بيان أن عورة المرأة أمام الرجل الأجنبي جميع بدنها سوى وجهها وكفيها

اعلم أن عورة المرأة أمام الرجل الأجنبي جميع بدنها سوى وجهها وكفيها، فيجوز لها أن تخرج من بيتها كاشفة وجهها إجماعا.

وقد نقل هذا الإجماع ابن حجر الهيتمي في كتابيه «الفتاوى الكبرى» و«حاشية شرح الإيضاح على مناسك الحج» للنووي.

وقال زكريا الأنصاري في «شرح الروض»([1]) ما نصه: «وما نقله الإمام من الاتفاق على منع النساء أي منع الولاة لهن مما ذكر – أي: من الخروج سافرات – لا ينافي ما نقله القاضي عياض عن العلماء أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة وعلى الرجال غض البصر عنهن لقوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} الآية [النور: 30]، لأن منعهن من ذلك لا لأن الستر واجب عليهن في ذاته بل لأنه سنة وفيه مصلحة عامة» اهــ.

وقال الإمام المجتهد ابن جرير الطبري في تفسيره([2]) ما نصه: «عن قتادة عن الحسن في قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} قال: الوجه والثياب، وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك الوجه والكفان يدخل في ذلك إذا كان كذلك الكحل والخاتم والسوار والخضاب. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها إلا ما روي عن النبي ﷺ أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف، فإذا كان من جميعهم إجماعا كان معلوما بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال، لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره وإذا كان لها إظهار ذلك كان معلوما أنه مما استثناه الله تعالى ذكره بقوله: {إلا ما ظهر منها}، لأن كل ذلك ظاهر منها. وقوله: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} يقول تعالى ذكره: {وليضربن بخمرهن} أي وليلقين خمرهن وهي جمع خمار، {على جيوبهن} ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وقرطهن» اهـ.

وقد جاء عن ابن عباس وعائشة وسعيد بن جبير وعطاء وغيرهم أنهم فسروا قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] بالوجه والكفين، وهذا هو الصحيح الذي تؤيده الأدلة كحديث المرأة الخثعمية الذي أخرجه البخاري([3]) ومسلم([4]) ومالك([5]) وأبو داود([6]) والنسائي([7]) والدارمي([8]) وأحمد([9]) من طريق عبد الله بن عباس قال: «جاءت امرأة خثعمية غداة العيد فسألت رسول الله ﷺ بقولها: يا رسول الله إن فريضة الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: «حجي عنه»، قال ابن عباس: وكانت شابة وضيئة، فجعل الفضل ينظر إليها أعجبه حسنها، فلوى رسول الله عنق الفضل». وعند الترمذي من حديث علي([10]): «قال العباس: يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك؟ فقال: «رأيت شابا وشابة فلم ءامن الشيطان عليهما»، قال ابن عباس: وكان ذلك بعد ءاية الحجاب اهــ.

وفي هذا الحديث دلالة على رجحان جواز كشف المرأة وجهها مع خوف الفتنة([11])، ومحل الدليل في الحديث قوله عليه السلام: «رأيت غلاما حدثا وجارية([12]) حدثة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان»، ومقابله ما ذكره بعض الشافعية من المتأخرين كالشيخ زكريا الأنصاري والرملي.

قال صاحب المبسوط الحنفي([13]): «ثم لا شك أنه يباح النظر إلى ثيابها ولا يعتبر خوف الفتنة في ذلك فكذلك إلى وجهها وكفيها» اهــ.

وقال الشيخ محمد عليش المالكي في «شرح مختصر خليل»([14]) ممزوجا بالمتن: «(و) هي – أي: العورة – من حرة (مع) رجل (أجنبي) مسلم جميع جسدها (غير الوجه والكفين) ظهرا وبطنا، فالوجه والكفان ليسا عورة فيجوز لها كشفهما للأجنبي وله نظرهما إن لم تخش الفتنة، فإن خيفت به فقال ابن مرزوق: مشهور المذهب وجوب سترهما، وقال عياض: لا يجب سترهما ويجب عليه غض بصره» اهــ.

