كتاب النكاح متن أبي شجاع فقه شافعي

بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، قائد الغر المحجلين، إمام الأتقياء العارفين، سيدنا وقائدنا وحبيبنا ونور أبصارنا محمد النبي العربي الأمي الأمين، العالي القدر، العظيم الجاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

(كتاب النكاح)

     أى هذا كتاب معقود لـبيان أحكام النكاح وما يتعلق به. والنكاح شرعا عقد يبيح الوطء أى الـجماع بلفظ الإنكاح أو التزويج أو ترجـمته قال اللـه تعالـى ﴿فانكحوا ما طاب لكم من الـنساء مثنـى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا أى فـى الـنفقة الواجبة والمبيت ﴿فواحدة﴾.

     (والنكاح مستحب لمن يـحتاج إليه) أى إذا كانت نفسه تتوق للوطء وهو قادر على كلف الزواج من مهر حال ونفقة يوم النكاح وكسوة فصل فيسن له أن يتزوج لـحديث البخارى ومسلم يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لـم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (أى وقاء له من الوقوع فى الـحرام).

     (ويجوز للحر أن يـجمع) فـى النكاح (بين أربع حرائر) فـى وقت واحد (و)يـجوز (للعبد) أن يـجمع (بيـن اثنتيـن) مسلمتيـن حرتيـن أو أمتيـن أو حرة وأمة.

     (ولا ينكح الـحر أمة) لغيره (إلا بشرطيـن عدم) قدرته على (صداق الـحرة) أو عدم رضاها به أو فقدها فـى بلده مع عجزه عن السفر إليها (وخوف العنت) أى الزنـى ويشتـرط أن تكون الأمة التـى ينكحها مسلمة.

     (ونظر الرجل إلـى المرأة على سبعة أضرب) أى أنواع (أحدها نظره إلـى) غير الوجه والكفيـن من (أجنبية لغير حاجة) أى لغير عذر (فغير جائز) لقوله تعالـى ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ أى مواضع الزينة من البدن كالمواضع التـى يكون فيها الـحلق فـى الأذن والـخلخال فـى الرجل والسوار فـى اليد والعقد فـى الصدر ﴿إلا ما ظهر منها﴾ أى إلا الوجه والكفيـن فيجوز النظر إليهما بلا شهوة.

     (والثانـى نظره) أى نظر الرجل (إلـى زوجته وأمته) التـى تـحل له (فيجوز أن ينظر) إلـى جـميع بدن كل منهما وقال بعضهم يـجوز أن ينظر (إلـى ما عدا الفرج منهما) والصحيح جواز نظره إليه مع الكراهة إن كان بلا حاجة.

     (والثالث نظره إلـى ذوات مـحارمه) بنسب كأمه أو رضاع كأخته من الرضاعة أو مصاهرة كأم زوجته (أو أمته المزوجة فيجوز) بلا شهوة (فيما عدا ما بيـن السرة والركبة) أما إلـى ما بيـن السرة والركبة فيحرم ولو بلا شهوة.

     (والرابع النظر لأجل النكاح فيجوز) للرجل بل يسن أن ينظر إلـى وجه الأجنبية وكفيها إذا قصد خطبتها.

     (والـخامس النظر للمداواة فيجوز) للطبيب أن ينظر (إلـى المواضع التـى يـحتاج إليها) من الأجنبية فـى حال عدم وجود امرأة تداويها.

     (والسادس النظر) أى نظر الرجل إلـى المواضع التـى يـحتاج إليها من الأجنبية (للشهادة) على زناها (أو) ولادتـها أو إرضاعها فجائز أما النظر (للمعاملة) كبيع أو غيره (فيجوز) للرجل أن ينظر (إلـى الوجه) منها (خاصة).

     (والسابع النظر إلـى الأمة عند ابتياعها) أى عند إرادة شرائها (فيجوز) النظر بلا شهوة (إلـى المواضع التـى يـحتاج إلـى تقليبها) ولا ينظر إلـى ما بيـن سرتـها وركبتها. ولا يـجوز مسها بلا حائل.

     (فصل) فيما لا بد منه لصحة النكاح.

     يشتـرط لصحة النكاح ولـى وشاهدان وزوجان وصيغة قال رسول اللـه ﷺ لا نكاح إلا بولـى وشاهدى عدل رواه ابن حبان. أما الصيغة فشرطها أن تكون بلفظ التزويج أو الإنكاح أو ترجـمته ولا بد من القبول كأن يقول الولـى زوجتك فلانة فيقول الزوج قبلت زواجها ولا يكفى أن يقول قبلت بل لا بد أن يقول قبلت زواجها. ويشتـرط فـى الزوجيـن أن يكون كل واحد منهما حلالا غير مـحرم بـحج أو عمرة فقد جاء فـى الـحديث لا ينكح مـحرم ولا ينكح. ويشتـرط أن تكون الزوجة خالـية من نكاح وعدة لغير الزوج.

     (ولا يصح عقد النكاح إلا بولـى عدل) على القول الراجح المشهور (و)لا يصح إلا بـحضور (شاهدى عدل ويفتقر الولـى والشاهدان إلـى ستة شرائط الإسلام) فلا يكون ولـى المرأة المسلمة كافرا (والبلوغ والعقل والـحريـة والذكورية والعدالة) فلا يكون الصغيـر والمجنون والعبد والمرأة والـخنثى المشكل والفاسق أولياء فـى النكاح ولا شهودا على العقد (إلا أنه لا يفتقر نكاح الذمية إلـى إسلام الولـى ولا) يفتقر (نكاح الأمة إلـى عدالة السيد). والعدل هو المسلم الذى اجتنب الكبائر ولا يكثر من الصغائر بـحيث تزيد على طاعاته وتـخلق بأخلاق أمثاله من أهل الفضل واجتنب خوارم المروءة كتطييـر الـحمام والإكثار من الـحكايات المضحكة. ويشتـرط فـى الشاهد أن يكون سـميعا بصيـرا ناطقا عارفا بلغة العقد أى بـمعنـى الصيغـة ولا يشتـرط فـى الولـى أن يكون بصيـرا.

     (وأولـى الولاة) أى أحق الأولـياء بالـتزويج (الأب ثـم الـجد أبو الأب ثـم الأخ للأب والأم) أى الأخ الشقيق (ثـم الأخ للأب ثـم ابن الأخ للأب والأم ثـم ابن الأخ للأب ثـم العم على هذا التـرتيب) أى العم الشقيق ثـم العم للأب (ثم ابنه على هذا التـرتيب) أى ابن العم الشقيق ثـم ابن العم للأب (فإذا عدمت العصبات) من الـنسب وكانت المرأة فـى الأصل أمة مـملوكة (فالمولـى المعتق) يزوجها إذا كان ذكرا (ثـم عصباته) أى أقاربه من جهة الأب (ثـم الـحاكم) فإنه يزوج المرأة عند فقد الأولياء.

     ثم شرع المصنف فـى بيان أحكام الـخطبة فقال (ولا يـجوز أن يصرح بـخطبة معتدة) عن وفاة أو طلاق بائن أو رجعـى أى لا يـجوز له أن يقول لـها كلاما صريـحا أنه راغب فـى الزواج منها كقول أريد زواجك ويـحرم جوابـها بالقبول. (ويـجوز) إن لـم تكن معتدة عن طلاق رجعـى (أن يعرض) لـها بالـخطبة (وينكحها بعد انقضاء عدتـها) أى أن يقول كلاما يـحتمل أنه يريد الزواج منها ويـحتمل غير ذلك كقوله رب راغب فيك أو أنت جـميلة.

