كتاب الرؤية المنسوب للأشعري فيه التشبيه – كل يوم هو في شأن

قوله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [سورة الرحمٰن/29] فليس معناه أن الله يغير مشيئته، وإنما معناه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع ءاخرين« رواه ابن حبان، ويوافق هذا قول الناس: سبحان الذي يغير ولا يتغير، وهو كلام جميل، إذ التغير في المخلوقات وليس في الله وصفاته، وذلك كما مر أن فعل الله صفته في الأزل والمفعول مخلوق هذا عند كثير من السلف كأبي حنيفة وصاحبيه والبخاري وبعض قدماء الأشاعرة وعلى ذلك الطحاوي أبو جعفر أحمد بن سلامة المصري وهو معدود من السلف لأنه ولد سنة مائتين وسبع وعشرين وتوفي سنة ثلاثمائة وإحدى وعشرين قبل الأشعري وقبل الماتريدي بل على كلام أبي جعفر هذا جمهور مذهب السلف لقوله في أول عقيدته: »هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة«، ورجح الحافظ ابن حجر العسقلاني ذلك، وعلى هذا الماتريدية. وأما جمهور الأشاعرة فالفعل عندهم حادث غير قائم بذات الله إنما هو متعلق القدرة الأزلية، ومذهب الماتريدية ألف فيه كثير مثل القاضي بدر خواهرزاده ألف قصيدة جامعة، وكلا المذهبين ليس فيه وصف الله بصفة حادثة، ولا يؤدي اختلافهم إلى تبديع وتفسيق وتضليل لأن هذا في فروع العقيدة ليس في أصولها، وهذا كالخلاف الذي حصل فيما بين بعض الصحابة لأن الصحابة اختلفوا في رؤية النبي ربه ليلة المعراج فعائشة وابن مسعود نفيا وأثبت عبد الله بن عباس وأنس بن مالك، وتبع كلا من المذهبين كثير من التابعين، فكما أن هذا لا يؤدي إلى تبديع بعض الصحابة وتفسيقه كذلك هذا الذي جرى بين الماتريدية والأشاعرة لا يؤدي إلى ذلك. فعند الأشاعرة صفات المعاني القائمة بذات الله الأزلية ثمانية: الحياة والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام والبقاء وذلك كما قال الشاطبي:

حي عليم قدير والكلام له          باق سميع بصير ما أراد جرى

   أما متأخرو الأشاعرة أكثرهم يقولون: صفات المعاني سبعة: البقاء اعتبروه ليس من صفات المعاني، لكن الإمام أبا الحسن الأشعري عده صفة من صفات المعاني ذاتية قائمة بذات الله ومعه جمهور الأشاعرة، وهذا هو المعتمد.
وأما المشبهة فعندهم ليس لله صفة ذاتية أزلية أبدية غير حادثة إلا الوجود، وقد أشرك فيه ابن تيمية مع الله جنس العالم ونوعه فإنه جعل جنس العالم أزليا لم يزل مع الله وهذا شىء انفرد فيه ابن تيمية من بين المشبهة أسلافه، والعجب منه كيف يصح عنده الأزلية والتجدد فإنه يقول إرادة الله أزلية النوع حادثة الأفراد بمعنى أنه تحدث له إرادة بعد كل إرادة، فكيف يصح النوع أزليا مع حدوث الأفراد، هذا عند العقلاء خروج عن دائرة العقل، حتى إن محمد عبده الذي فيه ما فيه استهجن كلام ابن تيمية في رسالته لكنه أظهر ترددا في ثبوت ذلك عنه ولا معنى للتردد في ذلك فإنه قرر ذلك في عدة من كتبه بإسهاب وإطالة في العبارات، ولعل عباراته في ذلك لو جمعت من كتبه كلها لجاءت مجلدا، ومن العجب العجيب جعله هذا مذهب المحدثين وهل كل رأي يعجبه يجعله مذهب المحدثين زورا وبهتانا، وهل خفي عليه أن جمهور المحدثين الحفاظ هم أشاعرة وأن الدارقطني مثن على أبي الحسن الأشعري، ومن أشهرهم وإمامهم البيهقي، ومنهم الحافظ أبو المكارم، ومنهم الحافظ تقي الدين بن دقيق العيد، ومنهم الحافظ زين الدين العراقي شيخ الحافظ ابن حجر، ومنهم شيخ مشايخ الحافظ ابن حجر أبو سعيد العلائي، ومنهم الحافظ سراج الدين بن الملقن، ومنهم خاتمة الحفاظ محمد مرتضى الزبيدي، وهؤلاء المذكورون مشاهير حفاظ الأشاعرة وهناك كثير منهم لم يبلغوا في الشهرة مثل هؤلاء وأما محدثوهم فلا يحصون، أما المشبهة كابن تيمية فمنهم من سبقه كأبي إسماعيل المجسم ومنهم من عاصره كتلميذه ابن عبد الهادي، فكيف تصح دعوى ابن تيمية أن هذا مذهب المحدثين وليس هذا إلا مذهب المحدثين من الفلاسفة فإن الفلاسفة قال متقدموهم العالم أزلي بجنسه وأفراده، وقال المحدثون العالم قديم بجنسه وأما أفراده حادثة، فابن تيمية لترويج رأيه الفاسد الذي وافق المحدثين من الفلاسفة افترى على المحدثين فقال هذا ما عليه المحدثون أو كثير منهم. أما كتاب الرؤية المنسوب للأشعري الذي فيه التشبيه فقد نفى صحته عنه بعض الحفاظ وهو الحافظ علي بن المفضل المقدسي.

   ومن أعجب العجب من أمر ابن تيمية أنه ينفي الإجماع وينسب إلى الإمام أحمد أنه قال من يدعي الإجماع فهو كاذب ثم هو في مسائل أخرى ينقل الاتفاق والإجماع بل يصرح بلا استحياء باتفاق العلماء فضلا عن المجتهدين، وأحمد ليس كما قال ابن تيمية فقد ثبت عنه القول بالإجماع في مسئلة بيع الكالئ بالكالئ وفي مسائل أخرى.

فكرة واحدة على ”كتاب الرؤية المنسوب للأشعري فيه التشبيه – كل يوم هو في شأن

أضف تعليق