ذهاب موسى عليه السلام لميقات الله تعالى وسؤاله الرؤية ومامعنى تجلى الله

ذهاب موسى عليه السلام لميقات الله تعالى وسؤاله الرؤية

كان نبي الله موسى عليه السلام قد وعد بني إسرائيل الذين ءامنوا به واتبعوه أن يأتيهم بكتاب فيه تبيان معالم الشريعة وما يأتون وما يتركون، فلما أهلك الله تبارك وتعالى فرعون مصر ومن اتبعه من جنوده في البحر وأنجى بني إسرائيل، قالوا لنبيهم موسى عليه السلام: ائتنا بالكتاب الذي وعدتنا، فسأل موسى عليه السلام ربه ذلك، فواعده الله تعالى ثلاثين ليلة وأمره تعالى بالصيام فيها ثم يتبعها بعشر ليال أخرى يصوم فيها موسى أيضا ليسمعه كلامه ويعطيه التوراة وفيها الأحكام وتفاصيل الشريعة المطهرة، وقيل الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة بكماله وأتمت أربعين ليلة بعشر من ذي الحجة. فصام موسى عليه السلام أربعين يوما استكمل فيها الميقات الذي وعده فيه الله تعالى، فلما عزم على الذهاب لميقات الله تعالى استخلف في غيابه أخاه هارون عليه السلام على بني إسرائيل فوصاه وأمره أن يخلفه في بني إسرائيل في غيابه مع أن هارون كان معه نبيا ورسولا في ذلك الوقت، ولما جاء موسى عليه السلام لميقات الله تعالى أي في الوقت الذي أمره تعالى بالمجيء فيه، رفع الله تعالى الحجاب المعنوي عن سمعه فكلمه تعالى من وراء حجاب، أي من غير أن يرى الله وذلك لأن الله متكلم أزلا وأبدا من غير حرف ولا صوت كما قال أبو حنيفة في كتابه الفقه الأكبر لأن الكلام الذي يكون بحرف وصوت حادث لأن الحروف يتقدم بعضها عن بعض ويتأخر بعضها عن بعض فيستحيل أن يتكلم الله هكذا لأن هذا من الاعراض التي يشترك بها البشر وغيرهم من المخلوقات والله منزه عن الأعراض في ذاته وفي كل صفاته من علمه وقدرته وحياته.

يقول الامام الطبري في تفسير قول الله تعالى: ۞ وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)

القول في تأويل قوله : وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
قال أبوجعفر: يقول تعالى ذكره: وواعدنا موسى لمناجاتنا ثلاثين ليلة. (18) وقيل: إنها ثلاثون ليلة من ذي القعدة. =(وأتممناها بعشر)، يقول: وأتممنا الثلاثين الليلة بعشر ليال تتمة أربعين ليلة.
وقيل: إن العشر التي أتمها به أربعين, عشر ذي الحجة.

وكلامه تعالى قديم أزلي ليس شيئا ينقص بمرور الزمان أو يتجدد شيئا بعد شيء، والدليل على أن كلامه تعالى ليس حرفا وصوتا يسبق بعضه بعضا قوله تعالى: {وهو أسرع الحاسبين} [سورة الأنعام] لأنه يكلم كلا منا يوم القيامة ويفرغ من حسابهم في وقت قصير في لحظة ولو كان كلامه لهم بالحرف والصوت لم يكن أسرع الحاسبين، ولا يجوز أن يعتقد أن الله تعالى يكلمهم بالحرف والصوت لأن الله تعالى كان متكلما قبل خلق اللغات اللغة العربية وغيرها. وأما قوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [سورة يس/٨٢] فمعناه سرعة الإيجاد من غير مشقة ولا تعب من غير تأخر عن الوقت الذي شاء وجود الشيء فيه، وإنما عبر في القرءان بلفظ كن لأن هذه الكلمة أسهل شيء على الإنسان، والقرءان كما قال الإمام أحمد أمثال ومواعظ.

وقد سمع موسى عليه السلام كلام الله الذاتي الأزلي الذي لا يشبه كلام البشر، وهذا مقام رفيع ومنصب شريف لموسى عليه السلام، فصلوات الله تعالى عليه وعلى جميع إخوانه النبيين والمرسلين. ولما أعطي نبي الله موسى عليه السلام هذه المنزلة العالية وهي سماعه كلام الله تعالى الأزلي، طلب عليه السلام من ربه عز وجل أن يراه فقال: {رب أرني أنظر إليك قال لن تراني} [سورة الأعراف/١٤٣] وعلق الله تعالى رؤية موسى له بثبات الجبل عند رؤيته تعالى، والله عالم في الأزل أن الجبل لن يثبت ولهذا قال الله تبارك وتعالى لكليمه موسى عليه السلام: {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} [سورة الأعراف/١٤٣] أي أن الله تعالى تجلى للجبل بعد أن خلق فيه الإدراك والرؤية فاندك الجبل دكا وموسى عليه السلام ينظر إليه حتى خر عليه السلام مغشيا عليه من هول ما رأى من اندكاك الجبل، فلما أفاق عليه السلام من غشيته قال: سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين، قال تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} [سورة الأعراف/١٤٣]، أي وأنا أول المؤمنين بأنك لا ترى بالعين في الدنيا وذلك لأن الله لم يوح إلى موسى وإلى من قبله من الأنبياء أنه لا يرى بالعين في الدنيا، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى ءاخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور”.

أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه موسى عليه السلام التوراة وكانت مكتوبة على ألواح، قيل: كانت من زبرجد وجوهر نفيس، وقيل: كانت من خشب والله أعلم، وكان فيها تشريعات ومواعظ وتفصيل لكل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل من أمور الحلال والحرام، وقد أمره الله تعالى أن يأخذ ألواح التوراة بعزم ونية صادقة قوية، ويأمر قومه بني إسرائيل بالعمل بها على الوجه الأكمل محذرا إياهم من مخالفة أوامر الله سبحانه وتعالى، قال الله تبارك وتعالى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين* ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولـكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين* قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين* وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين} [سورة الأعراف/١٤٢-١٤٥]، وقال تعالى: { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون} [سورة البقرة/٥١].

فائدة: من المعلوم لدى علماء أهل الحق أن كلام الله تعالى الأزلي الأبدي هو صفته بلا كيف وهو ليس ككلامنا الذي يبدأ ثم يختم، فكلامه تعالى أزلي ليس بصوت ولا حرف ولا لغة، لذلك نعتقد أن نبي الله موسى عليه السلام سمع كلام الله تعالى الأزلي بعد أن أزال الله تعالى عنه الحجاب الذي يمنع من سماع كلام الله تعالى الأزلي الأبدي الذي ليس ككلام العالمين، وكذلك سمع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في المعراج كلام الله تعالى الذاتي الأزلي، فقد أسمعه الله تعالى بقدرته كلامه الأزلي في ذلك المكان الذي هو فوق سدرة المنتهى وهو مكان شريف لم يعص الله فيه وليس هو مكانا يتحيز فيه الله، لأن الله تعالى موجود بلا مكان ولا يجري عليه الزمان، والله تعالى ليس حجما كثيفا ولا حجما لطيفا كالنور.

وليعلم أن مذهب أهل الحق أن الله سبحانه وتعالى لا يرى بالعين الفانية في الدنيا لقوله تعالى لكليمه موسى عليه السلام عندما سأله الرؤية: {لن تراني}، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا” وإنما يرى الله سبحانه وتعالى في الآخرة بالعين الباقية يراه المؤمنون الذين ءامنوا بالله تعالى ورسله وهم في الجنة لا يشبه شيئا من الأشياء بلا مكان ولا جهة ولا مقابلة ولا ثبوت مسافة ولا اتصال شعاع بين الرائي وبينه عز وجل، يقول الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة* إلى ربها ناظرة}[سورة القيامة/٢٢-٢٣].

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: “أما إنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته” رواه البخاري، أي لا تشكون أن الذي ترون هو الله تبارك وتعالى كما لا تشكون في القمر ليلة البدر، ولا يعني النبي صلى الله عليه وسلم أن بين الله تعالى وبين القمر مشابهة فهو تعالى أخبر في القرءان أنه لا يشبه شيئا قال تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [سورة الشورى/١١].

  • قال الشيخ عبد الله الهرري: عند بعض أهل السنة لما يرى المؤمنون الله في الآخرة يعرفون حقيقته ولكن عند الأكثرين أنهم لا يعرفون حقيقته.
  • قال الشيخ: أهل الجنة يحبون النظر إلى الله أكثر من أي نعيم.
  • قال الشيخ: إذا قيل عن رؤية الله تعالى في الآخرة “تجلى الله” معناه أراهم ذاته، أظهر ذاته لهم ليروه.
  • قال الشيخ: الذي لم يبلغه أصل الدعوة بما أنه كافر لا يرى الله في الآخرة لكن يسمع كلام الله وكذلك الطفل يسمع كلام الله ويرى الله ولو كان من أبوين كافرين.