     (والـنساء على ضربيـن ثـيـبات وأبكار) والثـيب هى من زالت بكارتـها بوطء حلال أو حرام والبكر هى التـى لـم تزل بكارتـها بوطء أو ولدت بلا بكارة أو زالت بكارتـها بغير وطء (فالبكر يـجوز للأب) إن كان عدلا (والـجد) أب الأب عند عدم الأب (إجبارها على النكاح) بشرط أن لا يكون بينها وبيـن ولـيها عداوة ظاهرة لا تـخفى على أهل مـحلتها ولا بينها وبيـن الزوج عداوة ولو غير ظاهرة وأن لا يزوجها بأقل من مهر المثل وأن يكون الزوج كفئا لـها وشرط الكفاءة عدم وجود عيب فيه يبيح فسخ النكاح والـحريـة فلا يكون العبد كفئا لـحرة والنسب فلا يكون العجمى كفئا لعربية ولا غير القرشى لقرشية ولا غير الهاشـمى والمطلبـى لـهاشـمية ومطلبية والصلاح فلا يكون الفاسق كفئا للمرأة الصالـحة والـحرفة فلا يكون صاحب الـحرفة كفئا لبنت القاضى أو العالـم. ويسن استئذان البكر المكلفة تطييبا لـخاطرها ويكفى سكوتـها فـى ذلك. (والثـيب لا يـجوز) لولـيها (تزويـجها إلا بعد بلوغها وإذنـها) الصريح ولا يعتبـر سكوتـها إذنـا فـى النكاح خلافا للبكر.

     (فصل) فـى بيان من يـحرم نكاحها.

     المحرم هى من حرم نكاحها على التأبيد لأجل نسب أو رضاع أو مصاهرة (والمحرمات بالنص) القرءانـى (أربع عشرة سبع بالنسب وهى الأم وإن علت والبنت وإن سفلت والأخت) الشقيقة أو لأب أو لأم (والـخالة) وتشمل خالة الأب أو الأم (والعمة) وتشمل عمة الأب أو الأم (وبنت الأخ) الشقيق أو لأب أو لأم وبنات أولاده (وبنت الأخت) الشقيقة أو لأب أو لأم وبنات أولادها قال اللـه تعالـى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وﺑﻨﺎت ﺍﻟﺄﺥ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتـى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾.

     (واثنان) يـحرمن (بالرضاع) أى بسبب الرضاع (الأم المرضعة) وهى من أرضعتك أو أرضعت من أرضعتك أو أرضعت أبا من رضاع أو أرضعت من ولدك أى أرضعت أمك أو أباك (والأخت بالرضاع) فمن ارتضع من امرأة صار جـميع بناتـها أخوات له من الرضاع، وبنت ابن المرأة التـى أرضعتك، وبنت بنت المرأة التـى أرضعتك، وأخت المرأة التـى أرضعتك، وخالة المرأة التـى أرضعتك، وعمة المرأة التـى أرضعتك. فالسبع المحرمة بالنسب تـحرم بالرضاع أيضا لقوله ﷺ يـحرم من الرضاع ما يـحرم من النسب رواه البخارى ومسلم.

     (وأربع) يـحرمن (بالمصاهرة أم الزوجة) وإن علت من نسب أو رضاع لقوله تعالـى ﴿وأمهات نسائكم﴾ فتحرم على الزوج بالعقد على التأبيد سواء دخل الزوج بالزوجة أم لا (والربيبة) وهى بنت الزوجة من النسب أو الرضاع إذا دخل بالأم لقوله تعالـى ﴿وربائبكم اللاتـى فـى حجوركم من نسائكم اللاتـى دخلتم بـهن فإن لـم تكونوا دخلتم بـهن فلا جناح عليكم فإن بانت الأم منه قبل الدخول بـها لـم تـحرم البنت عليه (وزوجة الأب) من نسب أو رضاع مهما علا وإن لـم يدخل بـها الأب لقوله تعالـى ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء (وزوجة الابن) من نسب أو رضاع مهما سفل وإن لـم يدخل بـها الابن.

     (وواحدة من جهة الـجمع) فقط (وهى أخت الزوجة) فيحرم الـجمع بيـن الزوجة وأختها بنسب أو رضاع لقوله تعالـى ﴿وأن تـجمعوا بيـن الأختيـن إلا ما قد سلف﴾ أما إن بانت الأولـى منه أو ماتت حلت الثانية له. وكذا يـحرم الـجمع بيـن الزوجة وعمتها أو بيـن الزوجة وخالتها بنسب أو رضاع لقوله ﷺ لا يـجمع بيـن المرأة وعمتها ولا بيـن المرأة وخالتها رواه الـبخارى ومسلم.

     (ويـحرم من الرضاع ما يـحرم من النسب) كما تقدم.

     ثـم شرع المصنف فـى بيان العيوب التـى تبيح فسخ النكاح فقال (وترد المرأة) أى الزوجة (بـخمسة عيوب بالـجنون والـجذام) وهو علة يـحمر منها العضو ثـم يسود ثـم يتقطع ثـم يتناثر والغالب حصوله فـى الوجه والأطراف (والبرص) وهو بياض فـى الـجلد يذهب دم الـجلد وما تـحته من اللحم (والرتق) وهو انسداد مـحل الـجماع بلحم (والقرن) وهو انسداد مـحل الـجماع بعظم.

     (ويرد الرجل) أى الزوج (بـخمسة عيوب بالـجنون والـجذام والـبـرص و)بوجود (الـجب) وهو قطع الذكر (و)بوجود (العنة) أى العجز عن الـجماع. ويشتـرط فـى العيوب المذكورة الرفع فورا إلـى القاضى عند الاطلاع عليها كخيار الرد بالعيب.

     (فصل) فـى أحكام المهر وهو مال يـجب للمرأة على الرجل بالنكاح أو الوطىء لقوله تعالـى ﴿وءاتوهن أجورهن﴾ وقوله ﷺ التمس ولو خاتـما من حديد رواه البخارى. وكل ما يصح جعله مبيعا يصح أن يكون مهرا لـها.

     (ويستحب تسمية المهر فـى) عقد (النكاح فإن لـم يسم) المهر فـى العقد (صح العقد) بلا معصية. فإذا قالت البنت الـبالغة الرشيدة لولـيها زوجنـى بلا مهر فقال الولـى للرجل زوجتك بنتـى هذه بلا مهر صح تفويضها (ووجب المهر) فيه (بثلاثة أشياء أن يفرضه الزوج على نفسه) أى أن يقدر لـها مهرا تقبل به قبل أن يـجامعها (أو يفرضه الـحاكم) على الزوج إذا امتنع الزوج من الفرض فيفرض الـحاكم عليه عندئذ مهر المثل من نقد الـبلد حالا (أو يدخل بـها فيجب) لـها (مهر المثل) بالوطء. (وليس لأقل الصداق ولا لأكثره حد) ويسن أن لا ينقص عن عشرة دراهم خالصة وأن لا يزيد على خـمسمائة درهم خالص. (ويـجوز أن يتزوجها على منفعة معلومة) كتعليم القرءان أو سورة منه فيصح جعل المهر تعليم أقصر سورة من القرءان أو تعليم حرفة كخياطة. ويشتـرط أن يكون المهر معلوما فلا يصح أن يقول الولـى للزوج زوجتك بنتـى ببيت من بيوتك فإن تزوجها على مهر فاسد كمهر مـجهول وجب لـها مهر المثل وصح العقد. ويـجوز للمرأة أن تـمتنع من تسليم نفسها حتـى تقبض مهرها أى الـحال منه وعند الشافعـى متـى ما جامعها لـها أن تطالـبه بالمؤجل إلا إذا أجرى العقد وكان الاتـفاق أن يؤخر إلـى ثلاث سنيـن مثلا فلا تطالب به حتـى تـمضى المدة. وإذا طلق الزوج زوجته قبل الدخول بـها سقط عنه نصف المهر إن كان دينا فـى ذمته أما إن كان عينا فيعود له النصف.

     (فصل) فـى أحكام الوليمة وهى كل طعام يقدم لفرح.

     (والوليمة على العرس مستحبة) استحبابـا مؤكدا لأن الرسول ﷺ أولـم على صفية رضى اللـه عنها بسويق وتـمر والسويق هو أن يدق الشعيـر بعد تـحميصه. وأقل الوليمة للقادر شاة لأن الرسول ﷺ أولـم على زينب بنت جحش رضى اللـه عنها بشاة وقال لعبد الرحـمٰن بن عوف رضى اللـه عنه لما تزوج أولـم ولو بشاة رواه البخارى. ويدخل وقت الوليمة بالعقد والأفضل فعلها بعد الدخول لأنه ﷺ لـم يولـم عن نسائه إلا بعد الدخول رواه البخارى. (والإجابة إليها) أى الوليمة (واجبة) إذا كان الداعى مسلما (إلا من عذر) كوجود منكر لا يزول بـحضوره كشرب الـخمر أو الضرب بآلات اللهو المحرمة قال رسول اللـه ﷺ من دعـى إلـى وليمة فليأتـها وفـى رواية لمسلم من لـم يـجب الدعوة فقد عصى اللـه ورسوله. أما الأكل منها فيستحب للمفطر ولا يـجب. وأما الإجابة لسائر الولائم غير وليمة العرس فمستحبة. ولو اعتذر المدعو إلـى صاحب الدعوة فرضى بتخلفه زال الوجوب، والصوم ليس عذرا فـى ترك الإجابة إلا أن يكون صوم فرض. والمرأة إذا دعت النساء فهو كما ذكرنا فـى الرجال.

