
- الأحاديث و الايات التي تثبت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة
- الدليل العقلي على جواز الرؤية
- في هذا البحث ذكر اختلاف الناس في لن هل تفيد التأبيد أم لا
- الرد على المعتزلة :
- بيان تلبيس ابن تيمية حول رؤية الله في الآخرة
- نقض دعوى المجسّمة بأن إثبات رؤية الله في الآخرة عند الأشاعرة يستلزم رؤية “بعضه” أو “كله”
- موافقة ابن بطة الحنبلي للأشعرية في اثبات رؤية الله بلا كيف
اعلم أنّ رؤية الله تعالى في الدنيا بالبصر لم تقع لأحد من خلقه وأما في الآخرة فواقعة باتفاق أهل الحق ولا يُحيل العقل ذلك فكما صح علمهم بوجوده بلا كيف ولا تشبيه ولا جهة جاز عقلًا رؤيتهم له كذلك بلا كيف ولا جهة.
الأحاديث و الايات التي تثبت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة
حديث: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ» [متفق عليه]
وهذه الرؤية لا تتعارض مع القرآن الكريم؛ إذ تُفَسَّر الآية ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]
لأنها تنفي الإدراك (أي الإحاطة بالذات الإلهية) وليس الرؤية ذاتها، فالله يُرى ولا يُحاط به، أما قوله تعالى لسيدنا موسى -عليه السلام-: ﴿لَن تَرَىٰنِی﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فهو نفي للرؤية في الدنيا ونحن نقول شرعا ممنوعة في الدنيا بالأبصار لكنها جائزة عقلا في الدنيا و الاخرة ، وليس في الاية نفيًا مطلقًا ، بدليل قوله تعالى الصريح في الرؤية الأخروية: ﴿وُجُوهࣱ یَوۡمَئِذࣲ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةࣱ﴾ [القيامة: ٢٣]، وجوه نضرة فهي متنعمة في الجنة وبناءً على ذلك، يتم إثبات الرؤية لله تعالى شرعا و العقل يشهد بصحة ذلك، مع التزام قاعدة التنزيه: ﴿لَیۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَیۡءࣱۖ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ﴾ [الشورى: ١١]
إن الأحاديث النبوية الواردة في شأن رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة
ومن هذه الأحاديث ما رواه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَافْعَلُوا» [متفق عليه]
وكذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن صهيب الرومي -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ تبارك وتعالى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ» [صحيح مسلم]
١) الرد على الاستدلال بآية الأنعام ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]
استدل المنكرون بقوله تعالى: ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]
والرد عليهم يكون ببيان أمرين:
الأول: الفرق بين الرؤية والإدراك: الآية الكريمة لا تنفي الرؤية، وإنما تنفي الإدراك، وهو الإحاطة بكنه وحقيقة الذات الإلهية والإدراك ليس هو الرؤية ، فالله -تعالى- يُرى ولا يُدرك، كما يُعلم ولا يُحاط به علمًا.
الثاني: الآية جاءت في سياق المدح: نفي الإدراك في الآية جاء في سياق المدح والكمال لله تعالى، ولو كان المراد أنه – سبحانه وتعالى- لا يُرى بحال، لم يكن في ذلك مدح ولا كمال؛ لأن المعدوم الصرف لا يُرى ولا تُدركه الأبصار، والرب تعالى واجب الوجود، فالمعنى: أنه يرى ولكن لا يُدرك ولا يُحاط به لكمال عظمته.
٢) الرد على الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لَن تَرَىٰنِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]
استدل المنكرون بقوله جل شأنه عن موسى -عليه السلام- لما طلب الرؤية: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِیۤ أَنظُرۡ إِلَیۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِی وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِیۚ﴾ [الأعراف: ١٤٣]
وهذه الآية دليل واضح على ثبوت رؤية الله تعالى وإمكانها، لا على امتناعها أو استحالتها، وذلك من وجوه متعددة:
أ) الآيات توضح أن الله -سبحانه وتعالى- لم ينفِ الرؤية عن ذاته، وإنما نفى رؤية موسى -عليه السلام- له في الدنيا و لا يجوز اعتقاد أن كليم الله يسأل ما لا يجوز على الله أو ماهو من المحال، كما أن الله تعالى لم يُنكر على موسى سؤاله. والا لكان سؤال موسى عبث و الأنبياء منزوه عن السفه.
ب) لم يقل الله: “إني لا أُرى” أو “لا تجوز رؤيتي“، بل قال: ﴿لَن تَرَىٰنِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وهذا يدل على أنه سبحانه يُرى.
ج) تعليق الرؤية على استقرار الجبل في قوله: ﴿وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِیۚ﴾ [الأعراف: ١٤٣] يدل على إمكان الرؤية، ولو كانت مستحيلة لامتنع تعليقها على أمر ممكن (استقرار الجبل).
وهذا الدليل على الرؤية من حيث النقل والسمع أن موسى عليه السلام قد سأل الرؤية بقوله ﴿… رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ … *﴾ [سورة الأعراف] فلو كانت رؤيته تعالى مستحيلة عقلًا لكان طلب موسى لذلك جهلًا بما يجوز في حق الله وما لا يجوز أو سَفَهًا وعبثًا وطلبًا للمحال، والأنبياء منزهون عن ذلك، وأن الله تعالى قد علق الرؤية باستقرار الجبل وهو أمر ممكن في نفسه عقلًا، والمعلق بالممكن ممكن لأن معناه الإخبار بثبوت المعلق عند ثبوت المعلق به، والمحال لا يثبت على شىء من التقادير الممكنة.
اذن عقيدتنا أن المؤمنين يرون الله في الآخرة ولا يرونه في الدنيا. أما الكفار فمحرومون من رؤيته في الدنيا والآخرة لقوله تعالى ﴿… إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ *﴾ [سورة المطففين].
الدليل العقلي على جواز الرؤية
قال أهل السنة و الجماعة: علة صحة الرؤية عقلًا الوجود فالبارىء موجود فيصح عقلًا أن يُرى، وكذا يصح عقلًا أن يُرى سائر الموجودات من الأصوات والطعوم والروائح وغير ذلك، وإنما لا نرى الأصوات والطعوم والروائح ونحو ذلك بالأبصار لأن الله تعالى لم يُجْرِ عادته في خلقه بأن يروا ذلك ولو شاء لنا أن نراها لرأيناها كما نرى الأجسام.
