الشرح: ليعلم أن الله واحد لا شريك له وأنه سبحانه وتعالى وحده المستحق للعبادة، قال تعالى: {لا إلـٰـه إلا أنا فاعبدون}، وهذه الآية الكريمة {وهو الله في السماوات وفي الأرض} معناها أن الله معبود من قبل الملائكة الكرام في السماوات ومعبود من قبل المؤمنين من الإنس والجن في الأرض.
وليس معناها أنه سبحانه حال في السماوات أو في الأرض وليس فيها أنه يسكن السماء أو الأرض وليس كما زعم بعض الملاحدة من أدعياء الإسلام والطريقة النقشبندية في بيروت من أن ما تشتهيه يكون إلها لك فقالوا كل ما تهواه من زوجة أو ما ينشغل به قلبك من متاع الدنيا يكون إلها لك! نعوذ بالله من كفرهم، فالآية لا تعني هذا وليس فيها أن السماء لها إلٰــه والأرض لها إلٰــه آخر، قال الله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] والفاء هنا بمعنى اللام أي لو كان لهما إلٰــه مسيطر عليهما مع الله لخربت السماوات والأرض فهذا دليل على أن الله واحد لا شريك له وهو وحده الذي يستحق العبادة، أما من زعم أن كل ما يشتهيه الإنسان يكون اتخذه إلٰها له فهو كفر صريح لأنه تكفير للأنبياء ولكل المسلمين.
البرهان على الوحدانية
معنى الوحدانية أنه ليس ذاتا مؤلفا من أجزاء ولا يوجد ذات مثل ذاته وليس لغيره صفة كصفته أو فعل كفعله. وليس المراد بوحدانيته وحدانية العدد إذ الواحد في العدد له نصف وأجزاء أيضا.
وبرهان الوحدانية أنه لو لم يكن واحدا بل متعددا بأن كان معه إلـٰـه أو أكثر لما قدر على إيجاد أي ممكن أو إعدامه ولكان عاجزا والعجز عليه محال فكونه غير واحد محال أيضا بل هو الواحد الأحد، ولو كان لغيره فعل كفعله لم يكن منفردا بالألوهية إذ فعله على وجه الإحداث من العدم ولا فعل لغيره على وجه الإحداث أي الإبراز من العدم.
وبرهان الوحدانية أيضا أنه لو كان اثنين وأراد أحدهما أمرا فالثاني إن كان مضطرا إلى مساعدته كان هذا الثاني مقهورا عاجزا ولم يكن إلـها قادرا، وإن كان قادرا على مخالفته ومدافعته كان هذا الثاني قويا قاهرا والأول ضعيفا قاصرا ولم يكن إلٰـها قادرا.
وأيضا لو كان للعالم مكونان فصاعدا لم يخل إما أن يكونا قادرين فلو كانا قادرين على الكمال لجاز في العقول تدافعهما بأن يريد أحدهما بقاء الجسم في حالة معينة ويريد الآخر فناءه في تلك الحالة فإذا قدرا على تنفيذ إرادتيهما أدى ذلك إلى المحال وهو أن يكون الجسم موجودا معدوما في حالة واحدة وما أدى إلى المحال محال، وإن كانا عاجزين أو كان أحدهما عاجزا فالعاجز لا يصلح للإلـهية لأنه ثبت أن الصانع قديم، وعجز قديم محال لأنه لا يكون إلا عن فعل يعجز عنه وما لم يتصور الفعل لم يتصور العجز.
وإن شئت قلت: لا بد للصانع من أن يكون حيا قادرا عالما مريدا مختارا فإذا ثبت وصف الصانع بما ذكرناه قلنا لو كان للعالم صانعان وجب أن يكون كل واحد منهما حيا قادرا عالما مريدا مختارا والمختاران يجوز اختلافهما في الاختيار لأن كل واحد منهما غير مجبر على موافقة الآخر في اختياره فإذا صح هذا فلو أراد أحدهما خلاف مراد الآخر في شيء لم يخل من أن يتم مرادهما أو لا يتم مرادهما أو يتم مراد أحدهما ولا يتم مراد الآخر. ومحال تمام مراديهما لتضادهما وإن لم يتم مرادهما فهما عاجزان وإن تم مراد أحدهما ولم يتم مراد الآخر فإن الذي لم يتم مراده عاجز ولا يكون العاجز إلٰـها ولا قديما وهذه الدلالة معروفة عند الموحدين تسمى بدلالة التمانع.
والدليل على استحالة وجود قديم عاجز أن الفاعل القديم القادر قد وجب وجوده بدلالة الحوادث عليه فلو صح وجود قديم عاجز معه وقد صح أن القادر يكون قادرا بقدرة والعاجز يكون عاجزا بعجز لوجب أن يكون اختصاص أحدهما بالقدرة والآخر بالعجز بعد استوائهما في الوجود والقدم والحياة والقيام بالنفس وسائر الأوصاف التي استحقاها لنفسيهما بمخصص خصهما أو خص أحدهما بإحدى الصفتين وذلك قيام معنى حادث وأن يكون محدث الحوادث محدثا غير قديم وهو محال.
وفي «تشنيف المسامع» ما نصه: «فإن قيل وهل في العقل دليل أن صانع العالم واحد؟ قيل دلالة التمانع المشار إليه في قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [الأنبياء: 22] لأنه لو كان للعالم صانعان لكان لا يجري تدبيرهما على نظام ولا يتسق على إحكام ولكان العجز يلحقهما أو أحدهما وذلك لأنه لو أراد أحدهما إحياء جسم وأراد الآخر إماتته فإما أن تنفذ إرادتهما فيتناقض لاستحالة تجزؤ الفعل إن فرض الاتفاق ولامتناع اجتماع الضدين إن فرض الاختلاف، وإما أن لا تنفذ إرادتهما فيؤدي إلى عجزهما، أو لا تنفذ إرادة أحدهما فيؤدي إلى عجزه، والإلٰـه لا يكون عاجزا لأنه يلزم منه عجز قديم إذ لا تقوم به الحوادث، والعجز القديم محال لأنه يستدعي معجوزا عنه وإنما يتعلق العجز بالممكن لا بالمستحيل». اهـ.
ثم قال: «واعلم أن الوحدة تطلق في حق الإلـٰـه من ثلاثة أوجه:
أحدها: بمعنى نفي الكثرة المصححة للقسمة عن ذاته تعالى وهي تفسير الأحد الصمد.
الثاني: بمعنى نفي النظير عنه في ذاته وصفاته كما يقال للشمس واحدة بمعنى أنه لا نظير لها في الوجود. ووجود نظير الرب محال.
والثالث: بمعنى أنه منفرد بالخلق والإيجاد والتدبير فلا مساهم له في اختراع المصنوعات وتدبير المخترعات. ومنهم من زاد معنى ءاخر وهو أنه لا يشبهه شيء». اهـ.
ومما يناسب هذا الموضوع ما قاله أبو العتاهية: [المتقارب]
| فيا عجبا كيف يعصى الإلـ وفي كل شيء له ءاية وفي كل تحريكة ءاية | ـه أم كيف يجحده الجاحد تدل على أنه واحد وفي كل تسكينة شاهد |
بيان
أن عقيدة الحلول والاتحاد عقيدة كفرية
مخالفة للإسلام
تساهل بعض الناس واستحلوا النطق بكلمات الكفر في غير محله وادعوا أن لها تأويلا، ومن أمثلة ذلك ما ادعاه بعض جهلة المتصوفة أن هذا البيت الذي ينشده بعض أدعياء الشاذلية وغيرهم في حضرة الذكر وهو قولهم:
| فما في الوجود سوى واحد | ولكن تكثر لما صفا |
فقال بعض هؤلاء: إن تأويله أن الله تكثر بصفاته.
قلنا: هذا تأويل بعيد وفيه زيادة في الكفر لأن هذا البيت فيه نسبة التغير إلى الله تعالى وهذا كفر، ونسبة حدوث الصفاء في ذاته تعالى كفر، ونسبة التكثر إلى الله تعالى كفر، والله تعالى مستحيل عليه التغير فهو تعالى ذاته أزلي وصفاته أزلية بأزلية الذات، ولا يوصف الله بالصفاء ولا بالكدر لأن هذه أوصاف الخلق.
وعلى كل تقدير لا يجوز إثبات صفة لله لم ترد في الكتاب والسنة حتى بقول صحابي ولا تابعي لا تثبت، فكيف تثبت بغيرها.
