهقي: «فإن قال قائل فإذا كان القديم سبحانه شيئا لا كالأشياء ما أنكرتم أن يكون جسما لا كالأجسام؟
قيل له: لو لزم ذلك للزم أن يكون صورة لا كالصور، وجسدا لا كالأجساد، وجوهرا لا كالجواهر، فلما لم يلزم ذلك لم يلزم هذا، وبعد فإن الشىء سمة لكل موجود، وقد سمى الله سبحانه وتعالى نفسه شيئا، قال الله عز وجل: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم… *} [(1062)] لم يسم نفسه جسما، ولا سماه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا اتفق المسلمون عليه، ونحن فلا نسمي الله عز وجل باسم لم يسم هو به نفسه ولا رسوله ولا اتفق المسلمون عليه ، قال الله عز وجل: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون *} [(1063)][(1064)] اهـ.
وقد اختصر هذا البحث الآمدي في أبكار الأفكار فقال ما نصه: «المسئلة الثانية في أن البارئ تعالى ليس بجسم. مذهب أهل الحق: إن البارئ – تعالى – ليس بجسم، وذهب بعض الجهال: إلى أنه جسم. ثم اختلفوا:
وذهب بعض الكرامية: إلى أنه جسم، بمعنى أنه موجود.
وذهب بعضهم: إلى أنه جسم، بمعنى أنه قائم بنفسه.
وذهب بعض المجسمة: إلى أنه جسم حقيقة، وأنه متصف بأحكام الأجسام (وأنه متصف بصفات الجسمية).
ثم إن منهم من قال: إنه مركب من لحم ودم، كمقاتل بن سليمان، وغيره. ومنهم من قال: إنه نور يتلألأ كالسبيكة البيضاء، وطوله سبعة أشبار بشبر نفسه. ومن المجسمة من غالى وقال: إنه على صورة إنسان.
لكن منهم من قال: على صورة شاب أمرد جعد قطط.
ومنهم من قال: إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية، تعالى الله عن قول المبطلين»[(1065)] اهـ.
فإذا تبين ذلك كله عرف السبب في عدم حكم بعض العلماء بالكفر على من استجاز إطلاق لفظة الجسم على الله سبحانه، وإلا فإن الإجماع منعقد على تكفير من أفصح بوصف الله بالتركيب والحجم أو وصف الله بالجسمية وهو مدرك لمعناه الحقيقي في اللغة، فإنه لا تأويل لكلامه بالمرة، لا خلاف بينهم في هذا الحكم، فإن إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى باختيار من قائله أي من غير إكراه مع العلم بما فيه من النقص استخفاف.
يوضح هذا ما قاله أبو المعين النسفي في التمهيد، ونصه: «ومن أطلق اسم الجسم على الله تعالى وعنى به القائم بالذات لا المتركب كما ذهب إليه الكرامية أخزاهم الله، وهو إحدى الراويتين عن هشام بن الحكم، فالخلاف بيننا وبينه في الاسم دون المعنى وهو مخطئ. لما أنه في اللغة اسم للمتركب، فمن أطلق اسم الجسم ولم يرد به معنى التركب فقد أمال الاسم عن موجبه لغة إلى غير موجبه، وهو معنى الإلحاد ، ولو جاز ذا لجاز لغيره أن يسميه رجلا، ويقول: عنيت به القائم بالذات وكذا في كل اسم مستنكر، وتجويزه خروج عن الدين ، والامتناع عنه تناقض، يحققه: أن معنى الاسم لو كان ثابتا من غير إحالة لامتنعنا عن إطلاق الاسم بدون الشرع الوارد به، لأننا ننتهي في أسماء الله تعالى إلى ما أنهانا إليه الشرع، ولهذا لا نسميه طبيبا، وإن كان عالما بالأدواء، والعلل والأدوية، ولا فقيها وإن كان عالما بالأحكام.
فإذا لم يكن الشرع بلفظ الجسم واردا، وكان معناه الثابت لغة مستحيلا على الله تعالى كان إطلاقه ممتنعا.
فأما لفظه الشىء فقد ورد بها الشرع، قال الله تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد… *} [(1066)]، ومعناه أيضا ثابت، لأنه اسم للموجود الثابت الذات، والله تعالى موجود وذاته ثابتة. فإطلاق اسم الجسم مع أن الشرع لم يرد به، واستحال أيضا معناه قياسا على إطلاق اسم الشىء، والشرع ورد به، ومعناه واجب غير مستحيل على الله تعالى، جهل فاحش. وقولهم: إنا نقول: إنه جسم لا كالأجسام، كما نقول: إنه شىء لا كالأشياء قول فاسد، لأنهم إن نفوا بقولهم: لا كالأجسام معنى التركيب، فقد أبطلوا قولهم: إنه جسم، وصاروا مناقضين، وصاروا قائلين: إنه جسم وليس بجسم، وإن لم ينفوا به معنى التركب لم ينفعهم قولهم: لا كالأجسام.
فأما قولنا: شىء لا ينفي بقولنا: لا كالأشياء معنى الثبوت والوجود الذي هو مقتضى لفظة الشىء، بل نفينا بقولنا: لا كالأشياء ما وراء مطلق الوجود من المعاني التي هي من دلالات الحدث كالجسمية والجوهرية والعرضية، فلم نعد بذلك ناقضين، وكان في قولنا: لا كالأشياء فائدة على أنا لما عنينا بقولنا: لا كالأشياء نفي الجسمية، فإلزامنا بإطلاق لفظ ننفي به الجسمية أن نجوز إطلاق لفظة الجسم جهل بحقائق الألفاظ والمعاني، والله الموفق» اهـ.
وقال أيضا: «ويستحيل أن يقال: إن الله جل ثناؤه وتعالى أصل للمتركبات، تتركب هي منه، فلم يكن جوهرا. ولا يقال: إنه اسم للقائم بالذات والله تعالى قديم قائم بالذات فيكون جوهرا لما أنه ليس في لفظ الجوهر ما ينبئ عن القائم بالذات لغة، بل هو ينبئ عن معنى الأصل، وتحديد اللفظ بما لا ينبئ عنه لغة، وإخراج ما ينبئ عنه لغة عن كونه حدا له جهل فاحش، والله تعالى الموفق» اهـ.
قال ابن حزم الذي هو منتقد عند أهل العلم فيما شذ فيه: «فإن قالوا لا فرق بين قولنا شىء وبين قولنا جسم.
قيل لهم: هذه دعوى كاذبة على اللغة التي بها يتكلمون ، وأيضا فهو باطل لأن الحقيقة أنه لو كان الشىء والجسم بمعنى واحد لكان العرض جسما، لأنه شىء وهذا باطل بيقين، والحقيقة هي أنه لا فرق بين قولنا شىء وقولنا موجود وحق ومثبت، فهذه كلها أسماء مترادفة على معنى واحد لا يختلف وليس منها اسم يقتضي صفة أكثر من أن المسمى بذلك حق ولا مزيد، وأما لفظة جسم فإنها في اللغة عبارة عن الطويل العريض العميق المحتمل للقسمة ذي الجهات الست التي هي فوق وتحت ووراء وأمام ويمين وشمال، وربما عدم واحدة منها وهي الفوق، هذا حكم هذه الأسماء في اللغة التي هذه الأسماء منها، فمن أراد أن يوقع شيئا منها على غير موضوعها في اللغة فهو مجنون وقاح، وهو كمن أراد أن يسمي الحق باطلا، والباطل حقا، وأراد أن يسمي الذهب خشبا، وهذا غاية الجهل والسخف إلا أن يأتي نص بنقل اسم منها عن موضوعه إلى معنى آخر فيوقف عنده، وإلا فلا، وإنما يلزم كل مناظر يريد معرفة الحقائق أو التعريف بها أن يحقق المعاني التي يقع عليها الاسم ثم يخبر بعد بها أو عنها بالواجب، وأما مزج الأشياء وقلبها عن موضوعاتها في اللغة فهذا فعل السوفسطائية الوقحاء الجهال الغابنين لعقولهم وأنفسهم»[(1067)] اهـ.
قال الفقيه المتكلم ابن المعلم القرشي: «إن قسما من القائلين بالتحيز بالجهة أطلقوا الجسمية ومنعوا التأليف والتركيب، وقالوا: «عنيت بكونه جسما وجوده»، وهؤلاء كفروا» [(1068)] اهـ. وإنما كفرهم لفهمهم ما تعطيه هذه اللفظة من التأليف والتركيب.
ومع ذلك فقد قال الدواني في شرحه للعقائد العضدية: «ومنهم من تستر بالبلكفة، فقال هو جسم لا كالأجسام، وله حيز لا كالأحياز، ونسبته إلى حيزه ليس كنسبة الأجسام إلى أحيازها، وهكذا ينفي جميع الخواص للجسم عنه، ولا يبقى إلا اسم الجسم، وهؤلاء لا يكفرون بخلاف المصرحين بالجسمية»[(1069)] اهـ.
(قيل) وفي قوله: «ومنهم من تستر بالبلكفة»، تنبيه على حال هؤلاء القوم من أنهم ادعوا أنهم يظنون أن لفظة جسم معناه الموجود أو القائم بنفسه، لاحظ قوله: «وهكذا ينفي جميع الخواص للجسم عنه، ولا يبقى إلا اسم الجسم» اهـ، فنبه العلماء أنه إن كان هذا هو حالهم حقيقة لا ادعاء كاذبا فإنهم لا يكفرون، معتبرين حالهم بأنهم في هذا كالأعاجم، أي هذا إن كانوا صادقين في دعواهم هذه، كما مر بيانه، لا أنهم يفهمون ما يراد من كلمة الجسم في لسان العرب ومع ذلك يبتكرون لها معنى آخر، وهو الموجود ونحوه، فليتنبه لهذا القيد فإنه دقيق.
(قيل) مع أن هناك مؤاخذة على تساهل الدواني في التعبير عن هذا المقام واختصاره له إلى حد الإخلال بقيوده وضوابطه التي كان ينبغي بيانها، لأن قوله شارحا حالهم فيما ادعوه: «ونسبته إلى حيزه ليس كنسبة الأجسام إلى أحيازها» اهـ، مشكل أي إشكال، لكن لعله مشى على التعبير عن دعواهم بأخصر عبارة.
ولا يجوز في مثل هذا الأمر الخطير والشأن الجلل أن يتناقض كلام أهل العلم، وإنما ينـزل على المعنى الذي كشفناه وبيناه، وإلا فهو قول بعدم تكفير من وصف الله بصفة من صفات الخلق كالتركيب والتأليف والصورة ونسبة الجهة إليه سبحانه وهو الكفر الصراح المتفق على اعتباره كفرا بين أهل الإسلام قاطبة[(1070)]، وهو قول متهافت ينقض بعضه بعضا، ولا ينصره صاحب فهم بدين الله تعالى، وهدي الكتاب والسنة، وما جرى عليه أعلام الأمة من التصريح بكفر المجسم لمعارضته ومصادمته لمعنى: {…ليس كمثله شيء… *} ، وصريح ما عليه العقل.
قال الزرقاني: «ولقد علمت أن حمل المتشابهات في الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها ليس رأيا لأحد من المسلمين ، وإنما هو رأي لبعض أصحاب الأديان الأخرى كاليهود والنصارى وأهل النحل الضالة كالمشبهة والمجسمة، أما نحن معاشر المسلمين فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ولا محتاجا لأحد ولا إلى مكان ولا إلى زمان ولا نحو ذلك. ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته، إذ يقول: {…ليس كمثله شيء… *} ، ويقول: {ولم يكن له كفوا أحد *} ، ويقول: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم} ، ويقول: {ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد *} ، وغير هذا كثير في الكتاب والسنة، فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها كما تبين لك فيما سلف.