والله تعالى يُرى بلا مسافة لأنه ليس من لازم الرؤية المسافة،
وقالت المعتزلة: لا يُرى الشىء إلا مع مسافة ولا يُرى إلا في جهة والمرئي لا بد أن يكون في جهة، فقالوا «إن الله تعالى لا يرى» وذلك لاعتقادهم أن الله موجود بلا مكان وهو حق لكن اعتقادهم أنه تعالى لا يُرى باطل، فإنهم قاسوا الخالق بالمخلوق كما فعلت المشبهة الذين قالوا: الموجود لا بد أن يكون في مكان إذن الله في مكان، ولا بد أن يكون في جهة والله في جهة، ثم قالوا: المعهود المألوف في عقولنا أن يكون الشىء له حد، فالله له حد، وقد ضلَّ الفريقان.
د) “لن”
في هذا البحث ذكر اختلاف الناس في لن هل تفيد التأبيد أم لا
https://www.munazh.com/viewtopic.php?t=1189
قال الدكتور نذير العطاونة في كتابه: ( القواعد اللغوية المبتدَعة):
المسألة السادسة :
هل (لن) تفيد التأبيد أم لا ؟؟
الخلاف في هذه المسألة جاء خلال النقاش في مسألة رؤية الله في الآخرة ، فذهب النافون لها إلى أن في قوله تعالى لسيدنا موسى عليه السلام عندما طلب الرؤية : { لن تراني } دليل واضح على نفي الرؤية على اعتبار أن ( لن ) حرف لنفي الاستقبال وبما أنه لم يُقيد بزمان فالأمر على إطلاقه في المستقبل إلى الأبد وخالف في ذلك القائلون برؤية الله في الآخرة ، فقال ابن أبي العز الحنفي في (( شرح العقيدة الطحاوية )) ص (192) : [ وأما دعواهم تأبيد النفي بـ (( لن )) وأن ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة ففاسد ، فإنها لو قيّدت بالتأبيد لا يدل على دوام النفي في الآخرة ، فكيف إذا أطلقت ؟ قال تعالى : { ولن يتمنوه أبداً } ، مع قوله : { ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك } . ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها ، وقد جاء ذلك ، قال تعالى : { فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي } فثبت أن (( لن )) لا تقتضي النفي المؤبد ] .
وما نقول به في هذا الباب أن (( لن )) حرف نفي للاستقبال كما نص على ذلك أئمة اللغة ونقل ابن هشام في (( شرح قطر الندى )) أن ذلك محل اتفاق فقال ص (58) : [ لن حرف يفيد النفي والاستقبال بالاتفاق ] ، والأصل في الاستقبال هو الدوام ويجوز أن يدخله التخصيص بتحديد المدة أو بيان أجلها فالقول بالتأبيد لا يتعدّى ذلك ولا يعني إطلاقاً عدم جواز الانقطاع والتحديد وهذا ما أُشكل على البعض ففهموا منه نفي التأبيد .
فالنفي المجرد غير المقيد بـ (( لن )) يُفهم منه استقبال النفي وهو على إطلاقه ما لم تأت قرينة دالة على حد ونهاية لهذا النفي .
لزيادة بيان المسألة يقول أحد اللغويين
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّم : ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي »
تشير أداة “لن” للنفي المؤقت؛ أي: ان النفي ينتهي بزوال القرينة وهي التمسك بكتاب الله وسنة النبي (4)
وامكانية حدوث الفعل عند انتفاء الصارف والقرينة، والمعنى المستهدف المقصود في هذا النص-حديث النبي- انه فيمن يتمسك بالكتاب والسنة فان ذلك صارف للضلالة التي تزول بالتمسك بالكتاب والسنة .
٣) الأدلة القرآنية الصريحة على ثبوت الرؤية
تضافرت نصوص القرآن الكريم مصرحة ومُعَرِّضة بثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، ومنها قوله تعالى: ﴿وُجُوهࣱ یَوۡمَئِذࣲ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةࣱ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣]، حيث إن الفعل “نظر” إذا جاء مقترنًا بـ “إلى” يكون معناه اللإبصار بالعين، ومما يدل على ثبوت الرؤية قوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدونقوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة روي من حديث أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : وزيادة قال : للذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسنى وهي الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم وهو قول أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب في رواية .
وحذيفة وعبادة بن الصامت وكعب بن عجرة وأبي موسى وصهيب وابن عباس في رواية ، وهو قول جماعة من التابعين ، وهو الصحيح في الباب .
دل الكتاب والسنة على أن المؤمنين يرون ربهم سبحانه وتعالى في الجنة، وعلى ذلك أجمع الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أهل الهدى.
روى البخاري في صحيحه: “أَنَّ الناسَ قالوا يا رسولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ قَالَ هَلْ تُمارُونَ (وَالْمِرْيَةُ الشَّكُّ) فِي القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ قالُوا لا يَا رَسُولَ اللهِ قالَ فَهَلْ تُمارُونَ في الشَّمسِ ليسَ دُونَها سَحَابٌ قَالُوا لا قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ” قالَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ العَسْقَلانِيُّ فِي فَتْحِ البَارِي : قَولُهُ (تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ) المرادُ تَشْبِيهُ الرُّؤيةِ بِالرُّؤْيَةِ فِي الوُضُوحِ وَزَوَالِ الشَّكِ ورَفْعِ الْمَشَقَّةِ والاختِلافِ وقالَ البيهقيُّ سَمِعْتُ الشيخَ أبَا الطَّيِّبِ الصُعْلُوكيَّ يَقُولُ ’’لا تَضامُّونَ’’ بِتَشديدِ الميمِ يُريدُ لا تَجْتَمِعُونَ لِرُؤْيَتِهِ فِي جِهَةٍ ولا يَنْضَمُّ بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ فَإِنَّهُ -أَيِ اللهَ- لا يُرَى في جِهَة” اهـ فَرُؤْيتُنا للهِ تعالَى لَيْسَتْ كَرُؤْيَةِ المخلوقاتِ في جِهَةِ أَمَامٍ أَوْ خَلْفٍ أَوْ فَوقٍ أو تَحتٍ أو يمينٍ أو شِمالٍ بَلْ يَرَاهُ المؤمِنُونَ مِنْ غَيرِ أَنْ يَكُونَ سبحانَهُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكونَ في كُلِّ الجِهَاتِ لأَنَّ الجهاتِ كلَّهَا مَخْلُوقَةٌ خَلَقَهَا اللهُ وكانَ قَبْلَهَا بِلا جِهَةٍ وَالأَمَاكِنَ كُلَّهَا مَخْلُوقَةٌ خلقَها اللهُ وكانَ قبلَهَا بِلا مَكَانٍ وَهُوَ بَعْدَ خَلْقِ الجِهَاتِ وَالأَمَاكِنِ لا يَتَغَيَّرُ مَوْجُودٌ بِلا جِهَةٍ وَلا مَكَانٍ.
