يقول أخي الشيخ نبيل حفظه الله: أكرمني الله بمعرفة الشيخ عبد الله في صغري قبل البلوغ، فقد كان يعرف والدي ويبيت أحيانا في بيتنا في «الصالون»، وكان والدي يسأله ويستفيد منه ويحبه، وأذكر أن الباب طرق مرة بالليل في يوم ماطر، فنظرت فإذا هو الشيخ عبد الله، فتحت له الباب وكان يحمل «شمسية» صغيرة تقيه المطر، فاستقبله والدي وقبله، وكان لوالدي خاطر عند الشيخ رحمهما الله، وكان يسأله ما لا نسأله، فقال له مرة وأنا حاضر أسمع: هل صحيح أنك اجتمعت بالأولياء في غار حراء؟ فقال الشيخ: ما اجتمعت بهم في غار حراء، فقال والدي: هل صحيح أنك اجتمعت بالخضر عليه السلام([1])؟ فقرأ لك على صدرك فصرت لا تنسى ما تحفظ؟ فأطرق شيخنا رأسه وقال بتواضع شديد: صحيح. وأخبركم أنا عبد الرزاق أن هذه القصة بلغتني من أكثر من طريق، وأن هذا حصل مع شيخنا في المدينة المنورة، يقول أخي وأخبركم أنني صرت كلما مضت مدة أذكر هذه القصة للشيخ فيتبسم ويقول بطريقته المؤنسة: هكذا.
لقد اجتمع شيخنا رحمه الله بسيدنا الخضر عليه السلام في اليقظة كما أخبر شيخنا بذلك في ثلاثة مجالس مختلفة: مجلس فيه الحاج محمود مشرف مع الشيخ في المدينة المنورة، ومجلس كان فيه أخي الشيخ نبيل في بيروت مع ولدي لـمـا سأله أبي عن ذلك، ومجلس كان فيه الدكتور الشيخ كمال الحوت بدمشق، وذكر أن الخضر عليه السلام قرأ له على صدره فصار لا ينسى ما حفظ. وقال شيخنا. لكني لم أصافحه.
وأخبرنا الشيخ الدكتور كمال الحوت أنه سمع الشيخ صبحي العدولي الدمشقي يسأل الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله: هل صحيح أنك اجتمعت بسيدنا الخضر فقرأ على صدرك فثبتت محفوظاتك، وهل صحيح أنك خليفة الشيخ بدر الدين الحسني، وهل صحيح أنك خليفة الشيخ أحمد العربيني؟ فقال الشيخ: نعم اجتمعت بالخضر وقرأ على صدري، وقال: رأيت الشيخ بدر الدين الحسني في المنام وأعطاني الخلافة في الحديث. وقال: طلبت من الشيخ أحمد العربيني الإجازة في الطريقة القادرية، فقال: حتى يأتي الإذن من الشيخ عبد القادر، وفي اليوم الثاني قال للشيخ: يقول لك الشيخ عبد القادر: اشتغل بالعلم والحديث، ثم قبل وفاة الشيخ أحمد بسبعة أيام جاء هو إلى الشيخ عبد الله وقال له: جاء الإذن، وأعطاه الخلافة، ثم توفي بعد نحو سبعة أيام.
وقال الشيخ الدكتور كمال الحوت إن الحاج محمدا منيمنة كان موجودا يومذاك سنة 1977ر في مسجد القطاط في دمشق. وقال الحاج زياد غنام إنه سمع القصة عن الشيخ بدر الدين الحسني وقد سئل الشيخ عنها فأقرها. وقال الشيخ الدكتور جميل حليم والشيخ جمال صقر إنهما سمعا قصة الخضر وقصة الشيخ أحمد العربيني من الشيخ في مجلسين متفرقين، سئل عن هذا فأقره.
وقال الشيخ جميل حليم إنه سمع الشيخ عبد الله وقد سئل عن الشيخ بدر الدين الحسني، فقال الشيخ: أرسلوني بعده.