وهذا البيت موجود في بعض الكتب وفي الديوان المنسوب للشيخ عبد الغني النابلسي رضي الله عنه ولا نراه صحيحا عنه بل نرى أنه مدسوس عليه ومفترى كما دس على الشيخ محيي الدين بن عربي رضي الله عنه كما قال صاحب «المعروضات المزبورة»([1]) الحنفي: «قد تيقنا أن اليهود دسوا عليه»([2]) وهذا الظن هو اللائق به وبأمثاله.
وليعلم أن كتاب «الفتوحات المكية» يحتوي على كلمات كثيرة من الكفر الصريح الذي لا تأويل له كما قال المحدث الحافظ ولي الدين العراقي في رسالة له سماها «الأجوبة المرضية»، وكذا كتاب «فصوص الحكم» وبعض غيرهما من مؤلفات الشيخ محيي الدين بن عربي رضي الله عنه.
وأما الشيخ محيي الدين بن عربي رضي الله عنه فاعتقادنا فيه أنه من العلماء الصالحين والصوفية الصادقين الزاهدين، ترجمه الحافظ ابن حجر في لسان الميزان([3]) وذكر أنه اعتد به حفاظ عصره كابن النجار وغيره.
وأكثر ما في كتابيه المذكورين مما هو مدسوس عليه مما ليس من كلامه كلمات الوحدة المطلقة ففي كتابه «الفتوحات المكية» ما يخالف ذلك فإن فيها ذم عقيدة الوحدة المطلقة وذم عقيدة الحلول.
فمما فيه لإبطال الوحدة المطلقة والحلول قوله في كتاب الأسرار من «الفتوحات المكية» ونص عبارته: «ما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد، ومن قال بالحلول فدينه معلول». اهـ.
فبعد هاتين العبارتين الصريحتين في إبطال عقيدة الوحدة المطلقة وعقيدة الحلول لا يجوز أن يصدق على الشيخ محيي الدين رضي الله عنه ما في بعض المواضع الأخرى من هذا النوع.
وقد قال الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله: حضرت مجلس الشيخ الولي أحمد الحارون الدمشقي رحمه الله وكان معروفا في بلده دمشق بالكشف، فسألته عن عبارة نسبها بعض الناس إلى الشيخ ابن عربي الفتوحات المكية، فقال الشيخ أحمد: «هذا الشيخ ما له حق في أن يذكر هذا، الفتوحات المكية فيها دس كثير». اهـ.
وقد قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه في كتابه «لطائف المنن والأخلاق» ما يؤيد ما ذكرنا ونصه([4]): «وقد نقل الشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية إجماع المحققين على أن من شرط الكامل أن لا يكون عنده شطح عن ظاهر الشريعة أبدا، بل يرى أن من الواجب عليه أن يحق الحق ويبطل الباطل ويعمل على الخروج من خلاف العلماء ما أمكن. اهـ. هذا لفظه بحروفه ومن تأمله وفهمه عرف أن جميع المواضع التي فيها شطح في كتبه مدسوسة عليه لا سيما كتاب «الفتوحات المكية»، فإنه وضعه حال كماله بيقين، وقد فرغ منه قبيل موته بنحو ثلاث سنين، وبقرينة ما قاله في «الفتوحات المكية» في مواضع كثيرة من أن الشطح كله رعونة نفس لا يصدر قط من محقق، وبقرينة قوله أيضا في مواضع: من أراد أن لا يضل فلا يرم ميزان الشريعة من يده طرفة عين بل يستصحبها ليلا ونهارا عند كل قول وفعل واعتقاد انتهى». انتهى كلام الشعراني.
ثم قال الشيخ الشعراني في «لطائف المنن» ما نصه([5]): «وليحذر أيضا من مطالعة كتب الشيخ محيي الدين بن عربي رضي الله تعالى عنه لعلو مراقيها ولما فيها من الكلام المدسوس على الشيخ، لا سيما الفصوص والفتوحات المكية، فقد أخبرني الشيخ أبو طاهر عن شيخه عن الشيخ بدر الدين بن جماعة أنه كان يقول: جميع ما في كتب الشيخ محيي الدين من الأمور المخالفة لكلام العلماء فهو مدسوس عليه، وكذلك كان يقول الشيخ مجد الدين صاحب القاموس في اللغة.
قلت: وقد اختصرت الفتوحات المكية وحذفت منها كل ما يخالف ظاهر الشريعة فلما أخبرت بأنهم دسوا في كتب الشيخ ما يوهم الحلول والاتحاد ورد علي الشيخ شمس الدين المدني بنسخة الفتوحات التي قابلها على خط الشيخ بقونية، فلم أجد فيها شيئا من ذلك الذي حذفته، ففرحت بذلك غاية الفرح فالحمد لله على ذلك». انتهى كلام الشعراني.
وقال الشيخ أبو الهدى الصيادي ما نصه([6]): «والكثير من هذه الفرقة قام قائمهم وقعد قاعدهم منهمكا بمطالعة كتب الشيخ محيي الدين بن عربي طاب مرقده، ولا بدع فكتب الشيخ كثرت فيها الدسائس من قبل ذوي الزيغ والبهتان وعصائب الشيطان، وهذا الذي يطيب القول به لمن يريد براءة الذمة من القطع بما لم يعلم والله تعالى قال: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36]، وقد نسبوا – أعني الدساسين- للشيخ ما لا يصح لا عقلا ولا شرعا، ولا ينطبق على حكمة نظرية ولا يوافق صحاح القواعد العرفانية». اهـ.
ثم قال بعد كلام ما نصه([7]): «والحق يقال: الذي عليه أهل الورع من علماء الدين أنه لا يحكم على ابن عربي رحمه الله نفسه بشيء لأنا لسنا على يقين من صدور مثل هذه الكلمات منه ولا من استمراره عليه إلى وفاته، ولكنا نحكم على مثل هذا الكلام بأنه كفر». اهـ.
وقال صاحب «المعروضات المزبورة» أحد الفقهاء الحنفية المشهورين: «تيقنا أن اليهود دسوا عليه في فصوص الحكم».اهـ.
قلت: وهذا الكلام المنسوب للشيخ محيي الدين ليس من دين الله وهو مناف للتوحيد الذي هو أصل الدين وأصل التصوف الإسلامي، فما هذا الكلام إلا زندقة وهو كفر صريح لا تأويل له، وهو دس على الشيخ محيي الدين بن عربي رضي الله عنه فهو لا يتفوه بمثل هذا الكلام المنافي للتوحيد ولعقيدة المسلمين.
وقد وقع الشطح والغلو من كثير من المنتسبين للطرق الصوفية لاسيما في عصرنا هذا فاعتقدوا اعتقادات كفرية وتلفظوا بأقوال شنيعة وهم يظنون أنهم يتكلمون بالأسرار التي تخفى على مخالفيهم وأنهم على مرتبة ومقام عال والواقع أنهم ينطبق عليهم قول الله تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [الكهف: 104].
والعجب كيف ينتسبون إلى التصوف الإسلامي وهم ضد الصوفية لأن التصوف الإسلامي ما ذهب إليه الجنيد وأمثاله، وهو موافق للنصوص القرءانية كقوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، وقوله تعالى: {قل هو الله أحد* الله الصمد * لم يلد ولم يولد} [الإخلاص: 1 – 3]، فإن هذا صريح في أن الله ليس أصلا لغيره ولا فرعا عن غيره، فهؤلاء القائلون بالوحدة والحلول مصادمون لهذا النص وغيره، فكفرهم أسمج الكفر وأشنعه.
وهؤلاء الأدعياء مخالفون أيضا لسيد الطائفة الصوفية الإمام الجنيد بن محمد البغدادي رضي الله عنه فقد قال: «التوحيد إفراد القديم من المحدث»، فقول الإمام الجنيد في واد وهؤلاء الجهلة الذين يقولون مرة بعبارات الوحدة ومرة بعبارات الحلول أي حلول الله في خلقه في واد ءاخر، فما أبعد ما بين الواديين.
وقد تجرأ بعضهم فقال: «وقد ألف السادة الصوفية نفعنا الله بهم الكتب والرسائل في إثبات وحدة الوجود وأقاموا الأدلة النقلية والعقلية على إثباتها». اهـ.