ذكر ما قيل في رؤية سيدنا محمد لربه ليلة المعراج 

ا[1]جمهور أهل السـنة على أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رأى ربه ليلة المعراج بفؤاده أي بقلبه ولم تكن رؤيته لربه بعينه.. واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى في سورة النجم ((ما كذب الفؤاد ما رأى[11])).. والمراد بالفؤاد فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم.. وليس المراد فؤاد جبريل عليه السلام..ا

——————————————————————————————————————-
ا[2]وأما قول بعض أهل السـنة أنه، صلى الله عليه وسلم، رأى ربه ليلة المعراج بعيني رأسه فهو قول ضعيف، ومن قاله لا يبدع ولا يفسق لأنه قال به جمع من السلف الصالحين.. فمن قال بذلك فليعلم أن قوله مرجوح، والقول الراجح أنه رءاه بقلبه ولم يره بعينيه..ا
——————————————————————————————————————-
ا[3]فالقول الصحيح الراجح أنه رءاه بقلبه ولم يره بعينيه كما ثبت ذلك عن أبي ذر الغفاري.. فقد روى ابن خزيمة في كتابه (التوحيد) والدارقطني في كتابه (الرؤية) عن أبي ذر أنه قال :[[رءاه بقلبه ولم يره بعينه]].. وهذا هو الصحيح المعتمد..ا
——————————————————————————————————————-
ا[4]وروى الطبراني في (المعجم الأوسط) بإسناد قوي كما قال الحافظ ابن حجر عن ابن عباس رضي الله عنهما :[[رأى محمد ربه مرتين]].. وروى الإمام مسلم في[(صحيحه)/كتاب الإيمان]عن أبي العالية عن ابن عباس أنه قال :[[رءاه بفؤاده مرتين]].. يريد ابن عباس أن رسول الله محمدا، صلى الله عليه وسلم، رأى ربه بقلبه مرتين ولم يره بعينه.. قال ذلك عند شرحه للآية في سورة النجم ((ما كذب الفؤاد ما رأى[11])).. ومعنى الرؤية بالقلب أن الله خلق ليلة المعراج في قلب رسول الله قوة بها رأى رسول الله ربه.. بهذه القوة التي جعلها الله في قلب رسول الله ليلة المعراج رأى سيدنا محمد ربه ليلة المعراج.. هذه القوة هي نفسها التي تكون في العين والتي نرى نحن بها.. هذه القوة جعلها الله تلك الليلة في قلب نبيه محمد فرأى بها ربه.. وليس هذا صعبا على الله.. أليس جعل الله في جبل الطور قوة بها رأى الجبل ربه.. ذاك الجبل لما رأى ربه بتلك القوة التي تكون عادة في أعيننا لم يتمالك فاندك أي تهدم.. يقول الله تعالى في سورة الأعراف ((فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا[143])).. ولكن سيدنا محمد تمالك لأن الله ثبته تلك اللحظة في تلك الليلة..ا
——————————————————————————————————————-
ا[5]وأما قول عائشة رضي الله عنها :[[من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية]] فقد قال الحافظ ابن حجر في كتابه[(فتح الباري)/جـ8/ص608]ما نصه :[[وعلى هذا يمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر ويحمل إثبات ابن عباس على رؤية القلب]]انتهى.. وكلام عائشة، رضي الله عنها، ذكره مسلم في (صحيحه) والترمذي في (سننه).. قالت عائشة :[[من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية]].. تريد عائشة أن من زعم أن رسول الله محمدا رأى ربه فقد افترى وكذب على الله.. والفرية في اللغة الكذب.. ولكن الحافظ ابن حجر جمع بين نفي عائشة للرؤية وإثبات عبد الله بن العباس لها فقال :[[إن نفي عائشة يحمل على نفي الرؤية بالبصر ويحمل إثبات ابن عباس على إثبات الرؤية بالقلب]].. وبهذا أمكن الجمع بين نفي عائشة للرؤية وإثبات ابن عباس لها.. والله أعلم..ا
——————————————————————————————————————-
ا[6]وأما الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي ذر وفيه أنه قال لرسول الله :[[هل رأيت ربك يا رسول الله؟]] فقال :[[نور،، أنى أراه]] فقد نقل الحافظ العراقي أن الإمام أحمد أنكره.. ولو صح الحديث لكان معناه : منعني نور مخلوق من رؤية الله بعيني.. والتقدير : فاعل لفعل محذوف تقديره منعني.. معناه : منعني نور خلقه الله أمام عيني من أن أرى ربي بعيني.. وليس في الحديث دليل على أن الرسول لم ير ربه.. ولا يخفى أن الترمذي حسن هذا الحديث، فقد قال بعد أن رواه في (سننه) :[[هذا حديث حسن]].. انظر[(سنن الترمذي)/كتاب تفسير القرءان عن رسول الله]..ا

التحذير منه كتاب منسوب إلى الشيخ محمود أبي الشامات الدمشقي

ومما يجب التحذير منه كتاب منسوب إلى الشيخ محمود أبي الشامات الدمشقي أنه من تأليفه يسمى “الإلهامات الإلهية على الوظيفة الشاذلية اليشرطية” فهو محشو بمقالات صريحة في كفر الحلول والاتحاد اللذين هما من أكفر الكفر، وقد مر ذكر أن الإمام سيد الطائفة الصوفية الجنيد بن محمد البغدادي قال: “التوحيد إفراد القديم من المحدث”، فقول الإمام الجنيد في واد وقول الشاذلية اليشرطية الذين يقولون مرة بعبارات الوحدة ومرة بعبارات الحلول أي حلول الله في خلقه في واد ءاخر، فما أبعد ما بين الواديين.

والعجب كيف ينتسبون إلى التصوف الإسلامي وهم ضد الصوفية لأن التصوف الإسلامي ما ذهب إليه الجنيد وأمثاله وهو موافق للنصوص القرءانية كقوله تعالى: {قل هو الله أحد* الله الصمد* لم يلد ولم يولد} [سورة الإخلاص/1-2-3] فإن هذا صريح في أن الله ليس أصلا لغيره ولا فرعا عن غيره، فهؤلاء اليشرطية القائلون بالوحدة والحلول مصادمون لهذا النص وغيره، فكفرهم أسمج الكفر وأشنعه.

وفي هذا الكتاب أيضا القول بأولية النور المحمدي وقد رددنا على هذه المقالة في هذا المؤلف وفي مؤلف مستقل فليراجع.

وفي هذا الكتاب أيضا مما يجب التحذير منه ونص عبارته [143]: “قال سيدي الشيخ محي الدين بن عربي في كتابه “شرح الوصايا اليوسفية”: يجب على المريد أن يعتقد في شيخه أنه المتحكم في موته وحياته، وأن الله تجلى له في صورته”، ثم قال: “فمن مات تحت حكم شيخ كامل فإن الله لا يتجلى له في القيامة إلا في صورة ذلك الشيخ” اهـ، فهذا الكلام ليس من دين الله وهو مناف للتوحيد الذي هو أصل الدين وأصل التصوف الإسلامي، فما هذا الكلام إلا زندقة وهو كفر صريح لا تأويل له، وهو دس على الشيخ محي الدين بن عربي رضي الله عنه ولا يتفوه بمثل هذا الكلام المنافي للتوحيد ولعقيدة المسلمين.

وأما قوله [144]: “وقد ألف السادة الصوفية نفعنا الله بهم الكتب والرسائل في إثبات وحدة الوجود وأقاموا الأدلة النقلية والعقلية على إثباتها” اهـ، فهو مردود لأن الصوفية الذين على نهج الإمام الجنيد البغدادي رضي الله عنه ردوا هذه العقيدة الفاسدة قال السيد أو العلمين أحمد الرفاعي رضي الله عنه: “إياك والقول بالوحدة فإنه من الأباطيل”، وقال أيضا ما نصه: “لفظتان ثلمتان في الدين: القول بالوحدة، والشطح المجاوز حد التحدث بالنعمة”، وذم الشيخ محي الدين بن عربي رضي الله عنه في كتابه “الفتوحات” عقيدة وحدة الوجود وعقيدة الحلول وقال قولا شديدا في ذك هاتين العقيدتين ونصه: “من قال بالحلول فدينه معلول، وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد”، فكيف بعد هذا يقول هذا المؤلف إن هذا قول السادة الصوفية، وكيف يتجرأ أن ينسب إليهم ما هو ضد التوحيد.