وقال رجل من أهل دمشق اسمه الشيخ صلاح كيوان إنه رأى النبي ﷺ في المنام يشير له إلى رجل أسمر لا يعرفه الشيخ صلاح، وقال له: هذا خليفة الشيخ بدر الدين الحسني، وكان الشيخ عبد الله لم يذهب بعد إلى دمشق، فهذا الشيخ صلاح كيوان صار كلما رأى شخصا أسمر يدقق فيه النظر لعله ذاك الذي أشار إليه الرسول عليه الصلاة والسلام، فصار يسأل عنه ويبحث إلى أن رءاه في دمشق في أحد الـمساجد لكونه شيخا يتردد على المساجد، فعرف أنه هو الذي دل عليه الرسول في الرؤيا، فصار هو يشهر ذلك بين الناس، فقال للشيخ عبد الله: أنت الذي رأيتك في المنام وقال لي رسول الله ﷺ إنك خليفة الشيخ بدر الدين الحسني. وسئل شيخنا رحمه الله عن مشابكة الخضر لسيدنا الرواس فقال الشيخ: حصل. وسئل رحمه الله: هل صحيح أن الرواس قال: من صافحني إلى سابع يدخل الجنة؟ فقال الشيخ: يحتمل، لكن لا تجزم بذلك([2]).
وقال الشيخ عبد الله رحمه الله: «أنا مجاز بالطريقة الرفاعية من طريق الشيخ محمد طاهر الكيالي الشريف الرفاعي، ومن طريق الشيخ عبد الرحمن السبسبي وكلاهما مظنة ولاية» أي: أظن أنهما من الأولياء.
وقال رحمه الله: عندما ذهبت إلى الشيخ محمد طاهر الكيالي لأخذ الطريقة الرفاعية قال لي: «حتى يأتي الإذن، الآن اشتغل بتعليم الناس»، ثم قال لي: «جاءني السيد أحمد الرفاعي في المنام وقال لي أن أعطيك الإجازة في الطريقة الرفاعية».
ويؤيد ذلك أي رؤية شيخنا للخضر عليه السلام ما رواه الحافظ ابن حجر العسقلاني في «الإصابة» عن بلال الخواص يقول: كنت في تيه بني إسرائيل([3]) فإذا رجل يماشيني فتعجبت، ثم ألهمت أنه الخضر، فقلت بحق الحق([4]) من أنت؟ قال: أنا أخوك الخضر، فقلت ما تقول في الشافعي؟ قال: من الأبدال، قلت: فأحمد بن حنبل؟ قال: صديق، قلت: فبشر بن الحارث الحافي؟ قال: لم يخلف بعده مثله، قلت: بأي وسيلة رأيتك؟ قال: ببرك لأمك.
كان ولي مشهور يدعى الشيخ محمدا الحراني، حج سبع مرات ماشيا من أورفة في تركيا حاسر الرأس، فلما التقى بالشيخ عبد الله الهرري قال له: أهلا بشيخ الأبدال. والشيخ محمد الحراني كان صاحيا لم يكن من المجاذيب. وكان صاحب الخضر، كثيرا ما كان يجتمع به، حتى كتب على قبره في إسطنبول صديق الخضر، قبره قريب من أبي أيوب الأنصاري في الجبل.
ومرة قال والدي للشيخ عبد الله وهو في بيتنا: اقرأ لي، وكان الوقت ليلا، فوضع الشيخ يده على صدر والدي ورقاه، فلما فرغ قال والدي للشيخ عبد الله: هل أنت صائم؟ قال: نعم، فقال والدي: لم لم تقل حتى نضع لك الطعام، فتبسم الشيخ وأطرق رأسه خجلا، وطلب والدي تحضير الطعام للشيخ. وكان شيخنا قليل الأكل كثير الذكر لا يتكلم إلا في خير، وكان كثيرا ما يطعم طلابه بيده.