والراجح عدم اشتراط أمن الفتنة لما في حديث الخثعمية السابق الذكر، فلا حجة في قول بعض المتأخرين ممن ليسوا من أهل الوجوه إنما هم نقلة إن ستر الوجه في هذا الزمن واجب على المرأة دفعا للفتنة لا لأنه عورة لأمرين، أحدهما: أن هذا القول أي اشتراط أمن الفتنة منها أو عليها لعدم وجوب ستر الوجه كما زعمه بعض الشافعية وهو مذكور في «منهاج الطالبين»([15])، و«شرح روض الطالب»([16]) و«شرح الرملي على منهاج الطالبين»([17])، ليس منقولا عن إمام كالشافعي أو غيره من الأئمة ولا هو منقول عن أصحاب الوجوه في المذهب. وكيفما كان الأمر فالصحيح ما وافق النص. والمراد بالفتنة في هذه المسألة الداعي إلى جماع أو خلوة أو نحوهما كما صرح بذلك زكريا الأنصاري([18]).

ثم الإجماع الذي انعقد على أنه يجوز للمرأة كشف وجهها وعلى الرجال غض البصر لا ينتقض حكمه برأي بعض المتأخرين، فما في بعض كتب الشافعية ككتاب للشيخ زكريا الأنصاري([19]) وشمس الدين الرملي([20]) من تحريم خروج المرأة إذا خشيت فتنة منها أو عليها ولو بإذن الولي أو سيد الأمة أو الزوج لا يقوم عليه دليل، فإن خشية الفتنة كانت في الصدر الأول ومع ذلك ما ورد النص في تحريم الخروج مع خشية الفتنة، ونقل الفخر الرازي([21]) في تفسير قول الله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} [النور: 31] إلى ءاخر الآية عن القفال قوله: «ولما كان ظهور الوجه والكفين كالضروري لا جرم اتفقوا على أنهما ليسا بعورة» اهـ، وهذا نقل للإجماع من القفال وإقرار له عليه من الرازي.

أما ما يتعلق بلبس الثوب الضيق للمرأة الساتر للون البشرة فهو مكروه، وهو مشهور عند فقهاء الشافعية والمالكية والحنابلة، ومعلوم أن الكراهة عندهم في اصطلاحهم كراهة التنزيه.

فيتبين بعدما ذكرنا أن عورة المرأة جميع بدنها سوى وجهها وكفيها، وأنه يجوز لها كشف الوجه والكفين وأن على الرجال غض البصر والأحسن أن تسترهما، وأن ما تستعمله المرأة لستر عورتها إن حكى الحجم وأظهر اللون لا يكفي، وإن حكى الحجم وستر اللون فهو كاف مع الكراهة، والأحسن أن تلبس ما كان أوسع كالجلباب.

فإن قال قائل: قول الفقهاء: يكفي ما ستر اللون ولو حكى الجسم كسروال ضيق مع الكراهة للمرأة وهو خلاف الأولى للرجل إنما هو في الصلاة فقط لا في خارجها.

قلنا: ذلك باطل مردود لقول ابن حجر الهيتمي وغيره بأن الحكم لا يختلف بين حال الصلاة وخارج الصلاة كما قدمنا.

وقد توارد نصوص الشافعية والحنابلة والمالكية في هذه المسألة في أن لبس الضيق للمرأة مكروه وخلاف الأولى للرجل. فليس للحنفي الذي اعتمد على قول بعض المتأخرين منهم للكراهة التحريمية للبس الضيق الذي يصف حجم العورة في حق الرجال والنساء الإنكار على من يلبسه للقاعدة السابقة المتفق عليها: «لا ينكر المختلف فيه وإنما ينكر المجمع عليه إلا أن يكون فاعله يرى تحريمه».

وأما حكم النظر إلى وجه الأمرد غير الملتحي فقد ذكر الإمام الحافظ المجتهد ابن القطان ما نصه([22]): «أنه يحرم في موطن بالإجماع ويجوز في موطن بالإجماع ويختلف فيه في موطن.

فالأول: هو أن يقصد بالنظر إليه التلذذ وإمتاع حاسة البصر بمحاسنه، بحيث يكون متعرضا لجلب الهوى، وولوع النفس الموقع له في الافتتان هذا مما لا خلاف في تحريم النظر إليه بل يحرم بالإجماع أن يقصد إلى ذلك.

والثاني: هو أن ينظر إليه غير قاصد اللذة وهو مع ذلك ءامن من الفتنة، فهذان شرطان، فهذا لا خلاف فيه أنه لا إثم عليه في هذا النظر.