الجواب: هذا الكلام مردود لأن الصوفية الذين على نهج الإمام الجنيد البغدادي رضي الله عنه ردوا هذه العقيدة الفاسدة. قال السيد أبو العلمين الإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه: «إياك والقول بالوحدة فإنه من الأباطيل»([8])، وقال أيضا ما نصه: «لفظتان ثلمتان في الدين: القول بالوحدة، والشطح المجاوز حد التحدث بالنعمة([9])»، فكيف بعد هذا يقول هذا المؤلف إن هذا قول السادة الصوفية، وكيف يتجرأ أن ينسب إليهم ما هو ضد التوحيد.
قال الشيخ أبو الهدى الصيادي الرفاعي في كتابه مراحل السالكين ما نصه([10]):
«ومن أشرف مراتب الصبر مرتبة الصبر عن الكلام في الذات والصفات والوقوف مع ظواهر النصوص في العموم والخصوص، فكم زلق بمثل هذا الكلام زالق، وكم فارق بالخوض فيه للحق مفارق، نعق ناعقهم فتدرج والعياذ بالله تعالى إلى القول بوحدة الوجود المطلقة واندفع مع تلك المزلقة، وزعم أن علوم أهل الله تعالى هي عبارة عن هذه الأغلاط السقيمة والكلمات الذميمة، وقفا ما لم يعلم وأراد أن يصعد إلى السطح بغير سلم، وتكلم بما سكت عنه الأنبياء والمرسلون، وتباعد عن الخوض به الآل والصحابة والوارثون والصديقون والمقربون، حتى صار والعياذ بالله ملعبة الشيطان، وخبط عقله خابط النقصان، واخترع من مخيلته لقلقة الزور والبهتان، ووقف مع إبليس في مراتعه، وحرف الكلم عن مواضعه، وهدم جدران الحقيقة، وسلك من طرق الزندقة والإلحاد أسوأ طريقة، وادعى الوصلة ولكن إلى النار وبئس القرار، وفارق منهاج السلف الأخيار.
وقد أدبنا رسول الله وبلغنا الأحكام كلها، وتركنا على محجة بيضاء ليلها كنهارها، ولم يأت في كتاب الله ولا في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام ما يشير لهذه الأغاليط التي وضعها واضعهم حتى زلق والعياذ بالله فجعل الخلق عين الخالق والمرزوق هو الرازق، وخلط وغلط ولم يكتف حتى زعم أن زندقته هي الطريقة الـمثلى والمحجة الموصلة إلى [الله]، وجعل الكفر سعيا مشكورا والإلحاد طريقا مبرورا وظلمة الباطل نورا.
والكثير من هذه الفرقة قام قائمهم وقعد قاعدهم منهمكا بمطالعة كتب الشيخ محيي الدين بن عربي طاب مرقده، ولا بدع فكتب الشيخ كثرت فيها الدسائس من قبل ذوي الزيغ والبهتان وعصائب الشيطان، وهذا الذي يطيب القول به لمن يريد براءة الذمة من القطع بما لم يعلم والله تعالى قال: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36].
وقد نسبوا أعني الدساسين للشيخ ما لا يصح لا عقلا ولا شرعا، ولا ينطبق على حكمة نظرية ولا يوافق صحاح القواعد العرفانية، حتى تجرد لرد كلامه أمة من العلماء وبعضهم ظنا بل جزما بأن كل ذلك من كلامه أفتوا بتكفيره وقالوا فيه ما لا يقال، وحكموا عليه بذلك فيما ظهر لهم بقوله الذي لا نشك في دسه عليه». انتهى كلام الصيادي. ثم ساق بعد ذلك جملة من أقوالهم الكفرية الشنيعة التي تشمئز لها النفوس وتنفر منها القلوب.
ثم قال بعد ذلك ما نصه: «أليست هذياناتهم هذه ودسائسهم على الشيخ وأمثاله كلها إلحادا وزندقة وإبطالا لجميع الشرائع وإفسادا في دين الإسلام، لأنه معلوم بالبداهة أن ثبوت ذوات الأنبياء وشرائعهم وثبوت الجنة والنار والثواب والعقاب في دار الجزاء إنما يبتنى على ثبوت الحقائق في الخارج، وإذا انتفى ثبوتها فيه انتفى ثبوت ذوات الأنبياء عليهم السلام وغيرهم من الأمور المذكورة بالضرورة، فلا يتأتى حينئذ إثبات رسول ومرسل إليه، فيلزم من ذلك بطلان جميع الأمور الدينية والتكاليف الشرعية.
وأما القول بإقرار الأديان وادعاء الإيمان بالرسل تسترا وتلبيسا مع نفي الحقائق وسلب الوجود عن الأشياء المستلزم إبطال الشرائع فتناقض ظاهر ومحال باهر بل هو عين الزندقة والإلحاد المنافيان للشرائع والأديان، فانظر وأنصف إن كنت أهلا للإنصاف.
فلما عجزوا عن إقامة البرهان وسوق الأدلة إلى إثبات المرام بهتوا وتحصنوا مع ارتكاب أنواع المحالات الفظيعة في ترويج تلك الأباطيل الشنيعة بادعاء الكشف والعيان كما قال سعد الدين التفتازاني رحمه الله في رسالته([11])، ويروجون تلك السفسطة النافية لدين الإسلام ولزوم الأحكام بإحالتها على الكشف، ويتفوهون بأن درجة الكشف وراء طور العقل وأنت خبير بأن مرتبة الكشف نيل ما ليس له العقل ينال لا نيل ما هو ببديهة العقل محال، ولا ينبغي أن يتوهم أن ذلك من قبيل ما ليس له العقل ينال بل هو مستحيل، وللعقل في إبطاله تمكن ومجال.
ثم إن ما يناله الكشف ولا يناله العقل عبارة عندهم عن الممكن الذي الطريق إليه العيان دون البرهان لا المحال الممتنع الوجود في الأعيان إذ الكشف لا يجعل الممتنع متصفا بالإمكان موجودا في الأعيان». اهـ.
وقال أيضا في موضع ءاخر من تلك الرسالة: فكيف يحل لمسلم أن يسمي بالتصوف هذه الزندقة وأولئك الكفرة الزنادقة بالمتصوفة، بل التصوف في لسان القوم عبارة عن التخلق بالأخلاق النبوية والتمسك بقوائم الشريعة المطهرة المحمدية في العلمية والعملية لا عن عقيدة المعطلة والسفسطائية والدهرية.
ومما يزيد في فضح وكشف ضلال أولئك الملحدين كشفا وإيضاحا ولحال أولئك المبطلين هتكا وافتضاحا أنهم يجمعون في إثبات تلك الزندقة الملعونة بين إقامة الحجة والبرهان وبين ادعاء ظهورها عليهم بالكشف والعيان مع أنه من المعلوم عند أهل العرفان أن التعبير عن المعلوم بالكشف والعيان ليس في حيز الإمكان لقصور العبارة عن بيان هذه الحال وتعذر الكشف عنها بالمقال، فلا يمكن إيداعه في الكتب والرسائل فضلا عن إثباته بالحجج والدلائل وناهيك ببديهة العقل الحاكمة على بطلان زندقتهم التي أصولها المكابرات وفروعها الضلالات والمحالات التي لم يسمع بمثلها من الكفرة الأقدمين لا من المجوس ولا من المشركين». اهـ.
وكما قال السيد الشريف في حاشية التجريد([12]): ذهب جماعة من الصوفية إلى أنه ليس في الواقع إلا ذات واحدة وهي حقيقة وجود ولها تقيدات بقيود اعتبارية بحسب ذلك تتراءى أي تظن موجودات متمايزة فيتوهم من ذلك تعدد حقيقي وليس كذلك بل الكل حقيقة واحدة كالبحر في تموجه، فيتوهم الصغير الذي لا يعقل أن ذلك المرتفع والمنخفض غير الماء، أما العاقل فلا يخفى عليه أن ليس هناك إلا بحر، وتعين وأن هذه الحالة أمور اعتبارية فكذلك ليس في الوجود سوى الله تعالى، وأن هذه الصور المرئية والكثرة المشهودة أمور اعتبارية وخيالات وهمية ليس لها حقيقة مغايرة لحقيقة الحق، أقول: هذا خروج عن طور العقل، فإن بداهيته شاهدة بتعدد الموجودات تعددا حقيقيا، وأنه ذوات وحقائق مختلفة بالحقيقة دون الاعتبار فقط». اهـ.
وأيضا قال في شرح المواقف([13]): إن حقائق الموجودات متخالفة بالضرورة وما يقال من أن الكل ذات واحدة تتعدد بحسب الأوصاف لا غير، فالمتقيدون بطور العقل يعدونه مكابرة لا يلتفت إليها». اهـ.