وقال حسن أبو علي فليطي من عرسال (سنة 2005ر) بحضور شيخنا الشيخ عبد الله رحمه الله: إن الشيخ كان يزورنا منذ نحو خمسين سنة وكان كثيرا ما يأتينا في الشتاء، ينام في بيتنا فينزل الثلج وتنطمر البيوت، ثم يقوم الشيخ لصلاة الصبح فيصلي الصبح ثم لا نجد الشيخ فيسأل الناس عن الشيخ فلا يجدونه، ثم يأتي رجل من دمشق فيقول: الشيخ كان معنا في دمشق أنا رأيته، فصاروا يقولون عن الشيخ عبد الله: شيخ الخطوات.
وقال شيخنا رحمه الله: شيخنا القريب في الطريقة الشيخ عبد الرحمن السبسبي، وشيخنا أخذ من الشيخ أبي الهدى الصيادي وأبو الهدى أخذ من الشيخ بهاء الدين الرواس الذي توفي من نحو مائة سنة، وقد شق طريق فمروا بقبره فوجدوا جسمه كما هو لم يتغير. وهو مدفون في بغداد.
وكان الرواس محمد مهدي الرواس الرفاعي الذي كان من أهل القرن الثالث عشر يتعيش ببيع رؤوس الغنم حتى لقب بالرواس وهو أحد أقطاب الرفاعية، وكذلك من مشايخنا في الطريقة الشيخ طاهر الكيالي الذي كان في حمص، كلاهما توفي رضي الله عنهما.
واجتمع الشيخ الدكتور كمال الحوت بالشيخ محمد علي مراد فقال له: إذا اجتمعت بمن يدلك على الله ويعرفك بعيوب نفسك فتمسك به، يعني مثل الشيخ عبد الله رحمه الله. (وقال شيخنا رحمه الله: عثمان ابن عفان ختم القرآن كله وهو قائم في ليلة واحدة، وكان هناك رجل في حلب في رمضان كان يصلي معه مئات، وفي الركعة الأخيرة من التراويح يبقى معه حوالي خمسين شخصا فيختم القرآن بهذه الركعة في ظرف ساعتين وثلث، أحيانا بعض الناس أراد أن يجربه ففتح المصحف وقعد فما وجد عليه غلطة، وهذا الشيخ اسمه الشيخ محمد مراد رحمه الله). هو أخبرني بذلك، وبعض الناس كانوا يراقبونه ويتتبعون في المصحف فإذا به لا ينقص حرفا، وقالوا مرة إن بعض من كان يقف خلفه أصابهم تعب شديد فكادوا أن يفارقوه وإذا بهم يرون سيدنا أحمد الرفاعي الكبير فحصل لهم نشاط غريب وثبتوا. وكان الناس كثير منهم هناك يعرفون ليلة القدر منه، لأنه في ليلة القدر كان يختم القرآن في التراويح).
وقال الشيخ مشهور في بيت الشيخ عبد الله ببيروت في 16/شعبان/1415هـ الموافق 17/1/1995ر: الشيخ شتيوي بن محمد ابن أبي الهدى الصيادي([5]) قال: الشيخ عبد الله رئيس دولة أهل الله، رئيس الأولياء في سوريا وكندا وكل الدنيا. قال لي: تترك كل المشايخ وتتبع الشيخ عبد الله هذا سلطان هذا سلطان الأولياء، وهو درجته أعلى من درجتنا، والدي قال: قبل رجليه قبل يديه هو المستلم الرئاسة، أنتم تعيشون ببركته.
ويقول الشيخ جميل حليم حفظه الله تعالى: مرة في سنة 1986ر زرنا أحد كبار الأولياء واسمه الشيخ محمد سليم الرفاعي القاري نسبة إلى بلدة قارة بين دمشق وحمص، هذا الرجل أنا سمعت الشيخ عبد الله يقول عنه: ما رأيت رفاعيا مثله، وقال عنه: كأنه هو السيد أحمد الرفاعي الكبير في حسن معشره وتواضعه، كنا أربعة أشخاص فذهبنا لزيارته، وكان أجري له عملية جراحية وطلع من المستشفى، رفعت قلنسوتي وأعطيته إياها وقلت له: الله يبارك بك، بعد إذنك لو تقرأ لي عليها لأجل البركة، فصار يمسح القلنسوة على جرحه ويقول: أنتم طلاب الشيخ عبد الله الهرري أنا أتبرك منكم.