وفي هذا الكتاب أيضا ما نصه [145]: “ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم مظهر الهوية الآخذة بناصية كل ما دب وثبت في أرض العلم القديم الأزلي، قال تعالى: {ما من دابة إلا هو ءاخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} [سورة هود/56] اهـ، فقوله هذا زيغ لم يسبقه إليه أحد، وهو مخالف لتفسير السلف لهذه الآية قال البخاري [146] وغيره من السلف في تفسير: {ءاخذ بناصيتها} [سورة هود/56]: “أي في ملكه وسلطانه”.

والحاصل أن كل ما أورده هذا المؤلف اليشرطي وأمثاله في مؤلفاتهم تلبيس وتمويه لا يروج إلا على من لم يعرف التوحيد الإسلامي، ولو كان الأمر كما يقوله هذا المؤلف ما قتل بحكم الشرع الحلاج وأمثاله من الحلوليين، وهذا الحلاج ثبت أن الصوفية في عصره تبرأوا منه ونفوه ولم يعدوه منهم، وكذلك الصوفية المحققون الذين جاؤوا بعد عصر الحلاج كالشيخ أحمد الرفاعي رضي الله عنه فقد قال في الحلاج: “لو كان على الحق ما قال أنا الحق” اهـ.

أما كلامنا على الشيخ محمود أبي الشامات إنما هو على حسب ما اطلعنا عليه فيما ينسب إليه من التأليف، وأما أمره في الباطن فعلمه عند الله هل صح عنه هذا أم هو مفترى عليه، لكن نقول أي إنسان ثبت عنه هذا الذي في الكتاب المسمى “الإلهامات الإلهية” فإنه ملحد من الملاحدة كائنا من كان، والله تعالى أعلم.

تفسير قوله تعالى : { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون }:

يقول الرازي في مفاتح الغيب:

قوله تعالى : { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون }

اعلم أن هذا هو الإنعام الثالث . فأما قوله تعالى : { وإذ واعدنا } فقرأ أبو عمرو ويعقوب وإذ وعدنا موسى بغير ألف في هذه السورة وفي الأعراف وطه وقرأ الباقون واعدنا بالألف في المواضع الثلاثة ، فأما بغير ألف فوجهه ظاهر لأن الوعد كان من الله تعالى ، والمواعدة مفاعلة ولابد من اثنين ، وأما بالألف فله وجوه ، ( أحدها ) : أن الوعد وإن كان من الله تعالى فقبوله كان من موسى عليه السلام وقبول الوعد يشبه الوعد ، لأن القابل للوعد لابد وأن يقول أفعل ذلك ، ( وثانيها ) : قال القفال : لا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله ويكون معناه يعاهد الله . ( وثالثها ) : أنه أمر جرى بين اثنين فجاز أن يقال واعدنا . ( ورابعها ) : وهو الأقوى أن الله تعالى وعده الوحي وهو وعد الله المجيء للميقات إلى الطور ، أما موسى ففيه وجوه ، ( أحدها ) : وزنه فعلى والميم فيه أصلية أخذت من ماس يميس إذا تبختر في مشيته وكان موسى عليه السلام كذلك . ( وثانيها ) : وزنه مفعل فالميم فيه زائدة وهو من أوسيت الشجرة إذا أخذت ما عليها من الورق وكأنه سمي بذلك لصلعه ، وثالثها : أنها كلمة مركبة من كلمتين بالعبرانية فمو هو الماء بلسانهم ، وشى هو الشجر ، وإنما سمي بذلك لأن أمه جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون فألقته في البحر فدفعته أمواج البحر حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون ، فخرجت جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأخذنه فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه وهو الماء والشجر . واعلم أن الوجهين الأولين فاسدان جدا ، أما الأول : فلأن بني إسرائيل والقبط ما كانوا يتكلمون بلغة العرب فلا يجوز أن يكون مرادهم ذلك ، وأما الثاني : فلأن هذه اللفظة اسم علم واسم العلم لا يفيد معنى في الذات والأقرب هو الوجه الثالث وهو أمر معتاد بين الناس ، فأما نسبه صلى الله عليه وسلم فهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام . أما قوله تعالى : { أربعين ليلة } ففيه أبحاث :

البحث الأول : أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل : إن خرجنا من البحر سالمين أتيتكم من عند الله بكتاب بين لكم فيه ما يجب عليكم من الفعل والترك ، فلما جاوز موسى البحر ببني إسرائيل وأغرق الله فرعون قالوا : يا موسى ائتنا بذلك الكتاب الموعود فذهب إلى ربه ووعدهم أربعين ليلة وذلك قوله تعالى : { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة } واستخلف عليهم هارون ومكث على الطور أربعين ليلة وأنزل الله التوراة عليه في الألواح ، وكانت الألواح من زبرجد فقربه الرب نجيا وكلمه من غير واسطة وأسمعه صرير القلم ، قال أبو العالية وبلغنا أنه لم يحدث حدثا في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور :

البحث الثاني : إنما قال أربعين ليلة لأن الشهور تبدأ من الليالي . 

البحث الثالث : قوله تعالى : { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة } معناه واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة كقولهم : اليوم أربعون يوما منذ خرج فلان ، أي تمام الأربعين ، والحاصل أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، كما في قوله تعالى : { واسأل القرية } وأيضا فليس المراد انقضاء أي أربعين كان ، بل أربعين معينا وهو الثلاثون من ذي القعدة والعشر الأول من ذي الحجة لأن موسى عليه السلام كان عالما بأن المراد هو هذه الأربعون ، وأيضا فقوله تعالى : { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة } يحتمل أن يكون المراد أنه وعد قبل هذه الأربعين أن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين ووعد بأنه ستنزل عليه بعد ذلك التوراة ، وهذا الاحتمال الثاني هو المتأيد بالأخبار . 

البحث الرابع : قوله ههنا : { وإذا واعدنا موسى أربعين ليلة } يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين ، وقوله في الأعراف { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر } يفيد أن المواعدة كانت في أول الأمر على الثلاثين فكيف التوفيق بينهما ؟ أجاب الحسن البصري فقال : ليس المراد أن وعده كان ثلاثين ليلة ثم بعد ذلك وعده بعشر لكنه وعده أربعين ليلة جميعا ، وهو كقوله : { ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة } .

https://quran-tafsir.net/alrazy/sura2-aya51.html

﴿ تفسير البغوي ﴾

( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ) ذي القعدة ، ( وأتممناها بعشر ) من ذي الحجة ، ( فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى ) عند انطلاقه إلى الجبل للمناجاة ( لأخيه هارون اخلفني ) كن خليفتي ، ( في قومي وأصلح ) أي أصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله .
وقال ابن عباس : يريد الرفق بهم والإحسان إليهم ( ولا تتبع سبيل المفسدين ) أي : لا تطع من عصى الله ولا توافقه على أمره ، وذلك أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهم بمصر : أن الله إذا أهلك عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون! فلما فعل الله ذلك بهم سأل موسى ربه الكتاب ، فأمره الله – عز وجل – أن يصوم ثلاثين يوما ، فلما تمت ثلاثون أنكر خلوف فمه ، فتسوك بعود خروب .
وقال أبو العالية : أكل من لحاء شجرة ، فقالت له الملائكة : كنا نشم من فيك رائحة المسك ، فأفسدته بالسواك ، فأمره الله تعالى أن يصوم عشرة أيام من ذي الحجة ، وقال : أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ، فكانت فتنتهم في العشر التي زادها .

يقول الطاهر بن عاشور:

﴿۞ وَوَ ٰ⁠عَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِینَ لَیۡلَةࣰ وَأَتۡمَمۡنَـٰهَا بِعَشۡرࣲ فَتَمَّ مِیقَـٰتُ رَبِّهِۦۤ أَرۡبَعِینَ لَیۡلَةࣰۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِیهِ هَـٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِی فِی قَوۡمِی وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِیلَ ٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾ [الأعراف ١٤٢]