قال صلى الله عليه وسلم: “إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته” رواه مسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم شبه رؤيتنا لله من حيث عدم الشك برؤية القمر ليلة البدر، ولم يشبه الله تعالى بالقمر. قال ابن منظور في كتابه لسان العرب: لا تَضامُّون في رؤيته، يعني رؤية الله عز وجل، أَي لا يَنْضَمُّ بعضُكم إلى بعضٍ، (لأنّ الله ليس في جهة ولا مكان) ويُروى: لا تُضامُّونَ، على صيغة ما لم يسم فاعله ويروى: تُضامُونَ، من الضَّيْم، وهو مذكور في موضعه؛ قال ابن الأَثير: يروى هذا الحديث بالتشديد والتخفيف، فالتشديد معناه لا يَنْضَمُّ بعضكم إلى بعض وتَزْدحمون وقتَ النظر إليه، قال: ويجوز ضم التاء وفتحها على تُفاعَلون وتَفاعَلون، ومعنى التخفيف لا يَنالكم ضَيمٌ في رؤْيته فيراه بعضُكم دون بعض. والضَّيْمُ: الظُّلْم.
قال الإمام أبو حنيفة في «الفقه الأكبر» [(832)] «والله تعالى يُرى في الآخرة ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ولا كمية ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة». وقال أيضًا [(833)] «ولقاء الله لأهل الجنة بلا جهة ولا تشبيه ولا كيفٍ حق».
وقال أبو منصور الماتريدي في كتاب التوحيد [(834)] بعد أن ذكر أن رؤية الله في الآخرة واجبةٌ سمعًا بلا كيف: «فإن قيل كيف يُرى؟ قيل بلا كيف إذ الكيفية تكون لذي صورة بل يُرى بلا وصف قيامٍ وقعودٍ واتكاءٍ وتعلقٍ واتصال وانفصال ومقابلة ومُدابرة وقصير وطويل ونور وظلمة وساكن ومتحرك ومماس»، ثم قال: «ولا معنًى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك» انتهى كلام الماتريدي رحمه الله.
قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في كتابه [الوصية]: “ولقاء الله تعالى لأهل الجنة بلا كيف ولا تشبيه ولا جهة حق” اهـ.
قال : أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي (773 – 852 هـ)، الملقب بـأمير المؤمنين في الحديث : لِأَنَّ الْحَقَّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا عَقْلًا عُضْوٌ مَخْصُوصٌ وَلَا مُقَابَلَةٌ وَلَا قُرْبٌ ، وَإِنَّمَا تِلْكَ أُمُورٌ عَادِيَّةٌ يَجُوزُ حُصُولُ الْإِدْرَاكِ مَعَ عَدَمِهَا عَقْلًا ، وَلِذَلِكَ حَكَمُوا بِجَوَازِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ خِلَافًا لِأَهْلِ الْبِدَعِ لِوُقُوفِهِمْ مَعَ الْعَادَةِ .
قال أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ) في كتابه شرح صحيح مسلم – كِتَاب الْإِيمَانِ – رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين : اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِأَجْمَعِهِمْ أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى مُمْكِنَةٌ غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ عَقْلًا ، وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى وُقُوعِهَا فِي الْآخِرَةِ ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى دُونَ الْكَافِرِينَ . وَزَعَمَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ : الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُرْجِئَةِ ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ ، وَأَنَّ رُؤْيَتَهُ مُسْتَحِيلَةٌ عَقْلًا ، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ خَطَأٌ صَرِيحٌ وَجَهْلٌ قَبِيحٌ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَدِلَّةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنَيْنِ ، وَرَوَاهَا نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ صَحَابِيًّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ، وَآيَاتُ الْقُرْآنِ فِيهَا مَشْهُورَةٌ وَاعْتِرَاضَاتُ الْمُبْتَدِعَةِ عَلَيْهَا لَهَا أَجْوِبَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَكَذَلِكَ بَاقِي شُبَهِهِمْ وَهِيَ مُسْتَقْصَاةٌ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ وَلَيْسَ بِنَا ضَرُورَةٌ إِلَى ذِكْرِهَا هُنَا ، وَأَمَّا رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهَا مُمْكِنَةٌ ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهَا لَا تَقَعُ فِي الدُّنْيَا ، وَحَكَمَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ فُورَكَ أَنَّهُ حَكَى فِيهَا قَوْلَيْنِ لِلْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ : أَحَدُهُمَا : وُقُوعُهَا ، وَالثَّانِي لَا تَقَعُ ، ثُمَّ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الرُّؤْيَةَ قُوَّةٌ يَجْعَلُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا اتِّصَالُ الْأَشِعَّةِ وَلَا مُقَابَلَةُ الْمَرْئِيِّ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ ، لَكِنْ جَرَتِ الْعَادَةُ فِي رُؤْيَةِ بَعْضِنَا بَعْضًا بِوُجُودِ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الِاتِّفَاقِ لَا عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاطِ ، وَقَدْ قَرَّرَ أَئِمَّتُنَا الْمُتَكَلِّمُونَ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ الْجَلِيَّةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِثْبَاتُ جِهَةٍ – تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ – بَلْ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ لَا فِي جِهَةٍ كَمَا يَعْلَمُونَهُ لَا فِي جِهَةٍ .
وفي كتاب [توضيح العقيدة] وهو مقرر السنة الرابعة الإعدادية بالمعاهد الأزهرية بمصر، ما نصه: “فنراه تعالى منزَّهًا عن الجهة والمقابلة وسائر التكيفات، كما أنّا نؤمن ونعتقد أنه تعالى ليس في جهة ولا مقابلاً وليس جسما” اهـ.