وقال: كان عندنا أحد كبار الأولياء منذ نحو خمسين سنة يعني من نحو ستة وسبعين سنة([6]) قال لنا: سيأتي رجل إلى هذه البلاد يمثل بلالا الحبشي من الحبشة وبدر الدين الحسني في الحديث. قال: لـمـا جاء الشيخ عبد الله عرفنا أنه هو المراد وأنه هو المقصود.
وقال الشيخ جميل حليم: أنا سألت الشيخ عبد الله قلت له: اجتمعت ببدر الدين الحسني؟ فقال: لا، لكن أرسلوني بعده.
والشيخ عبد الله قال عنه الشيخ محمد الحراني المشهور بالشيخ محمد الديري لأنه قعد مدة في دير الزور هو من حران العواميد هذه القرية في صحراء مطار دمشق مدفون فيها الولي الكبير حياة بن قيس الحراني الذي كان حاضرا عندما مد النبي ﷺ يده للسيد الرفاعي، هذا الشيخ محمد الحراني الذي هو من قرية حياة بن قيس الحراني كان يلقب بصاحب الخضر، كان أحيانا في اليوم الواحد يجتمع بالخضر خمس مرات، مرة جاء إلى البقاع إلى الروضة فصار في البيت أنس عجيب، جاء أصحاب البيت إلى الغرفة التي هو فيها فرأوا الباب يتحرك، قالوا له: يا شيخ محمد ماذا يوجد ماذا حصل في البيت؟ قال لهم: الآن خرج الخضر من هنا.
وكان الشيخ الحراني يذهب لزيارة السيد عبد القادر الجيلاني إلى بغداد مشيا على قدميه. قبل أربعين سنة بفندق الربيع في دمشق بوجود وشهادة الحاج يوسف الحشيمي من البقاع، والحاج خليل من بعلبك، جاؤوا ليزوروه وكان الشيخ مقيما في دمشق، فنزل الشيخ محمد الحراني وجاء ليسلم عليهم، سلم على يوسف الحشيمي وعلى خليل، فلما وصل الدور للشيخ عبد الله نظر إليه وسلم عليه وقال له: مرحبا بشيخ الأبدال، هذا قبل أربعين سنة.
والشيخ أحمد الحارون الولي الصالح كان زاهدا من أهل الكشف رحمه الله، وكان حجارا كان ينحت الحجارة للحمامات وغيرها ويتعيش منها، وكان له كرامات ومن جملتها أنه مرة خاطب رئيس الجمهورية من الدكة لقضاء حاجة لـمسلم. هذا الشيخ أحمد قال: الفتوحات المكية فيها دس كثير. وكان بينه وبين الشيخ محيي الدين بن عربي مكالمة روحانية، كان يمتحن مشايخ سوريا، عندما التقى بالشيخ عبد الله قال له: مرحبا بشيخ الأبدال، وقبل أن يموت ببضعة أيام كان يلبس ما يسمونه «إمباز» وأحيانا جاكيت وبنطلون عندما تراه لا تقول إنه من أصحاب المقامات والأحوال العجيبة والكشف والأسرار، جاء عند الشيخ فلما خرج قيل له: نسيت «إمبازك»، قال: لا ما نسيته سلمنا الأمانة للشيخ عبد الله، بعد سبعة أيام مات، وكان شيخنا يلبسه بعض الأحيان.
الشيخ أحمد الحارون كان يكثر المزاح مع الناس حتى يبتعدوا عنه خوفا عليهم من أن يفتنوا. كان مريدا للشيخ مصطفى الكناني وكان من مشاهير دمشق ويحتمل أنه درس على الشيخ عطا الكسم، وكان الشيخ أحمد الحارون رفاعي النسب. الله فتح عليه في العلوم الكونية له كتاب في الأمور الكونية.