﴿۞ وَوَ ٰ⁠عَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِینَ لَیۡلَةࣰ وَأَتۡمَمۡنَـٰهَا بِعَشۡرࣲ فَتَمَّ مِیقَـٰتُ رَبِّهِۦۤ أَرۡبَعِینَ لَیۡلَةࣰۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِیهِ هَـٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِی فِی قَوۡمِی وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِیلَ ٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾ [الأعراف ١٤٢]
﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾
عَوْدٌ إلى بَقِيَّةِ حَوادِثِ بَنِي إسْرائِيلَ، بَعْدَ مُجاوَزَتِهِمُ البَحْرَ، فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] .
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى المُواعَدَةِ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”ووَعَدْنا“ . وحَذَفَ المَوْعُودَ بِهِ اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ في قَوْلِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً إلَخْ. و(ثَلاثِينَ) مَنصُوبٌ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الظَّرْفِ؛ لِأنَّ تَمْيِيزَهُ ظَرْفٌ لِلْمُواعَدِ بِهِ وهو الحُضُورُ لِتَلَقِّي الشَّرِيعَةِ، ودَلَّ عَلَيْهِ (واعَدْنا) لِأنَّ المُواعَدَةَ لِلِقاءٍ فالعامِلُ واعَدْنا بِاعْتِبارِ المُقَدَّرِ، أيْ حُضُورًا مُدَّةَ ثَلاثِينَ لَيْلَةً.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ مُدَّةَ المُناجاةِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً تَيْسِيرًا عَلَيْهِ، فَلَمّا قَضاها وزادَتْ نَفْسُهُ الزَّكِيَّةُ تَعَلُّقًا ورَغْبَةً في مُناجاةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ، زادَهُ اللَّهُ مِن هَذا الفَضْلِ عَشْرَ لَيالٍ، فَصارَتْ مُدَّةُ المُناجاةِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ قِصَّةً في سَبَبِ زِيادَةِ عَشْرِ لَيالٍ، لَمْ تَصِحَّ. ولَمْ يَزِدْهُ عَلى أرْبَعِينَ لَيْلَةً: إمّا لِأنَّهُ قَدْ بَلَغَ أقْصى ما تَحْتَمِلُهُ قُوَّتُهُ البَشَرِيَّةُ فَباعَدَهُ اللَّهُ مِن أنْ تَعْرِضَ لَهُ السَّآمَةُ في عِبادَةِ رَبِّهِ، وذَلِكَ يُجَنَّبُ عَنْهُ المُتَّقُونَ بَلَهَ الأنْبِياءُ، وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «عَلَيْكم مِنَ الأعْمالِ بِما تُطِيقُونَ فَإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا»، وإمّا لِأنَّ زِيادَةَ مَغِيبِهِ عَنْ قَوْمِهِ تُفْضِي إلى إضْرارٍ، كَما قِيلَ: إنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ في العَشْرِ اللَّيالِي الأخِيرَةِ مِنَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وسُمِّيَتْ زِيادَةُ اللَّيالِي العَشْرِ إتْمامًا إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ – تَعالى – أرادَ أنْ تَكُونَ مُناجاةُ مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ولَكِنَّهُ لَمّا أمَرَهُ بِها أمَرَهُ بِها مُفَرَّقَةً إمّا لِحِكْمَةِ الِاسْتِيناسِ وإمّا لِتَكُونَ تِلْكَ العَشْرُ عِبادَةً أُخْرى فَيَتَكَرَّرَ الثَّوابُ، والمُرادُ اللَّيالِي بِأيّامِها فاقْتُصِرَ عَلى اللَّيالِي لِأنَّ المُواعَدَةَ كانَتْ لِأجْلِ الِانْقِطاعِ لِلْعِبادَةِ وتَلَقِّي المُناجاةِ، والنَّفْسُ في اللَّيْلِ أكْثَرُ تَجَرُّدًا لِلْكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ، والأحْوالِ المَلَكِيَّةِ، مِنها في النَّهارِ، إذْ قَدِ اعْتادَتِ النُّفُوسُ بِحَسَبِ أصْلِ التَّكْوِينِ الِاسْتِئْناسَ بِنُورِ الشَّمْسِ والنَّشاطَ بِهِ لِلشُّغْلِ، فَلا يُفارِقُها في النَّهارِ الِاشْتِغالُ بِالدُّنْيا ولَوْ بِالتَّفَكُّرِ وبِمُشاهَدَةِ المَوْجُوداتِ، وذَلِكَ يَنْحَطُّ في اللَّيْلِ والظُّلْمَةِ، وتَنْعَكِسُ تَفَكُّراتُ النَّفْسِ إلى داخِلِها، ولِذَلِكَ لَمْ تَزَلِ الشَّرِيعَةُ تُحَرِّضُ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ وعَلى الِابْتِهالِ فِيهِ إلى اللَّهِ – تَعالى -، قالَ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] الآيَةَ. وقالَ ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، وفي الحَدِيثِ «يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا في ثُلُثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ فَيَقُولُ هَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ فَأغْفِرَ لَهُ هَلْ مِن داعٍ فَأسْتَجِيبَ لَهُ»، ولَمْ يَزَلِ الشُّغْلُ في السَّهَرِ مِن شِعارِ الحُكَماءِ والمُرْتاضِينَ لِأنَّ السَّهَرَ يُلَطِّفُ سُلْطانَ القُوَّةِ الحَيَوانِيَّةِ كَما يُلَطِّفُها الصَّوْمُ قالَ في هَياكِلِ النُّورِ: النُّفُوسُ النّاطِقَةُ مِن عالَمِ المَلَكُوتِ وإنَّما شَغَلَها عَنْ عالَمِها القُوى البَدَنِيَّةُ ومُشاغَلَتُها فَإذا قَوِيَتِ النَّفْسُ بِالفَضائِلِ الرُّوحانِيَّةِ وضَعُفَ سُلْطانُ القُوى البَدَنِيَّةِ بِتَقْلِيلِ الطَّعامِ وتَكْثِيرِ السَّهَرِ تَتَخَلَّصُ أحْيانًا إلى عالَمِ القُدُسِ وتَتَّصِلُ بِرَبِّها وتَتَلَقّى مِنَ المَعارِفِ.
عَلى أنَّ الغالِبَ في الكَلامِ العَرَبِيِّ التَّوْقِيتُ بِاللَّيالِي، ويُرِيدُونَ أنَّها بِأيّامِها؛ لِأنَّ الأشْهُرَ العَرَبِيَّةَ تُبْتَدَأُ بِاللَّيالِي إذْ هي مَنُوطَةٌ بِظُهُورِ الأهِلَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ فَذْلَكَةُ الحِسابِ كَما في قَوْلِهِ ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فالفاءُ لِلتَّفْرِيعِ.
والتَّمامُ الَّذِي في قَوْلِهِ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّماءِ والتَّفَوُّقِ فَكانَ مِيقاتًا أكْمَلَ وأفْضَلَ كَقَوْلِهِ – تَعالى – ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] وقَوْلِهِ ﴿وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] إشارَةً إلى أنَّ زِيادَةَ العَشْرِ كانَتْ لِحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ تَكُونُ مُدَّةُ الثَلاثِينَ بِدُونِها غَيْرَ بالِغَةٍ أقْصى الكَمالِ، وأنَّ اللَّهَ قَدَّرَ المُناجاةَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ولَكِنَّهُ أبْرَزَ الأمْرَ لِمُوسى مَفْرِقًا وتَيْسِيرًا عَلَيْهِ. لِيَكُونَ إقْبالُهُ عَلى إتْمامِ الأرْبَعِينَ بِاشْتِياقٍ وقُوَّةٍ.
وانْتَصَبَ (أرْبَعِينَ) عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ: بالِغًا أرْبَعِينَ.
والمِيقاتُ قِيلَ: مُرادِفٌ لِلْوَقْتِ، وقِيلَ هو وقْتٌ قُدِّرَ فِيهِ عَمَلٌ ما، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ – تَعالى – ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وإضافَتُهُ إلى رَبِّهِ لِلتَّشْرِيفِ، ولِلتَّعْرِيضِ بِتَحْمِيقِ بَعْضِ قَوْمِهِ حِينَ تَأخَّرَ مَغِيبُ مُوسى عَنْهم في المُناجاةِ بَعْدَ الثَّلاثِينَ، فَزَعَمُوا أنَّ مُوسى هَلَكَ في الجَبَلِ كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيحٍ، ويَشْهَدُ لِبَعْضِهِ كَلامُ التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّانِي والثَلاثِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ.