وقال بعضهم: قال أصحاب الذوق الوهمي: «إذا تعارض الكشف وظاهر الشرع قدمنا الكشف لأن الخبر ليس كالمعاينة». اهـ. ولم يدروا أن أخبار الله ورسوله فوق مرتبة عيان الخلق، فكيف بالكشف الذي هو محل اللبس.
وقال الإمام الطحاوي([14]) رحمه الله: «إن العلم علمان: علم في الخلق موجود وعلم في الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود». اهـ.
أراد بالعلم المفقود علم القدر والغيب الذي طواه الله تعالى عن أنامه ونهاهم عن مرامه، وأراد بالعلم الموجود علم الشريعة أصولها وفروعها، فمن أنكر شيئا مما جاء به الرسل كان من الكافرين، وكذا من ادعى علم الغيب.
وأيضا قال شارح عقيدة الطحاوي في كتابه الرد على القائلين بوحدة الوجود([15]): وهذا القول الذي هو ظاهر الفساد قد قضى بقوم إلى القول بالحلول والاتحاد وهو أقبح من كفر النصارى في الاعتقاد، فإن النصارى خصوه بالمسيح من الكائنات وهؤلاء عموا جميع الكائنات. ومن فروع هذا التوحيد عندهم والعياذ بالله أن فرعون وقومه كاملو الإيمان عارفون بالله تعالى على التحقيق والإيقان، ومن فروعه أنه لا فرق في التحريم والتحليل بين الأم والأخت والأجنبية، ولا فرق بين الماء والخمر والزنى والنكاح فكل من عين واحدة بل هو العين الواحدة، ومن فروعه أن الأنبياء ضيقوا على الناس، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. اهـ.
كأنه أشار إلى أقوال دست على الشيخ محيي الدين من أنه قال في الفصوص: «من ادعى الألوهية فهو صادق في دعواه»، ومن أنه أباح المكث للجنب والحائض في المسجد، وأنه يقول بقدم العالم، ومن أنه قال: «ضيق ابن أبي كبشة أمر الدنيا على الموحدين»، وأن فرعون خرج من الدنيا طاهرا مطهرا كما نقل ذلك عماد الدين بن كثير بسنده عن العلامة تقي الدين السبكي عن شيخ الإسلام ابن دقيق العيد القائل في ءاخر عمره: «لي أربعون سنة ما تكلمت بكلمة إلا وأعددت لها جوابا بين يدي الله تعالى»، قال الإمام الجزري رحمه الله بعد كلام: «وبالجملة فالذي أقوله وأعتقده وسمعته ممن أثق به من شيوخي الذين هم حجة بيني وبين الله تعالى أن من صح عنه هذا الكلام وأمثاله مما يخالف الشرع المطهر وقاله وهو في عقله ومات وهو معتقد ظاهره فهو أنجس من اليهود والنصارى فإنهم لا يستحلون أن يقولوا ذلك، ولا يلتفت إلى قول من قال إن هذا الكلام المخالف لظاهر المرام ينبغي أن يؤول بما يوافق أحكام الإسلام فإنه غلط من قائله وكيف يؤول قولهم:
| الرب حق والعبد حق | يا ليت شعري من المكلف |
وقولهم: «ما عرف الله إلا المعطــلة والمجسمة لأن الله تعـــالى يقـول: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] فهــذا دليــل المعطلـة، {وهو السميع البصير} [الشورى: 11] دليل المجسمة»، وقولهم: ما عبد من عبد إلا الله لأن الله تعالى يقول: {وقضىٰ ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23]، وقوله في فرعون: قبضه الله تعالى طاهرا مطهرا لم يقترف ذنبا والله تعالى يقول: {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون * وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} [القصص: 40 ـ 42] ثم إنما يؤول كلام المعصوم، ولو فتح باب تأويل كل كلام ظاهر الكفر لم يكن في الأرض كافر. اهـ.
وقد تجرأ بعضهم فقال: هذه الكلمات من اصطلاحات الصوفية توافقوا على ألفاظ وأرادوا بها معاني غير المعاني المتعارفة منها، فأجاب بعض الفضلاء عن تلبيس هذا الملبس بقوله: «إن أراد هذا المغفل بالصوفية الصوفية الحقيقية المسلمين التابعين للكتاب والسنة فزور وبهتان لأنهم إنما اصطلحوا على ألفاظ مطابقة في تفسيرها لقواعد الإسلام، وأحكام الشرع غير مخالفة لشيء منها على ما هو في البرهان المؤيد والرسالة القشيرية ونحوهما.
وإن أراد بالصوفية هؤلاء الملاحدة فإننا قد اطلعنا على اصطلاحاتهم المخالفة لقواعد الإسلام بل لقواعد جميع الملل والأديان، واختبرنا مذهبهم حقيقة الاختبار فكله فاسد وإلى الوهم والخيال راجع وعائد، والسادة الصوفية أهل المراتب العلية هم كما قال الشرف المقري رحمه الله تعالى:
| على الحق كانوا ليس فيهم لوحدة | ولا لحلول الحق ذكر لذاكر |
ويا ليت شعري هل يجوز لأحد أن يصطلح على ما يخالف الشرع واللغة ويوجب كفر صاحبه ويصير سببا لفتح باب الشر والفساد لسائر الملاحدة والزنادقة المبطلين، فويل ثم ويل لمن يدعي العلم ويظهر الفضل فينخدع ويغتر بمثل هذه الشبهات الركيكة الوهمية والتلبيسات الإلحادية الزنديقية، ولم يفرق بينهما وبين الاصطلاحات الإسلامية». اهـ.
وقال بعضهم: «إن كلامهم شبيه بالمتشابه في الكتاب والسنة من حمله على ظاهره كفر وله معنى سوى المعنى المتعارف»، وقال بعض العلماء في جوابه: «بأن المتشابه هو الكلام الذي فيه اشتباه الطرفين يشبه المردود بظاهره ويحتمل المقبول بتأويل مطابق لظاهره وهذا لا يتأتى في ظاهر عباراتهم بل هي نص صريح في أن الحق هو الوجود المطلق وأن العالم صورته وهويته، وأيضا هل يجوز لأحد غير الشارع أن يتكلم بكلمات متشابهة مخالفة للشرع ويداوم عليها ويكتبها في الكتب ويدونها في الزبر ويحرض الناس على قبولها والعمل بها كلا لا يجوز ذلك لغير الشارع أبدا. ولا تغتر أيها المحب بقول من يقول: «إن هذه الكلمات من أمور القلب» فذلك جهل أو عناد لأن الألفاظ قوالب المعاني وموضوعة لها، والمعاني إنما تؤخذ من الألفاظ وإلا لما ثبت كفر أحد ولا إيمانه مع أن العلماء والعقلاء اجتمعوا على أن مذاهب الرجال تعرف من كلامهم في كتبهم وإلا فقد فقد الأمن من كل شيء». اهـ.
قال سعد الدين التفتازاني رحمه الله تعالى: «صرف الكلام عن ظاهره وجواز تأويله وحمله على المجاز إنما يحكى إذا لم يصرح المتكلم أن مقصوده حقيقة الكلام ولم يقم على إثباتها البرهان، فعند التصريح وإقامة الدليل على إثبات مفهومه الصريح يصير محكما في إفادة الحقيقة غير قابل للتأويل وحمله على المجاز، وذلك كتصريح الملاحدة الوجودية بأن الله تعالى هو الموجود المطلق المنبسط في الظاهر، ثم تلفيقهم المغالطة في صورة البرهان على إثباته ثم تفريعهم عليه بأن كل من عبد الأصنام فقد عبد الله وكل من ادعى الألوهية فهو صادق في دعواه فلذلك بعد ما صار محكما بالتصريح وإقامة الدليل لا يقبل التجوز والتأويل.
وبهذا يظهر لك بطلان ما يقوله الذابون عن هؤلاء الملاحدة أن ليس مراده الوجودية ما تفهمه العامة بل لهم تأويل لا يفهمه إلا الخاصة». اهـ.
وقولهم: «لعل له تأويلا» عين الفساد في الدين أن يتكلم شخص بكلام هو كفر وإلحاد في ملة الإسلام، ويرغب فيه ويدعو إليه ثم يقال: «لعل له تأويلا عند أهل الباطن» وهل باطن دين الإسلام يخالف ظاهره!
فإن قالوا: «كلاهما حق»، يقال لهم: هذا مخالف لقوله تعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} [يونس: 32].