وقال الحاج علي أخو شيخنا رحمهما الله: كان لنا جارة صالحة واسمها ءامنة عمر، وكانت إذا مر الشيخ قرب بيتها تقول له: سوف تصبح سلطان بلاد الشام.
شيخنا كان من بني عبد الدار حجبة الكعبة من قريش، هرر كانت تعرف ببلد العلم والعلماء ومر عليها ءالاف العلماء وفيها كثير من مقامات العلماء والأولياء، وشيخنا نشأ في بيت علم ووالده كان من العلماء وكان يحفظه الـمتون ويشرحها له وكان يتردد على عشرات العلماء لأخذ العلم منهم، وهو من صغره مولع بطلب العلم قال: عندما كنت صغيرا في الكتاب (أي: في المدارس الابتدائية) ما كان في ميل للعب فقالت له زوجته: أغلب الأولاد في صغرهم يميلون للعب، فإلى أي شيء كان ميلك فقال: إلى العلم.
والشيخ محمد عبد السلام مرة جاء إلى مكتبة كبيرة فيها مخطوطات ومطبوعات، فوقف الشيخ محمد على باب المكتبة وقال: كل هذا على طرف لساني. وهذه القصة ذكرها شيخنا عندما قال له أحد طلابه بدل أن تحمل معك الكثير من الكتب في السفر نضعها لك في السي دي، والشيخ كان يحمل الكتب ليري الناس الكتب لترسخ المعلومات والأدلة في نفوسهم.
قال الشيخ: عندما كنت صغيرا الشيخ محمد كان يستتبعني خلفه ويطلب مني أن أحمل معي كتاب الأنوار لأعمال الأبرار وهو كتاب في الفقه الشافعي كبير من مجلدين كبيرين وكتابا في النحو. كان عمري عشر سنوات مشيت حافيا مسافة خمسين كيلو مترا وكنت أمشي حافيا في القرى لطلب العلم، مع أن أهله أهل نعمة لهم تجارة، من وجهاء البلد. قال: كنت ألبس القميص وأخرج فيه في الطريق من غير أن يكوى ويكون عليه بقع الزيت، وهذا من التواضع والزهد، وقال قريب الشيخ:
عندما بلغ الشيخ نحو خمس عشرة سنة صار مدرسا في البلد والقرى وكان يخرج مع بعض رفاقه إلى القرى البعيدة ليعلموا أهلها وكان يغيب عن أهله سنة وهو يتجول من قرية إلى قرية فتقعد أمه وكانت امرأة صالحة فتبكي وتقول: مات ولدي عبد الله، ويجتمع عليها النساء والجارات، ثم يعود بعد سنة فتقول له أمه: أين كنت يا ولدي؟ فيقول: كنا نتجول في القرى نعلم الناس الدين. والحبشة فيها أكثر من ثمانين لغة وكان يذهب إلى الصومال لنشر الدين والتردد على العلماء وأخذ العلم منهم.
ويقول الشيخ محمد صبحي العدولي رحمه الله مدير المعهد الشرعي لمعرة النعمان قال: كنا في القطاط في دمشق جامع فتحي في محلة القيمرية وكان للشيخ غرفة يأتي إليه فيها المشايخ والعلماء يستفتونه فيجيبهم من غير أن يرجع إلى الكتب ثم يرجعون إلى الكتب فيجدون الجواب الذي ذكره لهم قال: ونحن كنا في طلب العلم أستيقظ في الليل فأرى الشيخ يخرج من غرفته ولا يلبس في رجليه القبقاب وهو من خشب.