﴿وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾
أيْ: قالَ مُوسى لِأخِيهِ عِنْدَ العَزْمِ عَلى الصُّعُودِ إلى الجَبَلِ لِلْمُناجاةِ فَإنَّهُ صَعِدَ وحْدَهُ ومَعَهُ غُلامُهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ.
ومَعْنى اخْلُفْنِي كُنْ خَلَفًا عَنِّي وخَلِيفَةً، وهو الَّذِي يَتَوَلّى عَمَلَ غَيْرِهِ عِنْدَ فَقْدِهِ فَتَنْتَهِي تِلْكَ الخِلافَةُ عِنْدِ حُضُورِ المُسْتَخْلِفِ، فالخِلافَةُ وكالَةٌ، وفِعْلُ خَلَفَ مُشْتَقٌّ مِنَ الخَلْفِ بِسُكُونِ اللّامِ وهو ضِدُّ الأمامِ؛ لِأنَّ الخَلِيفَةَ يَقُومُ بِعَمَلِ مَن خَلَفَهُ عِنْدَ مَغِيبِهِ، والغائِبُ يَجْعَلُ مَكانَهُ وراءَهُ.
وقَدْ جَمَعَ لَهُ في وصِيَّتِهِ مِلاكَ السِّياسَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ فَإنَّ سِياسَةَ الأُمَّةِ تَدُورُ حَوْلَ مِحْوَرِ الإصْلاحِ، وهو جَعْلُ الشَّيْءِ صالِحًا، فَجَمِيعُ تَصَرُّفاتِ الأُمَّةِ وأحْوالِها يَجِبُ أنْ تَكُونَ صالِحَةً، وذَلِكَ بِأنْ تَكُونَ الأعْمالُ عائِدَةً بِالخَيْرِ والصَّلاحِ لِفاعِلِها ولِغَيْرِهِ، فَإنْ عادَتْ بِالصَّلاحِ عَلَيْهِ وبِضِدِّهِ عَلى غَيْرِهِ لَمْ تُعْتَبَرْ صَلاحًا، ولا تَلْبَثُ أنْ تَئُولَ فَسادًا عَلى مَن لاحَتْ عِنْدَهُ صَلاحًا، ثُمَّ إذا تَرَدَّدَ فِعْلٌ بَيْنَ كَوْنِهِ خَيْرًا مِن جِهَةٍ وشَرًّا مِن جِهَةٍ أُخْرى وجَبَ اعْتِبارُ أقْوى حالَتَيْهِ فاعْتُبِرَ بِها إنْ تَعَذَّرَ العُدُولُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ مِمّا هو أوْفَرُ صَلاحًا، وإنِ اسْتَوى جِهَتاهُ أُلْغِيَ إنْ أمْكَنَ إلْغاؤُهُ وإلّا تَخَيَّرَ، وهَذا أمْرٌ لِهارُونَ جامِعٌ لِما يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ عَمَلُهُ مِن أعْمالِهِ في سِياسَةِ الأُمَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ تَحْذِيرٌ مِنَ الفَسادِ بِأبْلَغِ صِيغَةٍ لِأنَّها جامِعَةٌ بَيْنَ نَهْيٍ – والنَّهْيُ عَنْ فِعْلٍ تَنْصَرِفُ صِيغَتُهُ أوَّلَ وهْلَةٍ إلى فَسادِ المَنهِيِّ عَنْهُ – وبَيْنَ تَعْلِيقِ النَّهْيِ بِاتِّباعِ سَبِيلِ المُفْسِدِينَ.
والإتْباعُ أصْلُهُ المَشْيُ عَلى حِلْفِ ماشٍ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْمُشارَكَةِ في عَمَلِ المُفْسِدِ، فَإنَّ الطَّرِيقَ مُسْتَعارٌ لِلْعَمَلِ المُؤَدِّي إلى الفَسادِ والمُفْسِدُ مَن كانَ الفَسادُ صِفَتَهُ، فَلَمّا تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِسُلُوكِ طَرِيقِ المُفْسِدِينَ كانَ تَحْذِيرًا مِن كُلِّ ما يُسْتَرْوَحُ مِنهُ مَآلٌ إلى فَسادٍ؛ لِأنَّ المُفْسِدِينَ قَدْ يَعْمَلُونَ عَمَلًا لا فَسادَ فِيهِ، فَنُهِيَ عَنِ المُشارَكَةِ في عَمَلِ مَن عُرِفَ بِالفَسادِ؛ لِأنَّ صُدُورَهُ عَنِ المَعْرُوفِ بِالفَسادِ كافٍ في تَوَقُّعِ إفْضائِهِ إلى فَسادٍ. فَفي هَذا النَّهْيِ سَدُّ ذَرِيعَةِ الفَسادِ، وسَدُّ ذَرائِعِ الفَسادِ مِن أُصُولِ الإسْلامِ، وقَدْ عُنِيَ بِها مالِكُ بْنُ أنَسٍ وكَرَّرَها في كِتابِهِ واشْتُهِرَتْ هَذِهِ القاعِدَةُ في أُصُولِ مَذْهَبِهِ.
فَلا جَرَمَ أنْ كانَ قَوْلُهُ – تَعالى – ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ جامِعًا لِلنَّهْيِ عَنْ ثَلاثِ مَراتِبَ مِن مَراتِبِ الإفْضاءِ إلى الفَسادِ وهو العَمَلُ المَعْرُوفُ بِالِانْتِسابِ إلى المُفْسِدِ، وعَمَلُ المُفْسِدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِمّا اعْتادَهُ، وتَجَنُّبُ الِاقْتِرابِ مِنَ المُفْسِدِ ومُخالَطَتِهِ.
وقَدْ أجْرى اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ مُوسى، أوْ أعْلَمَهُ، ما يَقْتَضِي أنَّ في رَعِيَّةِ هارُونَ مُفْسِدِينَ، وأنَّهُ يُوشِكُ إنْ سَلَكُوا سَبِيلَ الفَسادِ أنْ يُسايِرَهم عَلَيْهِ لِما يَعْلَمُ في نَفْسِ هارُونَ مِنَ اللِّينِ في سِياسَتِهِ، ولِلِاحْتِياطِ مِن حُدُوثِ العِصْيانِ في قَوْمِهِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف: ١٥٠] وقَوْلِهِ ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [طه: ٩٤] .
فَلَيْسَتْ جُمْلَةُ ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (وأصْلِحْ) تَأْكِيدًا لِلشَّيْءِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ مِثْلَ قَوْلِهِ أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ لِأنَّها لَوْ كانَ ذَلِكَ هو المَقْصِدُ مِنها لَجُرِّدَتْ مِن حَرْفِ العَطْفِ، ولاقْتُصِرَ عَلى النَّهْيِ عَنِ الإفْسادِ فَقِيلَ وأصْلِحْ لا تُفْسِدْ، نَعَمْ يَحْصُلُ مِن مَعانِيها ما فِيهِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (وأصْلِحْ) .

(التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ))

﴿وَلَمَّا جَاۤءَ مُوسَىٰ لِمِیقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِیۤ أَنظُرۡ إِلَیۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِی وَلَـٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِیۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكࣰّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقࣰاۚ فَلَمَّاۤ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَـٰنَكَ تُبۡتُ إِلَیۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ (١٤٣) قَالَ یَـٰمُوسَىٰۤ إِنِّی ٱصۡطَفَیۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِی وَبِكَلَـٰمِی فَخُذۡ مَاۤ ءَاتَیۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِینَ (١٤٤)﴾ [الأعراف ١٤٣-١٤٤]

﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَكِنُ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالَتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾جُعِلَ مَجِيءُ مُوسى في الوَقْتِ المُعَيَّنِ أمْرًا حاصِلًا غَيْرَ مُحْتاجٍ لِلْإخْبارِ عَنْهُ، لِلْعِلْمِ بِأنَّ مُوسى لا يَتَأخَّرُ ولا يَتْرُكُ ذَلِكَ، وجُعِلَ تَكْلِيمُ اللَّهِ إيّاهُ في خِلالِ ذَلِكَ المِيقاتِ أيْضًا حاصِلًا غَيْرَ مُحْتاجٍ لِلْإخْبارِ عَنْ حُلُولِهِ، لِظُهُورِ أنَّ المُواعَدَةَ المُتَضَمِّنَةَ لِلْمُلاقاةِ تَتَضَمَّنُ الكَلامَ؛ لِأنَّ مُلاقاةَ اللَّهِ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، فَلَيْسَ يَحْصُلُ مِن شُئُونِ المُواعَدَةِ إلّا الكَلامُ الصّادِرُ عَنْ إرادَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، فَلِذَلِكَ كُلِّهِ جُعِلَ مَجِيءُ مُوسى لِلْمِيقاتِ وتَكْلِيمُ اللَّهِ إيّاهُ شَرْطًا لِحِرْفِ (لَمّا) لِأنَّهُ كالمَعْلُومِ، وجُعِلَ الإخْبارُ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَ ذَلِكَ وهو اعْتِبارٌ بِعَظَمَةِ اللَّهِ وجَلالِهِ، فَكانَ الكَلامُ ضَرْبًا مِنَ الإيجازِ بِحَذْفِ الخَبَرِ عَنْ جُمْلَتَيْنِ اسْتِغْناءً عَنْهُما بِأنَّهُما جُعِلَتا شَرْطًا لَلَمّا.ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ الواوُ في قَوْلِهِ ﴿وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ زائِدَةً في جَوابِ (لَمّا) كَما قالَهُ الأكْثَرُ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عَقَنْقَلِأنَّ جَوابَ لَمّا هو قَوْلُهُ وانْتَحى، وجَوَّزُوهُ في قَوْلِهِ – تَعالى – ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] الآيَةَ، أنْ يَكُونَ ونادَيْناهُ هو جَوابَ (لَمّا) فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: لَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا كَلَّمَهُ رَبُّهُ، فَيَكُونُ إيجازًا بِحَذْفِ جُمْلَةٍ واحِدَةٍ، ولا يُسْتَفادُ مِن مَعْنى إنْشاءِ التَّكْلِيمِ الطَّمَعُ في الرُّؤْيَةِ إلّا مِن لازِمِ المُواعَدَةِ.واللّامُ في قَوْلِهِ لِمِيقاتِنا صِنْفٌ مِن لامِ الِاخْتِصاصِ، كَما سَمّاها في الكَشّافِ ومَثَّلَها بِقَوْلِهِمْ: أتَيْتُهُ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنَ الشَّهْرِ، يَعْنِي أنَّهُ اخْتِصاصُ ما، وجَعَلَها ابْنُ هِشامٍ بِمَعْنى عِنْدَ وجَعَلَ ذَلِكَ مِن مَعانِي اللّامِ وهو أظْهَرُ، والمَعْنى: فَلَمّا جاءَ مُوسى مَجِيئًا خاصًّا بِالمِيقاتِ أيْ: حاصِلًا عِنْدَهُ لا تَأْخِيرَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ – تَعالى – ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وفي الحَدِيثِ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ فَقالَ: الصَّلاةُ لِوَقْتِها» أيْ عِنْدَ وقْتِها ومِنهُ ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] .ويَجُوزُ جَعْلُ اللّامِ لِلْأجْلِ والعِلَّةِ، أيْ جاءَ لِأجْلِ مِيقاتِنا، وذَلِكَ لِما قَدَّمْناهُ مِن تَضَمُّنِ المِيقاتِ مَعْنى المُلاقاةِ والمُناجاةِ، أيْ جاءَ لِأجْلِ مُناجاتِنا.والمَجِيءُ: انْتِقالُهُ مِن بَيْنِ قَوْمِهِ إلى جَبَلِ سِينا المُعَيَّنِ فِيهِ مَكانُ المُناجاةِ.والتَّكْلِيمُ حَقِيقَتُهُ النُّطْقُ بِالألْفاظِ المُفِيدَةِ مَعانِي بِحَسَبِ وضْعٍ مُصْطَلَحٍ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الحَقِيقَةُ مُسْتَحِيلَةٌ عَلى اللَّهِ – تَعالى – لِأنَّها مِن أعْراضِ الحَوادِثِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ إسْنادُ التَّكْلِيمِ إلى اللَّهِ مَجازًا مُسْتَعْمَلًا في الدَّلالَةِ عَلى مُرادِ اللَّهِ – تَعالى – بِألْفاظٍ مِن لُغَةِ المُخاطَبِ بِهِ بِكَيْفِيَّةٍ يُوقِنُ المُخاطَبُ بِهِ أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ مِن أثَرِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ ووَفْقِ العِلْمِ، وهو تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مُعْتادٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الكَلامَ في شَيْءٍ حادِثِ سَمِعَهُ مُوسى كَما رُوِيَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ الَّتِي كانَ مُوسى حَذْوَها، وذَلِكَ أوَّلُ كَلامٍ كَلَّمَهُ اللَّهُ مُوسى في أرْضِ مَدْيَنَ في جَبَلِ (حُورِيبَ)، ويَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الكَلامَ مِن خِلالِ السَّحابِ وذَلِكَ الكَلامُ الواقِعُ في طُورِ سِينا وهو المُرادُ هُنا. وهو المَذْكُورُ في الإصْحاحِ ١٩ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ.والكَلامُ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ كانَ يَسْمَعُهُ مُوسى حِينَ يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ النّاسِ في المُناجاةِ أوْ نَحْوِها، وهو أحَدُ الأحْوالِ الثَّلاثَةِ الَّتِي يُكَلِّمُ اللَّهُ بِها أنْبِياءَهُ كَما في قَوْلِهِ – تَعالى – وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا الآيَةَ في سُورَةِ الشُّورى، وهو حادِثٌ لا مَحالَةَ ونِسْبَتُهُ إلى اللَّهِ أنَّهُ صادِرٌ بِكَيْفِيَّةٍ غَيْرِ مُعْتادَةٍ لا تَكُونُ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ أنْ يُخالِفَ بِهِ المُعْتادَ تَشْرِيفًا لَهُ، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ أوْ مِن وراءِ حِجابٍ، وقَدْ كَلَّمَ اللَّهُ – تَعالى – مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ الإسَراءِ، وأحْسَبُ الأحادِيثَ القُدْسِيَّةَ كُلَّها أوْ مُعْظَمَها مِمّا كَلَّمَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، وأمّا إرْسالُ اللَّهِ جِبْرِيلَ بِكَلامٍ إلى أحَدِ أنْبِيائِهِ فَهي كَيْفِيَّةٌ أُخْرى وذَلِكَ بِإلْقاءِ الكَلامِ في نَفْسِ المَلِكِ الَّذِي يُبَلِّغُهُ إلى النَّبِيءِ، والقُرْآنُ كُلُّهُ مِن هَذا النَّوْعِ، وقَدْ كانَ الوَحْيُ إلى مُوسى بِواسِطَةِ المَلَكِ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ وهو الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ في التَّوْراةِ بِقَوْلِها قالَ اللَّهُ لِمُوسى.وقَوْلُهُ ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي﴾ هو جَوابُ (لَمّا) عَلى الأظْهَرِ، فَإنْ قَدَّرْنا الواوَ في قَوْلِهِ وكَلَّمَهُ زائِدَةً في جَوابِ (لَمّا) كانَ قَوْلُهُ (قالَ) واقِعًا في طَرِيقِ المُحاوَرَةِ فَلِذَلِكَ فُصِلَ.وسُؤالُ مُوسى رُؤْيَةَ اللَّهِ – تَعالى – تَطَلُّعٌ إلى زِيادَةِ المُعْرِفَةِ بِالجَلالِ الإلَهِيِّ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ المُواعِدَةُ تَتَضَمَّنُ المُلاقاةَ. وكانَتِ المُلاقاةُ تَعْتَمِدُ رُؤْيَةَ الذّاتِ وسَماعَ الحَدِيثِ، وحَصَلَ لِمُوسى أحَدُ رُكْنَيِ المُلاقاةِ وهو التَّكْلِيمُ، أطْمَعَهُ ذَلِكَ في الرُّكْنِ الثّانِي وهو المُشاهَدَةُ، ومِمّا يُؤْذِنُ بِأنَّ التَّكْلِيمَ هو الَّذِي أطْمَعَ مُوسى في حُصُولِ الرُّؤْيَةِ جَعْلُ جُمْلَةِ (﴿وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾) شَرْطًا لِحَرْفِ (لَمّا) لِأنَّ (لَمّا) تَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِارْتِباطِ بَيْنَ شَرْطِها وجَوابِها، فَلِذَلِكَ يَكْثُرُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً في حُصُولِ جَوابِها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ – تَعالى – ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ [الأعراف: ٢٢] في هَذِهِ السُّورَةِ، هَذا عَلى جَعْلِ (وكَلَّمَهُ) عَطْفًا عَلى شَرْطِ (لَمّا) ولَيْسَ جَوابَ (لَمّا)، ولا نَشُكُّ في أنَّهُ سَألَ رُؤْيَةً تَلِيقُ بِذاتِ اللَّهِ – تَعالى – وهي مِثْلُ الرُّؤْيَةِ المَوْعُودِ بِها في الآخِرَةِ، فَكانَ مُوسى يَحْسَبُ أنَّ مِثْلَها مُمْكِنٌ في الدُّنْيا حَتّى أعْلَمَهُ اللَّهُ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ واقِعٍ في الدُّنْيا، ولا يَمْتَنِعُ عَلى نَبِيءٍ عَدَمُ العِلْمِ بِتَفاصِيلِ الشُّئُونِ الإلَهِيَّةِ قَبْلَ أنْ يُعَلِّمَها اللَّهُ إيّاهُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، ولِذَلِكَ كانَ أيِمَّةُ أهْلِ السُّنَّةِ مُحِقِّينَ في الِاسْتِدْلالِ بِسُؤالِ مُوسى رُؤْيَةَ اللَّهِ عَلى إمْكانِها بِكَيْفِيَّةٍ تَلِيقُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ لا نَعْلَمُ كُنْهَها وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ ”بِلا كَيْفٍ“ .