وفي كتاب [العقيدة الإسلامية] الذي يدرّس في دولة الإمارات العربية ما نصه: “وأنه تعالى لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء، تقدس عن أن يحويه مكان، كما تنزه عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن يخلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان” اهـ. وفيه أيضا ما نصه: “وإن عقيدة النجاة المنقذة من أوحال الشرك وضلالات الفرق الزائفة هي اعتقاد رؤيته تعالى في الآخرة للمؤمنين بلا كيف ولا تحديد ولا جهة ولا انحصار” اهـ. هذه عقيدة أهل الحق قاطبة. وما ورد من الفوقية والعلو في حق الله فهو علو قدر ومكانة وعظمة وليس علو مكان وحد والعياذ بالله ! ومن اعتقد الجسم في حق الله أو أن الله يحويه مكان أو جهة فعليه ترك هذه العقيدة الكفرية والنطق بالشهادتين للسلامة من الكفر.
وهذهِ الرُّؤْيةُ لِلْمُؤْمنينَ بعدَ دُخولِهِمُ الجنَّةَ ثَابِتَةٌ فِي الشَّرعِ مُجْمَعٌ علَيْهَا بَيْنَ أهْلِ السُّنةِ والجماعةِ فَلا يَجوزُ نَفْيُها ويَدُلُّ علَى ذلكَ قولُ اللهِ تعالَى ﴿وُجوهٌ يومَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة/22ـ23]، وهذه الآية صريحة لا داعي لتأويلها ، فقد قال الإمام الرّازي في كتابه المحصول : لا يجوز التّأويل إلاّ لدليل عقليٍّ قاطع أو نقليٍّ ثابتٍ.
قال العلامةُ حُجةُ الإسلامِ أبو جعفرٍ الوراقُ الطحاويُّ (227-324): والرؤيةُ حق لأهلِ الجنة، بغيرِ إحاطةٍ ولا كيفيَّةٍ، كما نطقَ به كتابُ ربّنا: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ {22} إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ {23} ﴾. قالَ الله تعالى : « وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً » [سورة طه آية 110]، فالمخلوقاتُ لا تعرفُ حَقيقةَ اللهِ، فَنحنُ لا نعْرفُ حَقيقةَ اللهِ إنَّما نعرفُ اللهَ بصِفاتهِ، وبِتَنزِيههِ عَنْ صِفَاتِ الخَلْقِ وعَنْ كُلِّ ما لا يليقُ بِهِ تَعَالى.
والنظر إذا عُدِّي بإلى كان ظاهرا في نظر الأبصار، يقول العلامة اللغوي أبو منصور الأزهري (المتوفى: 370هـ) في كتابه تهذيب اللغة ( 14/371 ) : ” ومن قال: إن معنى قوله : { إلى ربها ناظرة }: بمعنى منتظرة فقد أخطأ، لأن العرب لا تقول : نظرت إلى الشيء بمعنى انتظرته، وإنما تقول : نظرت فلاناً، أي : انتظرته، ومنه قول الحُطَيْئة :
وقد نظرتكم أبناء صادرة للورد طال بها حوزي وتنساسي
فإذا قلت: نظرت إليه لم يكن إلا بالعين، وإذا قلت: نظرت في الأمر احتمل أن يكون تفكراً وتدبراً بالقلب ” ا.هـ.
قال اللغوي جمال الدين ابن منظور الأنصاري (المتوفى: 711هـ) : وقوله تعالى : وُجُوهٌ يومئذ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ؛ الأُولى بالضاد والأُخرى بالظاءِ؛ قال أَبو إِسحق: يقول نَضِرَت بِنَعِيم الجنة والنَّظَرِ إِلى ربها.
وقال الله تعالى : تَعْرِفُ في وُجُوههم نَضْرَةَ النَّعِيم ؛ قال أبو منصور : ومن قال إِن معنى قوله إِلى ربها ناظرة يعني منتظرة فقد أَخطأَ، لأَن العرب لا تقول نَظَرْتُ إِلى الشيء بمعنى انتظرته، إِنما تقول نَظَرْتُ فلاناً أَي انتظرته ؛ ومنه قول الحطيئة : نَظَرْتُكُمُ أَبْناءَ صَادِرَةٍ لِلْوِرْدِ، طَالَ بها حَوْزِي وتَنْساسِي وإِذا قلت نَظَرْتُ إِليه لم يكن إِلا بالعين، وإِذا قلت نظرت في الأَمر احتمل أَن يكون تَفَكُّراً فيه وتدبراً بالقلب.
قال الإمام العلَّامة أبو بكر محمد بن الحسن ابن فورك (المتوفى 406) في تفسيره : معنى {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} رائية، والنظر المقرون بالوجه وإلى في اللغة لا تكون إلاّ بمعنى الرؤية.
قال اللغوي الفيروز آبادي (ت817 هـ) في تفسيره تفسير القرآن عند تفسير سورة القيامة ءاية 23 : { وُجُوهٌ } وجوه المؤمنين المصدقين في إيمانهم { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { نَّاضِرَةٌ } حسنة جميلة ناعمة { إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } ينظرون إلى وجه ربهم [أي إلى الله] لا يحجبون عنه { وَوُجُوهٌ } وجوه الكافرين والمنافقين { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { بَاسِرَةٌ } كالحة يحجبون عن رؤية ربهم لا ينظرون إليه.
وقال عند تفسير سورة المطففين ءاية 15 : { كَلاَّ } حقاً يا محمد { إِنَّهُمْ } يعني المكذبين بيوم الدين { عَن رَّبِّهِمْ } عن النظر إلى ربهم { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لَّمَحْجُوبُونَ } لممنوعون والمؤمنون لا يحجبون عن النظر إلى ربهم.
وقال عند تفسير الأعراف ءاية 143 : { وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا } لميعادنا بمدين { وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ } طمع في الرؤية { قَالَ } الله { لَن تَرَانِي } لن تقدر أن تراني في الدنيا يا موسى.