ثم إن هؤلاء المتحمسين في السلف متناقضون لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها، ولا ريب أن حقائقها تستلزم الحدوث وأعراض الحدوث كالجسمية والتجزؤ والحركة والانتقال، لكنهم بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقائقها ينفون هذه اللوازم، مع أن القول بثبوت الملزومات ونفي لوازمها تناقض لا يرضاه لنفسه عاقل فضلا عن طالب أو عالم ، فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة: إن الاستواء باق على حقيقته، يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز، وقولهم بعد ذلك: ليس هذا الاستواء على ما نعرف يفيد أنه ليس الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز، فكأنهم يقولون: إنه مستو غير مستو، ومستقر فوق العرش غير مستقر أو متحيز غير متحيز وجسم غير جسم أو أن الاستواء على العرش ليس هو الاستواء على العرش، والاستقرار فوقه ليس هو الاستقرار فوقه إلى غير ذلك من الإسفاف والتهافت، فإن أرادوا بقولهم: الاستواء على حقيقته أنه على حقيقته التي يعلمها الله ولا نعلمها نحن فقد اتفقنا، لكن بقي أن تعبيرهم هذا موهم لا يجوز أن يصدر من مؤمن ، خصوصا في مقام التعليم والإرشاد، وفي موقف النقاش والحجاج، لأن القول بأن اللفظ حقيقة أو مجاز لا ينظر فيه إلى علم الله وما هو عنده، ولكن ينظر فيه إلى المعنى الذي وضع له اللفظ في عرف اللغة، والاستواء في اللغة العربية يدل على ما هو مستحيل على الله في ظاهره، فلا بد إذن من صرفه عن هذا الظاهر، واللفظ إذا صرف عما وضع له واستعمل في غير ما وضع له خرج عن الحقيقة إلى المجاز لا محالة ما دامت هناك قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.
ثم إن كلامهم بهذه الصورة فيه تلبيس على العامة وفتنة لهم، فكيف يواجهونهم به ويحملونهم عليه؟ وفي ذلك ما فيه من الإضلال وتمزيق وحدة الأمة ، الأمر الذي نهانا القرآن عنه، والذي جعل عمر يفعل ما يفعل بصبيغ أو بابن صبيغ، وجعل مالكا يقول ما يقول ويفعل ما يفعل بالذي سأله عن الاستواء، وقد مر بك هذا وذاك، ولو أنصف هؤلاء لسكتوا عن الآيات والأخبار المتشابهة، واكتفوا بتنزيه الله تعالى عما توهمه ظواهرها من الحدوث ولوازمه، ثم فوضوا الأمر في تعيين معانيها إلى الله وحده، وبذلك يكونوه سلفيين حـقا لكنها شـبهات عرضت لهم في هذا المقام فشوشت حالهم وبلبلت أفكارهم»[(1071)] اهـ.
قال الشيخ محمود محمد خطاب السبكي: «فقد اغتر كثير من بسطاء العقول بقول وتأليف بعض المنسوبين إلى العلم المتضمن تشبيه الله تعالى بخلقه، واعتقدوا أنه جسم يحل في الأمكنة وله جهة، وأنه تعالى جالس على العرش بذاته وكائن في السماء إلى غير ذلك من المكفرات. (ومن المعلوم) أن غالب العوام ليس عندهم من العلوم والمعارف ما يقيهم من الوقوع في العقائد الفاسدة وفي شرك الضالين. فترى زائغ العقيدة يقول للعامي (الله جالس على العرش) بدليل قوله تعالى: {الرحمان على العرش استوى *} ، وبدليل قول فلان المؤلف إن استوى على العرش بذاته، وإنه يحل في السماء بدليل قوله تعالى: {أأمنتم من في السماء} ، وبدليل إشارة الجارية إلى السماء حينما سألها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «أين الله»، والله له جهة بدليل قوله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} ، والله جسم والله يتصف بالتحول والانتقال بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا» الحديث إلى غير ذلك من الشبه والتمويهات (ولتلك) الشرذمة دسائس وأذناب يتجولون في القرى والمدن ليضلوا ضعفة العقول من جهلة العوام ببث العقائد الفاسدة في أذهانهم، فيكفرون باعتقاد أن الله تعالى جسم شبيه بخلقه، جالس على عرشه، حال في سمائه، يتصف بالتحول والانتقال إلى غير ذلك من صفات الحوادث، مع العلم بأن الجاهل لا يعذر بجهله بأمور دينه ولا سيما ما يتعلق بالعقائد ، فالواجب عليه أن يتبين أمر دينه وأحكامه وعقائده حتى يقف على ما كان عليه سلف الأمة وخلفها من أن الله تعالى ليس كمثله شىء فلا مكان له ولا جهة ولا يتصف بالتحول والانتقال وليس جسما ولا جوهرا ولا عرضا، وعلى الجملة فكل ما خطر ببالك فالله بخلافه»[(1072)] اهـ.
وقال أيضا: «في الفتوحات .. ما ضل من ضل من المشبهة إلا بالتأويل – الفاسد -، وحمل ما وردت به الآيات والأخبار على ما يسبق منها إلى الفهم، من غير نظر فيما يجب لله تعالى من التنزيه، فقادهم ذلك إلى الجهل المحض والكفر الصراح، ولو طلبوا السلامة وتركوا الأخبار والآيات على ما جاءت من غير عدول منهم فيها إلى شىء ألبتة، ويكلون علم ذلك إلى الله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم»[(1073)] اهـ.
قال ابن المعلم القرشي: «وعن علي رضي الله عنه قال: سيرجع قوم من هذه الأمة عند اقتراب الساعة كفارا، فقال رجل: يا أمير المؤمنين كفرهم بماذا أبالإحداث أم بالإنكار؟ فقال: بل بالإنكار ينكرون خالقهم فيصفونه بالجسم والأعضاء»[(1074)] اهـ.
وفي كتاب محمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي الحنبلي: «ويجب الجزم بأنه سبحانه وتعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض». ثم قال: «فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في كل مكان أو في مكان فكافر»[(1075)] اهـ.
وقال الشيخ محمود محمد خطاب السبكي: «فقد علمت مما ذكره أولئك الأئمة المحققون من الأدلة والبراهين النقلية والعقلية أن الله عز وجل لا جهة له ولا مكان ولا يمر عليه زمان، إذ هو تعالى مخالف للحوادث. وردهم على أصحاب العقائد الزائغة المكفرة المعقدة أن الله تعالى جسم جلس على العرش أو حل في السماء، إلى غير ذلك من الكفر الصريح أجارنا الله تعالى من الضلال والإضلال وأهلهما.
(فمن) اعتقد أنه سبحانه وتعالى يشبه شيئا من الحوادث كالجلوس في مكان أو التحيز في جهة (فهو) ضال مضل كافر بالله عز وجل . نسأله تعالى السلامة من سوء الاعتقاد والتوفيق للعقائد الحقة التي ترضيه عز وجل»[(1076)] اهـ.
هذا وقد مر بك ما نقله القرافي من اتفاق الأئمة الأربعة على تكفير المجسم كما نقل ذلك عنه ابن حجر الهيتمي الذي قال: وهم حقيقون بذلك، وكذلك ما نقله السيوطي عن الشافعي في تكفير المجسم.
وقال الإمام مالك رضي الله عنه في أهل الأهواء كلهم: «أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا»، روى ذلك الحافظ المجتهد المطلق محمد بن المنذر في كتابه الإشراف[(1077)]، ومعناه أنهم كفار، وهم المجسمة والجهمية والخطابية والقدرية والقائلين بخلق الأفعال وبخلق القرءان على معنى أن الله ليس له كلام إلا ما يخلقه في غيره، فجعلوا القرءان مما يخلقه في غيره.
ولا يلتفت بعد هذا إلى ما لا يعول عليه من النقول إما لعدم ثبوته عمن نسب إليه أو لنـزول القائل عن درجة الاحتجاج به ، لكونه ليس من أهل الاجتهاد ولا من أصحاب الوجوه في المذهب، أو خالف قوله قول إمامه، مع نزول القائل عن رتبة الاجتهاد، مهما تردد ذكرها في الكتب أو تكرر الاعتماد عليها من قبل بعض من شأنه أن يجمع الأقوال من غير تحقيق وضبط، ومن ذلك ما نبه إليه الزركشي: «ونقل صاحب الخصال من الحنابلة عن أحمد أنه قال: من قال: جسم لا كالأجسام كفر، ونقل عن الأشعرية أنه يفسق، وهذا النقل عن الأشعرية ليس بصحيح» [(1078)] اهـ. وذلك لأن الصواب الذي لا محيد عنه أنه يكفر لمعارضته صريح القرءان والسنة.
وعلى ما عرفت مما تقدم من النصوص والبيان تعال نقرأ معا ما قاله القاضي البياضي في إشارات المرام[(1079)]، حيث نبه على ما نقله عن الإمام أبي حنيفة في حديث الجارية، وما عقب به عليه، ومما قاله: «وفرع عليه ببيان حكم المخالفة فيه، تشييدا لقواعد التنـزيه، وتنبيها على استلزام نسبة النقص في القول بالتحيز والتشبيه، فقال فيه: (فمن قال: لا أعرف ربي أفي السماء أم في الأرض فهو كافر)، لكونه قائلا باختصاص البارئ بجهة وحيز، وكل ما هو مختص بالجهة والحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة، فهو قول بالنقص الصريح في حقه تعالى، (كذا من قال: إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض)، لاستلزامه القول باختصاصه تعالى بالجهة والحيز والنقص الصريح في شأنه، سيما في القول بالكون في الأرض، ونفي العلو عنه تعالى، بل نفي ذات الإله المنـزه عن التحيز ومشابهة الأشياء. وفيه إشارات:
الأولى: أن القائل بالجسمية والجهة منكر وجود موجود سوى الأشياء التي يمكن الإشارة إليها حسا، فمنهم منكرون لذات الإله المنـزه عن ذلك، فلزمهم الكفر لا محالة…
الثانية: إكفار من أطلق التشبيه والتحيز، وإليه أشار بالحكم المذكور لمن أطلقه، واختاره الإمام الأشعري، فقال في النوادر: من اعتقد أن الله جسم فهو غير عارف بربه، وإنه كافر به، كما في شرح الإرشاد لأبي قاسم الأنصاري، وفي الخلاصة أن المشبه إذا قال: له تعالى يد ورجل كما للعباد فهو كافر» اهـ.
إلى أن يقول في الثالثة كلاما كان ينبغي بيانه وإيضاحه لا إمراره هكذا بلا تنبيه على ما تقدم بيانه مع ما فيه من إشكال ، وقد تقدم في هذه الرسالة الإشارة إلى بيانه وتوضيحه، ونصه: «الثالثة: عدم إكفار من قال: هو جسم متحيز لا كالأجسام المتحيزة، كما ذهب إليه محمد بن الهيصم وبعض الحنابلة، وإليه أشار بعدم التعرض له في المقام، فهو مبتدع في إطلاق الجسم وليس بكافر، لرفعه إيهام النقصان، بقوله: لا كالأجسام، وقيل: يكفر بمجرد الإطلاق، كما في باب الإمامة من فتح القدير، وقد أطلق في الخانية والمحيط عدم جواز الاقتداء بالمشبه.
الرابعة: الرد على من أنكر إكفار المشبه مطلقا ذهابا إلى أن القائل بأنه جسم غالط فيه غير كافر، لأنه لا يطرد قوله بموجبه كما اختاره الباقلاني كما في شرح الإرشاد، واختاره الآمدي في الأبكار، فقال في خاتمته: إنما يلزم التكفير أن لو قال: إنه جسم كالأجسام وليس كذلك بل ناقض كلامه في فصل التنـزيه منه، ومن المنائح حيث قال فيه: ومن وصفه تعالى بكونه جسما: منهم من قال: إنه جسم: أي موجود لا كالأجسام، كبعض الكرامية. ومنهم من قال إنه على صورة شاب أمرد. ومنهم من قال: على صورة شيخ أشمط. وكل ذلك كفر وجهل بالرب، ونسبة للنقص الصريح إليه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا» اهـ.