وأيضا مخالف لإجماع المسلمين أن الحق واحد في الاعتقاديات التي يكفر مخالف الحق فيها، ولهذا أجمع أهل زمان الحلاج على قتله مع أن كلامه أقرب إلى إمكان التأويل من كلام غيره.
وقولهم: «صدور ذلك عنهم يكون في حال السكر والغيبة وهم غير مؤاخذين لأنهم غير مكلفين في ذلك الحال». اهـ.
فالجواب: قد تقرر أن صدور مثل كلمة أو كلمتين أو نحو ذلك حال السكر والشطح قد يمكن لا تأليف كتاب وتأسيس قواعد وتفريع فروع مبنية عليها وترتيب مقدمات وبراهين بزعمهم كتأسيس أن الحق سبحانه هو الوجود المطلق الظاهر في صورة الموجودات وأن الموجودات عينه وهويته، ثم تفريع أن من عبد شيئا فإنما عبد الله فأي مسلم يحل له أن يسمع مثل هذا ثم يقول: «لعل له تأويلا» أو «لعله قاله القائل حال سكره» أو أن يعتقد أن القوم أهل الله يقولون أو يعتقدون مثل هذا الكلام وحاشاهم بل هم مبرؤون من كل ذلك وقائل ذلك هالك.
فالحاصل: أن القائلين بالوحدة المطلقة لهم اعتقاد خارج عن الشرع والعقل وهم مصرحون بذلك، ويقولون إن متابعة العقل حجاب وكذلك العلم الاستدلالي وإنما ينال العلم الذي يدعونه بالذوق لا بتقليد الأنبياء ولا ببراهين العلماء يريد بذلك قائلهم إن نظر العقل قاصر عن إدراك الأمور كما هو حقها، فكذلك الأخبار أيضا قاصرة عنه لأنه لا يمكن الوصول إليها إلا بالذوق لا بالوحي، فلذلك ألسنة الأنبياء والرسل قاصرة عنها، فلم يبق العلم الكامل والإدراك التام إلا في التجلي والكشف، فهذا إنكار لجميع الشرائع وصريح في عدم قبولها كما قال كثير من الوجودية: «كمل الأولياء يأخذون العلم من المعدن الذي أخذ منه الأنبياء والرسل من ذلك المعدن، فالعلم الذي أخذ بواسطة الرواة والأسانيد ليس بعلم»، وهذا هو الضلال البعيد والعصيان الذي ما عليه من مزيد.
وصرح بعض الفضلاء أن هذه الضلالة المستحيلة في العقول سرت في جماعة من المسلمين نشأوا في الابتداء على الزهد والخلوة والعبادة، فلما حصلوا من ذلك على شيء صفت أرواحهم وانكشفت لهم ما كانت الشواغل الشهوانية مانعة من انكشافه، وقد طرق أسماعهم من خرافات رهبان النصارى أنه إذا حل روح القدس في شيء نطق بالحكمة وظهر له أسرار ما في هذا العالم مع تشوف النفوس إلى المقاصد العلية، فذهبوا إلى هذه المقالة السخيفة، فمنهم من صرح بالاتحاد على المعنى الذي قالته الرهبان وزادوا عليهم ولم يقتصروه على المسيح كما ذهبت إليه غلاة الروافض في سيدنا الإمام علي رضي الله تعالى عنه من الحلول، ولهم في ذلك كلمات يعسر تأويل كلها لمن يريد الاعتذار عنهم بل منها ما لا يقبل التأويل.
ولهم في التأويل خلط وخبط كلما أرادوا أن يقربوا من المعقول ازدادوا بعدا حتى إنهم استنبطوا قضية حلت لهم الراحة وقنعوا في مغالطة الضرورة بالمغيب وهي أن ما هم فيه يزعمون وراء طور العقل وأنه يفهم بالوجدان ولا يقدر على الإيضاح به اللسان والحال أن التكليف في أمر الدين لم يجئ إلا بمقدار الوسع والوسع هو الوسع العقلي لا غير، والله تعالى قال: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] أي طاقتها ووسع عقلها، والنبي لم يمتحن الأمة إلا بما تعي به العقول، فعلى هذا ما كان وراء طور العقل لم يكن من الدين، وهذه أحكام الدين التي يجب اعتقادها دائرة على محور العقل ولا يضر بعض الأحكام عدم وصول بعض العقول لفهمها ولحقائق أسرار الشرع فيها، بل الغاية من هذا المعنى أن العقول الكاملة أعني عقلاء العلماء العاملين وأهل العرفان واليقين محيطة بفهم حقائق الأحكام المعتقدة، ولذلك قال شيخنا شيخ مشايخ الإسلام القطب الغوث الأكبر الإمام السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه وعنا به: «كل دين لم يحط بالعقل فليس بدين وكل عقل لم يحط بالدين فليس بعقل» أي ليس بعقل كامل، وقد أوردنا في هذا المقصد كلمات العلماء الأعلام احتجاجا على قواصر الأفهام كي لا يزعم أحدهم أن قولنا محض انتصار لمذهبنا في طريقتنا العلية الرفاعية بالرد على الوجودية.
ومن كلام علماء الدين رضي الله عنهم تعلم أيها المحب صحة مذهب السادة الرفاعية أنصار السنة السنية، فتمسك بهديهم وسر بطريقهم، وخذ بقولهم، ودع شقاشق أهل الوحدة المطلقة فإنها عين الزندقة، ولا تفرط ولا تفرط، وبرئ القوم الذين اشتهروا بالصلاح والعرفان من نسبة الأقوال المكفرة إليهم وحملها عليهم، وقل بدسها في كتبهم وعلى ألسنتهم فقد وضع الوضاعون على لسان الشارع المأمون، وتحقق بظاهر الشرع الشريف، واعمل به اتباعا للعلماء العاملين أكابر الدين، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وقف مع السنة، وتباعد عن الفتنة، واهجر المارقين والضالين، واندمج في الصالحين الصادقين، وأن الله لمع المتقين». انتهى كلام الصيادي.
وقال في نفس الكتاب ما نصه: «وأزلق الناس في هذه الوهدات زمر المتشيخة من الفقهاء والصوفية الذين انبعثوا مع هفوات ءارائهم وأعجبتهم طقطقة النعال حولهم وكثرة المعتقدين والطلاب فوسوس لهم الشيطان وخدعهم، فأحدثوا في المذاهب والطرق الشريفة ما لم يقل به السلف، يريدون بذلك زيادة استمالة الناس من العامة، وها هم بين ظهراني الأمة يكذبون على الله ويفترون على رسوله، والله تعالى قال: {ومن أظلم ممن افترىٰ على الله كذبا} [العنكبوت: 68]، يخوضون في الدين ويغشون المسلمين ويأتون بالعجب العجاب من المعتقدات الفاسدة والبضائع الخبيثة الكاسدة، ويبيحون المحرمات ويحرفون معاني الأخبار والآيات، ويفسرون كلام الله بآرائهم، ويجذبون جماهير العامة من بحبوحة صحتهم إلى وهدة دائهم، ويتكلمون بالحلول والاتحاد، ويبثون في الأرض الفساد والإلحاد، ويكثرون من الشطحات والدعاوى العريضة والترهات، فمثل أولئك عصابة الخدعة والمكر والفرار منهم يجب كما يجب الفرار من المجذوم». اهـ.
ثم قال في نفس الكتاب ما نصه: «قال إمام الطريق سيدنا الغوث الأكبر الرفاعي: «أقرب الناس إلى الزندقة المتصوفة المشغولون عن العبادات بالخوض في الكلام على الذات والصفات». اهـ. ثم قال: «وقال رضي الله عنه: «قل لمدعي الوحدة المطلقة أنت محوز عن غيرك بجهتك ومكانك وهو منزه عن الجهة والمكان، وأنت محاط بثوبك وهو بكل شيء محيط([16])، وأنت مسور بالعجز في كل شيء وهو على كل شيء قدير، فكذب وهمك كما كذبك وجودك لتدخل في أعداد المؤمنين الصادقين، فكل ما يطرأ عليه الحدث من جانب فهو حادث، فاتق الله ونزه ربك، فإن التوحيد إفراد القدم عن الحدث». اهـ.