فليس من شرط الرُّؤية الجسميّة وإنّما من شرط الرُّؤية الوجود. وكذلكَ قولُه صلى الله عليه وسلم فيمَا رواهُ مُسلمٌ في صَحِيحِه “إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَومَ القِيامَةِ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ ليلَةَ البَدْرِ لا تَضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ” أَيْ لا تَتَزَاحمُونَ في رُؤْيَتِهِ وذَلكَ لأَنَّ رؤيةَ اللهِ لا تَكُونُ بِالْمُقَابَلَةِ والْمُواجهَةِ إِنَّما اللهُ يَكْشِفُ الحِجَابَ عَنْ أَبْصَارِ الْمُؤْمِنِينَ أَي يُعْطِي المؤمِنِينَ فِي أَبْصَارِهِمْ قُوَّةً يَرَوْنَ بِهَا اللهَ بِلا جِهَةٍ وَلا مَكَانٍ كَمَا نَبَّهَ علَى ذلكَ الإمامُ أبو حنيفَةَ رَضِيَ الله عنه فإنهُ قالَ “وَلِقَاءُ اللهِ لأَهْلِ الجنَّةِ ـ أَيْ رؤيَتُهُمْ للهِ ـ بِلا جِهَةٍ ولا تَشْبِيهٍ وَلا كَيْفٍ حَقٌّ”. وليسَ معنَى قولِهِ صلى الله عليه وسلم “إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَومَ القِيامَةِ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ ليلَةَ البَدْرِ” أَنَّ اللهَ سبحانَهُ يُشبِهُ القَمَرَ حَاشَا وَكَلا إِنَّما النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شبَّهَ رُؤْيَتَنَا للهِ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الشَّكِّ بِرُؤْيَةِ القَمَرِ ليلَةَ البَدْرِ وَلَمْ يُشَبِّهِ اللهَ تعالَى بِالقَمَرِ، فكمَا أَنَّ مُبْصِرَ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ لا يَشُكُّ أَنَّ الذِي رَءاهُ هُوَ القَمَرُ كذَلِكَ المؤمِنونَ عندَمَا يَرَوْنَ اللهَ تعالَى يرَوْنَهُ رُؤْيَةً لا يَكُونُ عليهِمْ فِيهَا اشْتِبَاهُ فَلا يَشُكُّونَ هلِ الذِي رَأَوْهُ هو اللهُ أَوْ غَيْرُه لأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ، هذَا معنَى الحدِيثِ.
هذَا التَّفْسيرُ الذِي ذَكَرْنَاهُ نَصَّ عليهِ عُلماءُ أَهلِ السنةِ والجماعةِ وهو يُفْهَمُ مِنْ رِوايَةِ البُخَارِيِّ لِهَذَا الحديثِ فَفِيهِ “أَنَّ الناسَ قالوا يا رسولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ قَالَ هَلْ تُمارُونَ ـ وَالْمِرْيَةُ الشَّكُّ ـ فِي القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ قالُوا لا يَا رَسُولَ اللهِ قالَ فَهَلْ تُمارُونَ في الشَّمسِ ليسَ دُونَها سَحَابٌ قَالُوا لا قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ” قالَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ العَسْقَلانِيُّ فِي فَتْحِ البَارِي : قَولُهُ (تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ) المرادُ تَشْبِيهُ الرُّؤيةِ بِالرُّؤْيَةِ فِي الوُضُوحِ وَزَوَالِ الشَّكِ ورَفْعِ الْمَشَقَّةِ والاختِلافِ وقالَ البيهقيُّ سَمِعْتُ الشيخَ أبَا الطَّيِّبِ الصُعْلُوكيَّ يَقُولُ ’’لا تَضامُّونَ’’ بِتَشديدِ الميمِ يُريدُ لا تَجْتَمِعُونَ لِرُؤْيَتِهِ فِي جِهَةٍ ولا يَنْضَمُّ بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ فَإِنَّهُ –أَيِ اللهَ- لا يُرَى في جِهَة” اهـ
قال تعالى : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس آية 26] فقد ورد في حديث صهيب تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة بالرؤية، كما روى ذلك مسلم في صحيحه عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال : يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ﴾).
قال الإمام النسفي (ت 710 هـ) في تفسيره مدارك التنزيل وحقائق التأويل عند تفسير سورة يونس آية 26: { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } آمنوا بالله ورسله {الْحُسْنى} المثوبة الحسنى وهي الجنة { وَزِيَادَةٌ } رؤية الرب عز وجل كذا عن أبي بكر وحذيفة وابن عباس وأبي موسى الأشعري وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم، وفي بعض التفاسير أجمع المفسرون على أن الزيادة النظر إلى الله تعالى. وعن صهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا دخل أهل الجنة يقول الله تبارك وتعالى: أتريدون شيئاً أزيدكم ؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار ؟ ـ قال: ـ فنرفع الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم ” ثم تلا ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ﴾
فَرُؤْيتُنا للهِ تعالَى لَيْسَتْ كَرُؤْيَةِ المخلوقاتِ في جِهَةِ أَمَامٍ أَوْ خَلْفٍ أَوْ فَوقٍ أو تَحتٍ أو يمينٍ أو شِمالٍ بَلْ يَرَاهُ المؤمِنُونَ مِنْ غَيرِ أَنْ يَكُونَ سبحانَهُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكونَ في كُلِّ الجِهَاتِ لأَنَّ الجهاتِ كلَّهَا مَخْلُوقَةٌ خَلَقَهَا اللهُ وكانَ قَبْلَهَا بِلا جِهَةٍ وَالأَمَاكِنَ كُلَّهَا مَخْلُوقَةٌ خلقَها اللهُ وكانَ قبلَهَا بِلا مَكَانٍ وَهُوَ بَعْدَ خَلْقِ الجِهَاتِ وَالأَمَاكِنِ لا يَتَغَيَّرُ مَوْجُودٌ بِلا جِهَةٍ وَلا مَكَانٍ.
قال الإمام المجتهد أبو حنيفة النعمان بن ثابت رضي الله عنه -المتوفى سنة 150 هـ- أحد مشاهير علماء السلف إمام المذهب الحنفي ما نصه : “والله تعالى يُرى في الآخرة، ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كميّة، ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة” اهـ. ذكره في [الفقه الأكبر]، وانظر [شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري ص/ 136- 137].
وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في كتابه [الوصية] : “ولقاء الله تعالى لأهل الجنة بلا كيف ولا تشبيه ولا جهة حق” اهـ.
وفي كتاب [توضيح العقيدة] وهو مقرر السنة الرابعة الإعدادية بالمعاهد الأزهرية بمصر، ما نصه: “فنراه تعالى منزَّهًا عن الجهة والمقابلة وسائر التكيفات، كما أنّا نؤمن ونعتقد أنه تعالى ليس في جهة ولا مقابلاً وليس جسما” اهـ.