فلو قورن هذا الكلام بما تقدم لكشف النقاب عنه ولظهر للقارئ وجوه الجواب، ولا يجوز القول بعدم تكفير من قال: هو جسم متحيز لا كالأجسام المتحيزة ، إلا أن يكون كالأعجمي أو يظن أن معنى الجسم والمتحيز في لغة العرب الموجود مثلا كما تقدم.
ثم لاحظ النص التالي: قال المناوي ناقلا عن الأصحاب: «والمشبه إذا قال له تعالى يد ورجل كما للعباد فهو كافر ملعون. وإن قال جسم لا كالأجسام فهو مبتدع، لأنه ليس فيه إلا إطلاق لفظ الجسم عليه، وهو موهم للنقص فرفعه بقوله: «لا كالأجسام»، فلم يبق إلا مجرد الإطلاق، وذلك معصية تنتهض سببا للعقاب لما قلنا من الإيهام، بخلاف ما لو قاله على التشبيه فإنه كافر، وقيل يكفر بمجرد الإطلاق أيضا، وهو حسن بل هو أولى بالتكفير. ….. انتهى من الخلاصة، إلا تعليل إطلاق الجسم مع نفي التشبيه.
إلى أن ختم بقوله: بخلاف مطلق اسم الجسم مع نفي التشبيه، فإنه يكفر لاختياره إطلاق ما هو موهم للنقص بعد علمه بذلك، ولو نفى التشبيه فلم يبق منه إلا التساهل والاستخفاف بذلك.
ومثله قال كمال الدين السيواسي: «والمشبه إذا قال: له تعالى يد ورجل كما للعباد فهو كافر ملعون، وإن قال: جسم لا كالأجسام، فهو مبتدع لأنه ليس فيه إلا إطلاق لفظ الجسم عليه، وهو موهم للنقص فرفعه بقوله: لا كالأجسام، فلم يبق إلا مجرد الإطلاق، وذلك معصية تنتهض سببا للعقاب، لما قلنا من الإيهام، بخلاف ما لو قاله على التشبيه فإنه كافر ، وقيل: يكفر بمجرد الإطلاق أيضا وهو حسن، بل هو أولى بالتكفير»[(1080)] اهـ.
(قيل) لاحظ قوله: «بخلاف ما لو قاله على التشبيه فإنه كافر» اهـ، فإنه يدلنا على أنه يرجع ذلك إلى فهم القائل لا قصده .
ربما يؤكد هذا قوله بعد أن أنجز الكلام على مسئلة عدم جواز الصلاة خلف المبتدع الذي وصل إلى الكفر، ونصه: «بخلاف مطلق اسم الجسم مع نفي التشبيه فإنه يكفر، لاختياره إطلاق ما هو موهم للنقص بعد علمه بذلك، ولو نفى التشبيه، فلم يبق منه إلا التساهل والاستخفاف بذلك»[(1081)] اهـ.
لاحظ قوله: « بعد علمه بذلك، ولو نفى التشبيه» اهـ، فإنه كالنص في بيان هذا الذي نحن فيه.
أما التشكيك بنقل العلماء عن مشاهير المشبهة، هل قالوا ما ينقل عنهم أم لا، فهو دوران ومرواغة لا تنفع، فإما أن يقول هذا المراوغ: إن القائل بالتركيب والحجم في حق الله كافر أيا كان قائله، وإن مات على ذلك فهو مخلد في نار جهنم، وإما أن يعاند ويجاهر بأنه ليس كذلك، وهو هلاك وكفر، والعياذ بالله تعالى.
ولا يجوز أن يكون المسلم في دينه مذبذبا تائها، لا يميز المسلم من غيره، وإلا خلط الإيمان بالكفر، وأدخل في دائرة الإيمان من رد قول الله سبحانه وتعالى: {…ليس كمثله شيء… *} [(1082)]، فما أجرأهم على التقول على الله وعلى دينه، والله أعلم بمكرهم، {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور *} [(1083)].
وإذا تبين ذلك كله تلخص : أنه لا بد من التحذير من إطلاق بعض المنتسبين للعلم ترك تكفير أهل الأهواء، وهو كلام مردود، وقد تقدم أنه ثبت عن الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل تكفير بعض أهل الأهواء. وربما يناسب تلخيص بعضا مما نقلناه لك قبل، أما أحمد بن حنبل فقال: «من قال الله جسم لا كالأجسام كفر»، وأما الشافعي فقال «لا يكفر أهل القبلة» واستثنى المجسم. ذكره السيوطي في «الأشباه والنظائر»[(1084)].
والنووي كفر المجسم في «شرح المهذب»[(1085)]، وكفر الشافعي القدري أي المعتزلي، والقائل بخلق القرءان الذي هو مذهب المعتزلة الذين يقولون: الله ليس له كلام إلا ما يخلقه في غيره. نقل ذلك صاحب البيان العمراني اليمني وهو قبل النووي.
وقال مالك: أرى أن يستتاب أهل الأهواء، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم.اهـ وهذا صحيح ثابت عنه، رواه عنه الإمام المجتهد أبو بكر بن المنذر في كتابه «الأوسط» وفي كتابه «الإشراف».
وكذلك قال كمال بن الهمام الحنفي في «فتح القدير»: «المجسم القائل جسم لا كالأجسام كافر» اهـ.
وقد تقدم أنه لا حجة في قول الشافعي: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية. وأنه محمول على من لم يصل منهم إلى الكفر، أي لم تثبت عليه قضية معينة تقتضي كفره، هذا هو محمل كلام الشافعي كما قال الحافظ سراج الدين البلقيني الشافعي في كتابه «حواشي الروضة».
بل قدمنا التحذير من الأخذ بما ينسب لبعض المتأخرين من الشافعية، كعز الدين بن عبد السلام والغزالي والرازي وغيرهم في أمر تكفير المجسم والجهوي، وبينا وجه التناقض فيما ينقل عنهم، واستشهدنا على ذلك بكلامهم وتنبيه بعض العلماء على عدم صحة هذه الأقوال أو النقول عنهم، خاصة وأن كلامهم خالف كلام الشافعي فلا يعتد به. والعبرة بكلام الإمام ومن وافقه من المنتسبين إليه كأبي حامد المروزي، إمام أصحاب الشافعي المراوزة، والإمام أبي منصور البغدادي، فإنه قال: «يجب تكفير كل زعيم من زعماء المعتزلة ». يعني بذلك أن المنتسبين إلى الاعتزال منهم من لا يعتقد مقالاتهم الكفرية، إنما يعتقد بعض مقالاتهم التي ليست كفرا، فإن منهم من لا يرى بعض أصول عقائدهم وهو منتسب إليهم، فإن المعتزلة لهم مقالات كفرية ومقالات دون الكفر مع كونها ضلالة وبدعة، وقد ذكرت قبل هذا في موضع من هذه الرسالة ما قاله الإمام عبد القاهر بن طاهر البغدادي في كتابه «تفسير الأسماء والصفات»[(1086)] وهو قوله: «فأما أصحابنا فإنهم وإن أجمعوا على تكفير المعتزلة والغلاة من الخوارج والنجارية والجهمية والمشبهة، فقد أجازوا لعامة المسلمين معاملتهم في عقود البياعات، والإجارات والرهون وسائر المعاوضات دون الأنكحة، فأما مناكحتهم، وموارثتهم والصلاة عليهم وأكل ذبائحهم فلا يحل شىء من ذلك، إلا الموارثة ففيها خلاف بين أصحابنا » انتهى.
وبهذا يعلم أن ما ذكر في كتاب «روضة الطالبين» للنووي من ترك تكفيرهم، وصحة الاقتداء بهم، خلاف ما ذكره المتقدمون من أصحاب الشافعي.
ومثل هذا ما هو مذكور في كتاب «الاقتصاد في الاعتقاد» المنسوب للغزالي ، من عدم تكفير أهل الأهواء على الإطلاق فإنه باطل، مخالف لقول الإمام الشافعي وسائر الأئمة الأربعة وغيرهم رضي الله عنهم.
وحكى القاضي عياض في «الشفا” عن الجاحظ وثمامة المعتزليين أنهما قالا: «إن كثيرا من العامة والنساء والبله، ومقلدة النصارى واليهود وغيرهم لا حجة لله عليهم، إذ لم تكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال. وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحدا من النصارى واليهود، وكل من فارق دين المسلمين، أو وقف في تكفيرهم أو شك. قال القاضي أبو بكر: لأن التوقيف والإجماع اتفقا على كفرهم، فمن وقف في ذلك فقد كذب النص، والتوقيف، أو شك فيه، والتكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كافر»[(1087)] اهـ.
ـ[1005] كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد: (ص/58 – 59)، الطبعة الأولى، مؤسسة الكتب الثقافية.
ـ[1006] العقيدة النظامية (ص/).
ـ[1007] كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة: (ص/59).
ـ[1008] كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص/59).
ـ[1009] كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص/60).
ـ[1010] يقال: رجل عبل إذا كان غليظا، وكذلك كل غليظ من الدواب والمصدر العبالة والعبولة، وألقى فلان على فلان عبالته أي ثقله، يراجع: جمهرة اللغة (1/366).
ـ[1011] كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص/61 – 62).
ـ[1012] الشامل في أصول الدين (ص/221 – 225)، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، 1420هـ – 1999 .
ـ[1013] المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب، لأحمد بن يحيى الونشريسي (2/382 – 385)، دار الغرب الإسلامي بيروت.
ـ[1014] أضواء البيان (2/18).
ـ[1015] البرهان المؤيد (ص/14).
ـ[1016] التفسير الكبير (7/113 – 114).
ـ[1017] التفسير الكبير (13/69).
ـ[1018] التفسير الكبير (16/24).
ـ[1019] معالم أصول الدين (ص/137) المسألة العشرون المختار عندنا أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة إلا بدليل منفصل.
ـ[1020] الفقيه والمتفقه (2/331 – 332)، باب ذكر شروط من يصلح للفتوى.
ـ[1021] المنهج القويم لابن حجر الهيتمي (ص/294)، فصل في صلاة النفل.
ـ[1022] تشنيف المسامع شرح جمع الجوامع (4/648). تأليف: الإمام بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي المتوفى 794هـ، دراسة وتحقيق الدكتور سيد عبد العزيز والدكتور عبد الله ربيع، المدرسان بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي القاهرة، توزيع المكتبة المكية مكة المكرمة.
ـ[1023] الفتاوى الحديثية، لابن حجر الهيتمي (ص/111).
ـ[1024] المجموع شرح المهذب (4/253)، ونصه: «فممن يكفر من يجسم تجسيما صريحا» اهـ.
ـ[1025] سورة الشورى: 11 .
ـ[1026] كفاية الأخيار، لتقي الدين الحصني (ص/495).
ـ[1027] السراج الوهاج ..، وهو من تلاميذ ناصر الدين البيضاوي، وهو من مشايخ العضد الإيجي والشيخ الأردبيلي.
ـ[1028] إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين (2/6 – 7).
ـ[1029] بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس (1/51).
ـ[1030] حاشية الرملي (1/219).
ـ[1031] الفقه الأبسط، ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري (ص/12)، وشرح الفقه الأكبر لملا علي القاري (ص/171)، والبرهان المؤيد للإمام أحمد الرفاعي (ص/18)، ودفع شبه من شبه وتمرد لتقي الدين الحصني (ص/18).
ـ[1032] مقالات الكوثري (ص/261).
ـ[1033] مناهل العرفان في علوم القرآن (2/209 – 211).
ـ[1034] أصول الدين لأبي منصور البغدادي (ص/361).
ـ[1035] الأسماء والصفات لأبي منصور البغدادي (ص/).
ـ[1036] رواه ابن فورك في مشكل الحديث وبيانه (1/102)، ذكر خبر آخر في مثل هذا المعنى مما ذكر في خلق آدم عليه السلام.
ـ[1037] أخرجه مسلم في صحيحه (4/2045)، (2654)، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء.
ـ[1038] إلجام العوام عن علم الكلام (ص/62 – 63)، من مجموعة رسائل الغزالي.