وقد أورد أبو الهدى الصيادي قبل هذا الكلام في كتابه هذا أبياتا أولها:
| طريقة الغوث الكبير الأمجد أـحمد نسل المصطفى صاحب اليد | طريقة السنة والكتاب والآل أهل الحق والأصحاب |
ثم قال فيها:
| طريقة القول برد الشطح طريقة البعد عن الإلحاد | والأخذ ما بين الورى بالنصح مثل حلول ساء واتحاد |
وقال أيضا في كتابه «الطريقة الرفاعية» ما نصه([17]): «الطريقة الرفاعية رد القول بالوحدة المطلقة والحلول، بل ورد الشطحات والدعاوى العريضة التي لا يقول بها الشرع ولا يرتضيها العقل»، ثم قال: «وحيث إن القول بالوحدة المطلقة والحلول يؤدي إلى الكفر والعياذ بالله تعالى، والشطحات العريضة تؤدي إلى الفتنة وتزلق بقدم الرجل إلى النار فاجتنابها واجب، وتركها ضربة لازم، وكل ذلك من طريق شيخنا الإمام السيد أحمد الرفاعي الحسيني رضي الله عنه وعنا به، وبهذا أمر أتباعه وأشياعه وحث على ذلك أصحابه وأحزابه، وقد أوضح كل ذلك في كتابه «البرهان المؤيد» وفي الكثير من مجالسه الشريفة ومقولاته المنيفة وتناقلها أتباعه بطنا بعد بطن وجيلا بعد جيل». اهـ.
وقال في كتابه «الكوكب الدري» ما نصه([18]): «خاتمة استطرادية: من قال: أنا الله، أو ما في الوجود إلا الله، أو لا موجود إلا الله، أو الكل هو الله، أو نحو ذلك فإن كان عاقلا صاحيا في قيد التكليف فلا خلاف بين المسلمين جميعا في كفره لمخالفته نص القرءان، إذ يلزم حينئذ نفي الخالق والمخلوق والرسول والمرسل إليه والجنة والنار للزوم الاتحاد من هذا القول، وهو أشد زللا والعياذ بالله من الذين قالوا بالحلول والاتحاد، وقد خصصوهما بسيدنا عيسى فقط عليه الصلاة والسلام، بخلاف من قال ما تقدم فإنه يلزم من قوله الشمول لكل الموجودات، وبهذا صرح بعضهم فقال:
| وما الكلب والخنزير إلا إلهنا | وما الله إلا راهب في كنيسة |
وهذا كفر وضلال تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، وأما إن كان قائل ما تقدم غائبا عن شعوره مغمى عليه فقد سقط عنه التكليف فلا يكفر حينئذ ولا يؤاخذ شرعا، كما أنه لا يجوز تقليده مطلقا، ولا ريب أن التفوه بمثل ذلك من كل عاقل مكلف يغضب الله ورسوله.
واعلم أن أهل الطريق الحق لا ينحرفون في الأقوال والأفعال عن ظاهر الشرع، وكفى بالشرع والشارع قدوة وإماما والسلام». انتهى كلام الصيادي.
ولتأييد ما ذكرناه نورد ما ذكره الحافظ السيوطي الذي جمع بين علم الشريعة والتصوف في رسالته «تنزيه الاعتقاد عن الحلول والاتحاد»([19])، ونص عبارته: «وما زالت العلماء ومحققو الصوفية يبينون بطلان القول بالحلول والاتحاد وينبهون على فساده ويحذرون من ضلاله». اهـ. ثم ساق السيوطي جملة من أقوال الأئمة في ذلك نورد بعضها:
«قال الإمام فخر الدين الرازي في كتاب «المحصل في أصول الدين»: مسألة: البارئ تعالى لا يتحد بغيره لأنه حال الاتحاد – يعني على زعمهم- إن بقيا موجودين فهما اثنان لا واحد». اهـ.
«وقال الإمام أبو الحسن الماوردي صاحب الحاوي الكبير في مناظرة ناظرها لبعض الحلوليين: لا ينفع التنزيه مع القول بالاتحاد والحلول، فإن دعوى التنزيه مع ذلك إلحاد، وكيف يصح توحيد مع اعتقاد أنه سبحانه حل في البشر». اهـ.
«وقال القاضي عياض المالكي في الشفا ما معناه: أجمع المسلمون على كفر أصحاب الحلول ومن ادعى حلول البارئ سبحانه في أحد الأشخاص كقول بعض المتصوفة والباطنية». اهـ.
«وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في «قواعده الكبرى»: ومن زعم أن الإلٰــه يحل في شيء من أجساد الناس أو غيرهم فهو كافر». اهـ.
«وقال صاحب كتاب «نهج الرشاد في الرد على أهل الوحدة والحلول والاتحاد»: حدثني الشيخ كمال الدين المراغي قال: اجتمعت بالشيخ أبي العباس المرسي تلميذ الشيخ الكبير أبي الحسن الشاذلي وفاوضته في هؤلاء الاتحادية، فوجدته شديد الإنكار عليهم والنهي عن طريقهم وقال: أتكون الصنعة هي الصانع»! اهـ.
ثم قال صاحب نهج الرشاد: «وما زال عباد الله الصالحون من أهل العلم والإيمان ينكرون حال هؤلاء الاتحادية، قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد: ومنهم بعض المتصوفة القائلون بأن السالك إذا أمعن في السلوك وخاض معظم لجة الوصول فربما يحل الله فيه كالنار في الجمر بحيث لا تمايز أو يتحد به بحيث لا أثنينية ولا تغاير وصح – على زعمهم- أن يقول: هو أنا وأنا هو، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. قال التفتازاني: وفساد الرأيين غني عن البيان».
وذكر الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في أول كتابه حلية الأولياء أنه جمع فيه أسامي جماعة من أعلام المحققين من الصوفية وأئمتهم من قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم وذلك لما انتشر في الأمصار في كل قطر المنتسبون إليهم من الفسقة الفجار والمباحية والحلولية الكفار.
تنبيه: قال العز بن عبد السلام: «يعزر ولي قال: «أنا الله» ولا ينافي ذلك ولايته لأنه غير معصوم». اهـ. يعني أن الولي إذا قال بلسانه في حال ارتفاع التكليف عنه ذلك لغيبة عقله يعزر لأنه ينكف عن قوله بالتعزير، لأن التعزير يؤثر في المجنون كما تؤثر العقوبة بالضرب في البهائم، ولم يرد أن الولي يتكلم بكلمة الكفر في حال صحوه بإرادة لأن الولي معصوم عن أن يتكلم بكفر ما دام بحالة التكليف كما دل على ذلك الحديث القدسي([20]): «من عادى لي وليا فقد ءاذنته بالحرب وما تقرب إلي([21]) عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به» الحديث، وفي رواية: «ويكون من أوليائي وأصفيائي»([22]).
وليحذر العاقل من هؤلاء المتصوفة الذين لا يراعون الشريعة، ومن عادتهم أنهم إذا عارضهم معارض فيما يخالفون فيه الشرع يقولون: «أنتم أهل الظاهر ونحن أهل الباطن لا نتفق»، فيقال لهؤلاء الجهلة: الله تعالى ما جعل شريعتين شريعة للمتصوفة وشريعة للمتمسكين بشرعه، بل لا يصل متصوف إلا بكمال التمسك بالشريعة، ولا يصل متصوف إلى الولاية إلا بالتمسك بشرع الله، ثم بعد الولاية يزداد تمسكا بالشريعة، فعندئذ يستحق العلم اللدني، أما من لم يتمسك بالشريعة على التمام فحرام عليه العلم اللدني.
فإن قالوا: أليس قال الله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة: 282] قيل لهم: قوله تعالى: {واتقوا الله ويعلمككم الله} معناه أدوا الفرائض واجتنبوا كل المحرمات فهذا الذي يعلمه الله العلم اللدني، أما بدون ذلك مستحيل شرعا أن يعطيه الله تعالى العلم اللدني.
وهؤلاء ابتعدوا من نصوص الشريعة كل البعد قال رسول الله([23]): «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، أي كل أمر لا يوافق شريعتنا فهو مردود عند الله تعالى، فما أبعدهم من سيرة سيد الطائفة الصوفية الجنيد بن محمد البغدادي رضي الله عنه فقد قال: «الطريق إلى الله مسدودة إلا على المقتفين ءاثار رسول الله». اهـ.