وفي كتاب [العقيدة الإسلامية] الذي يدرّس في دولة الإمارات العربية ما نصه : “وأنه تعالى لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء، تقدس عن أن يحويه مكان، كما تنزه عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن يخلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان” اهـ. وفيه أيضا ما نصه : “وإن عقيدة النجاة المنقذة من أوحال الشرك وضلالات الفرق الزائفة هي اعتقاد رؤيته تعالى في الآخرة للمؤمنين بلا كيف ولا تحديد ولا جهة ولا انحصار” اهـ. هذه عقيدة أهل الحق قاطبة. وما ورد من الفوقية والعلو في حق الله فهو علو قدر ومكانة وعظمة وليس علو مكان وحد والعياذ بالله ! ومن اعتقد الجسم في حق الله أو أن الله يحويه مكان أو جهة فعليه ترك هذه العقيدة الكفرية والنطق بالشهادتين للسلامة من الكفر.
الكفار لا يرون الله في الدنيا ولا في الاخرة قال الله تعالى :
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]
يقول الامام الطبري في تفسيره : القول في تأويل قوله تعالى : كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ( 15 )يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما يقول هؤلاء المكذّبون بيوم الدين، من أن لهم عند الله زُلْفة، إنهم يومئذ عن ربهم لمحجوبون، فلا يرونه، ولا يرون شيئا من كرامته يصل إليهم.
وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: إنهم محجوبون عن كرامته.
* ذكر من قال ذلك:حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن خليد، عن قتادة ( كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) هو لا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم.
حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: ثنا بقية بن الوليد، قال: ثنا جرير، قال: ثني نمران أبو الحسن الذماري، عن ابن أبي مليكة أنه كان يقول في هذه الآية ( إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) قال: المنان والمختال والذي يقتطع أموال الناس بيمينه بالباطل.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنهم محجوبون عن رؤية ربهم.
قال الإمام الشافعي: “لما حُجِبَ هؤلاء في السخط، كان في ذلك دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا”. [شرح الكوكب المنير (٣/ ٥١٢)]
ويحسن أن نبين هنا :
الرد على المعتزلة :
وأوردت المعتزلة على ذلك شبهتين الأولى: قولهم سؤال موسى عليه السلام كان لأجل قومه حيث قالوا ﴿… لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً … *﴾ [سورة البقرة] فسأل ليعلموا امتناعَها كما علمها هو، والثانية: قالوا إنا لا نسلّم أن المعلَّق عليه ممكن بل هو استقرار الجبل حال تحركه واجتماعُ الاستقرار والتحرك في ءان واحد مستحيل. وأجاب أهل الحق: بأن كلاًّ من ذلك خلاف الظاهر ولا ضرورة إلى ارتكابه على أن القوم إن كانوا مؤمنين لكفاهم أن يقول موسى إن الرؤية مستحيلة، وإن كانوا كفارًا لم يصدقوه في حكم الله تعالى بالامتناع أي عدم إمكانها، وأيًّا ما كان فيكون السؤال عبثًا. قالوا: والاستقرار حالَ التحرك أيضًا ممكن بأن يقع السكون بدل الحركة وإنما المحال اجتماع الحركة والسكون.
فيلزم المعتزلة من نفيهم جوازَ رؤية الله تعالى أن يكون موسى إما جاهلًا بما يجوز على الله وإما أن يكون يعلم ذلك وإنما من بابِ السَّفَهِ طلب من الله، وكلا الأمرين مستحيل على من نبَّأه الله تعالى وأكرمه بالنبوة، والأنبياء هم أولى بأن يعرفوا ما يجوز على الله وما لا يجوز عليه تعالى فكيف لا يُثبت المعتزلة صحةَ الرؤية عقلًا وقد سأل موسى ذلك بنص القرءان.
قال أهل السنة من الأشاعرة: لا نسلِّم أن الاستقرار حال التحرك يستلزم اجتماع الحركة والسكون في آنٍ واحد، لأن ذلك هو المحال لا غيره. وإنما المراد إمكان وقوع السكون بدل الحركة، لا مع بقائها. وذلك أن الحركة عرض، والسكون عرض، وكل عرض جائز الوجود والعدم، فما جاز عدمه جاز زواله، فإذا زالت الحركة أمكن أن يحدث السكون عقيبها. فالمحال إنما هو اجتماع الضدين في آنٍ واحد، لا تعاقبهما ولا ارتفاع أحدهما وحدوث الآخر بدله. وإذا كان الاستقرار ممكنًا في نفسه بهذا الاعتبار، كان الشرط معلَّقًا على ممكن، وتعليق الشيء على الممكن لا يدل على استحالته، فبطل ما توهموه من كون الشرط محالًا.
ـ[832] عزاه الحافظ ابن حجر في الإصابة (2/ 3) للبيهقي في كتابه الدلائل ولم نعثر عليه فيه.
ـ[833] انظر الإصابة في تمييز الصحابة (2/ 3).
ـ[834] مصنف ابن أبي شيبة (6/ 548).
الحركة عرض.
والسكون عرض.
والعرض يجوز عليه الوجود والعدم.
فما جاز عليه العدم جاز زواله.
فإذا زالت الحركة أمكن حدوث السكون بدلها.
الاستقرار في نفسه ممكن.
وزوال الحركة ممكن.
فالشرط معلَّق على ممكن.
وتعليق الشيء على الممكن لا يدل على استحالته.
بيان تلبيس ابن تيمية حول رؤية الله في الآخرة
قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه: ” إنكم سَتَرَونَ ربَّكُم يومَ القيامةِ كما ترونَ القمرَ ليلةَ البدرِ لا تَضامُّونَ في رؤيته”. انتهى
ومعنى لا تَضامُّون، أي لا تتزاحمون في رؤيته وذلك لأن رؤية الله لا تكونُ بالمقابلة والمواجهة إنما اللهُ يكشِفُ الحجاب عن أبصار المؤمنين أي يُعطي المؤمنين في أبصارهم قوةً يَرَوْنَ بها الله بلا جهة ولا مكان كما نبَّه على ذلك الإمام أبو حنيفةَ رضي الله عنه، فإنه قال: “ولقاءُ اللهِ لأهل الجنة (أي رؤيتهم لله) بلا جهة ولا تشبيه ولا كيف حق”. انتهى
فالله سبحانه وتعالى لا يُشبهُ القمرَ، حاشا وكلاَّ، إنما النبيُّ صلى الله عليه وسلم شبَّه رؤيتنا لله من حيث عدم الشك برؤية القمر ليلة البدر ولم يشبه الله تعالى بالقمر، فكما أن مُبْصِرَ القمر ليلة البدر ليس دونه سحابٌ لا يَشُكُّ أن الذي رءاه هو القمر كذلك المؤمنون عندما يرون الله تعالى يرونه رؤيةً لا يكونُ عليهم فيها اشتباهٌ فلا يشكُّون هلِ الذي رأوْه اللهُ أو غيره، لأنهم يَرَوْنَ من ليس كمثله شيء.