الثالث: هو أن يتوفر له أحد هذين الشرطين دون الآخر، وذلك أن يفوته قصد الالتذاذ فينظر لا بقصد الالتذاذ، فهذا أحد شرطي الجواز» اهــ.

قال بعض العلماء: وكتاب ابن القطان أحسن ما ألف في بيان مسائل الإجماع والخلاف. ومعنى قوله: «أن يتوفر له أحد هذين الشرطين دون الآخر» أي: أنهم اختلفوا فيما إذا كان انتفى قصد اللذة بالنظر إلى الأمرد ولم يحصل الأمن من الفتنة. والله أعلم.

فائدة: ذكر الفقهاء الذين ألفوا في قواعد الفقه كالسيوطي، والحافظ أبي سعيد العلائي شيخ الحافظ العراقي وغيره قاعدة من قواعدهم وهي: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»، واحتج بهذه القاعدة بعض المتهورين في هذا العصر لتحريم كشف المرأة وجهها ولم يدر أن جواز الكشف مسألة إجماعية نقلها القاضي عياض المالكي ونقلها ابن حجر الهيتمي الشافعي عن جمع كما تقدم، فهذا المتهور خالف الإجماع واستدل بالقاعدة في غير محلها، لأن هذه القاعدة ليست كلية بل هي أغلبية كما ذكر ذلك الحافظ أبو سعيد العلائي الشافعي في قواعده الفقهية([23])، على أن ابن حجر قال([24]) إن هذه القاعدة لا تنطبق إذا كان هناك مفسدة متوهمة مع تحقق المصلحة.

فتبين مما ذكر من الإجماع والحديث أنه لا يبنى حكم عام على الأفراد لمجرد أن كثيرا من الناس تحصل لهم فتنة بالنظر إلى وجه المرأة، إنما يبنى وجوب غض البصر على من يخشى الافتتان ولا يجعل حكمه ساريا على جميع المكلفين.

 

([1]) انظر: شرح روض الطالب (3/110).

([2]) جامع البيان في تفسير القرءان (18/119).

([3]) صحيح البخاري: كتاب الحج: باب وجوب الحج وفضله.

([4]) صحيح مسلم: كتاب الحج: باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت.

([5]) موطأ مالك: كتاب الحج: باب الحج عمن لا يستطيع أن يثبت على الراحلة.

([6]) سنن أبي داود: كتاب المناسك: باب الرجل يحج عن غيره.

([7]) سنن النسائي: كتاب المناسك: باب حج المرأة عن الرجل.

([8]) سنن الدارمي: كتاب المناسك: باب في الحج عن الحي (2/39، 40).

([9]) مسند أحمد (1/213).

([10]) جامع الترمذي: كتاب الحج: باب ما جاء أن عرفة كلها موقف.

([11]) فإذا خشيت الفتنة وجب عليه غض البصر ولم يجب عليها ستر وجهها.

([12]) أي: شابا وشابة.

([13]) المبسوط (10/153).

([14]) منح الجليل شرح مختصر خليل (1/222).

([15]) منهاج الطالبين (ص84).

([16]) أسنى المطالب (3/109).

([17]) نهاية المحتاج (6/188).

([18]) انظر: شرح روض الطالب لزكريا الأنصاري (3/110).

([19]) أسنى المطالب (3/109، 110).

([20]) نهاية المحتاج (6/188).

([21]) التفسير الكبير (23/206، 207).

([22]) إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر (ص272).

([23]) المجموع المذهب (1/129).

([24]) تحفة المحتاج، كتاب النكاح، الجزء السابع، ص185 ونصه: «إذا المصلحة المحققة الناجزة مقدمة على المفسدة المستقبلة المتوهمة» اهـ.

وممن نص على ذلك أيضا جمع منهم التاج السبكي في الأشباه والنظائر (1/105) وعبارته: «فيظهر من ذلك أن درء المفاسد يترجح على جلب المصالح إذا استويا» ثم يذكر ما يستثنى من هذه القاعدة. وممن ذكر ذلك أيضا السيوطي في الأشباه والنظائر (1/87) ونصه: «فإذا تعارض مفسدة ومصلحة قدم دفع المفسدة غالبا» اهـ.

فكرة واحدة على ”بيان أن عورة المرأة أمام الرجل الأجنبي جميع بدنها سوى وجهها وكفيها

أضف تعليق