     (فصل) فـى أحكام القسم والنشوز.

     والقسم هو العدل بيـن الزوجات فـى المبيت والنشوز هو الـخروج عن طاعة الزوج بنحو السفر بغير إذنه ورضاه والـخروج من بيته بلا إذنه بلا عذر شرعى ومنعه حقه من الاستمتاع بـها ولا عذر لـها.

     (والـتسوية فـى القسم) أى المبيت (بيـن الزوجات واجبة) فلو بات عند واحدة منهن وجب عليه إتـمام الدور فورا للباقـيات أما لو أعرض عنهن جـميعا فلم يبت عندهن لـم يأثـم لأن المبيت حقه فله تركه ابتداء أو بعد إتـمام الدور. أما الناشز فيسقط حقها فـى القسم والنفقة ولا تقبل صلاتـها أى لا ثواب لـها فـى صلاتـها ما دامت قائمة على النشوز. ويـحرم الـجمع بيـن الزوجات فـى مسكن واحد إلا إذا كن يرضـيـن بذلك. فإن كان للرجل زوجتان فإنه يعمل قرعة فيبدأ بالمبيت بـمن خرجت قرعتها.

     (ولا يدخل) الزوج فـى النهار التابع لليلة (على غير المقسوم لـها) أى غير صاحبة النوبة (لغير حاجة) والـحاجة هى كعيادتـها إذا مرضت وكأخذ متاع ووضعه وتسليم نفقة وأما فـى الليل فيحرم الدخول فيه على غيـر صاحبة النوبة إلا لضرورة كشدة طلق أو مرض مـخوف.

     (وإذا أراد) الزوج (السفر أقرع بينهن) أى عمل قرعة (وخرج) أى سافر (بالتـى تـخرج لـها القرعة) والأصل فـى ذلك حديث عائشة رضى اللـه عنها أنـها قالت كان رسول اللـه ﷺ إذا أراد السفر أقرع بيـن نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بـها رواه البخارى ومسلم.

     (وإذا) كان للزوج دور ثـم (تزوج) امرأة (جديدة خصها بسبع ليال) متواليات (إن كانت بكرا أو ثلاث) ليال متواليات (إن كانت ثـيبا).

     (وإذا خاف) الزوج (نشوز المرأة) بأن ظهرت مقدماته كأن وجد منها إعراضا وعبوسا بعد لطف وطلاقة وجه أو صارت تكلمه بكلام خشن بعد أن كانت تكلمه بليـن (وعظها) بلا هجر ولا ضرب بأن يقول لـها اتـقى اللـه ولا تفعلـى ذلك حتـى لا تقعـى فـى معصية اللـه (فإن أبت) بعد الوعظ (إلا النشوز هجرها) فـى الفراش أى ترك جـماعها (فإن أقامت عليه) أى أصرت على النشوز (هجرها وضربـها) ضرب تأديب لـها إذا أفاد الضرب فـى ظـنه. والصحيح عدم التـرتيب فـى الثلاث بل إذا حصل النشوز جاز الوعظ والـهجر والضرب وإن لـم يتكرر نشوزها (ويسقط بالـنشوز قسمها) أى دورها فـى المبيت (ونفقتها) وكسوة الفصل فإن تابت رجع قسمها ونفقتها لما يلـى من يوم وكسوتـها لما يلـى من فصل.

     (فصل) فـى أحكام الـخلع.

     والـخلع فرقة بيـن الزوجيـن بعوض مقصود يأخذه الزوج كأن تقول الزوجة لزوجها خالعنـى على مائة درهم فيقول لـها خالعتك على ذلك فينفسخ عقد النكاح بينهما ولا يستطيع أن يرجعها إلا بعقد جديد برضاها ثـم تدفع له مائة درهم فعن ابن عباس رضى اللـه عنهما أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبـى ﷺ فقالت يا رسول اللـه ثابت بن قيس ما أعيب عليه فـى خلق ولا دين ولكنـى أكره الكفر فـى الإسلام (أى أخاف على نفسى أن لا أؤدى حقوق زوجى فأقع فـى معصية اللـه بعد أن صرنا فـى الإسلام) فقال رسول اللـه ﷺ أتردين عليه حديقته (هذه الـحديقة كان أعطاها إيـاها مهرا) فقالت نعم فقال رسول اللـه ﷺ اقبل الـحديقة وطلقها تطليقة رواه البخارى. ومذهب الشافعـى القديـم أن الـخلع فسخ وليس طلاقا فيجوز العمل به وهو ينفع لمنع وقوع الطلاق المعلق فإذا قال الزوج لزوجته إن ذهبت إلـى بيت فلان فأنت طالق ثلاثا، فإذا خالعها زوجها بقصد الفسخ قبل أن تذهب تصيـر الزوجة بالـخلع بائنا ثـم يعمل عقدا جديدا بولـى وشاهدين عدليـن وليس بينه وبينها من غير ولـى كما يفعل الـحنفية مع وجود شاهدين لأن الـخلع عندهم يعتبـر طلاقا فلا ينفع لمنع وقوع الطلاق المعلق.

     (والـخلع جائز على عوض معلوم) مقصود مقدور على تسليمه (وتـملك به المرأة نفسها ولا رجعة له عليها إلا بنكاح جديد) أى لا يستطيع إرجاعها إلا بعقد جديد برضاها. والمختلعة قبل الدخول بـها لا عدة عليها وأما بعد الدخول بـها فعدتـها ثلاثة أطهار إذا كانت تـحيض وثلاثة أشهر قمريـة إذا كانت لا تـحيض والـحامل عدتـها تنتهى بوضع الـحمل. ويـجب للمختلعة أثناء العدة السكنـى دون النفقة.

     (ويـجوز الـخلع فـى الطهر وفـى الـحيض) ولا يـحرم بـخلاف الطلاق فإنه يـحرم فـى حال الـحيض (ولا يلحق المختلعة الطلاق) أى إذا طلق الرجل المختلعة منه لـم يقع طلاقه لأنـها بانت بالـخلع.

     (فصل) فـى أحكام الطلاق وهو شرعا حل قيد النكاح.

     ويشتـرط لوقوع الطلاق التكليف والاختيار فلا يقع الطلاق من الصبـى والمجنون والمكره بغير حق أما من تعدى بالسكر كأن تعمد شرب الـخمر فسكر حتـى غاب عقله فطلق زوجته وقع الطلاق. ويشتـرط لوقوع الطلاق قصد اللفظ ومعرفة معناه فإن لـم يقصد اللفظ كأن سبق لسانه إليه أو تلفظ به من غير معرفة معناه لـم يقع. والطلاق إن لـم يكن واجبا ولا مـحرما ولا مندوبا ولا مباحا فهو مكروه قال رسول اللـه ﷺ أبغض الـحلال إلـى اللـه الطلاق رواه الـحاكم. أما طلاق الزوجة لسبب شرعى فليس مكروها بل فيه ثواب إن كانت تاركة للصلاة. وإذا أمر أحد الوالدين ولده أن يطلق زوجته لأنـها كانت معروفة بالفسق كالزنـى أو كانت تؤذى والديه وجب عليه أن يطلقها إن كان يـحصل لـهما غم شديد إن لـم يطلقها.