ـ[1039] المختار من لحن العامة والخاصة في المعتقدات (ص/57 – 58) لأبي علي عمر بن محمد السكوني المالكي نزيل تونس المتوفى سنة 717هـ.
ـ[1040] الظاهر أن وجه الخلاف في ذلك لجهة ما تقدم من عدم فهم بعض أتباع بعض أهل البدع لتلك العبارات الفاسدة لا أن ذلك مطلق، وذلك من باب التخوف من الحكم بالردة والكفر على من نطق بتلك الكلمات وهو غير فاهم لمعناها أو يظن أنها ترد في لسان العرب بمعنيين أحدهما غير كفر، كما مر في الأمثلة السابقة من نحو ظن بعضهم أنه يطلق على الله لفظ جسم بمعنى موجود أو أنه في جهة فوق بمعنى أنه عالي القدر، وإن كان كلامهم غير صحيح.
ـ[1041] قال الشيخان عبد الكريم التتان ومحمد أديب كيلاني في شرحهما على جوهرة التوحيد: « وقد كفر العراقي وغيره مثبت الجهة لله تعالى وهو واضح، لأن معتقد الجهة لا يمكنه إلا أن يعتقد التحيز والجسمية، وإن قال غير ذلك فهو قول متناقض » اهـ.
ـ[1042] أي لكونه لا يفهم ذلك المعنى الفاسد، لا أن ذلك مطلق في كل حال، على ما مر في كلام الجويني والمتولي والباقلاني والغزالي.
ـ[1043] استحالة المعية بالذات وما يضاهيها من متشابه الصفات للمحدث الشيخ محمد الخضر بن ماياني الجكني نسبا الشنقيطي إقليما المدني مهاجرا (ص/376).
ـ[1044] الفتاوى الحديثية، لابن حجر الهيتمي (ص/82).
ـ[1045] تفسير القرطبي (12/256).
ـ[1046] دفع شبه من شبه وتمرد (ص/7).
ـ[1047] سورة الملك، الآية: 10 .
ـ[1048] سورة الشعراء، الآية: 227 .
ـ[1049] إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/165 – 166).
ـ[1050] إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/175 – 176).
ـ[1051] الفقه على المذاهب الأربعة (4/201 – 202).
ـ[1052] أصول الدين (ص/363)، المسألة الرابعة عشر: في أنكحة أهل الأهواء وذبائحهم ومواريثهم.
ـ[1053] الشامل في أصول الدين (ص/132)، تأليف إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني الشافعي المتوفى سنة 478هـ، وضع حواشيه عبد الله محمود محمد عمر، منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت – لبنان.
ـ[1054] المرجع السابق (ص/208).
ـ[1055] عبل عبالة: ضخم وابيض وغلظ.
ـ[1056] المرجع السابق (ص/212).
ـ[1057] سورة القمر: 52 .
ـ[1058] سورة القمر: 49 .
ـ[1059] المرجع السابق (ص/212).
ـ[1060] لسان الميزان (5/354).
ـ[1061] سورة الأنعام: جزء من الآية 19 .
ـ[1062] سورة الأعراف: 180 .
ـ[1063] شعب الإيمان (1/137 – 138).
ـ[1064] أبكار الأفكار في أصول الدين (ص/447)، تأليف الإمام أبي ا لحسن علي بن محمد بن سالم المعروف بسيف الدين الآمدي المتوفى 631هـ، حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه أحمد فريد المزيدي، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان.
ـ[1065] سورة الأنعام: 19 .
ـ[1066] الفصل في الملل (2/93).
ـ[1067] نجم المهتدي ورجم المعتدي (ص/544) مخطوط.
ـ[1068] مجموعة الحواشي البهية على شرح العقائد النسفية المجلد الثالث وفيه الجزءان الثالث والرابع (ص/155).
ـ[1069] كما بين الطحاوي في عقيدته: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر» اهـ، وقد تقدم الكلام عليها في غير موضع.
ـ[1070] مناهل العرفان في علوم القرآن (2/209 – 211).
ـ[1071] إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/34).
ـ[1072] إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/39 – 40).
ـ[1073] نجم المهتدي ورجم المعتدي (ص/588) مخطوط.
ـ[1074] مختصر الإفادات (ص/489).
ـ[1075] إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/132).
ـ[1076] الإشراف (3/260).
ـ[1077] تشنيف المسامع شرح جمع الجوامع (4/648). تأليف: الإمام بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي المتوفى 794هـ، دراسة وتحقيق الدكتور سيد عبد العزيز والدكتور عبد الله ربيع، المدرسان بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي القاهرة، توزيع المكتبة المكية مكة المكرمة.
ـ[1078] إشارات المرام من عبارات الإمام أبي حنيفة النعمان في أصول الدين (ص/168).
ـ[1079] شرح فتح القدير (1/350).
ـ[1080] شرح فتح القدير (1/351).
ـ[1081] سورة الشورى: 11 .
ـ[1082] سورة فاطر: 10 .
ـ[1083] الأشباه والنظائر (ص/598).
ـ[1084] المجموع: (4/253).
ـ[1085] تفسير الأسماء والصفات (ص/228).
ـ[1086] الشفا بتعريف حقوق المصطفى: (2/280 – 281)، فصل في تحقيق القول في إكفار المتأولين.
ـ[1087] رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (4/108)، كتاب الأحكام، والبيهقي في سننه الكبرى (6/95)، باب نصر المظلوم والأخذ على يد الظالم عند الإمكان.
بيان أن الإجماع قائم على تكفير المجسم والجهوي
وقد نقل جمهرة من الأعلام الإجماع على تكفير المجسم والجهوي، وهذا التكفير لمثبت الجهة لله تعالى واضح، لأن معتقد الجهة لا يمكنه إلا أن يعتقد التحيز والجسمية، وإن قال غير ذلك فهو قول متناقض، وممن نقل ذلك:
قال الشيخ ابن حجر الهيتمي: «واعلم أن القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم ، وهم حقيقون بذلك»[(937)] أي جديرون بالحكم عليهم بالكفر.
قال الشيخ ابن حجر الهيتمي: عقيدة إمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنان المعارف متقلبه ومأواه وأفاض علينا وعليه من سوابغ امتنانه وبوأه الفردوس الأعلى من جنانه، موافقة لعقيدة أهل السنة والجماعة من المبالغة التامة في تنزيه الله تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا من الجهة والجسمية وغيرهما من سائر سمات النقص، بل وعن كل وصف ليس فيه كمال مطلق، وما اشتهر بين جهلة المنسوبين إلى هذا الإمام الأعظم المجتهد من أنه قائل بشىء من الجهة أو نحوها فكذب وبهتان وافتراء عليه، فلعن الله من نسب ذلك إليه، أو رماه بشىء من هذه المثالب التي برأه الله منها، وقد بين الحافظ الحجة القدوة الإمام أبو الفرج بن الجوزي من أئمة مذهبه المبرئين من هذه الوصمة القبيحة الشنيعة، أن كل ما نسب إليه من ذلك كذب عليه وافتراء وبهتان وأن نصوصه صريحة في بطلان ذلك وتنزيه الله تعالى عنه فاعلم ذلك فإنه مهم.
وإياك أن تصغى إلى ما في كتب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وغيرهما ممن اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله، وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدودو وتعدوا الرسوم وخرقوا سياج الشريعة والحقيقة، فظنوا بذلك أنهم على هدى من ربهم وليسوا كذلك، بل هم على أسوأ الضلال وأقبح الخصال وأبلغ المقت والخسران وأنهى الكذب والبهتان فخذل الله متبعهم وطهر الأرض من أمثالهم.
وإياك أن تغتر أيضا بما وقع في الغنية لإمام العارفين وقطب الإسلام والمسلمين الأستاذ عبد القادر الجيلاني، فإنه دسه عليه فيها من سينتقم الله منه وإلا فهو برىء من ذلك وكيف تنروج عليه هذه المسألة الواهية مع تضلعه من الكتاب والسنة وفقه الشافعية والحنابلة حتى كان يفتي على المذهبين، هذا مع ما انضم لذلك من أن الله من عليه من المعارف والخوارق الظاهرة والباطنة وما أنبأ عنه ما ظهر عليه وتواتر من أحواله، ومنه ما حكاه اليافعي رحمه الله وقال: مما علمناه بالسند الصحيح المتصل أن الشيخ عبد القادر الجيلاني أكل دجاجة ثم لما لم يبق غير العظيم توجه إلى الله في إحيائها فأحياها الله إليه وقامت تجري بين يديه كما كانت قبل ذبحها وطبخها، فمن امتن الله عليه بمث هذه الكرامات الباهرة يتصور أو يتوهم أنه قائل بتلك القبائح التي لا يصدر مثلها إلا عن اليهود وأمثالهم ممن استحكم فيه الجهل بالله وصفاته وما يجب له وما يجوز وما يستحيل: {…سبحانك هذا بهتان عظيم *} [سورة النور] . ومما يقطع به كل عاقل أن الشيخ عبد القادر لم يكن غافلا عما في (رسالة القشيري) وإذا لم يجهل ذلك فكيف يتوهم فيه هذه القبيحة الشنيعة، وفيها عن بعض رجالها أئمة القوم السالمين عن كل محذور ولوم أنه قال: كان في نفسي شىء من حديث الجهة فلما زال ذلك عني كتبت إلى أصحابنا إني قد أسلمت الآن ، فتأمل ذلك واعتن به لعلك توفق للحق إن شاء الله تعالى وتجري على سنن الاستقامة»[(938)] اهـ.
ونقل السيوطي هذا المعنى فقال: «قاعدة: قال الشافعي: لا يكفر أحد من أهل القبلة، واستثنى من ذلك المجسم ، ومنكر علم الجزئيات، وقال بعضهم: المبتدعة أقسام:
الأول: ما نكفره قطعا، كقاذف عائشة رضي الله عنها، ومنكر علم الجزئيات، وحشر الأجساد، والمجسمة ، والقائل بقدم العالم.
الثاني: ما لا نكفره قطعا، كالقائل بتفضيل الملائكة على الأنبياء، وعلي على أبي بكر.
الثالث والرابع: ما فيه خلاف، والأصح التكفير أو عدمه، كالقائل بخلق القرآن صحح البلقيني التكفير والأكثرون عدمه، وساب الشيخين صحح المحاملي التكفير والأكثرون عدمه»[(939)] اهـ.
انظر إلى قوله: «ما نكفره قطعا» ثم عد المجسمة فيهم.
ثم ها هو الأصولي أبو جعفر الطحاوي المولود سنة 227هـ في عقيدته المشهورة والتي ارتضاها المسلمون ودرسوها في معاهدهم وجامعاتهم، والتي ذكر أنها عقيدة أهل السنة والجماعة حيث قال فيها: « تعالى (الله) عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات »[(940)] اهـ.
ثم أوضح أن المتحيز في الجهة مشبه لسائر المبتدعات أي المخلوقات، وفي نفس المتن يقول: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر» [(941)] اهـ.
وبالنظر إلى أنه قال في أول هذه الرسالة: إنها عقيدة أهل السنة والجماعة، ثم بين تكفير من وصف الله بصفة من صفات الخلق يتبين أنه ينقل إجماع أهل السنة على تكفير القائل بالجسمية والجهة في حق الله.
قال الحافظ البيهقي في شعب الإيمان ناقلا عن الحليمي: «وأما البراءة من التشبيه بإثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض، فلأن قوما زاغوا عن الحق فوصفوا البارئ جل وعز ببعض صفات المحدثين، فمنهم من قال: إنه جوهر. ومنهم من قال: إنه جسم. ومنهم من أجاز أن يكون على العرش قاعدا كما يكون الملك على سريره، وكل ذلك في وجوب اسم الكفر لقائله كالتعطيل والتشريك، فإذا أثبت المثبت أنه ليس كمثله شىء. وجماع ذلك أنه ليس بجوهر ولا عرض فقد انتفى التشبيه، لأنه لو كان جوهرا أو عرضا لجاز عليه ما يجوز على سائر الجواهر والأعراض، وإذا لم يكن جوهرا ولا عرضا لم يجز عليه ما يجوز على الجواهر من حيث إنها جواهر كالتأليف، والتجسيم وشغل الأمكنة والحركة والسكون، ولا ما يجوز على الأعراض من حيث إنها أعراض كالحدوث، وعدم البقاء»[(942)] اهـ.