وكانَ المُعْتَزِلَةُ غَيْرَ مُحِقِّينَ في اسْتِدْلالِهِمْ بِذَلِكَ عَلى اسْتِحالَتِها بِكُلِّ صِفَةٍ.وقَدْ يَئُولُ الخِلافُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ إلى اللَّفْظِ، فَإنَّ الفَرِيقَيْنِ مُتَّفِقانِ عَلى اسْتِحالَةِ إحاطَةِ الإدْراكِ بِذاتِ اللَّهِ واسْتِحالَةِ التَّحَيُّزِ، وأهْلُ السُّنَّةِ قاطِعُونَ بِأنَّها رُؤْيَةٌ لا تُنافِي صِفاتِ اللَّهِ – تَعالى -، وأمّا ما تَبَجَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ فَذَلِكَ مِن عُدْوانِ تَعَصُّبِهِ عَلى مُخالِفِيهِ عَلى عادَتِهِ، وما كانَ يَنْبَغِي لِعُلَماءِ طَرِيقَتِنا التَّنازُلُ لِمُهاجاتِهِ بِمِثْلِ ما هاجاهم بِهِ، ولَكِنَّهُ قالَ فَأوْجَبَ.واعْلَمْ أنَّ سُؤالَ مُوسى رُؤْيَةَ اللَّهِ – تَعالى – طَلَبٌ عَلى حَقِيقَتِهِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ سِياقُ الآيَةِ ولَيْسَ هو السُّؤالَ الَّذِي سَألَهُ بَنُو إسْرائِيلَ المَحْكِيَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] وما تَمَحَّلَ بِهِ في الكَشّافِ مِن أنَّهُ هو ذَلِكَ السُّؤالُ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ لَهُ.ومَفْعُولُ (أرِنِي) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ (إلَيْكَ) .وفُصِلَ قَوْلُهُ ﴿قالَ لَنْ تَرانِي﴾ لِأنَّهُ واقِعٌ في طَرِيقِ المُحاوَرَةِ.و(لَنْ) يُسْتَعْمَلُ لِتَأْيِيدِ النَّفْيِ ولِتَأْكِيدِ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ، وهُما مُتَقارِبانِ، وإنَّما يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِهَذِهِ الحَياةِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالأبَدِ، فَنَفَتْ (لَنْ) رُؤْيَةَ مُوسى رَبَّهُ نَفْيًا لا طَمَعَ بَعْدَهُ لِلسّائِلِ في الإلْحاحِ والمُراجَعَةِ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أنَّ طِلْبَتَهُ مُتَعَذَّرَةُ الحُصُولِ، فَلا دَلالَةَ في هَذا النَّفْيِ عَلى اسْتِمْرارِهِ في الدّارِ الآخِرَةِ.والِاسْتِدْراكُ المُسْتَفادُ مِن (لَكِنْ) لِرَفْعِ تَوَهُّمِ المُخاطَبِ الِاقْتِصارَ عَلى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ بِدُونِ تَعْلِيلٍ ولا إقْناعٍ، أوْ أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ هَذا المَنعَ لِغَضَبٍ عَلى السّائِلِ ومَنقَصَةٍ فِيهِ، فَلِذَلِكَ يَعْلَمُ مِن حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ أنَّ بَعْضَ ما يَتَوَهَّمُهُ سَيُرْفَعُ، وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى الجَبَلِ الَّذِي هو فِيهِ هَلْ يَثْبُتُ في مَكانِهِ، وهَذا يَعْلَمُ مِنهُ أنَّ الجَبَلَ سَيَتَوَجَّهُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِن شَأْنِ الجَلالِ الإلَهِيِّ، وأنَّ قُوَّةَ الجَبَلِ لا تَسْتَقِرُّ عِنْدَ ذَلِكَ التَّوَجُّهِ العَظِيمِ فَيَعْلَمُ مُوسى أنَّهُ أحْرى بِتَضاؤُلِ قُواهُ الفانِيَةِ لَوْ تَجَلّى لَهُ شَيْءٌ مِن سُبُحاتِ اللَّهِ – تَعالى – .وعُلِّقَ الشَّرْطُ بِحَرْفِ (إنْ) لِأنَّ الغالِبَ اسْتِعْمالُها في مَقامِ نُدْرَةِ وُقُوعِ الشَّرْطِ أوِ التَّعْرِيضِ بِتَعَذُّرِهِ، ولَمّا كانَ اسْتِقْرارُ الجَبَلِ في مَكانِهِ مَعْلُومًا لِلَّهِ انْتِفاؤُهُ، صَحَّ تَعْلِيقُ الأمْرِ المُرادِ تَعَذُّرُ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ دَلِيلِ الِانْتِفاءِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في هَذا التَّعْلِيقِ حُجَّةٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ عَلى المُعْتَزِلَةِ تَقْتَضِي أنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ – تَعالى – جائِزَةٌ عَلَيْهِ – تَعالى -، خِلافًا لِما اعْتادَ كَثِيرٌ مِن عُلَمائِنا مِنَ الِاحْتِجاجِ بِذَلِكَ.وقَوْلُهُ ﴿فَسَوْفَ تَرانِي﴾ لَيْسَ بِوَعْدٍ بِالرُّؤْيَةِ عَلى الفَرْضِ لِأنَّ سَبْقَ قَوْلِهِ لَنْ تَرانِي أزالَ طَماعِيَّةَ السّائِلِ الرُّؤْيَةَ، ولَكِنَّهُ إيذانٌ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن نَظَرِهِ إلى الجَبَلِ أنْ يَرى رَأْيَ اليَقِينِ عَجْزَ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ – تَعالى – بِالأحْرى، مِن عَدَمِ ثَباتِ قُوَّةِ الجَبَلِ، فَصارَتْ قُوَّةُ الكَلامِ: أنَّ الجَبَلَ لا يَسْتَقِرُّ مَكانَهُ مِنَ التَّجَلِّي الَّذِي يَحْصُلُ عَلَيْهِ، فَلَسْتَ أنْتَ بِالَّذِي تَرانِي، لِأنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَمَنزِلَةُ الشَّرْطِ هُنا مَنزِلَةُ الشَّرْطِ الِامْتِناعِيِّ الحاصِلِ بِحَرْفِ (لَوْ) بِدَلالَةِ قَرِينَةِ السّابِقِ.والتَّجَلِّي حَقِيقَةُ الظُّهُورِ وإزالَةُ الحِجابِ، وهو هُنا مَجازٌ، ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ إزالَةُ الحَوائِلِ المُعْتادَةِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ حِجابًا بَيْنَ المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ وبَيْنَ قُوى الجَبَرُوتِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ – تَعالى – بِتَصْرِيفِها عَلى مَقادِيرَ مَضْبُوطَةٍ ومُتَدَرِّجَةٍ في عَوالِمَ مُتَرَتِّبَةٍ تَرْتِيبًا يَعْلَمُهُ اللَّهُ.وتَقْرِيبُهُ لِلْإفْهامِ شَبِيهٌ بِما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الحُكَماءُ في تَرْتِيبِ العُقُولِ العَشَرَةِ، وتِلْكَ القُوى تُنْسَبُ إلى اللَّهِ – تَعالى – لِكَوْنِها آثارًا لِقُدْرَتِهِ بِدُونِ واسِطَةٍ، فَإذا أزالَ اللَّهُ الحِجابَ المُعْتادَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنَ الأجْسامِ الأرْضِيَّةِ وبَيْنَ شَيْءٍ مِن تِلْكَ القُوى المُؤَثِّرَةِ تَأْثِيرًا خارِقًا لِلْعادَةِ اتَّصَلَتِ القُوَّةُ بِالجِسْمِ اتِّصالًا تَظْهَرُ لَهُ آثارٌ مُناسِبَةٌ لِنَوْعِ تِلْكَ القُوَّةِ، فَتِلْكَ الإزالَةُ هي الَّتِي اسْتُعِيرَ لَها التَّجَلِّي المُسْنَدُ إلى اللَّهِ – تَعالى – تَقْرِيبًا لِلْأفْهامِ، فَلَمّا اتَّصَلَتْ قُوَّةٌ رَبّانِيَّةٌ بِالجَبَلِ تُماثِلُ اتِّصالَ الرُّؤْيَةِ انْدَكَّ الجَبَلُ، ومِمّا يُقَرِّبُ هَذا المَعْنى ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ، مِن طُرُقٍ عَنْ أنَسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ قَوْلَهُ – تَعالى – ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ﴾ فَوَضَعَ إبْهامَهُ قَرِيبًا مِن طَرَفِ خِنْصَرِهِ يُقَلِّلُ مِقْدارَ التَّجَلِّي» .