      (والطلاق ضربان) أى نوعان (صريح) أى ألفاظه صريـحة لا تـحتمل غير الطلاق (وكناية) أى ألفاظه تـحتمل الطلاق وغيـره (فالصريح ثلاثة ألفاظ) أنت (الطلاق و)أنت (الفراق و)أنت (السراح) والراجح أن هذه الألفاظ الثلاثة كناية أما الصريـحة فهى كطلقتك أو أنت طالق أو أنت مطلقة أو فارقتك أو أنت مفارقة أو سرحتك أو أنت مسرحة. (ولا يفتقر صريح الطلاق إلـى النـية) أى لا يـحتاج إلـى نية بل يقع الطلاق به ويستثنـى من ذلك المكره على الطلاق بغير حق فلا يقع طلاقه إلا إذا نوى الطلاق.

     (والكناية كل لفظ احتمل الطلاق وغيـره) كقوله استتـرى أو الـحقـى بأهلك (ويفتقر) فـى وقوعه (إلـى النـية) فإن نوى به الطلاق وقع وإلا فلا. ولفظ الطلاق الصريح كطلقت زوجتـى إذا كتب فهو كناية فلا يقع إن لـم ينوه.

     (والنساء فيه) أى الطلاق (ضربان ضرب فـى طلاقهن سنة وبدعة وهن ذوات الـحيض) وليس المراد بالطلاق السنـى أن فيه ثوابا بل المراد أنه جائز أما الطلاق البدعى فهو الطلاق المحرم (فالسنة أن يوقع) الزوج (الطلاق فـى طهر غير مـجامع فيه والبدعة أن يوقع الطلاق فـى) حال (الـحيض) أو النفاس (أو فـى طهر جامعها فيه). والطلاق فـى حال الـحيض حرام لأنه يطيل العدة على المرأة لأنه إن طلقها فـى طهر فعدتـها تنتهى بدخولـها فـى الـحيض الثالث أما إن طلقها فـى الـحيض فعدتـها تنتهى بدخولـها فـى الـحيض الرابع. وأما الطلاق فـى طهر جامعها فيه فهو حرام لأنه يورث الندم فالشخص قد يطلق زوجته ثـم يتبيـن له أنـها حامل فيندم.

     (وضرب ليس فـى طلاقهن سنة ولا بدعة) أى لا ينقسم إلـى جائز ومـحرم بل هو طلاق جائز (وهن أربع الصغيـرة) التـى لـم تـحض (والآيسة) وهى التـى بلغت سن اليأس وهو اثنتان وستون سنة قمريـة وانقطع حيضها (والـحامل) التـى ظهر حـملها فطلاقها جائز لأنه لا ندم فيه ولا إطالة لمدة العدة (والمختلعة) وهى التـى دفعت لزوجها مالا ليطلقها فطلاقها جائز ولو كانت فـى حال الـحيض أو فـى طهر جامعها فيه. وكذلك المرأة (التـى لـم يدخل بـها) زوجها فلا يوصف طلاقها بسنة ولا بدعة إذ لا عدة عليها.

     والطلاق ينقسم إلـى واجب كطلاق من حلف أن لا يـجامع زوجته أكثر من أربعة أشهر إذا طالـبه القاضى بذلك فإن القاضى يأمره بطلاقها بعد مرور أربعة أشهر على حلفه وامتناعه عن جـماعها ومندوب كطلاق امرأة تاركة للصلاة وغير العفيفة وسيـئة الـخلق ومكروه كطلاق امرأة تقية وعليها يـحمل حديث أبـى داود أبغض الـحلال إلـى اللـه الطلاق وحرام كالذى يطلق زوجته فـى حال الـحيض أو النفاس أو فـى طهر جامعها فيه ومباح كطلاق من لا يهوى زوجته أى لا يـميل قلبه إليها ونفسه تستثـقل أن ينفق عليها بلا استمتاع بـها.

     (فصل) فـى طلاق الـحر والعبد المملوك.

     (ويـملك الـحر ثلاث تطليقات) ولو كانت الزوجة أمة (و)يـملك (العبد تطليقتيـن) حرة كانت الزوجة أو أمة.

     (ويصح الاستثناء فـى الطلاق) وهو إخراج بعض ما ذكره الزوج فـى كلامه كأن قال لزوجته أنت طالق ثلاثا إلا واحدة فتعد اثنتيـن أو قال لـها أنت طالق ثلاثا إلا اثنتيـن فتعد طلقة واحدة وإنـما يصح الاستثناء (إذا وصله به) أى وصل المستثنـى بالمستثنـى منه بـحيث يعد فـى العرف كلاما واحدا فلا يضر الفصل بينهما بسكتة التنفس وثقل اللسان ويشتـرط أن لا يستغرق المستثنـى المستثنـى منه وهو الثلاث فإن استغرقه كأن قال لـها أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا وقع ثلاثا ويشتـرط أن ينوى الاستثناء قبل الفراغ من قوله أنت طالق ثلاثا ويصح بأى جزء منه.

     (ويصح تعليقه) أى الطلاق (بالصفة) أى بـحصول الصفة كأن قال لزوجته أنت طالق فـى شهر شوال فإنـها تطلق بدخول المغرب من أول ليلة منه (والشرط) أى ويصح تعليقه بالشرط كقوله إن دخلت دار فلان فأنت طالق فتطلق إذا دخلت أما إن لـم تدخل فلا تطلق ويبقى معلقا. أما إذا علق الطلاق بفعله شيئا فـى المستقبل ثـم فعله ناسيا للتعليق أو مكرها عليه أو جاهلا أنه المعلق عليه كأن علق الطلاق على تكليمه زيدا ثـم كلمه فـى ظلمة جاهلا أنه زيد لـم تطلق.

     أما لو علق الطلاق على فعل غيره بقصد منعه من فعل شىء أو حثه على فعل شىء وعلم الغير بتعليقه وكان مـمن يبالـى بتعليقه فلا يـخالفه كأن قال لزوجته إن دخلت دار أخيك فأنت طالق أو قال لصديقه إن لـم تأكل عندنا فزوجتـى طالق فإن فعله ناسيا أو جاهلا بأنه المعلق عليه أو مكرها عليه لـم يقع الطلاق. أما إن لـم يقصد منعه أو حثه أو كان الغير مـمن لا يبالـى بتعليقه كالـحاكم أو لـم يبلغه تعليقه ففعله ناسيا أو جاهلا أو مكرها طلقت. 

     (ولا يقع الطلاق قبل النكاح) أى إذا قال لامرأة أجنبية ليست زوجته طلقتك أو أنت طالق لـم تطلق.

     (وأربع لا يقع طلاقهم الصبـى والمجنون والنائم والمكره) على الطلاق بغير حق. وشرط الإكراه قدرة المكره على تنفيذ تـهديده وعجز المكره عن دفعه بـهرب ونـحوه وظنه أنه يستطيع أن يفعل ما خوفه به وكون ما هدده به عاجلا أما لو قال له طلق زوجتك وإلا قتلتك غدا فلا يعد مكرها على الطلاق. ويـحصل الإكراه هنا بالـتخويف بضرب شديد أو حبس أو إتلاف مال ونـحو ذلك. ويشتـرط لعدم وقوع الطلاق بالإكراه أن لا ينوى الطلاق.

والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين

لمشاهدة الدرس: https://www.youtube.com/watch?v=ya25KD6vNUk

للاستماع إلى الدرس: https://soundcloud.com/shaykh-gilles-sadek/ab8

بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، قائد الغر المحجلين، إمام الأتقياء العارفين، سيدنا وقائدنا وحبيبنا ونور أبصارنا محمد النبي العربي الأمي الأمين، العالي القدر، العظيم الجاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

     (فصل) فـى أحكام الرجعة.

     والرجعة شرعا رد المرأة إلـى النكاح فـى عدة طلاق غير بائن على وجه مـخصوص أى بلفظ خاص قال اللـه تعالـى ﴿الطلاق مرتان فإمساك بـمعروف أو تسريح بإحسان أى الطلاق الذى بعده رجعة مرتان فإما أن يـمسكها وإما أن يفارقها بإحسان وقال رسول اللـه  لعمر رضى اللـه عنه مره فليـراجعها رواه مسلم لأن ابن عمر طلق زوجته فـى طهر جامعها فيه. ويسن الإشهاد على الرجعة ولا يـجب. أما عدة الفسخ فلا رجعة فيها كفرقة إعسار الزوج بالنفقة فلا ترجع إليه بقول أرجعتك إلى نكاحى إلا بعقد جديد. وأركان الرجعة ثلاثة زوج وزوجة وصيغة. والصيغة التـى تصح بـها الرجعة إما صريـحة كقوله راجعتك أو رجعتك والأحسن أن يزيد إلى نكاحى أو رددتك إلـى أو إلـى نكاحى أو كناية كقوله تزوجتك أو نكحتك. أما الزوج فيشتـرط فيه أن يكون أهلا للنكاح بنفسه فلا تصح رجعة الصبـى والمجنون لأنـهما أهل للنكاح بولـيهما لا بأنفسهما.