قال القاضي أبو علي المحسن بن علي بن محمد التنوخي المتوفى سنة 384 للهجرة، ما نصه: «حضرت مجلس أبي محمد المهلبي، وكانت العامة ببغداد قد هاجت في أيام وزارته وعظمت الفتنة وقبض على جماعة من العيارين وحملة السكاكين وجعلهم في زوارق مطبقة وحملهم إلى بيروذ[(943)] وحبسهم هناك. فاستهانوا بالقصة وكثف أمرهم وكثر كلام القصاص في الجوامع ورؤساء الصوفية فخاف من تجديد الفتنة، فقبض على خلق منهم وحبسهم، وأحضر أبا السائب قاضي القضاة إذ ذاك، وجماعة من القضاة والشهود، والفقهاء وكنت فيهم لمناظرتهم، وأصحاب الشرط لنأمن مضرتهم إذا قامت الحجج عليهم.
فاتفق أن بدئ برجل من رؤساء الصوفية يعرف بأبي إسحاق بن ثابت ينزل بباب الشام أحد الربانيين عند أصحابه، فقال له: بلغني أنك تقول في دعائك: «يا واحدي بالتحقيق يا جاري اللصيق» فمن لا يعلم بأن الله لا يجوز أن يوصف بأنه لصيق على الحقيقة فهو كافر لأن الملاصقة من صفات الأجسام ، ومن جعل الله جسما كفر، فمن يكون محله في العلم هذا يتكلم على الناس»[(944)] اهـ.
وقال القاضي عبد الحق بن عطية الإشبيلي: «العلي يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان لأن الله منزه عن التحيز، وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه، وهذا قول جهلة مجسمين ، وكان الوجه أن لا يحكى، وكذا «العظيم” هي صفة بمعنى عظم القدر والخطر لا على معنى عظم الأجرام»[(945)] اهـ.
ولا فرق بين الذي يقول: الله جسم، ويسكت وبين من يقول: الله جسم كالأجسام، أو الله جسم لا كالأجسام، أليس قال الله جسم؟ أليس الوصف بالجسم من صفات المخلوقات من بشر وجن وملائكة وحجر وجبل وهواء وروح وريح ونار ونور وغير ذلك؟
وقال الفخر الرازي: «بل الأقرب أن المجسمة كفار لأنهم اعتقدوا أن كل ما لا يكون متحيزا ولا في جهة فليس بموجود، ونحن نعتقد أن كل متحيز فهو محدث وخالقه موجود ليس بمتحيز ولا في جهة، فالمجسمة نفوا ذات الشىء الذي هو الإله فيلزمهم الكفر»[(946)] اهـ.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب البغدادي المالكي: «واعلم أن الوصف له تعالى بالاستواء إتباع للنص، وتسليم للشرع، وتصديق لما وصف نفسه تعالى به، ولا يجوز أن يثبت له كيفية، لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا أخبر النبي عليه السلام فيه بشىء، ولا سألته الصحابة عنه، ولأن ذلك يرجع إلى التنقل والتحول وإشغال الحيز والافتقار الى الأماكن، وذلك يؤول إلى التجسم، وإلى قدم الأجسام، وهذا كفر عند كافة أهل الإسلام ، وقد أجمل مالك رحمه الله الجواب عن سؤال من سأله: الرحمـن على العرش استوى، كيف استوى؟ فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والسؤال عن هذا بدعة، ثم أمر بإخراج السائل»[(947)] اهـ.
وقال ابن الملقن في شرح الجامع الصحيح: «ما ذكره في تفسير: {…ولتصنع على عيني *} [(948)] هو قول قتادة، وهو معروف في اللغة يقال: صنعت الفرس وصنعته إذا أحسنت القيام عليه، واستدلاله من هذه الآية والحديث على أن لله تعالى (صفة) سماها (عينا) ليست هو ولا غيره، وليست كالجوارح المعقولة بيننا، لقيام الدليل على استحالة وصفه بأنه ذو جوارح وأعضاء تعالى عن ذلك، خلافا لما تقوله المجسمة من أنه تعالى جسم لا كالأجسام ، واستدلوا على ذلك بهذه، كما استدلوا بالآيات المتضمنة لمعنى الوجه، واليدين. ووصفه لنفسه بالإتيان والمجيء والهرولة في حديث الرسول ، وذلك كله باطل وكفر من متأوله ، لقيام الدليل على تساوي الأجسام في دلائل الحدث القائم بها واستحالة كونه من جنس المحدثات، إذ المحدث إنما كان محدثا من حيث متعلق هو متعلق بمحدث أحدثه، وجعله بالوجود أولى منه بالعدم»[(949)] اهـ.
وقد قال ملا علي القاري في أثناء كلامه على مذهب العلماء في المتشابهات ما نصه: «بكلامه -أي النووي- وبكلام الشيخ الرباني أبي إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم من أئمتنا وغيرهم يعلم أن المذهبين متفقان على صرف تلك الظواهر، كالمجيء والصورة والشخص والرجل والقدم واليد والوجه والغضب والرحمة والاستواء على العرش والكون في السماء وغير ذلك مما يفهمه ظاهرها، لما يلزم عليه من محالات قطعية البطلان تستلزم أشياء يحكم بكفرها بالإجماع ، فاضطر ذلك جميع الخلف والسلف إلى صرف اللفظ عن ظاهره»[(950)] اهـ.
وضبط هذه المسئلة الشيخ محمد بن أحمد ميارة المالكي، فقال: «وأما القسم الثاني وهو الاعتقاد، فينقسم قسمين:
مطابق في نفس الأمر: ويسمى الاعتقاد الصحيح، كاعتقاد عامة المؤمنين المقلدين.
وغير مطابق: ويسمى الاعتقاد الفاسد، والجهل المركب كاعتقاد الكافرين، فالفاسد أجمعوا على كفر صاحبه، وأنه آثم غير معذور مخلد في النار، اجتهد أو قلد، ولا يعتد بخلاف من خالف في ذلك من المبتدعة»[(951)] اهـ. يلخص هذا كله ما قاله الشيخ تقي الدين الحصني رحمه الله، ونصه: «الكيف من صفات الحدث، وكل ما كان من صفات الحدث فالله عز وجل منزه عنه، فإثباته له سبحانه كفر محقق عند جميع أهل السنة والجماعة» [(952)] اهـ.
وقال محمد مرتضى الزبيدي: «وقال السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: اعلم أن حكم الجواهر والأعراض كلها الحدوث، فإذا العالم كله حادث. وعلى هذا إجماع المسلمين بل كل الملل، ومن خالف في ذلك فهو كافر لمخالفته الإجماع القطعي ، وهذا المطلب مما يكفي السمع لعدم توقفه عليه لحصول العلم بوجود الصانع بإمكان العالم وإمكانه ضروري، ثم أقام البرهان على حدوث الجوهر وأن الجوهر لا يخلو عن عرض والعرض حادث، فالجوهر لا يخلو عن الحادث وما لا يخلو عن الحادث لا يسبقه إذ لو سبقه لخلا عنه وما لا يسبق الحادث حادث، فالجوهر حادث. قال: وهو أشهر حجج أهل النظر العقلي. قال: وقد يقال على وجه أخص وأتم وهو أن كل ما سوى الواجب ممكن وكل ممكن حادث، فالعالم حادث. أما المقدمة الأولى فظاهرة، وأما الثانية فلأن الممكن يحتاج في وجوده إلى موجد، والموجد لا يمكن أن يوجد حال وجوده، وإلا لكان إيجادا للموجد وهو محال. فيلزم أن يوجده حال لا وجوده فيكون وجوده مسبوقا بعدمه وذلك حدوثه وهو المطلوب»[(953)] اهـ. وقال النسفي في تفسيره المشهور عند تفسير ءاية: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون *} [(954)]ومن الإلحاد تسمية الله بالجسم والجوهر والعقل والعلة» [(955)] اهـ.
قال الشيخ محمد بن أحمد الفاسي المالكي الشهير بميارة والمتوفى سنة 1072هـ «وخرج بوصفه بالمطابق الجزم غير المطابق ويسمى الاعتقاد الفاسد والجهل المركب كاعتقاد الكافرين التجسيم أو التثليث أو نحو ذلك والإجماع على كفر صاحبه أيضا، وأنه ءاثم غير معذور مخلد في النار اجتهد أو قلد. قال في شرح الكبرى: ولا يعتد بخلاف من خالف في ذلك من المبتدعة»[(956)] اهـ.
وهذه نقول عن العلماء في بيان كفر من يعتقد أن الله يسكن السماء أو يتحيز فوق العرش أو في غير ذلك من الأماكن، لتأكيد ما نبهنا عليه من أمر الإجماع على هذه المسألة، وإنما خصصناها بمزيد من العناية والنقول لأن بعض الناس يتهاون فيها ما لا يتهاون في تكفير المجسم.
1 – قال الإمام المجتهد أبو حنيفة رضي الله عنه في كتابه الفقه الأبسط ما نصه: «من قال لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض»[(957)] اهـ.
2 – ووافقه على ذلك الشيخ العز بن عبد السلام في كتابه حل الرموز فقال ما نصه: «لأن هذا القول يوهم أن للحق مكانا، ومن توهم أن للحق مكانا فهو مشبه» اهـ.
3 – وارتضاه الشيخ ملا علي القاري الحنفي وقال ما نصه: «ولا شك أن ابن عبد السلام من أجل العلماء وأوثقهم، فيجب الاعتماد على نقله»[(958)] اهـ.
4 – وحكى القاضي حسين عن نص الشافعي أنه قال: «وهذا منتظم من كفره مجمع عليه، ومن كفرناه من أهل القبلة، كالقائلين بخلق القرآن، وبأنه لا يعلم المعدومات قبل وجودها، ومن لا يؤمن بالقدر، وكذا من يعتقد أن الله جالس على العرش »[(959)] اهـ.
5 – وقال أبو القاسم القشيري في رسالته القشيرية ما نصه: «سمعت الإمام أبا بكر بن فورك رحمه الله تعالى يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: كنت أعتقد شيئا من حديث الجهة، فلما قدمت بغداد زال ذلك عن قلبي، فكتبت إلى أصحابنا بمكة: إني أسلمت الآن إسلاما جديدا»[(960)] اهـ.
6 – وقال أبو منصور البغدادي: «إن أصحابنا أكفروا أهل البدع في صفات البارئ عز وجل بإجماع الأمة على إكفار من أنكر النبوات أو شك في عقائد الأنبياء، فما كان شكه في صفة من صفات بعض الناس يورثه الكفر فشكه في صفة لازمة لله تعالى أو جهله بها أولى بأن يوجب تكفيره» [(961)] اهـ.
7 – وقال رحمه الله تعالى: «وأما جسمية خراسان من الكرامية فتكفيرهم واجب لقولهم إن الله تعالى له حد ونهاية من جهة السفل ومنها يماس عرشه»[(962)] اهـ.
8 – أبو حامد الغزالي يقول: «فعلى العامي أن يتحقق قطعا ويقينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك جسما هو عضو مركب من لحم ودم وعظم، وأن ذلك في حق الله تعالى محال وهو عنه مقدس، فإن خطر بباله أن الله جسم مركب من أعضاء فهو عابد صنم، فإن كل جسم فهو مخلوق، وعبادة المخلوق كفر، وعبادة الصنم كانت كفرا لأنه مخلوق، وكان مخلوقا لأنه جسم، فمن عبد جسما فهو كافر بإجماع الأمة السلف منهم والخلف »[(963)] اهـ. 9 – وقال الأسفراييني أبو المظفر: «وأما الهشامية فإنهم أفصحوا عن التشبيه بما هو كفر محض باتفاق جميع المسلمين ، وهم الأصل في التشبيه، وإنما أخذوا تشبيههم من اليهود حين نسبوا إليه الولد، وقالوا: عزير ابن الله، وأثبتوا له المكان والحد والنهاية والمجيء والذهاب، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا» [(964)] اهـ.