وقال محمود بن محمد خطاب السبكي المصري في كتابه الدين الخالص ما نصه([24]):
المتشابه
أما ما ورد من الآيات والأحاديث المتشابهة فقد أجمع السلف والخلف رضى الله عنهم على أنها مصروفة عن ظاهرها، لقوله تعالى: {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد *ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص] وقوله: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] (ثم اختلفوا) في بيان معاني تلك الآيات والأحاديث (فالسلف) يفوضون علم معانيها إليه تعالى. فيقولون إن الاستواء في آية {الرحمٰن على العر استوىٰ} [طه: 5] لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، مع جزمهم بأنه جل جلاله يستحيل عليه الاستقرار على العرش أو اتصاله به أو جلوسه عليه، لأنه تعالى إلٰــه قديم موصوف باستوائه على العرش قبل خلق العرش، لأن القرءان الذي منه هذه الآية يخبرنا أن الله موجود قبل إيجاد العرش، فكيف يعقل أنه تعالى استقر على العرش
والعرش غير موجود؟ ولما خلق الخلق لم يحتج إلى مكان يحل فيه، بل هو غني عنه. فهو تعالى لم يزل بالصفة التي كان عليها (والخلف) يقولون فيها: الاستواء لأنه معناه الاقتدار والتصرف أو نحو ذلك، ومذهب السلف أسلم لأنه يحتمل أن الله عز وجل أراد معنى في الآية غير ما فسرها به الخلف.
ووجه صحة مذهب الخلف أنهم فسروا الآية بما يدل عليه اللفظ العربي. والقرءان عربى (وحملهم) على التفسير المذكور ولم يفوضوا كما فوض السلف وجود المشبهة والمجسمة في زمانهم زاعمين أن ظاهر الآيات يدل على أنه تعالى جسم، ولم يفقهوا أنه مستحيل عليه عز وجل الجسمية والحلول في الأمكنة. وقد اغتر بعض العوام بقولهم، فاعتقدوا أن الله تعالى جالس على العرش وحال في السماء، فكفروا والعياذ بالله تعالى، والنفس أمارة بالسوء، والشياطين تحسن لها ارتكاب ما تخلد به في النار (فوجب) عليهم أن يبينوا للعامة معنى تلك الآيات والأحاديث المتشابهة – حسب مدلولات القرءان والأحاديث النبوية- بما يصح اتصاف الله تعالى به، ليعرفوا الحق فيعلموا عليه ويتركوا الباطل وأهله فلا يكفرون، فجزاهم الله تعالى خير الجزاء. (وقد) نقل العلامة أحمد زروق عن أبي حامد أنه قال: لا خلاف في وجوب التأويل عند تعين شبهة لا ترتفع إلا به اهـ. (والحاصل) أن الخلف لم يخالفوا السلف في الاعتقاد وإنما خالفوهم في تفسير المتشابه للمقتضى الذي حدث في زمانهم دون زمان السلف كما علمت. بل اعتقادهم واحد، وهو أن الآيات والأحاديث المتشابهات مصروفة عن ظاهرها الموهم تشبيهه تعالى بشيء من صفات الحوادث، وأنه سبحانه وتعالى مخالف للحوادث، فليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا مستقر على عرش ولا في سماء ولا يمر عليه زمان وليس له جهة إلى غير ذلك مما هو من نعوت المخلوقين. (فمن اعتقد) وصفه تعالى بشيء منها فهو كافر بإجماع السلف والخلف. نسأل الله تعالى حسن الاعتقاد وهو أن الله موجود بلا مكان ليس جسما ولا يتصف بصفات الأجسام لأنه ليس كمثله شيء.
تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا (واطلع) عليها من لا علم عنده بأصول الدين الصحيحة فاعتقد أن ما ذكر فيها حق وعقائد صحيحة، وأعانه على ذلك الاعتقاد المكفر من كفر قبله بسبب هذا الاعتقاد (ويقولون) لهم: هذه كتب أكابر العلماء المحققين. وهذه العقيدة عقيدة السلف، ومن لم يعتقدها يكون كافرا مخلدا في النار معطلا لصفات الله وغير ذلك من البهتان الفظيع. (ومن) جهلهم استدلالهم على دعواهم الباطلة أن الله تعالى استقر على العرش، بقول بعض السلف كمالك بن أنس رضي الله تعالى عنه جوابا للسائل عن معنى {الرحمٰن على العرش استوىٰ} الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أظنك إلا ضالا، ثم أمر به فأخرج. ولا دليل فيها، فإن معنى الاستواء معلوم أنه مصرح به في القرءان. ففي رواية تأتي للشافعي عن مالك: الاستواء مذكور والكيف مرفوع يعني لا نعلم معناه، لأنه لا يعلم معنى المتشابه إلا الله تعالى. فهو ناطق بأنه لا يتعرض لبيان معناه لعدم علمه به. فكيف يدعى عليه أنه فسر الاستواء بالاستقرار والجلوس؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. (والأدهى) دعوى هذه الشرذمة أن من لم يعتقد أن لله تعالى جهة، وأنه في مكان، فهو كافر لإنكاره وجود الله عز وجل. ويقولون لمن حضرهم من العوام بسطاء العقول: إذا كان الله تعالى ليس في جهة فوق ولا تحت ولا أمام ولا خلف ولا يمين ولا شمال، فهو غير موجود. فيجب الكفر بالإلٰه الذي لا جهة له ولا مكان. (فهذه) الدعوى ناطقة بأنهم يعتقدون أن الله تعالى جسم كالأجسام شبيه بالحوادث.
وهو كفر صريح نعوذ بالله تعالى من الكفر وأهله، (فقد) عكسوا الحقائق لانعكاس بصيرتهم وفظيع مركب جهلهم. قال الله تعالى: {ومن يضلل الله فما له من هاد} [الرعد: 33] (إذ لو كانوا) يسمعون أو يعقلون وتأملوا قليلا (الجهات وله مكان (صريحة) في اعتقادهم عدم وجود الله سبحانه وتعالى لأنه لا مكان له ولا جهة، مع أنه كان موجودا قبل خلق الجهات والأمكنة، وكان موجودا ولا شيء معه كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك من صفات الألوهية. كما أن الاحتياج إلى المكان والجهة من صفات الأجسام الحادثة. (وكيف) يتوهم من عنده شائبة عقل أن وجوه الإلٰه القديم يتوقف على اتصافه بصفات المخلوق. أن هذا لمن أشنع الخبال والبهتان، (والأغرب) أنهم يعتقدون أنهم سلفيون وهم كاذبون وبغيهم جاهلون.
(ومن خرافاتهم) دعواهم أن من لم يعتقد أن الله عز وجل جالس ومستقر على العرش أو في السماء، معطل لصفات الإلٰه (مع العلم) الضروري أن ذلك ليس من صفات الله تعالى بل هو ضد صفاته سبحانه وتعالى ناف للألوهية بالكلية كما علمت.
(وأما) السلف والخلف فإنهم مجمعون على ثبوت صفات الله تعالى الواردة في الكتاب العزيز والسنة المحمدية. وإنما خلافهم في تفويض معنى المتشابه وهو مذهب السلف. وفي بيان معناه وهو مذهب الخلف (قال) ابن كثير في تفسيره ما نصفه: أما قوله تعالى: {ثم استوىٰ على العرش} [الأعراف: 54] فلنا في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هنا موضوع بسطها. وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث ابن سعد قديما وحديثا. وهو أمراها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله تعالى، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه و{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. بل الأمر كما قاله الأئمة. منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر. وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، (فمن أثبت) لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى (ونفى) عنه تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى. اهـ. (وقال) العلامة إسماعيل حقي في تفسيره روح البيان: من قال أن الله في السماء، إن أراد به المكان كفر، وإن أراد به الحكاية عما جاء في الظاهر الأخبار لا يكفر، لأنا مؤولة. والأذهان السليمة والعقول المستقيمة لا تفهم بحسب السليقة من مثل هذه التشبيهات إلا عين التنزيه. اهـ.
(ولذا) لم يتعرض السلف لتأويل المتشابهات لكون العقول إذ ذاك كنت سليمة لا تفهم من المتشابه إلا تنزيه الله عز وجل عن صفات الحوادث. (وتعرض) الخلف للتأويل لفساد عقول كثير من أهل زمانهم ففهموا من ظاهر المتشابهات أن الله سبحانه وتعالى جسم يحل في العرش أو السماء أو الجهة.
وقد تقدم التنبيه على ذلك (قال) في روح البيان: يقال لمن قال أن لله تعالى مكانا: أين كان قبل خلق هذه العوالم؟ ألم يكن له وجود متحقق؟ فإن قالوا: لا، فقد كفروا وإن قالوا بالحلول والانتقال، فكذلك لأن الواجب لا يقارن الحادث إلا بالتأثير والفيض وظهور كمالاته، لكن لا من حيث أنه حادث مطلقا، بل من حيث أن وجوده مستفاض منه، فافهم اهـ. (وقال) أيضا: من يثبت له تعالى مكانا فهو من المجسمة. ومنهم جهلة المتصوفة القائلون بأنه تعالى في كل مكان، ومن يليهم من العلماء الزائغين عن الحق الخارجين عن طريق العقل والنقل والكشف. اهـ.