     (وإذا طلق) الرجل (امرأته) بغير عوض طلقة (واحدة أو اثنتيـن) بعد وطئها (فله مراجعتها) بغير إذنـها (ما لـم تنقض عدتـها) أما إذا طلقها بعوض أى مقابل مال تدفعه له فإنه يقع خلعا ولا ترجع إليه إلا بعقد جديد برضاها (فإن انقضت عدتـها) أى الرجعية (كان له نكاحها) أى حل له نكاحها (بعقد جديد وتكون معه على ما بقى من الطلاق) أى ترجع إليه بعد العقد بـما بقى له من الطلاق.

     (فإن طلقها) أى إن طلق الـحر زوجته قبل الدخول بـها أو بعده (ثلاثا لـم تـحل له إلا بعد) حصول (خـمسة أشياء انقضاء عدتـها منه) إن كان دخل بـها (وتزويـجها بغيره) تزويـجا صحيحا (ودخوله) أى الثانـى (بـها وإصابتها) بإدخال رأس ذكره فـى قبلها (وبينونتها منه) أى أن تبيـن من الثانـى بطلاق أو فسخ أو موت (وانقضاء عدتـها منه) لاستبـراء رحـمها.

     أما وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثا فهو إجـماع نقله ابن المنذر وغيـره وبه أفتـى ابن عمر وابن عباس وعبد اللـه بن مسعود والشافعـى ومالك وأبو حنيفة وأحـمد وخالف فـى ذلك أحـمد بن تيمية الـحرانـى فقال بعدم وقوع الثلاث وإن عليه كفارة يـميـن فقط ولا عبـرة بقوله لأنه خرق للإجـماع.

     (فصل) فـى بيان أحكام الإيلاء وهو شرعا أن يـحلف الزوج أن لا يطأ زوجته فـى قبلها مطلقا أو أكثر من أربعة أشهر وكان مـمن يصح طلاقه ويتأتى وطؤه. وهو حرام لما فيه من الإيذاء للزوجة أما إذا ترك جـماعها بلا حلف أو حلف أن لا يطأها مدة أربعة أشهر أو أقل فلا يكون مولـيا.

     وأركان الإيلاء ستة حالف ومـحلوف به ومـحلوف عليه وزوجة وصيغة ومدة بينها المصنف رحـمه اللـه بقوله (وإذا حلف) الزوج باللـه أو بصفة من صفاته (أن لا يطأ زوجته مطلقا) أى بلا تقييد بـمدة كقوله واللـه أو وحياة اللـه لا أطؤك أبدا أى لا أجامعك (أو) حلف أن لا يطأها (مدة تزيد على أربعة أشهر) كقوله واللـه لا أطؤك ستة أشهر (فهو مول).

     أما الصيغة التـى يـحصل بـها الإيلاء فهى صريـحة وكناية أما الصريـحة فهى كقوله واللـه لا أجامعك وأما الكناية فهى كقوله واللـه لا ألامسك أو لا أباشرك فتفتقر إلـى نية الوطء.

     (ويؤجل له) أى يـمهل المولـى (إن سألت) الزوجة (ذلك أربعة أشهر) من يوم حلفه وظاهر كلام المصنف يوهم أنه يشتـرط لضرب المدة أن تطلب الزوجة ذلك وليس هذا بشرط بل يـمهل المولـى أربعة أشهر من غير حاكم لأن ذلك ثابت فـى القرءان. فإن انقضت المدة ولـم يطأها رفعته إلـى القاضى إن شاءت (ثـم يـخيـر بيـن الفيئة) أى الرجوع بأن يطأها (والتكفيـر) لليميـن لأنه حلف على ترك جـماعها (أو الطلاق فإن امتنع) الزوج من الـجماع والطلاق (طلق عليه الحاكم) طلقة واحدة فيقول أوقعت عن فلان على فلانة طلقة فإن امتنع الزوج من الـجماع فقط دون الطلاق أمره الـحاكم بالطلاق.

     (فصل) فـى بيان أحكام الظهار وهو شرعا تشبيه الزوج زوجته غيـر البائن بأنثى من مـحارمه فـى التحريـم. والظهار كان يعد طلاقا فـى الـجاهلية وهو ليس كذلك.

     وأركانه مظاهر أى الذى يوقع الظهار وهو الزوج ومظاهر منها أى من يقع عليها الظهار وهى الزوجة ومشبه به وهو مـحرمه أو جزء من مـحرمه وصيغة وهى لفظ يعطى معنـى الظهار صريـحا كان كقوله أنت على كظهر أمى أو كناية يـحتمل الظهار وغيره فينظر إلـى نيته كقوله أنت كأمى.

     (والظهار) حرام من الكبائر لما فيه من الإيذاء للزوجة وهو (أن يقول الرجل لزوجته أنت على كظهر أمى) أى لا أجامعك كما لا أجامع أمى أى أمنع نفسى من جـماعك (فإذا قال لـها ذلك) أى إذا قال لـها أنت على كظهر أمى أو أنت عندى كظهر أمى أو أنت كظهر أمى (ولـم يتبعه بالطلاق) أى لـم يطلق بعده فورا (صار عائدا) فـى ظهاره لأنه شبه زوجته بأمه فـى التحريـم فاقتضى ذلك أن لا يـمسكها زوجة فإن أمسكها زوجة عنده صار مـخالفا لقوله فيها (ولزمته الكفارة) قبل الـجماع وإن طلقها بعد ذلك.

     (و)الكفارة (هى عتق رقبة مؤمنة) عبد أو أمة (سليمة من العيوب المضرة بالعمل والكسب) إضرارا بينا كالعمى والفالج (فإن لـم يـجد) رقبة (فصيام شهرين متتابعيـن) وجوبا (فإن لـم يستطع فإطعام ستيـن مسكينا) أو فقيـرا (كل مسكيـن مد) أى تـمليك كل واحد منهم مدا أى حفنة من غالب قوت البلد والقوت هو ما يعيش عليه البدن كالقمح. (ولا يـحل وطؤها) أى الزوجة (حتـى يكفر) قال اللـه تعالـى ﴿من قبل أن يتماسـا﴾.

     (فصل) فـى بيان أحكام القذف واللعان.

     والقذف شرعا هو أن يرمى إنسانـا بالزنـا تعييـرا له وليس شهادة على زناه أما إذا شهد الشاهد عند القاضى أن فلانا زنـى أو أن فلانة زنت لا يقال له قذف لأن الشاهد لا يقوله بقصد أن ينسب عارا للذى يشهد عليه إنـما يقوله لأداء الشهادة. والقذف إما أن يكون صريـحا كقول فلان زان أو كناية يـحتمل القذف وغيـره وإنـما يعد قذفا إذا كان بنية كقول يـا فاسق أو يـا فاجر بنية القذف. وأما اللعان فهو كلمات مـخصوصة يقولـها الزوج لتكون مـخلصا له من إقامة الـحد عليه إذا قذف زوجته أى رماها بالزنا ولـم يكن له شهود فقد روى البخارى أن هلال بن أمية قذف زوجته عند رسول اللـه ﷺ فقال له الرسول ﷺ البـينة أو حد فـى ظهرك معناه إما أن تأتـى بالشهود أو يقام عليك الـحد فنزلت الآية ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ أى بالزنا ﴿ولـم يكن لـهم شهداء أى أربع شهود عدول ﴿إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات باللـه إنه لمن الصادقيـن والخامسة أن لعنت اللـه عليه إن كان من الكاذبيـن﴾ أى يقول أربع مرات أشهد أنـى صادق فـى ما رميت به زوجتـى هذه من الزنـى ويقول فـى الـخامسة وأن لعنة اللـه على إن كنت من الكاذبيـن.