10 – وقال لسان المتكلمين أبو المعين ميمون بن محمد النسفي الحنفي ما نصه: «والله تعالى نفى المماثلة بين ذاته وبين غيره من الأشياء، فيكون القول بإثبات المكان له ردا لهذا النص المحكم – أي قوله تعالى: {…ليس كمثله شيء… *} – الذي لا احتمال فيه لوجه ما سوى ظاهره، وراد النص كافر ، عصمنا الله عن ذلك»[(965)] اهـ.
11 – وقال الشيخ زين الدين الشهير بابن نجيم الحنفي ما نصه: «ويكفر بإثبات المكان لله تعالى، فإن قال: الله في السماء، فإن قصد حكاية ما جاء في ظاهر الأخبار لا يكفر، وإن أراد المكان كفر»[(966)] اهـ.
12 – وقال الشيخ ملا علي القاري الحنفي ما نصه: «فمن أظلم ممن كذب على الله، أو ادعى ادعاء معينا مشتملا على إثبات المكان والهيئة والجهة من مقابلة وثبوت مسافة وأمثال تلك الحالة، فيصير كافرا لا محالة»[(967)] اهـ. 13 – وقال: «من اعتقد أن الله لا يعلم الأشياء قبل وقوعها فهو كافر، وإن عد قائله من أهل البدعة، وكذا من قال: بأنه سبحانه جسم وله مكان ويمر عليه زمان ونحو ذلك كافر، حيث لم تثبت له حقيقة الإيمان»[(968)] اهـ.
14 – وقال أيضا ما نصه: «بل قال جمع منهم -أي من السلف- ومن الخلف إن معتقد الجهة كافر كما صرح به العراقي، وقال: إنه قول لأبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني»[(969)] اهـ.
15 – وقال الشيخ العلامة كمال الدين البياضي الحنفي في شرح كلام الإمام أبي حنيفة ما نصه: «فقال -أي أبو حنيفة- (فمن قال: لا أعرف ربي أفي السماء أم في الأرض فهو كافر) لكونه قائلا باختصاص البارئ بجهة وحيز وكل ما هو مختص بالجهة والحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة، فهو قول بالنقص الصريح في حقه تعالى (كذا من قال إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض) لاستلزامه القول باختصاصه تعالى بالجهة والحيز والنقص الصريح في شأنه سيما في القول بالكون في الأرض ونفي العلو عنه تعالى بل نفي ذات الإله المنزه عن التحيز ومشابهة الأشياء. وفيه إشارات:
الأولى: أن القائل بالجسمية والجهة منكر وجود موجود سوى الأشياء التي يمكن الإشارة إليها حسا، فمنهم منكرون لذات الإله المنزه عن ذلك، فلزمهم الكفر لا محالة. وإليه أشار بالحكم بالكفر.
الثانية: إكفار من أطلق التشبيه والتحيز، وإليه أشار بالحكم المذكور لمن أطلقه، واختاره الإمام الأشعري فقال في النوادر: من اعتقد أن الله جسم فهو غير عارف بربه وإنه كافر به، كما في شرح الإرشاد لأبي قاسم الأنصاري»[(970)] اهـ.
16 – قال الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي ما نصه: «وأما أقسام الكفر فهي بحسب الشرع ثلاثة أقسام ترجع جميع أنواع الكفر إليها، وهي: التشبيه، والتعطيل، والتكذيب… وأما التشبيه: فهو الاعتقاد بأن الله تعالى يشبه شيئا من خلقه، كالذين يعتقدون أن الله تعالى جسم فوق العرش، أو يعتقدون أن له يدين بمعنى الجارحتين، وأن له الصورة الفلانية أو على الكيفية الفلانية، أو أنه نور يتصوره العقل، أو أنه في السماء، أو في جهة من الجهات الست، أو أنه في مكان من الأماكن، أو في جميع الأماكن، أو أنه ملأ السموات والأرض، أو أن له الحلول في شىء من الأشياء، أو في جميع الأشياء، أو أنه متحد بشىء من الأشياء، أو في جميع الأشياء، أو أن الأشياء منحلة منه، أو شيئا منها. وجميع ذلك كفر صريح والعياذ بالله تعالى، وسببه الجهل بمعرفة الأمر على ما هو عليه»[(971)] اهـ.
17 – وقال الشيخ محمد بن أحمد عليش المالكي عند ذكر ما يوقع في الكفر والعياذ بالله ما نصه: «وكاعتقاد جسمية الله وتحيزه، فإنه يستلزم حدوثه واحتياجه لمحدث»[(972)] اهـ.
18 – وذكر هذا الحكم أيضا الشيخ العلامة المحدث الفقيه أبو المحاسن محمد القاوقجي الطرابلسي الحنفي في كتابه الاعتماد في الاعتقاد فقد قال: «ومن قال لا أعرف الله في السماء هو أم في الأرض كفر – لأنه جعل أحدهما له مكانا -»[(973)] اهـ.
19 – وفي كتاب الفتاوى الهندية لجماعة من علماء الهند ما نصه: «يكفر بإثبات المكان لله تعالى. ولو قال: الله تعالى في السماء، فإن قصد به حكاية ما جاء فيه ظاهر الأخبار لا يكفر، وإن أراد به المكان يكفر»[(974)] اهـ.
20 – وقال تقي الدين الحصني: «إلا أن النووي جزم في صفة الصلاة من شرح المهذب بتكفير المجسمة[(975)]، قلت (تقي الدين الحصني): وهو الصواب الذي لا محيد عنه، إذ فيه مخالفة صريح القرآن ، قاتل الله المجسمة والمعطلة، ما أجرأهم على مخالفة من {…ليس كمثله شيء وهو السميع البصير *} [(976)]، وفي هذه الآية رد على الفرقتين»[(977)] اهـ.
21 – وقال الشيخ محمود بن محمد بن أحمد خطاب السبكي المصري ما نصه: «سألني بعض الراغبين في معرفة عقائد الدين والوقوف على مذهب السلف والخلف في المتشابه من الآيات والأحاديث بما نصه: ما قول السادة العلماء حفظهم الله تعالى فيمن يعتقد أن الله عز وجل له جهة، وأنه جالس على العرش في مكان مخصوص، ويقول: ذلك هو عقيدة السلف، ويحمل الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد، ويقول لهم: من لم يعتقد ذلك يكون كافرا مستدلا بقوله تعالى: {الرحمان على العرش استوى *} [(978)]، وقوله عز وجل: {أأمنتم من في السماء… *} [(979)]، أهذا الاعتقاد صحيح أم باطل؟ وعلى كونه باطلا أيكفر ذلك القائل باعتقاده المذكور ويبطل كل عمله من صلاة وصيام وغير ذلك من الأعمال الدينية وتبين منه زوجه، وإن مات على هذه الحالة قبل أن يتوب لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وهل من صدقه في ذلك الاعتقاد يكون كافرا مثله؟ فأجبت بعون الله تعالى، فقلت: بسم الله الرحمـن الرحيم الحمد لله الهادي إلى الصواب، والصلاة والسلام على من أوتي الحكمة وفصل الخطاب، وعلى ءاله وأصحابه الذين هداهم الله ورزقهم التوفيق والسداد. أما بعد: فالحكم أن هذا الاعتقاد باطل ومعتقده كافر بإجماع من يعتد به من علماء المسلمين ، والدليل العقلي على ذلك قدم الله تعالى ومخالفته للحوادث، والنقلي قوله تعالى: {…ليس كمثله شيء… *} ، فكل من اعتقد أنه تعالى حل في مكان أو اتصل به أو بشىء من الحوادث كالعرش أو الكرسي أو السماء أو الأرض أو غير ذلك فهو كافر قطعا ، ويبطل جميع عمله من صلاة وصيام وحج وغير ذلك، وتبين منه زوجه، ووجب عليه أن يتوب فورا، وإذا مات على هذا الاعتقاد والعياذ بالله تعالى لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ومثله في ذلك كله من صدقه في اعتقاده أعاذنا الله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. وأما حمله الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد المكفر، وقوله لهم: من لم يعتقد ذلك يكون كافرا، فهو كفر وبهتان عظيم»[(980)] اهـ.
ثم قال الشيخ محمود محمد خطاب السبكي عقب هذه الفتوى: «هذا وقد عرضت هذه الإجابة على جمع من أفاضل علماء الأزهر فأقروها، وكتبوا عليها أسمائهم، وهم أصحاب الفضيلة:
الشيخ محمد النجدي شيخ السادة الشافعية.
والشيخ محمد سبيع الذهبي شيخ السادة الحنابلة.
والشيخ محمد العربي رزق المدرس بالقسم العالي.
والشيخ عبد الحميد عمار المدرس بالقسم العالي.
والشيخ علي النحراوي المدرس بالقسم العالي.
والشيخ دسوقي عبد الله العربي من هيئة كبار العلماء.
والشيخ علي محفوظ المدرس بقسم التخصص بالأزهر.
والشيخ إبراهيم عيارة الدلجموني المدرس بقسم التخصص بالأزهر.
والشيخ محمد عليان من كبار علماء الأزهر.
والشيخ أحمد مكي المدرس بقسم التخصص بالأزهر.
والشيخ محمد حسين حمدان»[(981)] اهـ.
22 – وقال أيضا: «إن من اعتقد وصفه تعالى بشىء من الجسمية أو الاستقرار على العرش أو الجهة … فهو كافر بإجماع السلف والخلف» [(982)] اهـ.
23 – وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية في دار الخلافة العثمانية ما نصه: «إن القول بإثبات الجهة له تعالى كفر عند الأئمة الأربعة هداة الأمة كما نقل عنهم العراقي على ما في شرح المشكاة لعلي القاري»[(983)] اهـ.
24 – وقال العلامة الشيخ المحدث الفقيه عبد الله الهرري المعروف بالحبشي حفظه الله ما نصه: «وحكم من يقول: (إن الله تعالى في كل مكان أو في جميع الأماكن) التكفير إذا كان يفهم من هذه العبارة أن الله بذاته منبث أو حال في الأماكن، أما إذا كان يفهم من هذه العبارة أنه تعالى مسيطر على كل شىء وعالم بكل شىء فلا يكفر. وهذا قصد كثير ممن يلهج بهاتين الكلمتين، ويجب النهي عنهما في كل حال»[(984)] اهـ.
25 – وقال أيضا: «ويكفر من يعتقد التحيز لله تعالى، أو يعتقد أن الله شىء كالهواء أو كالنور يملأ مكانا أو غرفة أو مسجدا، ونسمي المساجد بيوت الله لا لأن الله يسكنها بل لأنها أماكن يعبد الله فيها.
وكذلك يكفر من يقول: (الله يسكن قلوب أوليائه) إن كان يفهم الحلول.
وليس المقصود بالمعراج وصول الرسول إلى مكان ينتهي وجود الله تعالى إليه ويكفر من اعتقد ذلك، إنما القصد من المعراج هو تشريف الرسول صلى الله عليه وسلم باطلاعه على عجائب في العالم العلوي، وتعظيم مكانته ورؤيته للذات المقدس بفؤاده من غير أن يكون الذات في مكان»[(985)] اهـ.
قال الشيخ تقي الدين الحصني: «فإن الفوقية بإعتبار المكان لا تكون بالضرورة إلا في الأجرام والأجسام مركبة كانت أو بسيطة، والرب سبحانه وتعالى منزه عن ذلك إذ هو من صفات الحدث» [(986)] اهـ.