قال: رأيته يخرج من غرفته حافيا والنعل في يده لا يلبسه لأجل أن لا يوقظ طلبة العلم ولأجل أن لا يشوش على الذين يحفظون في الليل، قال: فإذا وصل إلى باب الخلاء وضعه عند باب الخلاء ليلبسه ثم يدخل إلى الخلاء، ثم إذا جاء إلى الوضوء يتوضأ من غير ضجة قال: ثم دخلت إلى غرفته فإذا به قد وضع عددا من الكتب قد وضعها على مواضع مختلفة في عدة طبقات من العلوم لعدة علماء ينظر فيها في وقت واحد ويحفظ. وقال: بعدما مات محدث الشام الإمام الولي الصالح بدر الدين الحسني وظهر في دمشق رأس الوهابية محمد ناصر الدين الألباني وصار يقول عن نفسه: أنا المحدث، قال الشيخ محمد صبحي العدولي: فاجتمعت أنا والمؤرخ الفقيه الحنفي الشيخ محمد رياض المالح الدمشقي والشيخ عبد الرزاق الحلبي مدير وإمام وخطيب مسجد بني أمية في الشام وهو معروف باطلاعه على المذهب الحنفي، وقلنا: لا يليق بنا أن نبقى هكذا والألباني يظهر على مشايخ الشام، تعالوا نذهب إلى مصر نأخذ الحديث والمصطلح ثم نرجع إلى الشام لنرد على الألباني، قال فذهبنا إلى مصر واجتمعنا بالمشايخ الكبار الذين عرفوا بعلم الحديث دراية ورواية فقالوا لهم: تتركون دمشق وتأتون إلى القاهرة وعندكم هناك عالـم الحديث، فقالوا لهم: من هو، قالوا لهم: الشيخ عبد الله الحبشي، قالوا: أين، قالوا، في جامع فتحي في القيمرية في دمشق، قال: فرجعنا إلى دمشق وذهبنا إلى الشيخ وحدثناه بالأمر وطلبنا منه أن يقرأنا بالحديث والمصطلح، وقلنا نأخذ منك دراية ورواية، فقال لهم الشيخ تأتون قبل الفجر بساعة، فقالوا له ألا يناسب غير هذا الوقت، فقال هو هذا فقالوا لماذا فقال: أنا مشغول بإصلاح عقائد الناس وبالرد على الألباني، ففرحوا وعملوا مناظرة بين شيخنا والألباني بعشر جلسات نظمها مشايخ الشام الكبار وعلى رأسهم الشيخ حمدي الجويجاتي ثم نشرت هذه المناظرات في مجلة تعرف في ذلك الوقت باسم التمدن الإسلامي. وكان الألباني يأتي محملا بالكتب والشيخ يأتي بلا كتاب يقعد ذاك والشيخ يرد عليه ويمشي. ونصر الله شيخنا على الألباني فأقبل العلماء على شيخنا يقبلون يده ويتبركون به ويطلبون منه الإجازة إلى أن انتشر أمره في كل بلاد الشام وصار صديقا لبعض أولياء حلب وغيرهم كالشيخ محمد مراد والشيخ أحمد الحارون.
وكان الشيخ أحمد الحارون يمتحن المشايخ ألف في علم الذرة وعلم الزراعة، في فندق الربيع كان يجتمع العلماء والمشايخ وصاحب الفندق كان يحب المشايخ والعلماء يستضيفهم فيه فدخل الشيخ عبد الله ومعه شيخ من ءال الحشيمي من البقاع فأول ما دخل الشيخ قام الشيخ أحمد الحارون مرحبا بالشيخ وقال له: مرحبا بشيخ الأبدال، فدهش الحاضرون. وحاول بعض المشايخ امتحان الشيخ بالعديد من العلوم فصار يرد عليهم من دون كتاب حتى رضخوا له.
قال الشيخ محمد صبحي العدولي: اتفقنا معه وجئنا إليه قبل الفجر بساعة وكان الشيخ عبد الرزاق الحلبي يحمل كتاب فتح الباري والشيخ صبحي العدولي والشيخ رياض المالك يحملان كتاب تدريب الراوي للسيوطي فكان الشيخ يقرؤهم من حفظه ويضبط لهم النسخ ويشرح ويستدرك لهم ويبين لهم المواضع التي فيها نقص من الطباعة.