     (وإذا رمى الرجل) المكلف المختار (زوجته بالزنـى فعليه حد القذف) وهو ثـمانون جلدة للحر (إلا أن يقيم البـينة) أى إلا أن يأتـى بالبـينة وهى أربعة شهود عدول يشهدون أنـهم رأوا عيـن الفعل (أو يلاعن) الزوجة عند الـحاكم أى القاضى فهو مـخيـر بيـن إقامة البـينة واللعان (فيقول عند الـحاكم فـى الـجامع على المنبـر فـى جـماعة من) صلحاء (الناس) أربعة فأكثر (أشهد باللـه إننـى لمن الصادقيـن فيما رميت به زوجتـى فلانة) بنت فلان إن كانت غائبة أو زوجتـى هذه إن كانت حاضرة (من الزنـى وأن هذا الولد) أو الـحمل (من الزنـى وليس منـى) ولا يكفى أن يقول إنه ليس منـى من غير أن يقول إنه من الزنـى ويكرر ذلك (أربع مرات) متتالية لتكون كل مرة بـمنزلة شاهد (ويقول فـى) المرة (الـخامسة بعد أن يعظه الـحاكم) ندبا بأن يـخوفه من عذاب اللـه الأليم فـى الآخرة فإن أصر أعاد تلك الكلمات مرة خامسة أشهد باللـه إننـى لمن الصادقيـن فيما رميت به زوجتـى هذه من الزنـى وزاد فيها (وعلى لعنة اللـه إن كنت من الكاذبيـن). وكون اللعان (فـى الـجامع على المنبـر فـى جـماعة) ليس بواجب بل يسن للتغليظ لتخويف الزوج من أن يكذب وتـخويف الزوجة من أن تكذب.

     (ويتعلق بلعانه) أى الزوج (خـمسة أحكام سقوط الـحد عنه) أى حد قذف زوجته المحصنة وهى المسلمة البالغة العاقلة الـحرة العفيفة وإنـما يـحد إذا كانت مـحصنة (ووجوب الـحد عليها) أى حد زناها (وزوال الفراش) أى انفساخ العقد بينهما (ونفى الولد) إن نفاه فـى لعانه فلا يعد ولده (والتحريـم على الأبد) فلا يـحل له نكاحها بعد أن لاعنها بل تـحرم عليه على التأبيد.

     (ويسقط الـحد عنها) أى حد الزنا الذى ثبت عليها بلعانه (بأن تلتعن) أى تلاعن الزوج بعد أن لاعنها (فتقول أشهد باللـه إن فلانا هذا لمن الكاذبيـن فيما رمانـى به من الزنـى) وتكرر ذلك (أربع مرات وتقول فـى المرة الـخامسة بعد أن يعظها الـحاكم) بتخويفه لـها من عذاب اللـه الأليم فـى الآخرة (وعلى غضب اللـه إن كان من الصادقيـن) فيما رمانـى به من الزنـى.

     (فصل) فـى بيان أحكام العدة.

     والعدة شرعا مدة تتـربص فيها المرأة وتـمتنع فيها عن النكاح لمعرفة براءة رحـمها أو للتعبد أو للتفجع على الزوج.

     (والمعتدة على ضربيـن متوفى عنها) زوجها (وغيـر متوفى عنها فالمتوفـى عنها إن كانت) حرة و(حاملا فعدتـها) عن وفاة زوجها (بوضع الـحمل) ولو سقطا (و)أما (إن كانت حائلا) أى غير حامل (فعدتـها أربعة أشهر وعشرا) وتعتبـر الأشهر بالأهلة ويكمل الشهر المنكسر ثلاثيـن يوما.

     (و)أما (غيـر المتوفـى عنها) زوجها بعد الدخول بـها المعتدة عن فرقة طلاق أو فسخ (إن كانت حاملا) من زوجها (فعدتـها بوضع الـحمل و)أما (إن كانت) حاملا من غيره أو (حائلا) أى غير حامل (وهى من ذوات الـحيض) أى تـحيض (فعدتـها ثلاثة قروء وهى الأطهار) وتنقضى عدتـها بدخولـها فـى الـحيضة الثالثة إن طلقها زوجها فـى طهر أما إن طلقها فـى حال الـحيض أو النفاس فعدتـها تنقضى بدخولـها فـى الـحيضة الرابعة. (و)أما (إن كانت) المعتدة صغيـرة غيـر بالغة أو كبيـرة لـم تـحض أصلا (أو ءايسة فعدتـها ثلاثـة أشهر) قمريـة فإن طلقها أثناء شهر لا فـى أوله فبعده شهران ويكمل الشهر المنكسر ثلاثيـن يوما من الشهر الرابع.

     (والمطلقة قبل الدخول بـها لا عدة عليها) ولو باشرها الزوج من دون جـماع.

     (وعدة الأمة بالـحمل) إن طلقها زوجها طلاقا رجعيا أو بائنا وكانت حاملا (كعدة الـحرة) أى تنقضى عدتـها بوضع الـحمل (و)أما إن كانت تـحيض فعدتـها (بالأقراء) أى الأطهار والواجب (أن تعتد بقرءين) أى بطهرين إذ يتعذر تبعيض القرء (و)أما إن كانت عدتـها (بالشهور عن الوفاة) ولـم تكن حاملا فالواجب (أن تعتد بشهرين وخـمس ليال وعن الطلاق أن تعتد بشهر ونصف فإن اعتدت بشهرين كان أولـى) للخروج من الـخلاف والراجح أنـها تعتد بشهرين وقال جـماعة من الشافعيـة عدتـها ثلاثة أشهر وهو الأحوط.

     (فصل) فـى أحكام الاستبـراء.

     وهو شرعا طلب معرفة براءة الرحم من الـحمل تعبدا أى طاعة للـه لأن اللـه أمر به أو لبـراءة الرحم من الـحمل زيادة على فعل ما أمر اللـه به. ويـجب الاستبـراء بـحدوث الملك بانتقال ملكية الأمة إلـى شخص وزوال الفراش أى زوال حل جـماعها لمالكها.

     (ومن استحدث ملك أمة) أى من ملك أمة بأن انتقل ملكها إليه بشراء أو بإرث كأن ورثها عن والده أو وصية كأن مات شخص وأوصى بأمته له أو هبة ولـم تكن زوجته (حرم عليه الاستمتاع بـها حتـى يستبـرئها) أى لا يـحل له أن يستمتع بـها إلا بعد أن يستبـرأها واستبـراؤها (إن كانت من ذوات الـحيض) يكون (بـحيضة) كاملة أى ينتظر حتـى تـحيض ثـم تطهر وأما إن ملكها أثناء حيضها فينتظر حتـى تطهر من تلك الـحيضة ثـم تـحيض ثـم تطهر (و)أما (إن كانت من ذوات الشهور) أى إن كانت لا تـحيض فاستبـراؤها يكون (بشهر فقط و)أما (إن كانت من ذوات الـحمل) فاستبـراؤها يكون (بالوضع) أى بوضع الحمل. (وإذا مات سيد أم الولد) أى مالك الأمة التـى ولدت له ولدا وليست متزوجة ولا فـى عدة نكاح (استبـرأت نفسها كالأمة) أى لا بد أن تستبـرأ نفسها إما بـحيضة إن كانت تـحيض وإما بشهر إن كانت لا تـحيض.

     (فصل) فـى أحكام المعتدة.

     (ويـجب للمعتدة الرجعية) أى المطلقة طلقة أو اثنتيـن أثناء العدة (السكنـى) فـى المسكن الذى فارقها فيه إن كان لائقا بـها وكانت تأمن على نفسها فيه (والنفقة) والكسوة إلا أن تكون ناشزة أى خارجة عن طاعة زوجها قبل طلاقها أو فـى أثناء عدتـها (ويـجب للبائن) بـخلع أو طلاق ثلاث (السكنـى دون النفقة) والكسوة (إلا أن تكون حاملا) فتجب لـها النفقة مع السكنـى.