وكان قال قبل ذلك: «والعجب من قول هذا ما نحن مجسمة، وهو تشبيه محض، تعالى الله عز وجل عن المحل والحيز لاستغنائه عنهما ، ولأن ذلك مستحيل في حقه عز وجل، ولأن المحل والحيز من لوازم الأجرام، ولا نزاع في ذلك، وهو سبحانه وتعالى منزه عن ذلك لأن الأجرام من صفات الحدث وهو عز وجل منزه عن ذلك شرعا وعقلا ، بل هو أزلي لم يسبق بعدم بخلاف الحادث، ومن المعلوم أن الإستواء إذا كان بمعنى الإستقرار والقعود لا بد فيه من المماسة، والمماسة إنما تقع بين جسمين أو جرمين، والقائل بهذا شبه وجسم وما أبقى في التجسيم والتشبيه بقية كما أبطل دلالة: {…ليس كمثله شيء… *} ، ومن المعلوم في قوله تعالى: {لتستووا على ظهوره} ، أنه الاستقرار على الأنعام والسفن وذلك من صفات الآدميين فمن جعل الإستواء على العرش بمعنى الإستقرار والتمكن فقد ساوى بينه عز وجل وبين خلقه، وذلك من الأمور الواضحة التي لا يقف في تصورها بليد، فضلا عمن هو حسن التصور جيد الفهم والذوق، وحينئذ فلا يقف في تكذيبه: {…ليس كمثله شيء… *} ، وذلك كفر محقق» [(987)] اهـ.
فبان من هذه النصوص الواضحة عن جملة من علماء الأمة الإسلامية من السلف الصالح والخلف أن معتقد الجهة والمكان في حق الله تعالى مكذب للقرءان الكريم ولنبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم ومخالف لما اتفقت عليه كلمة هذه الأمة.
قال ابن منده: «ذكر الدليل على أن المجتهد المخطئ في معرفة الله عز وجل ووحدانيته كالمعاند، قال الله تعالى مخبرا عن ضلالتهم ومعاندتهم : {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا *الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا *} [(988)] وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه لما سئل عن الأخسرين أعمالا فقال: «كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم على حق، فأشركوا بربهم عز وجل وابتدعوا في دينهم، وأحدثوا على أنفسهم، فهم يجتمعون في الضلالة، ويحسبون أنهم على هدى، ويجتهدون في الباطل ويحسبون أنهم على حق، ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا». وقال علي رضي الله عنه: «منهم أهل حروراء»[(989)] اهـ.
فمن ادعى أن انحرافه في العقيدة من نحو اعتقاد الجسمية والجهة في حق الله اجتهاد منه فقد نادى على نفسه بالجهل والكفر والشذوذ عن إجماع الأمة.
ـ[937] الفتاوى الحديثية (ص/144 – 145) الشيخ ابن حجر الهيثمي / دار الفكر، لبنان – بيروت.ـ[938] الأشباه والنظائر (1/488).
ـ[939] العقيدة الطحاوية: 26 .
ـ[940] العقيدة الطحاوية: 23 .
ـ[941] شعب الإيمان (1/104)، الأول من شعب الإيمان و هو باب في الإيمان بالله عز وجل.
ـ[942] بيروذ: وهي من نواحي أهواز، يراجع الأنساب (ص/429).
ـ[943] نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة (2/153 – 154)، دار الكتب العلمية.
ـ[944] المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/336).
ـ[945] معالم أصول الدين (ص/138).
ـ[946] شرح عقيدة الإمام مالك الصغير لأبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني للقاضي أبي محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي (ص/28).
ـ[947] سورة طه: جزء من الآية 39 .
ـ[948] التوضيح لشرح الجامع الصحيح (المجلد33/255 – 256):كتاب التوحيد والرد على الجهمية، إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إدارة الشؤون الإسلامية دولة قطر.
ـ[949] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: (2/136).
ـ[950] الدر الثمين والمورد المعين للفقيه الشيخ محمد بن أحمد ميارة المالكي، شرح المرشد المعين للشيخ ابن عاشر المالكي، (ص/70).
ـ[951] دفع شبه من شبه وتمرد (ص/18).
ـ[952] إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين الجزء الثاني (ص/153): كتاب قواعد العقائد، دار الكتب العلمية.
ـ[953] سورة الأعراف: 180 .
ـ[954] تفسير النسفي: الجزء الثاني (ص/87).
ـ[955] مختصر الدر الثمين والمورد المعين (ص/19 – 20) شركة دار المشاريع / بيروت – لبنان 1430هـ – 2009م.ـ[956] الفقه الأبسط، ضمن مجموعة رسائل أبي حنيفة بتحقيق الكوثري (ص/12)، وشرح الفقه الأكبر لملا علي القاري (ص/171)، والبرهان المؤيد للإمام أحمد الرفاعي (ص/18)، ودفع شبه من شبه وتمرد لتقي الدين الحصني (ص/18).
ـ[957] نقله ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر بعد أن انتهى من شرح رسالة الفقه الأكبر (ص/198).
ـ[958] نجم المهتدي لابن المعلم القرشي (ص/551) مخطوط، وهو في كفاية النبيه شرح التنبيه في فقه الإمام الشافعي لابن الرفعة المتوفى سنة 710هـ (4/24).
ـ[959] الرسالة القشيرية (ص/5).
ـ[960] تفسير الأسماء والصفات (ق/187).
ـ[961] أصول الدين المسألة الحادية عشرة من هذا الفصل في حكم المجسمة والمشبهة (ص/).
ـ[962] إلجام العوام عن علم الكلام (ص/62 – 63)، من مجموعة رسائل الغزالي.
ـ[963] التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية (ص/41).
ـ[964] تبصرة الأدلة (1/169).
ـ[965] البحر الرائق: باب أحكام المرتدين (5/129).
ـ[966] شرح الفقه الأكبر بعد أن انتهى من شرح الرسالة (ص/215).
ـ[967] المصدر السابق (ص/271 ـ 272).
ـ[968] مرقاة المفاتيح (3/300).
ـ[969] إشارات المرام (ص/200).
ـ[970] الفتح الرباني والفيض الرحماني (ص/124).
ـ[971] منح الجليل شرح مختصر خليل (9/206).
ـ[972] الاعتماد في الاعتقاد (ص/5).
ـ[973] الفتاوى العالمكيرية وهي الفتاوى الهندية (2/259).
ـ[974] المجموع شرح المهذب (4/253)، ونصه:»فممن يكفر من يجسم تجسيما صريحا» اهـ.
ـ[975] سورة الشورى: 11 .
ـ[977] سورة طه: 5 .
ـ[978] سورة الملك: جزء من الآية 16 .
ـ[979] إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/3 – 4) الطبعة الأولى، مطبعة الاستقامة.
ـ[980] إتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات (ص/8) الطبعة الأولى، مطبعة الاستقامة.
ـ[981] الدين الخالص للشيخ محمود السبكي (ص/24).
ـ[982] مقالات الكوثري (ص/222).
ـ[983] الصراط المستقيم (ص/62).
ـ[984] الصراط المستقيم (ص/62).
ـ[985] دفع شبه من شبه وتمرد (ص/14).
ـ[986] دفع شبه من شبه وتمرد (ص/9).
ـ[987] سورة الكهف: آية رقم 103 .
ـ[988] التوحيد لابن منده (ص/80).
ـ[989] حيد أي ابتعاد.
قال الغزالي : «ندعي أن صانع العالم ليس بجوهر متحيز لأنه قد ثبت قدمه، ولو كان متحيزا لكان لا يخلو عن الحركة في حيزه أو السكون فيه، وما لا يخلو عن الحوادث، فهو حادث كما سبق»[(929)] اهـ.
وقال أيضا: «أما الحشوية فإنهم لم يتمكنوا من فهم موجود لا في جهة، فأثبتوا الجهة حتى لزمتهم بالضرورة الجسمية والتقدير والاختصاص بصفات الحدوث.
وأما المعتزلة فإنهم نفوا الجهة ولم يتمكنوا من إثبات الرؤية دونها، وخالفوا به قواطع الشرع، وظنوا أن في إثباتها (الرؤية) إثبات الجهة، فهؤلاء تغلغلوا في التنـزيه محترزين من التشبيه، فأفرطوا. والحشوية أثبتوا الجهة احترازا من التعطيل فشبهوا.
فوفق الله سبحانه أهل السنة للقيام بالحق، فتفطنوا للمسلك القصد وعرفوا أن الجهة منفية لأنها للجسمية تابعة وتتمة، وأن الرؤية ثابتة لأنها رديف العلم وفريقه، وهي تكملة له، فانتفاء الجسمية أوجب انتفاء الجهة التي من لوازمها. وثبوت العلم أوجب ثبوت الرؤية التي هي من روادفه وتكملاته ومشاركة له في خاصيته، وهي أنها لا توجب تغييرا في ذات المرئي، بل تتعلق به على ما هو عليه كالعلم»[(930)] اهـ.
على أن المعتزلة محجوجون بقوله تعالى: {…فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا… *} [(931)]، حيث إن الله تعالى جعل في الجبل قوة الإدراك فرأى الله تعالى ثم اندك.
ثم في الاعتراف بأن الله لا يقاس بالأوهام ولا بالتخيلات أكبر مخلص من وساوس الشيطان أو المشبهة من كرامية وغيرهم، فإذا كان بعض الناس من الملاحدة لا يتصورون ولا يقبلون بوجود شىء لا نراه، لأنهم لا يؤمنون بالقرآن الذي أثبت وجود الملائكة والجن بيننا ومع ذلك لا نراهم، وكذلك حصول العذاب في القبر أو النعيم أمر جاء به الحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كنا لا نرى ذلك عند فتح بعض القبور، لأن الله حجب عنا رؤية ذلك، وهذا من باب التقريب للأفهام لا قياسا للخلق بالخالق، فما المانع من صحة رؤية الله على خلاف حكم الحس والخيال، وإن كان وهمنا في هذا يضطرب ويحتار.
من مقالات القاديانية الشاذة عما أطبق عليه المسلمون كلهم:
أولا ادعاء زعيمهم ومؤسس نحلتهم غلام أحمد القادياني للنبوة صراحة كما في رسالته المسماة تحفة الندوة التي وجهها سنة اثنتين وتسعمائة وألف رومية إلى أعضاء ندوة العلماء في لكهنؤ فإنه قال فكما ذكرت مرارا أن هذا الكلام الذي أتلوه هو كلام الله بطريق القطع واليقين كالقرءان والتوراة وأنا نبي ظلي وبروزي من الله ويجب على كل مسلم أن يؤمن بأني المسيح الموعود اهـ فقوله هذا كفر بإجماع المسلمين لأنهم أطبقوا منذ أيام الصحابة الذين قتلوا مسيلمة الكذاب إلى أيامنا على أن كل من ادعى أنه بعث نبيا بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو كافر كذاب سواء زعم أنه نبي ظلي أم نبي مستقل وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾([1]) ولا يدفع عنه الكفر تمويهه بتفسير الآية أن معنى ﴿وخاتم النبيين﴾ زينة النبيين لأن هذا كلام ركيك يتنزه القرءان عنه. ويكفي في إبطال دعواه هذه حديث مسلم وختم بي النبيون([2]) اهـ وحديث البخاري الثابت المعروف ولكن لا نبي بعدي([3]) اهـ فإنهما مع غيرهما من الأحاديث يبينان بيانا شافيا معنى الآية ولذلك تواتر بين المسلمين وعلم بينهم بالضرورة أن كل من ادعى النبوة بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر لا يخفى ذلك على جاهل منهم ولا عالم.
قال الحافظ في الفتح [7] ما نصه: “وقد ثبت أن من قاتل عليا كانوا بغاة”.