وصَعِقَ مُوسى مِنَ انْدِكاكِ الجَبَلِ فَعَلِمَ مُوسى أنَّهُ لَوْ تَوَجَّهَ ذَلِكَ التَّجَلِّي إلَيْهِ لانْتَثَرَ جِسْمُهُ فُضاضًا.وقَرَأ الجُمْهُورُ دَكًّا – بِالتَّنْوِينِ – والدَّكُّ مَصْدَرٌ وهو والدَّقُّ مُتَرادِفانِ وهو الهَدُّ وتَفَرُّقُ الأجْزاءِ كَقَوْلِهِ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا، وقَدْ أُخْبِرَ عَنِ الجَبَلِ بِأنَّهُ جُعِلَ دَكًّا لِلْمُبالَغَةِ، والمُرادُ أنَّهُ مَدْكُوكٌ أيْ: مَدْقُوقٌ مَهْدُومٌ. وقَرَأ الكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ ”دَكّاءَ“ بِمَدٍّ بَعْدَ الكافِ وتَشْدِيدِ الكافِ، والدَّكّاءُ: النّاقَةُ الَّتِي لا سَنامَ لَها، فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أيْ كالدَّكّاءِ أيْ ذَهَبَتْ قُنَّتُهُ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ الَّذِي انْدَكَّ مِنهُ لَمْ يَرْجِعْ ولَعَلَّ آثارَ ذَلِكَ الدَّكِّ ظاهِرَةٌ فِيهِ إلى الآنِ.والخُرُورُ السُّقُوطُ عَلى الأرْضِ.والصَّعْقُ: وصْفٌ بِمَعْنى المَصْعُوقِ، ومَعْناهُ المَغْشِيُّ عَلَيْهِ مِن صَيْحَةٍ ونَحْوِها، مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمِ الصّاعِقَةِ وهي القِطْعَةُ النّارِيَّةُ الَّتِي تَبْلُغُ إلى الأرْضِ مِن كَهْرَباءِ البَرْقِ، فَإذا أصابَتْ جِسْمًا أحْرَقَتْهُ، وإذا أصابَتِ الحَيَوانَ مِن قَرِيبٍ أماتَتْهُ، أوْ مِن بَعِيدٍ غُشِيَ عَلَيْهِ مِن رائِحَتِها، وسُمِّيَ خُوَيْلِدُ بْنُ نُفَيْلٍ الصَّعِقَ عَلَمًا عَلَيْهِ بِالغَلَبَةِ، وإنَّما رَجَّحْنا أنَّ الوَصْفَ والمَصْدَرَ مُشْتَقّانِ مِنَ اسْمِ الصّاعِقَةِ دُونَ أنْ نَجْعَلَ الصّاعِقَةَ مُشْتَقًّا مِنَ الصَّعْقِ لِأنَّ أيِمَّةَ اللُّغَةِ قالُوا: إنَّ الصَّعْقَ الغَشْيُ مِن صَيْحَةٍ ونَحْوِها، ولَكِنْ تَوَسَّعُوا في إطْلاقِ هَذا الوَصْفِ عَلى مَن غُشِيَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ هَدَّةٍ أوْ رَجَّةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنَ الصّاعِقَةِ.والإفاقَةُ: رُجُوعُ الإدْراكِ بَعْدَ زَوالِهِ بِغَشْيٍ، أوْ نَوْمٍ، أوْ سُكْرٍ، أوْ تَخَبُّطِ جُنُونٍ.وسُبْحانَكَ مَصْدَرٌ جاءَ عِوَضًا عَنْ فِعْلِهِ أيْ: أُسَبِّحُكَ وهو هُنا إنْشاءُ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ وتَنْزِيهٍ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، لِمُناسَبَةِ سُؤالِهِ مِنهُ ما تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ سُؤالُهُ دُونَ اسْتِئْذانِهِ وتَحَقُّقِ إمْكانِهِ كَما قالَ – تَعالى – لِنُوحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ في سُورَةِ هُودٍ.وقَوْلُهُ (﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾) إنْشاءٌ لِتَوْبَةٍ مِنَ العَوْدِ إلى مِثْلِ ذَلِكَ دُونَ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ، وهَذا كَقَوْلِ نُوحٍ – عَلَيْهِ السَّلامُ – ﴿رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] . وصِيغَةُ – الماضِي مِن قَوْلِهِ تُبْتُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإنْشاءِ فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ في زَمَنِ الحالِ مِثْلَ صِيَغِ العُقُودِ في قَوْلِهِمْ بِعْتُ وزَوَّجْتُ، مُبالَغَةً في تَحَقُّقِ العَقْدِ.وقَوْلُهُ ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ أُطْلِقَ (الأوَّلُ) عَلى المُبادِرِ إلى الإيمانِ، وإطْلاقُ الأوَّلِ عَلى المُبادِرِ مَجازٌ شائِعٌ مُساوٍ لِلْحَقِيقَةِ، والمُرادُ بِهِ هُنا وفي نَظائِرِهِ – الكِنايَةُ عَنْ قُوَّةِ إيمانِهِ، حَتّى إنَّهُ يُبادِرُ إلَيْهِ حِينَ تَرَدُّدِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَهو لِلْمُبالَغَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ – تَعالى – ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ مَن كانَ الإيمانُ وصْفَهم ولَقَبَهم، أيِ الإيمانُ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ كَما يَلِيقُ بِهِ، فالإيمانُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ اللَّقَبِيِّ، ولِذَلِكَ شُبِّهَ الوَصْفُ بِأفْعالِ السَّجايا فَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ، ومَن ذَهَبَ مِنَ المُفَسِّرِينَ يُقَدِّرُ لَهُ مُتَعَلِّقًا فَقَدْ خَرَجَ عَنْ نَهْجِ المَعْنى.وفُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ يا مُوسى﴾ لِوُقُوعِ القَوْلِ في طَرِيقِ المُحاوَرَةِ والمُجاوَبَةِ، والنِّداءُ لِلتَّأْنِيسِ وإزالَةِ الرَّوْعِ.وتَأْكِيدُ الخَبَرِ في قَوْلِهِ أنِّي اصْطَفَيْتُكَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ إذْ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْإنْكارِ.والِاصْطِفاءُ افْتِعالُ مُبالَغَةٍ في الإصْفاءِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّفْوِ، وهو الخُلُوصُ مِمّا يُكَدِّرُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ – تَعالى – ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وضُمِّنَ اصْطَفَيْتُكَ مَعْنى الإيثارِ والتَّفْضِيلِ فَعُدِّيَ بِعَلى.والمُرادُ بِالنّاسِ: جَمِيعُ النّاسِ، أيِ المَوْجُودِينَ في زَمَنِهِ، فالِاسْتِغْراقُ في النّاسِ عُرْفِيُّ أيْ هو مُفَضَّلٌ عَلى النّاسِ يَوْمَئِذٍ لِأنَّهُ رَسُولٌ، ولِتَفْضِيلِهِ بِمَزِيَّةِ الكَلامِ وقَدْ يُقالُ: إنَّ مُوسى أفْضَلُ جَمِيعِ النّاسِ الَّذِينَ مَضَوْا يَوْمَئِذٍ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ: فَهو أفْضَلُ مِن أخِيهِ هارُونَ لِأنَّ مُوسى أُرْسِلَ بِشَرِيعَةٍ عَظِيمَةٍ، وكَلَّمَهُ اللَّهُ، وهارُونَ أرْسَلَهُ اللَّهُ مُعاوِنًا لِمُوسى ولَمْ يُكَلِّمْهُ اللَّهُ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿بِرِسالَتِي وبِكَلامِي﴾ وما ورَدَ في الحَدِيثِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الأنْبِياءِ مَحْمُولٌ عَلى التَّفْضِيلِ الَّذِي لا يَسْتَنِدُ لِدَلِيلٍ صَرِيحٍ، أوْ عَلى جَعْلِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الأنْبِياءِ شُغُلًا لِلنّاسِ في نَوادِيهِمْ بِدُونِ مُقْتَضٍ مُعْتَبَرٍ لِلْخَوْضِ في ذَلِكَ.وهَذا امْتِنانٌ مِنَ اللَّهِ وتَعْرِيفٌ.ثُمَّ فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ والأوَّلُ تَفْرِيعٌ عَلى الإرْسالِ والتَّكْلِيمِ، والثّانِي تَفْرِيعٌ عَلى الِامْتِنانِ، وماصَدَقَ ما آتَيْتُكَ قِيلَ هو الشَّرِيعَةُ والرِّسالَةُ، فالإيتاءُ مُجازٌ أُطْلِقَ عَلى التَّعْلِيمِ والإرْشادِ، والأخْذُ مَجازٌ في التَّلَقِّي والحِفْظِ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ ما آتَيْتُكَ إعْطاءَ الألْواحِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ﴾ [الأعراف: ١٤٥] وقَدْ فُسِّرَ بِذَلِكَ، فالإيتاءُ حَقِيقَةٌ، والأخْذَ كَذَلِكَ، وهَذا ألْيَقُ بِنَظْمِ الكَلامِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] ويَحْصُلُ بِهِ أخْذُ الرِّسالَةِ والكَلامِ وزِيادَةٌ.والإخْبارُ عَنْ (كُنْ) بِقَوْلِهِ مِنَ الشّاكِرِينَ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ (كُنْ شاكِرًا) كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ: (بِرِسالَتِي) بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وقَرَأ البَقِيَّةُ ﴿بِرِسالاتِي﴾، بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وهو عَلى تَأْوِيلِهِ بِتَعَدُّدِ التَّكالِيفِ والإرْشادِ الَّتِي أُرْسِلَ بِها.

(التحرير والتنوير — ابن عاشور (١٣٩٣ هـ))

أضف تعليق