     (و)يـجب (على) المعتدة (المتوفـى عنها زوجها) ولو أمة (الإحداد وهو الامتناع عن الزينة) أى التزين فـى البدن كلبس الـحلـى نـهارا ولو كان صغيـرا كالـخاتـم والقرط وهو ما يعلق فـى الأذن أما لبس الـحلـى ليلا فيجوز مع الكراهة. ويـحرم عليها ليلا ونـهارا دهن شعر رأسها ووجهها لا بدنـها بدهن كزيت وتبييض وجهها وتـحميـر خديها وخضاب ما يظهر من البدن كالـيدين والرجليـن بالـحناء وتطريف أصابعـها أى وضع الـحناء على أطراف الأصابع وترقيق حاجبها وحشوه بالكحل. ويـحرم عليها استعمال الكحل الذى فيه زينة كالإثـمد وإن لـم يكن مطـيبا إلا لـحاجة كرمد فـى العيـن لـحديث مسلم ولا تكتحل ولا تـمس طيبا إلا إذا طهرت (أى من حيضها أو نفاسها) نبذة من قسط أو أظفار (أى يجوز لـها أن تضع نبذة من قسط أو أظفار وهـما نوعان من البخور يستعملان لإتباع أثر الـحيض أو الـنفاس حتـى لا تظهر رائحة الدم). ويـحرم عليها لبس ثـياب الزينة ولا يـختص الإحداد بلون واحد من الثـياب بل يـجوز غيـر الأسود إن لـم يكن ثـياب زينة ويـحرم من الأسود ما كان ثياب زينة. ويـجوز لـها تـمشيط شعرها من غيـر دهن وقصه إن لـم يكن على وجه الزينة وإزالة شعر لـحية وشارب وإبط وعانة وتقليم الأظفار ولا يـحرم عليها الـنظر فـى المرءاة والـخروج إلـى شرفة البيت والنظر إلـى الناس واستقبال الرجال الأجانب فـى بيتها من غيـر حصول خلوة أو كشف عورة. (و)من الإحداد ترك (الطيب) الذى يـحرم على المحرم بـحج أو عمرة استعماله فـى بدن أو ثوب أو طعام كماء الورد وماء الزهر وإذا تطـيبت المرأة ثـم مات زوجها وجب عليها إزالته. ولا يـجوز الإحداد على غيـر الزوج فوق ثلاثة أيـام. ثلاثة أيـام رخصة وما زاد ذنب قال رسول اللـه ﷺ لا تـحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا رواه مسلم. وأما الرجل فلا يـجوز له الإحداد مطلقا لأن الإحداد إنـما شرع للنساء فقط.

     (و)يـجب (على المتوفـى عنها زوجها والمبتوتة) وهى البائن التـى لا تـجب نفقتها (ملازمة البيت) الذى تسكن فيه عند الفرقة ولا يـجوز لـها الـخروج أثناء العدة (إلا لـحاجة) كشراء طعام إن لـم تـجد من يقضى لـها حاجتها ويـجوز لـها الـخروج ليلا إلـى دار جارتـها وهى الملاصقة لـها وملاصقة الملاصقة لـتستأنس بالـحديث معها بشرط أن ترجع وتبيت فـى بيتها ولا يـجوز لـها الـخروج لزيارة قبـر زوجها وعيادة المرضى من أقاربـها. أما المطلقة طلاقا رجعيا فليس حكمها كحكم الزوجة فـى كل الأحكام فلا يـجوز للزوج إخراجها من المسكن ولا يـجوز له أن يستمتع بـها ولا أن يـخلو بـها أما خروجها للزيارة ونـحوها ورجوعها إلـى البيت لـتبيت فيه فيجوز بإذن زوجها.

     أما البائن الـحامل كالمطلقة طلاقا بائنا أو المختلعة فتجب لـها الـنفقة ولا يـجوز لـها الـخروج لـتحصيل الـنفقة إن كانت تـحصل عليها أما خروجها للضرورة فجائز.

     (فصل) فـى أحكام الرضاع.

     والرضاع شرعا وصول لبـن ءادمية مـخصوصة لـجوف ءادمـى مـخصوص على وجه مـخصوص ولا يشتـرط فيه مص الثدى قال تعالى ﴿وأمهاتكم اللاتـى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾.

     وأركانه ثلاثة مرضع ورضيع ولبـن أى حليب ويشتـرط فـى المرضع أن تكون حية حال انفصال اللبـن عنها وأن تكون بلغت تسع سنيـن قمريـة تقريبا ولو كانت بكرا أو خلية أى غيـر متزوجة. (وإذا أرضعت المرأة بلبنها ولدا) ذكرا أو أنثى وكان حيا أى شرب لـبنها ولو من غيـر مص لثديها فوصل إلـى جوفه (صار الرضيع ولدها بشرطيـن أحدهـما أن يكون) الرضيع (له دون السنتيـن) يقينا أما إن بلغ سنتيـن فلا تثبت المحرمية بينهما بإرضاعه (والثانـى أن ترضعه خـمس رضعات متفرقات) يقينا ولو لـم تكن مشبعات أى ما يعد فـى العرف رضعات بشرط أن يصل اللبـن إلـى جوف الطـفل فـى كل رضعة ولو تقيأه بعد وصوله إلـى جوفه فلو رضع ثـم أعرض عن الثدى تعد رضعة أما إذا قطع الارتضاع للتنفس أو للهو وعاد سريعا أو تـحول من ثدى إلـى ءاخر لا يعد قطعا للرضعة أما لو قطعته عليه المرضعة لشغل طويل ثـم أعادته فإنه يتعدد (ويصيـر زوجها) أى زوج المرضعة إن كان اللبـن منه (أبا له) أى للرضيع. (ويـحرم على المرضع الـتزويج إليها) أى لا يـجوز له أن يتزوج التـى أرضعته لأنـها أمه بالرضاعة (وإلـى كل من ناسبها) أى انتسب إليها كبنتها أو هى انتسبت إليه كأمها. (ويـحرم عليها) أى المرضعة (الـتزويج إلـى المرضع) أى من أرضعته (وولده) وإن سفل (دون من كان من درجته) كإخوته الذين لـم يرضعوا معه (أو أعلى طبقة منه) كأعمامه.

     (فصل) فـى أحكام نفقة الأقارب والأرقاء والزوجة.

     (ونفقة العمودين) وهم الأصول أى الأب والـجد وإن علا والأم والـجدة وإن علت والفروع أى الأولاد وأولاد الأولاد (من الأهل) أى الأقرباء نسبا (واجبة) أى (للوالدين والمولودين) ذكورا وإناثا ولا تـجب لغيرهم من الأقارب كالأخ والأخت والعم والعمة.

     (فأما الوالدون فتجب نفقتهم) على مولوديهم إذا كانوا فقراء أحرارا معصوميـن وإن قدروا على الكسب أما القريب غيـر المعصوم لكونه مرتدا أو كافرا حربيا فلا تـجب نفقته وخالف المصنف رحـمه اللـه فجعل وجوب نفقة الوالدين (بشرطـيـن الفقر) أى بكونـهم فقراء لا يـجدون مالا يكفيهم حاجاتـهم الأصلية كطعام وكسوة وسكنـى (والزمانة) أى المرض المانع من الكسب كالشلل والعمى أى اشتـرط اجتماع الفقر والزمانة (أو الفقر والـجنون) أى زوال العقل فإن لـم يـجتمعا بأن كان الأصل فقيـرا وقادرا على الكسب لـم تـجب نفقته على الفرع عنده والقول المعتمد أنـها تـجب. فالأصل كالأب إن كان فقيـرا تـجب نفقته على أولاده الذكور والإناث بالسويـة.

     (وأما المولودون) من الذكور والإناث (فتجب نفقتهم) على الوالدين (بثلاثة شرائط الفقر والصغر) أى عدم البلوغ (أو الفقر والزمانة) أى المرض المانع من الكسب (أو الفقر والـجنون). فالولد نفقته على أبيه فإن لـم يكن فعلى أمه فإن لـم يكونـا فعلى الأقرب من الأجداد أو الـجدات. فإن قدر الولد على العمل جاز لولـيه أن يـحمله عليه وينفق عليه منه.

     (ونفقة الرقيق) إن كان عبدا أو أمة واجبة على مالكه فيجب عليه أن يطعمه بقدر الكفاية من غالب قوت رقيق أهل البلد ومن غالب أدمهم وهو ما يؤكل بالـخبز ولا يـجب المبالغة فـى الإشباع وأن يكسوه من غالب كسوتـهم ويـجب له أجرة طبيب وثـمن أدوية.