يقول الشيخ جميل حليم حفظه الله: واحد من أولياء الشام من قرية يقال لها قارا سنة 1986ر واسمه الشيخ محمد سليم الرفاعي ذهبنا لزيارته وكان أجريت له عملية وعرفته بنفسي ومن معي ثم أعطيته قلنسوتي وقلت له لو قرأت لي عليها من أجل البركة فصار يتمسح بها ويمرها على جرحه ويقول: أنتم طلاب الشيخ عبد الله الحبشي أنا أتبرك بكم أنتم، وقال: كان عندنا أحد كبار الأولياء من أهل الكشف قبل خمسين سنة يقول لنا: سيأتي رجل يمثل بلالا الحبشي من الحبشة وفي الحديث الشيخ بدر الدين الحسني. وكان الشيخ بدر الدين الحسني ورده في الصلاة على النبي ثمانين ألف مرة في اليوم ويعطي خمسة دروس في اليوم. قال: لما انتشر خبر الشيخ عبد الله في البلد عرفنا أنه هو المبشر به.
وأخبرني الشيخ الدكتور كمال الحوت حفظه الله أن شيخنا الشيخ عبد الله أخبره أنه خرج من بلاده إلى الحج أربع مرات وأنه بعد المرة الرابعة لم يعد إلى الحبشة وكان ذلك سنة 1371هـ الموافق سنة 1961ر. وقال شيخنا رحمه الله: أول مرة ذهبت فيها إلى مكة والمدينة كنت في سن الثلاثين فقضيت فيها شهرا مع رفقائي في بيت مستأجر، ثم ذهبت مرة ثانية بعد سنة ثم بعد أكثر من سنة ذهبت مرة ثالثة، ثم في المرة الرابعة سنة 1371هـ الموافق أواخر سنة 1951ر مكثت فيها قريب السنة ولازمت فيها المدينة المنورة ومكتبة عارف حكمت، وكان خادم المكتبة من الأتراك، وكان يعمل لي الشاي أحيانا ويتركني ويذهب.
أول ما خرجت من هرر خرجت بالطائرة إلى مكة للحج والزيارة، في هذه الرحلة ما أخذت على أحد في مكة إلا صداقة، أما في الرحلة الثانية مكثت بالمدينة وجلست بالمكتبتين عارف حكمت والمحمودية وطالعت الكتب الخطية وأخذت الإجازة بالمرويات عن كثير. ولازمت المكتبة المحمودية، كان فيها نسخة من مسند أحمد خطية أوراقها قطع كبيرة وعليها هوامش للشيخ السندي قرئت عليه، وشرح أبي القاسم الأنصاري على كتاب الإرشاد كان موجودا في مكتبة عارف حكمت ومتن الإرشاد لإمام الحرمين كذلك وكتاب ءاخر للحطاب. ولازمت مكتبة الأوقاف، واجتمعت بعدد من علماء المدينة وأخذت الطريقة النقشبندية. الطريقة النقشبندية وصلتني من الشيخ علي الرضا الباكستاني، ووردها خمسة ءالاف مرة لفظ الجلالة «الله» بالقلب يذكر مع الإطراق وتغميض العينين. وترددت إلى مكة واجتمعت بعلمائها.
في المدينة الشيخ محمد علي الصديقي ترددت إليه فأجازني بمروياته الكتب الستة وغيرها، هو بكري حنفي أصله من الهند ونسبه يعود إلى أبي بكر، أما الشيخ إبراهيم الختني فكانت لي به صحبة فقط، هو من أصدق أصدقائي. كان أكثر اجتماعي في المدينة بهذين الشيخ محمد علي الصديقي البكري والشيخ إبراهيم الختني. أما بمكة فزرت الشيخ ياسين الفاداني لكن ما حصلت لي الرواية عن أحد مسند مكة.
