لا تسبوا الدهر فأنا الدهر

قال الله تعالى {ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يُلْحِدُون في اسمائه}. إنّ الله تبارك وتعالى موصوف بكل كمالٍ يليق به منزه عن كل نقصٍ في حقه، له الاسماءُ الحسنى أي الاسماء التي تدل على الكمال. اما ما ورد في الحديث القدسي [لا تسبوا الدهر فأنا الدهر] فليس معناه أنّ الله يسمى دهرا وأنّ من اسمائه الدهر، وإنما هذا على حذف مضاف أي أنّ الله فاعلُ الدهر أي خالقُه ومصرّفُه.

قال تعالى {ألم تر أنّ اللهَ يُولِجُ الليلَ في النهار ويُولِجُ النهارَ في الليل وسَخَّر الشمسَ والقمرَ كلٌّ يجري الى اجل مسمى وأنّ اللهَ بما تعملون خبير}. (سورة لقمان)
المجاز قسمان: وللتوسع في شرح الحديث ينبغي ان نذكر أنّ المجاز قسمان : مجاز تشبيه ومجاز حذف. فمجاز التشبيه كقول: زيد اسد، زيد بدر، معناه أنّ زيداً شجاع كالاسد وجميل كالبدر وهذا المجاز يجوز على المخلوق. ولا يجوز في حق الله تبارك وتعالى لقوله تعالى {فلا تضربوا لله الامثال} وقولِه {ولله المثل الاعلى} اي لله الوصفُ الذي لا يُشبه وصفَ غيرِه.

واما القسم الثاني من المجاز فهو مجاز الحذف وهو جائز في حق الله، ومثال ذلك قوله تعالى {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} أي جاءت قدرة الله أي أثر من آثارِ قدرتِه كما ثَبَتَ في تفسيرها عن الامام احمد بن حنبل رضي الله عنه فيما رواه البيهقي في كتاب “مناقب احمد”.

الله هو مصرف الامور

وفي الحديث القدسي الذي ذكرناه [لا تسبوا الدهر فأنا الدهر] ردٌ على المنجمين الذين يقولون “اقتراب النجم الفلاني من النجم الفلاني بهذا الشكل يولد من الحادثات كذا وكذا” يعتبرون أنّ النجوم مؤثرة ومدبرة للاحوال الارضية وهذا غير صحيح. النجوم صغارها وكبارها كلها ليست مدبرة للعالم العلوي ولا للعالم السفلي. الكواكب كلها ليس لها علاقة بتدبير امور الحياة، ليس لها تأثير بتصريف الامور ولا صلة لها بمصائر الناس. إنّ الله هو مصرف الامور. هو الذي يأتي بالرخاء وهو الذي يأتي بالقحط وهو المحيي والمميت.

التسليم بقضاء الله وعدم الاعتراض عليه

اخي المسلم، اذا اصابتك مصيبة فقل “إنّا لله وإنا اليه راجعون” ومعنى “إنا لله” : نحن خَلْق لله، مُلْكٌ لله هو خَلَقَنَا وأنشأنا، هو يحيينا ويميتنا. “وإنا اليه راجعون” وإننا صائرون اليه للجزاء. وفي هذا القول تسليم لله تعالى والتسليم فيه سلامة للعبد. إنّ الله غني عنا وعن جميع الخلق لا ينتفع بشيء ولا ينضر بشيء. فهؤلاء الذين إذا اصابتهم مصيبة او غضبوا من انسان يسبون الله الخالقَ العظيم. فماذا يضرون الخالق، انهم لا يضرون الله انما يضرون انفسهم بكفرهم ويستحقون بهذه المسبة والاعتراض على الله العذابَ الدائمَ المقيمَ الذي لا انقطاعَ له ولا نهايةَ له ان لم يعودوا الى الاسلام بالنطق بالشهادتين. بهذا الاعتراض على الله ولو في حالة الغضب استحقوا عذابَ الآخرة الذي يسلطه الله على الكافرين.

من اصابته فاقةٌ من فقر واعترض على حكم الله فإنّ كفره هذا لا يقرّب له رزقا بعيدا. ومن أصابه مرض واعترضَ على حكمِ اللهِ فإنّ مرضَه لا يزول بكفره، ومن ماتَ له عزيز او قريب واعترضَ على حكمِ اللهِ فإنّ الميتَ لا يعودُ بكفره. فيكون هذا الانسانُ المعترضُ على اللهِ قد أهلكَ نفسَه والعياذُ باللهِ من الاعتراضِ على اللهِ وعلى قضائِه وحُكْمِه.

قال الله تعالى {ما يَلْفِظُ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد} سورة (ق). أي أنّ كل ما يتلفظ به العبد من الجد والهزل والغضب يسجله الملكان فهل يسرُّ العاقل أن يرى في كتابه حين يُعرض عليه يوم القيامة هذه الكلمات الخبيثة ؟ بل يسوؤه ذلك ويحزنُه حين لا ينفع الندم ! فليعتن بحفظِ لسانِه من الكلامِ بما يسوؤه إذا عُرِضَ عليه في الاخرة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [أكثر خطايا ابن آدم من لسانه] رواه الطبراني.

أخي المسلم، إذا أصبتَ بمصيبةٍ أو بلاءٍ فبادر الى ذكرِ اللهِ وتوكل عليه واحفظْ لسانَكَ عن مسبةِ الخالقِ العظيمِ وعن الاعتراضِ على حكمِه

الحديث: لله أشد أذنا

لقد فسر الإمام الأوزاعي رضي الله عنه هذا الحديث فقال [لله أشد أَذَنًا] أي استماعا لقارئ حسن الصوت وفي لفظ حسن الصوت بالقرءان معناه أن الله يحب سماع قراءة هذا المؤمن الذي يحسن قراءة القرءان أكثر مما يحب صاحب القينة أي الجارية الاستماع لجاريته تغني لسيدها. في روايات هذا الحديث “أكثر مما يحب صاحب القينة إلى قينتة” القينة هي الأمة المغنية. كان الناس لهم في الماضي إماء جوار مملوكات يغنين لهن للترفيه، لترفيه أسيادهن، هو يأمرها يقول لها غن لي، فمعنى الحديث أن الله يحب سماع هذه القراءة التي يقرؤها العبد. الله يسمعها بسمعه الأزلي.

فساد العقيدة وفساد الفهم كثير بين البشر في هذا الزمن إلى حد بعيد. يوجد أعمى ما تلقى علم الدين بالتفهم من أي عالم إنما حفظ القرءان وتلاه على العشر واكتفى بذلك، هذا كمثل الحمار يحمل أسفارًا الحمار لو حملته مائة مجلد من كتب العلم فهو حمار. هذا الخبيث يقرأ الآية {ليس كمثله شىء} لكن قلبه أعمى.

قالَ: إنَّ الله له ءاذانٌ، فقيلَ له: كيفَ ذلكَ؟ قال: أليسَ قال الرسول “لله أشدُ ءاذانًا” فقيل له: أنت حرَّفتَ الحديثَ فالواردُ “أَذَنًا” وليس ءاذانًا، هو ظنَّ بنفسِه أنهُ عالمٌ فتجرأ على تحريفِ هذا الحديثِ ظنًّا منه أنه الصوابُ، والأَذَنُ في اللغةِ الاستماعُ، وقول هذا الرجل من أفحشِ الكذبِ على الله لم يقل بذلكَ أحدٌ من المشبهةِ. هنيئًا لمن يجد إمامًا مستوفي الشروط صحيح العقيدة، وسالمًا من الكراهة للصلاة خلفه هنيئًا لمن يجد ذلك اليوم.

أضف تعليق