     (و)نفقة (البهائم) بعلفها وسقيها بقدر الكفاية (واجبة) والمراد بالبهائم كل حيوان مـحتـرم وهو الذى لا يـجوز قتله لكن يـجوز ذبـحه إن كان مأكولا كالديك والكبش بـخلاف غيـر المحتـرم كالعقرب والفأرة والغراب والكلب العقور أى المؤذى فلا تـجب نفقتها لكن يـحرم حبسها إلـى أن تـموت جوعا لـحديث مسلم إذا قتلتم فأحسنوا القتلة أى أحسنوا طريقة قتلها فلا يـجوز إحراقها بالنار أو تقطيع أجزائها وهى حية.

     (ولا يكلفون من العمل ما لا يطيقون) أى لا يـجوز لمالك العبيد وكذا البهائم أن يكلفهم بعمل شاق لا يطيقون الدوام عليه أما أن يكلفهم به فـى بعض الأوقات فيجوز. ولا يـجوز ضرب الدابـة إلا لـحاجة ويضربـها فـى غيـر الوجه.  

     (فصل) فـى أحكام نفقة الزوجة.

     (ونفقة الزوجة الممكنة من نفسها) لزوجها (واجبة) لقوله ﷺ اتقوا اللـه فـى النساء فإنكم أخذتـموهن بأمانة اللـه (أى بأن اللـه ائتمنكم عليهن فاحفظوا الأمانة وصونوها بـمراعاة حقوقها والقيام بـمصالـحها) واستحللتم فروجهن بكلمة اللـه (أى بالصيغة التـى شرعها اللـه من إيـجاب وقبول) ولـهن عليكم رزقهن وكسوتـهن بالمعروف. وتـجب نفقة الزوجة بفجر كل يوم أما الناشز وهى الـخارجة عن طاعة زوجها فلا تـجب نفقتها بالإجـماع ما دامت قائمة على النشوز. (وهى) أى النفقة (مقدرة) أى عيـن الشرع لـها مقدارا معينا وتـختلف باختلاف حال الزوج فـى كونه موسرا أو معسرا أو متوسطا (فإن كان الزوج موسرا) أى كان عنده من المال ما يكفيه لنفقته وزاد عليه مدان (فمدان) يـجب عليه لزوجته كل يوم مع ليلته المتأخرة عنه (من غالب قوتـها) أى من غالب قوت البلد الذى تعيش فيه الزوجة من حنطة أو شعيـر أو أرز أو ذرة أو غيـرها يدفعه إليها حبا ثـم يأخذه ويطحنه ويـخبزه ويقدم لـها خبزا (ويـجب) لـها (من الأدم) وهو الذى يؤكل بالـخبز كالزيت ودهن السمسم والـخل ما جرت به عادة البلد (و)يـجب لـها من (الكسوة) أى كسوة الفصل صيفا وشتاء كل ستة أشهر (ما جرت به العادة) فـى البلد جنسا وجودة ويـختلف ذلك باختلاف حال الزوج فيجب للزوجة فـى أول الصيف قميص وسروال وخـمار ومداس كالبابوج ونـحوه وفـى أول الشتاء كذلك ويزاد فـى الشتاء ما تـحتاجه لدفع البـرد كفروة وكوفية وهى ما تلبس فـى الرأس تـحت الـخمار. (وإن كان معسرا) أى كان عنده ما يكفيه لنفقته ولـم يزد عليه شىء (فمد) أى فيجب عليه لزوجته مد (من غالب قوت البلد وما يأتدم به المعسرون ويكسونه). (و)أما (إن كان متوسطا) أى كان عنده ما يكفيه وزاد عليه أقل من مدين (فمد ونصف) يـجب عليه لزوجته (ومن الأدم والكسوة الوسط). ويـجب لـها مسكن يليق بـها عادة ولو بأجرة لأنـها لا تتملكه. (فإن كانت مـما يـخدم مثلها) أى إن كانت تـخدم فـى بيت أهلها (فعليه إخدامها) أى عليه أن يأتـى لـها بـخادمة تـخدمها.

     (وإن أعسر) الزوج (بنفقتها) نفقة المعسرين (فلها فسخ النكاح) بـخمسة شروط أن يكون الزوج معسرا أما إن تـمنع من النفقة مع القدرة عليها فليس لـها أن تفسخ وأن يكون الإعسار بالنفقة أو الكسوة أو المسكن أما إن أعسر بنحو الأدم والمكعب والسروال فلا فسخ وأن يكون إعساره بالـنفقة لـها لا للخادم وكون الإعسار بنفقة المعسرين وكون النفقة مستقبلة فلا فسخ بالنفقة الماضية. فإذا أرادت المرأة الفسخ رفعت أمرها إلـى القاضى أو إلـى المحكم فإذا ثبت عنده إعسار الزوج بإقرار أو بينة بشهادة عدليـن أمهله ثلاثة أيام فإن لـم يسلم نفقة اليوم الرابع ترفع الأمر إلـى القاضى ثانية فيفسخ القاضى النكاح (و)لـها (كذلك) فسخ عقد النكاح عند الـحاكم أى القاضى (إن أعسر) الزوج (بالصداق) أى المهر (قبل الدخول) بـها ولـم تكن عالمة بإعساره أما بعد الدخول فليس لـها فسخه.

     (فصل) فـى أحكام الـحضانة

     وهى شرعا الاعتناء بالطفل وتربيته بفعل ما يصلحه ودفع ما يضره.

     (وإذا فارق الرجل زوجته) بطلاق أو فسخ (وله منها ولد) غير مـميز ذكر أو أنثى (فهى أحق بـحضانته) أى تربيته وتعهده بإطعامه وسقيه وغسل بدنه وثوبه وتستمر حضانــتها للطـفل (إلـى) أن يـميز ويـحصل التمييز غالـبا بعد مضى (سبع سنيـن ثـم يـخيـر بيـن أبويه) أى يـخيـره القاضى بينهما إن كانـا صالـحيـن للحضانة (فمن اختار) منهما (سلم إليه) فإذا اختار أباه فالأم لـها أن تأخذه لزيارتـها مرتيـن مثلا فـى الأسبوع ولا يـجوز للأب أن يـمنعها إلا إذا كانت فاسقة يـخشى أن تعلم الطـفل الفساد. وإذا كان الولد فـى حضانة الأم فالأب له أن يأخذه مرتيـن مثلا فـى الأسبوع للنزهة ولإطعامه وله أن يأخذه لـيبيت عنده بعض الأحيان. وعند الـحنفية الولد الذكر يأخذه الأب إذا بلغ سبع سنيـن والبنت الأنثى إذا بلغت تسع سنيـن. ومؤنة الـحضانة على من عليه نفقة الطـفل إن لـم يكن له مال أما إن كان للطـفل مال فينفق عليه من ماله.

     (وشرائط) استحقاق (الـحضانة سبع العقل) فلا حضانة لمجنون (والـحريـة) فلا حضانة لمن به رق (والدين) فلا حضانة لكافرة على مسلم (والعفة والأمانة) وهـما يرجعان إلـى شرط واحد وهو العدالة فلا حضانة لفاسق أو فاسقة (والإقامة) بأن يكون أبواه مقيميـن فـى بلد واحد أما لو أراد أحدهـما الإقامة فـى بلد والآخر فـى بلد عند ذلك يكون الولد مع الأب مـحافظة على نسبه (والـخلو) أى خلو أم الولد (من زوج) لا حق له فـى الحضانة إلا أن يرضى الأب قال ابن المنذر فـى الإجـماع وأجـمعوا على أن لا حق للأم فـى الولد إذا تزوجت (أى فـى الـحضانة). أما إذا تزوجت من له حق فـى الحضانة كعم الولد أو ابن عمه ورضى الأب ببقاء الولد معها لا تسقط حضانتها.

     (فإن اختل شرط منها) أى السبعة فـى أحدهـما (سقطت) الـحضانة عنه وانتقلت إلـى من بعده.

والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين

لمشاهدة الدرس: https://www.youtube.com/watch?v=r74uB9UZdGM

للاستماع إلى الدرس: https://soundcloud.com/shaykh-gilles-sadek/ab9

الموقع الرسمي للشيخ جيل صادق: https://shaykhgillessadek.com

فكرتان اثنتان على ”كتاب النكاح متن أبي شجاع فقه شافعي

أضف تعليق