وليس الأمر كما ادعاه شيخ المجسمة ابن تيمية أن الله يُرى في جهة كما أن القمر يُرى في جهة.
فقد قال في بيان تلبيس الجهمية ما نصه: ” إذا ثبتت رؤيته فمعلوم في بدائه العقول أن المرئي القائم بنفسه لا يكون إلا بجهة من الرائي وهذه الرؤية التي أخبر بها النبي ﷺ حيث قال : «ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر». فأخبر أن رؤيته كرؤية الشمس والقمر وهما أعظم المرئيات ظهورًا في الدنيا، وإنما يراهم الناس فوقهم بجهة منهم بل من المعلوم أن رؤية مالا يكون داخل العالم ولا خارجه ممتنع في بدائه العقول، وهذا مما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم من السلف والأئمة وأهل الحديث والفقه والتصوف وجماهير أهل الكلام المثبتة والنافية والفلاسفة”. انتهى
و تشبيه ابن تيمية لرؤية الله تعالى برؤية القمر والشمس بدعوى أن كلا منهما في جهة، فهو تحريف ظاهر مكشوف للحديث النبوي بإجماع جميع شراح هذا الحديث الشريف من جميع المذاهب الإسلامية، فقد أجمعوا على أن التشبيه واقع بين الرؤية والرؤية في الجلاء والوضوح، وليس بين المرئي والمرئي في التحيز والجهة كما يدعي ابن تيمية.
قال ابن قتيبة المتوفى 276 هجري في مختلف الحديث: «فيراه المؤمنون كما يرون القمر في ليلة البدر، ولا يختلفون فيه كما لا يختلفون في القمر، ولم يقع التشبيه بها على كل الحالات في التدوير والمسير والحدود وغير ذلك». انتهى
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: «وقال البيهقي سمعت الشيخ الإمام أبا الطيب سهل بن محمد الصعلوكي – توفي سنة 387 هجري- يقول في إملائه في قوله: لا تضامون في رؤيته بالضم والتشديد معناه لا تجتمعون لرؤيته في جهة ولا يضم بعضكم إلى بعض ومعناه بفتح التاء كذلك والأصل لا تتضامون في رؤيته باجتماع في جهة وبالتخفيف من الضيم ومعناه لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض فإنكم ترونه في جهاتكم كلها وهو متعال عن الجهة والتشبيه برؤية القمر للرؤية دون تشبيه المرئي تعالى الله عن ذلك». انتهى
وقال الإمام أبو بكر الباقلاني المتوفى سنة 403 هجري في الانصاف: “ومعنى ذلك: أنه -صلى الله عليه وسلم- شبه الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي؛ فكأنه -صلى الله عليه وسلم- شبه الرؤية بالرؤية؛ وأن الرائي المعاين للقمر ليلة البدر ليلة أربع عشرة لا يشك في أن الذي يراه قمر. فكذلك الناظر إليه -سبحانه وتعالى- في الجنة لا يشك أن الذي يراه سبحانه وتعالى بلا تكييف، ولا تشبيه، ولا تحديد”. انتهى
و قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح البخاري: “وقوله: «كما ترون هذا القمر» شبَّه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي سبحانه وتعالى، وإنما شبه الرؤية برؤية البدر لمعنيين: أحدهما: أن رؤية القمر ليلة البدر لا يشك فيه ولا يمترى. والثاني: يستوي فيه جميع الناس من غير مشقة”. انتهى
وقال العلامة السندي في شرح سنن ابن ماجه ما نصه: ” قَوْله ( كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَر ) أَيْ مِنْ غَيْر مُزَاحَمَة كَمَا يُفِيدهُ آخِر الْكَلَام وَإِلَّا فَهَذِهِ رُؤْيَة فِي جِهَة وَتِلْكَ رُؤْيَة لَا فِي جِهَة”. انتهـى
ـ وقال الإمام العيني في عمدة القاري:” فإن قلت: الكاف في «كما ترون» للتشبيه، ولابد أن تكون مناسبة بين الرائي والمرئي؟ قلت: معنى التشبيه فيه أنكم ترونه رؤية محققة لا شك فيها ولا مشقة ولا خفاء، كما ترون القمر كذلك، فهو تشبيه للرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي”. انتهى
فثبت بجميع هذه النصوص أن ابن تيمية مخالف لجمهور أهل العلم سلفا وخلفا عقلا ونقلا.


نقض دعوى المجسّمة بأن إثبات رؤية الله في الآخرة عند الأشاعرة يستلزم رؤية “بعضه” أو “كله”
من جملة ما يتناقله المجسّمة من تعليلات واهية، ومحاولاتهم المتكررة لإلزام أهل السنة الأشاعرة في مسألة رؤية الله تعالى بالأبصار في الدار الآخرة، قولهم: ” إن القول برؤية الله بالأبصار يلزم عليه إما أن يروا الله كله أو يروا بعضه. فإن رأوه كله، فقد أدركوه وأحاطوا به، وهو محال، وهو ومنفي بالسمع. وإن رأوا بعضه فقد أجازوا عليه التبعض، وأن يتميز منه شيء عن شيء، وهو محال عندهم. وإن جاز ذلك، جاز أن يشار إليه إشارة حسية، فلم يكن هناك مانع من كونه متحيزا وفي جهة. وليس يخرجهم عن هذا الإلزام إلا جحد الرؤية كما تقوله الجهمية والمعتزلة”. انتهى
والجواب على هذه الشبهة من وجوه:
▪︎ الوجه الأول: إنَّ المجسّمة في إلزاماتهم إنما ينطلقون من أصول عقائدهم الباطلة، المبنية على تصورٍ فاسد لله تعالى باعتباره جسمًا مركّبًا يتصف بالـبعضية أو الجزئية كما يتصف بالـكلية، وهي لوازم مخصوصة بالأجسام المخلوقة.