ويؤيد هذا ما رواه الحاكم في المستدرك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للزبير: “إنك لتقاتلنه وأنت ظالم له”. فإذا كان الرسول اعتبر الزبير ظالما مع ما له من الفضل لأنه كان مع مقاتليه جزءا من النهار، فكيف يقال عن هذا القتال الذي وصف الرسول مقاتلي علي فيه بالظلم والبغي: إنه ليس بواجب ولا مستحب، أليس هذا يدل على أن أحمد بن تيمية في قلبه ضغينة على سيدنا علي، ألا يعرف في نفسه أن قوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي} [سورة الحجرات/9] يعود إلى الخليفة في قتال من بغى عليه، وكيف يقال لمن أطاع الله تعالى في أمره إن فعله ليس بواجب ولا مستحب ومن المعلوم بالضرورة عند المسلمين أن قتال الخليفة لمن بغى عليه أمر مشروع بل فرض إذا لم تنكف الفئة الباغية، فانظروا كيف جعل الامتثال لأمر الله لغوا.
وكيف أيضا لإثبات ذلك الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: “ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار” أخرجه البخاري في كتاب الصلاة بهذا اللفظ، ورواه في موضع ءاخر في الجهاد والسير بلفظ: “يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار” ورواه ابن حبان أيضا باللفظ الذي رواه البخاري في كتاب الصلاة، فالحديث بروايتيه من أصح الصحيح، فعمار الذي كان في جيش علي داع إلى الجنة بقتاله مع علي، فعلي داع إلى الجنة بطريق الأولى. ورواية الطبراني فيها زيادة وهي: “ويح عمار تقتله الفئة الباغية الناكثة عن الحق”. وعمار ما نال هذا الفضل إلا بكونه مع علي، فهو وجيشه دعاة إلى الجنة ومقاتلوهم دعاة إلى النار. فلو لك يكن إلا حديث البخاري هذا لكفى في تكذيب ابن تيمية. فكيف يقول إن القتال ليس واجبا ولا مستحبا فهذا إنكار لما علم من الدين بالضرورة ورد للنص، والرسول زكى قتال علي في جميع الوقائع.
وكيف يقول إنه لم يحصل بقتلهم مصلحة للمسلمين ولا في دينهم ولا في دنياهم وعلي كان داعيا إلى الجنة ومن قاتل معه فله أجر ومن خالفه فهو باغ ظالم، يقول ابن تيمية هذا فيمن سماه الرسول داعيا إلى الجنة.
فتسفيه ابن تيمية قتال علي رضي الله عنه دليل على أن يضمر ضغينة لسيدنا علي ويؤيد هذا قول الحافظ ابن حجر في لسان الميزان [8] عند ترجمة والد الحلي الذي ألف ابن تيمية كتابه منهاج السنة النبوية في الرد عليه ونصه: “وكم من مبالغة له لتوهين كلام الحلي أدت به أحيانا إلى تنقيص علي رضي الله عنه” اهـ. أقول: ولقد صدق ابن حجر في قوله هذا.
وقد نص الإمام أبو الحسن الأشعري على أن مقاتلي علي ءاثمون، وأن ثلاثة منهم مغفور لهم: طلحة والزبير وعائشة، سواهم خطؤهم مجوز الغفران. نقل عنه ذلك الإمام أبو بكر بن فورك أحد رءوس الاشاعرة القدماء فيما جمعه من كلام أبي الحسن، وفي إنكار ابن تيمية حقية قتال علي لهؤلاء الذين أوغروا صدره واستمروا على ذلك ثلاثة أشهر، وسفكوا دماء أكثر من عشرين ألف نفس فيهم أحد السبعة الذين أسلموا أولا وهو عمار كما أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه وغيره وفيهم من شهد له الرسول بأنه خير التابعين أويس القرني دليل على أن ابن تيمية كان في نفسه شيء على علي رضي الله عنه. فإذا كان لا يجوز الخروج على أي خليفة عدل بالإجماع فماذا يقال في الخارجين على علي وهو خير أهل الأرض في عهده بلا خلاف. ثم زعم ابن تيمية أن معاوية ارتكب ما فعله عن اجتهاد فهو مردود، إنما قاتل للدنيا والملك روى مسدد في مسنده بالإسناد أن عليا رضي الله عنه قال: إن بني أمية يزعمون أني قتلت عثمان وكذبوا إنما يريدون الملك فلو علمت أنه يردهم أن أحلف لهم عند الركن أني ما قتلت عثمان فعلت ولكنهم يريدون الملك، وروى ابن جرير عن عمار بن ياسر معنى هذا الكلام أي إن معاوية إنما أراد الملك، فبعد ثبوت تزكية الرسول صلى الله عليه وسلم لقتال علي فليس ذلك إلا ردا للنصوص، ورد النصوص كفر كما قاله النسفي في عقيدته وغيره، ألا يكفي معاوية هذا ذنبا كبيرا، فكيف وقد ثبت أنه كان يأمر بسب علي فقد روى مسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له، خلفه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون منموسى إلا أنه لا نبوة بعدي”، وسمعته يقول يوم خيبر: “لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله”، قال فتطاولنا لها فقال: “ادعوا لي عليا” فأتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية: {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} [سورة ءال عمران/61] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: “اللهم هؤلاء أهلي” اهـ.
وأما قول كثير من الناس من أن معاوية اجتهد فأخطأ فليس بآثم فهو مصادم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الوارد في شأن عمار أي قوله: “ويدعونه إلى النار”، كيف يقال فيمن سماهم الرسول دعاة إلى النار إنهم مجتهدون لا إثم عليهم. ثم إن معاوية ومن تابعه في هذا القتال لم يكن مجتهدا الاجتهاد الشرعي الذي يحصل من المجتهد في مسئلة لم ينعقد فيها الاجماع، لأن عليا أدرى بحال معاوية وقد قال: “إن بني أمية يزعمون أتي قتلت عثمان وكذبوا إنما يريدون الملك”، قال: “ولو علمت أنه يردهم عن ذلك أن أحلف عند المقام أني ما فعلت ذلك لم يرجعوا، وإنما يريدون الملك” اهـ.
فقول علي مقدم على قول فلان وفلان من الذين أرادوا أن يعتذروا لمعاوية، بل ليس قول هؤلاء أمام قول علي رضي الله عنه إلا هباء منثورا، فمثله كمثل الناموسة تنفخ على جبل لتنزيله.
ثم أيضا قول عمار رضي الله عنه مثل قول علي بدحض قول ألئك إنهم مجتهدون ليس عليهم إثم ولا ملامة. فقتال علي لمخالفيه الذي تسبب منه إراقة دماء ءالاف مؤلفة كان في طاعة الله تعالى لأنه امتثل قول الله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي} [سورة الحجرات/9] وهي يلوم عليا على ذلك إلا منافق؟!.
ومما يؤيد ما قلناه ما ذكره الإمام أبو منصور البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق [9] ونصه: وقالوا بإمامة علي في وقته، وقالوا بتصويب علي على حروبه بالبصرة وبصفين وبنهروان، وقالوا بأن طلحة والزبير تابا ورجعا عن قتال علي لكن الزبير قتله عمرو بن جرموز بوادي سباع بعد منصرفه من الحرب، وطلحة لما هم بالانصراف رماه مروان بن الحكم –وكان من أصحاب الجمل- بسهم فقتله” اهـ. فطلحة قتل لأنه رجع من المعسكر المضاد لعلي، وهذا لأنهما أي طلحة والزبير من الذين سبقت لهما الحسنى فلم يموتا إلا تائبين من مخالفة أمير المؤمنين بانضمامهما للمعسكر المضاد له.
ثم قال أبو منصور البغدادي: “وقالوا إن عائشة رضي الله عنها قصدت الإصلاح بين الفريقين فغلبها بنو ضبة والأزد على رأيها وقاتلوا عليا دون إذنها حتى كان من الامر ما كان” اهـ. فعائشة رضي الله عنها كان ذنبها أنها وقفت في المعسكر المضاد لعلي، وما كان لها أن تقف، لكنها لن تمت حتى تابت من ذلك، فإنها كانت حين تذكر تلك الوقعة تبكي حتى تبل خمارها من دموعها.
وقال الإمام عبد القاهر التميمي في كتاب الإمامة [10]: أجمع علماء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والاوزاعي والجمهور الاعظم من المتكلمين والمسلمين أن عليا كرم الله وجهه مصيب في قتاله لأهل صفين كما هو مصيب في أهل الجمل. وأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له لكن لا يكفرون ببغيهم اهـ.
وروى البيهقي في سننه [11] وابن أبي شيبة في مصنفه [12] بالإسناد المتصل إلى عمار بن ياسر قال: “لا تقولوا كفر أهل الشام ولكن قولوا فسقوا وظلموا”، وزاد ابن أبي شيبة في إحدى رواياته: “ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق فحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه” اهـ.
فبعد هذا كيف يصح أن يقال: إن معاوية اجتهد فأخطأ فنثبت له أجر الاجتهاد، كيف يكون مجتهدا مأجورا وفي حديث البخاري المتقدم: “ويدعونه إلى النار”، أليس كلامهم مخالفا لقول عمار المتقدم: “ولكن قولوا فسقوا وظلموا” كيف يجتمع الظلم في مرتبة واحدة مع الأجر والثواب ويكون الظالم مأجورا مثابا، وأشد بعدا عن الحقيقة قول من قال لا ملامة عليهم، وما هذا عند النظر إلى الحقيقة إلا تعاميا عن الشمس في رابعة النهار ليس دونها سحاب.
تنبيه: ليس من سب الصحابة القول إن مقاتلي علي منهم بغاة، لأن هذا مما صرح به الحديث بالنسبة لبعضهم وهم أهل صفين، وقد روى البيهقي في كتابه الاعتقاد [13] بإسناده المتصل إلى محمد بن إسحاق وهو ابن خزيمة قال: “… وكل من نازع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في إمارته فهو باغ، وعلى هذا عهدت مشايخنا، وبه قال ابن إدريس يعني الشافعي رحمه الله. اهـ. فلا يعد ذكر ما جاء في حديث البخاري سبا لصحابة إلا ممن بعد عن التحقيق العلمي فليتفطن لذلك. ثم هل نترك كلام عمار الذي صح في فضله أن الجنة تشتاق إليه وأنه ملئ إيمانا إلى مشاشه ونتبع كلام زائغ ضال.
وأما من يعارض حديث عمار المتواتر بمثل ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: “إذا ذكر أصحابي فأمسكوا” فهو بعيد من التحقيق بعدا كبيرا لأن هذا لم يثبت، فكيف يحتج به في معارضة حديث ثابت متواتر فقد روى حديث “ويح عمار” أربعة وعشرون صحابيا.
ومرادنا من هذا الكلام تبيين أن عليا هو الخليفة الراشد الواجب الطاعة، وأن مخالفيه بغاة، فكيف يقول هذا الضال ابن تيمية إنه ما كان القتال مأمورا به لا واجبا ولا مستحبا، وإنه لم يحصل للمسلمين فيه مصلحة لا في دينهم ولا في دنياهم.
ومن شدة مكابرة ابن تيمية للحق والصواب يقول في المنهاج [14] معلقا على حديث عمار: “… فههنا للناس أقوال: منهم من قدح في حديث عمار، ومنهم من تأوله على أن الباغي الطالب وهو تأويل ضعيف، وأما السلف والأئمة فيقول أكثرهم كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم: لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية” اهـ.
فهذا الكلام فاسد وباطل وكذب، فهل سمى لنا القادحين في حديث عمار؟ أو ذكر لنا مستندا له في إضعاف الحديث؟ فأي حديث يصح على زعمه إن لم يصح حديث عمار الذي رواه أكثر من عشرين صحابيا. فما هو الحديث الذي يصح عند ابن تيمية؟ هل هو ذلك الحديث المفترى: “إن الله على عرشه لا يفضل منه مقدار أربع أصابع”، فهل يليق الالتفات إلى كلام هذا الرجل في التصحيح والتضعيف فيما يخالف فيه غيره من أهل الحديث، بل إنه لم يطعن في حديث عمار إلا لما يضمره في نفسه من حقده على علي، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في لسان الميزان عند ترجمة والد الحلي أنه رد أحاديث –أي ابن تيمية- جيادا كثيرة اهـ.