وتوجهت من بلاد الحجاز إلى بلاد الشام في أواخر سنة 1372هـ الموافق سنة 1952ر، رأيت بيت المقدس في المنام فزرته، ذهبت مشيا إلى بيت المقدس وإلى الخليل ثم إلى دمشق. وأول من استقبلني في دمشق ثلاثة من الأولياء هم الشيخ حسان الصيادي والشيخ عبد الرحمن أبو الدهن والشيخ إسماعيل الضناوي. الشيخ إسماعيل ظل خمس سنوات في الشام لا يتكلم، وعاش أربعين سنة على الخبز والشاي، كان في أمريكا يدرس فقال: الأولياء أحضروني إلى دمشق، حملوني من أمريكا.
أول مرة دخلت بيروت سنة 1374هـ الموافق سنة 1954ر، ثم صرت أتردد بين بيروت ودمشق والبقاع إلى أوائل الستينات فسكنت في غرفة في أعلى جامع النوفرة في بيروت، أسكنني فيها الحاج حسين خالد ومكثت فيها ثلاث سنوات، ثم استضافني الشيخ محيي الدين العجوز مدة، ثم سكنت غرفة في الخلية السعودية سنة، ثم انتقلت إلى مسجد برج أبي حيدر مع الشيخ أحمد إسكندراني رحمه الله، ثم إلى مسجد البسطة الفوقا، ثم إلى بيت في الطريق الجديدة ثم إلى بيت برج أبي حيدر ثم إلى الطريق الجديدة.
وقال الحاج شفيق العرجه رحمه الله: إنه تعرف على الشيخ عبد الله أول ما جاء إلى بيروت وكان ذلك سنة 1954ر وذلك في مجلس فيه الشيخ حسين خالد والشيخ محيي الدين العجوز وغيرهم.
وحدثني الشيخ أسامة السيد حفظه الله أنه قال لشيخنا الشيخ عبد الله رحمه الله: أنا أقول إنك تحفظ سبعين ألف حديث، فقال له الشيخ: اثبت على هذا. وقال الشيخ: أنا أحفظ الكتب السبعة وغيرها.
وقيل للشيخ مرة: بلغنا أنك تحفظ ثلاثمائة ألف حديث عن ظهر قلب، فقال الشيخ: أقل من هذا. وقال الشيخ: البخاري له أربع روايات وأنا أحفظها كلها. وقال الشيخ: بدأت بحفظ القرءان وأنا ابن ثمان سنوات وأتممت حفظه مع الأحكام وانا ابن عشر.
وعندما سألت الشيخ أسامة: متى عرفت الشيخ عبد الله؟ قال لي: عرفني قبل أن أعرفه، أنا ولدت سنة 1955ر وهو كان يأتي إلى بيت والدي في البقاع.
في ضحى الثلاثاء في 3/7/2001ر – 12/4/1422هـ أجازني الشيخ أجازة عامة بكل مروياته من غير أن أطلب منه. وإجازة خاصة بمتن الجزرية في التجويد بعد أن قرئ عليه أمامي وأنا أسمع.
وقال شيخنا قرأت شرح الجزرية في التجويد لزكريا الأنصاري على الشيخ داود الجبرتي في الحبشة، والشيخ داود تخرج من مصر من معهد القراءات على الشيخ عثمان مراد والد الشيخ عامر.
([1]) الخضر عليه السلام هو بلياء بن ملكان وإنما سمي الخضر لأنه جلس على بقعة من الأرض بيضاء لا نبات فيها فإذا هي تهتز وتنقلب تحته خضراء نضرة، وكان يكنى بأبي العباس. والقول الراجح أنه نبي وأنه ما زال حيا.
([2]) بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد، شابكني علي خليل الرفاعي حفظه الله بمشابكته لمحمد هايل بمشابكته لأبيه الشيخ خالد الرفاعي بمشابكته لأبيه الشيخ رجب الرفاعي بمشابكته للشيخ محمد بهاء الدين الرواس بمشابكته لسيدنا الخضر عليه السلام، وللحاج علي خليل طريق ءاخر في المشابكة.
([3]) أي الموضع الذي تاه فيه بنو إسرائيل لما رفضوا القتال مع سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام.