أمّا أهل السنة الأشاعرة فلا يثبتون لله تعالى شيئًا من ذلك، بل يصرّحون في متون عقائدهم بأنّ ذات الله منزّه عن الكلّ والبعض جملةً، وأن نسبتها إليه باطلٌ عقلاً وشرعًا.
جاء في العقيدة المرشدة ما نصه: ” موجود قبل الخلق، ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كلٌّ ولا بعض. ولا يقال متى كان ولا أين كان ولا كيف، كان ولا مكان، كوَّن الأكوان ودبَّر الزمان، لا يتقيَّد بالزمان، ولا يتخصَّص بالمكان، ولا يشغله شأن عن شأن، ولا يلحقه وهم، ولا يكتنفه عقل، ولا يتخصَّص بالذهن، ولا يتمثّل في النفس، ولا يُتَصوَّر في الوهم، ولا يتكيَّف في العقل، لا تلحقه الأوهام والأفكار، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ – 11: الشـورى- “. انتهى
وصدق من سماها مرشدة، لأنها تحفظ العقائد مما يتخبط فيه الحشوية وأهل الزيغ، وهذه العقيدة نقلها التاج السبكي في طبقاته، وكان الحافظ ابن عساكر يعتني بتدريسها.
وأما الدليل من القرآن أن الله لا يتصف بالبعضية، قوله عز وجل في ذم الكفرة: ” وجعلوا له من عباده جزءا” – الزخرف: 15 –
وأما الكلية، فالدليل على نفيها عنه: ” لا تدركه الأبصار” – الأنعام : 103-
قال العلامة أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي ما نصه: “وقوله : “لاَ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ” أي: لا تحيط به”. انتهى
و قال البغوي المتوفى سنة 516 هـجري في معالم التنزيل عند تفسير سورة الأنعام ءاية 103 “لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ”، ما نصه : ” وأمّا قوله: “لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَـٰرُ” فاعلم أن الإدراك غير الرؤية لأن الإدراك هو : الوقوف على كُنهِ الشيء والإحاطة به والرؤية : المعاينة، وقد تكون الرؤية بلا إدراك”. انتهى
وهذا نصّ صريح في أن رؤية الله لا تستلزم الإحاطة، فلا يرد إلزام المجسّمة من أصله.
ولو صح نسبة الحشوية؛ الكل والبعض لله عز وجل، فهل يقيسون على ذلك وينسبون له الأمام والخلف؟ ولا يُستبعد أن يقول المتحذلق منهم: إن المؤمنين إذا رأوا الله، لا يخلو أن يروه من أمام أو من خلف. وهكذا يلتزمون هم بالكيفية التي يزعمون تفويضها، ويلتزمون باثبات التركيب، والحجم، والمقدار والشكل والجهة في حق الله. فإن أنكروا ذلك فقد خالفوا ضروريات العقول.
▪︎ الوجه الثاني: إن مصحِّح الرؤية هو «الوجود» لا «التحيّز» ولا «الجهة»، وهنا يبرز الخطأ الجوهري للمجسّمة في اعتقادهم أن الرؤية لا تقع إلا على جسم متحيّز ذي أجزاء، وهذا أصل باطل يخالف العقل والنقل. فأهل السنة يقررون أن الرؤية تتعلّق بالموجود، لا بالحجم ولا بالحيّز.
فالرؤية هي تحقّق الشيء بالبصر كما هو، سواء أكان في جهة أو لم يكن.
فإن كان المرئي يرى في جهة فإنه يتّصف بالكلية والبعضية كالأجسام.
وإن كان غيرَ متحيّزٍ، ولا في جهة — كذات الله تعالى — فإنه يُرى لا فيها، ولا يصح أن يوصف بالكلية ولا بالبعضية أصلاً.
قال الإمام السنوسي في شرح “الجزائرية”: ولا مدخل للعدم في مصحح الرؤية إذ هو لايرى ولامناسبة بينه وبين الرؤية أصلا، فتعين أن المصحح للرؤية هو الوجود.
الوجه الثالث: الله هو شئ لا يشبه الأشياء، وقد احتج ابن بطة على الجهمية بذلك، وقال أن الشئ يصح أن يرى
راجع الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/p/1HRZoP1CuP/
فثبت إذن أن الرؤية لا تستلزم الكلية، ولا البعضية، و لا تستلزم الإحاطة، كما دلّ عليه القرآن وكلام أهل العلم.
فظهر أن شبهة المجسّمة تقوم على افتراض أن ما يُرى لا يكون إلا حجماً مركباً.
وبالتالي فالإلزام ساقطٌ، لأنه مبنيّ على مقدّمات لا يقول بها أهل السنة من أساسه، وتكون شبهتهم أوهى من بيت العنكبوت.
موافقة ابن بطة الحنبلي للأشعرية في اثبات رؤية الله بلا كيف
قال ابن بطة في كتاب الإبانة الكبرى : ” وقالت الجهمية إن النظر لا يكون إلا بطول وعرض ولون وجسم، فيقال لهم أخبرونا عن الله أليس هو شيئا ؟! فإذا قالوا بلى قيل لهم فإن النظر يكون لذلك الشيء ” انتهى
يُلاحظ ان ابن بطة اكتفى بالقول بأن الله شىء لإثبات الرؤية وسلم لخصومه الجهمية ان ما ذكروه من الطول والعرض واللون والجسم منفي عن الله، ولم يسلم لهم ان هذه شروط رؤية الله عز وجل، واكتفى بالقول أن الله تعالى شيئ موجود، وكل موجود يصح أن يُرى، وهذه عينها مقالة الأشاعرة.
وليعلم أن إقامة الحجة على المخالف بالدليل، ما لم تكن على سبيل الافتراض أو على جهة التنزّل، تُعدّ لازمًا لقول صاحبها. فإذا أورد المتكلم هذا الدليل نافيًا به مقالة خصمه، من غير أن يُبدي تبرؤًا مما يستلزمه كلامه، كان ذلك اللازمُ مذهبًا له، إذ يُعَدّ إقراره به التزامًا ضمنيًا بمقتضى حجته.
فأهل السنة ذهبوا إلى أنه تعالى يجوز أن يرى بأعينهم، والمؤمنون يرونه في الجنة منزهاً عن المقابلة والجهة والمكان. فكما يعلمون أنه سبحانه ليس في جهة يرونه كذلك بلا جهة. فالرؤية جائزة عقلاً دنيا وأخرى، لأنه سبحانه موجود، وكل موجود يصح أن يرى.