(والعلماء) الزائغون عن الحق هم الذين ذمهم الله تعالى بقوله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7]. وأي فتنة أفظع من كونهم كفروا بالله تعالى لاعتقادهم أن الله تعالى جالس على العرش أو له مكان أو حل في جهة زعما منهم أن ظاهر الآيات والأحاديث يدل على ذلك وكفر بسببهم كثير من جهلة العوام ضعفاء العقول كما شاع وذاع في كثير من البقاع، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(وقال) البيضاوي في تفسير قوله تعالى: {ثم استوىٰ على العرش} [الأعراف: 54]: استوى أمره أو استولى وعن أصحابنا أن الاستواء على العرش صفة لله بلا كيف. والمعنى أن له تعالى استواء على العرش على الوجه الذي عناه منزها عن الاستقرار والتمكن. اهـ.
(وقال) العلامة الخطيب: الله تعالى لا يتصف بالأماكن والجهات والحدود، لأنها صفات الأجسام ولأنه تعالى خلق الأمكنة وهو غير متحيز، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا مكان له ولا زمان وهو الآن على ما عليه كان. اهـ.
وقال العارف الصاوي في تفسير قوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: 50]: المراد بالفوقية القهر لا الجهة لأنها مستحيلة عليه تعالى. اهـ. (وقال) الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء} [الملك: 16]: المراد بها توقيره وتنزيهه تعالى عن السفل والتحت ووصفه بالعلو والعظمة لا بالأماكن والجهات والحدود، لأنها من صفات الأجسام، ولأنه خلق الأمكنة وهو غير محتاج إليها، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان ولا زمان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان. اهـ.
(وقال): أبو حيان في تفسيره: معتقد أهل الحق أن الله تعالى ليس بجسم ولا جارحة له ولا يشبه بشيء من خلقه ولا يكيف ولا يتحيز ولا تحله الحوادث. اهـ.
(وقال) في تفسير قوله تعالى: {وهو الله في السمـٰـوات وفي الارض} [الأنعام: 3]: إنما ذهب أهل العلم إلى الخروج عن ظاهر {في السمـٰـوات وفي الأرض} لما قام عليه العقل من استحالة حلول الله تعالى في الأماكن ومماسة الإجرام ومحاذاته لها وتحيزه في جهة. اهـ.
(وقال) الإمام النيسابوري في تفسير قوله تعالى: {ثم استوىٰ على العرش} [الأعراف: 54]: يقطع بكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة. اهـ.
(وقال) عماد الدين الكندي في تفسير قوله تعالى: {وهو الله في السمـٰـوات وفي الأرض}: حلول الله تعالى في الأماكن مستحيل، وكذلك مماسة الأجرام أو محاذاته لها، أو تحيزه في جهة، لامتناع جواز التغير عليه تبارك وتعالى، وقد استقرت القواعد على أن الله تبارك وتعالى لا يجوز عليه الجهة ولا الظرفية. اهـ بتصرف (وقال) في تفسير قوله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام: 61]: الفوقية تمثيل للقهر لا للقاهر. وما أغبى الحشوية وأجمدهم حيث التزموا فوقية الجهة والجسمية في من يستحيل عليه ذلك. فما بالحشوية إلا مكايدة المعقول ومكابرة المنقول. اهـ.
(وقال) العلامة ابن العادل الدلجي في تفسير قوله تعالى: {وهو الذي في السماء إلـٰه وفي الأرض إلـٰه} [الزخرف: 84]: ابن الخطيب: وهذه الآية من أدل الدلائل على أنه تعالى غير مستقر في السماء، لأنه تعالى بين في هذه الآية أن نسبته بألهية السماء كنسبته بألهية الأرض. فلما كان إلٰها للأرض مع أنه غير مستقر فيها، فكذلك وجب أن يكون إلٰها للسماء مع أنه لا يكون مستقرا فيها. اهـ. (وقال) في تفسير قوله تعالى: {وهو معكم}: لا بد فيه من التأويل. فإذا جوزنا التأويل في موضع وجب تجويزه في سائر المواضع. اهـ. فيجب التأويل في آية {الرحمٰن على العرش استوىٰ} [طه: 5] بصرفها عن ظاهرها. وهو الاستقرار والجلوس. وكذلك سائر المتشابهات من الآيات والأحاديث. (وقال) أيضا في تفسير قوله عز وجل: {ءأمنتم من في السماء} قال ابن الخطيب: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين، لأن ذلك يقتضي إحاطة السماء به من جميع الجوانب، فيكون أصغر منها. والعرش أكبر من السماء بكثير. فيكون حقيرا بالنسبة إلى العرش وهو باطل بالاتفاق. ولأنه قال {قل لمن ما في السمـٰوات والأرض قل لله} [الأنعام: 12]. فلو كان فيهما لكان مالكا لنفسه. فالمعنى إما من في السماء (أي رفيع القدر جدا وأما الله فموجود بلا مكان) عذابه وإما من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، كما قال الله تعالى: {وهو الله في السمـٰوات وفي الأرض} [الأنعام: 3]. فإن الشيء الواحد لا يكون دفعه في مكانين. والغرض من ذكره السماء تفخيم في شرح صحيح البخاري في تفسير الاستواء على العرش: قالت لمجسمة: معناه الاستقرار. وهو قول فاسد، لأن الاستقرار من صفات الأجسام. ويلزم منه الحلول والتناهي، وهو محال في حق الله تعالى وغير لائق. اهـ.
(وقال) العلامة النووي في شرح صحيح مسلم: مذهب السلف في أحاديث الصفات أنه يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله تعالى مع اعتقادنا أن الله ليس كمثله شيء وأنه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق. اهـ. (وقال) القاضي عياض: لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدثهم ومتلكمهم ومجتهدهم ومقلدهم، أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى كقوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض} ونحوه ليست على ظاهرها بل متأولة عند جميعهم. اهـ. (وقال) العلامة الأبي في شرح صحيح مسلم. قال القاضي عياض: لم يختلف المسلمون في تأويل ما يوهم أنهم القاهر فوق عباده، وأنه استوى على العرش «فالتمسك» بالآية الجامعة للتنزيه الكلي الذي لا يصح في العقل غيره وهي قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} «عصمة» لمن وفقه الله تعالى. اهـ.
(وقال) العلامة أحمد زروق في شرحه على رسالة ابن أبي زيد القيرواني. قال أبو حامد: إنه تعالى مستو ـ على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده ـ استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش بل العرض وحملته محمولون بمحض قدرته ومقهورون بمشئته. اهـ، وهو مذهب السلف الصالح. ومنهم الأئمة المجتهدون أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
(وقال) الشيخ زين الدين الحنفي في كتابه البحر الرائق شرح كنز الدقائق ويكفر «بقوله» يجوز أن يفعل الله فعلا لا حكمة فيه، وبإثبات المكان لله تعالى فإن قال: الله في السماء ـ أي عالي القدر جدا فهو أقدر من كل قادر وأعلم من كل عالم وأعظم من كل عظيم وليس المراد به المكان ـ. فإن قصد حكاية ما جاء في ظاهر الأخبار لا يكفر، وإن أراد به المكان يكفر، وإن لم تكن له نية يكفر عند الأكثر وهو الأصح وعليه الفتوى، «وبقوله» الله جلس للإنصاف أو قام له وبوصفه تعالى بالفوق أو بالتحت. اهـ. بحذف.
(وقال) الإمام الشافعي في كتابه الأكبر: فصل واعلموا أن البارئ لا مكان له. والدليل عليه هو أن الله تعالى كان ولا مكان، فخلق المكان وهو على صفته الأزلية كما كان قبل خلقه المكان. لا يجوز عليه التغيير في ذاته والتبديل في صفاته ولأن من له مكان وله تحت يكون متناهي الذات محدودا. والمحدود مخلوق. تعالى الله عن ذلك. ولهذا المعنى استحال عليه الزوجة والولد، لأن ذلك لا يتم إلا بالمباشرة والاتصال والانفصال. فكذلك الزوجة والولد في صفته تعالى محال. (فإن قيل) قال الله تعالى: {الرحمٰن على العرش استوىٰ}، (يقال) له أن هذه الآية من المتشابه التي يحار في الجواب عنها وعن أمثالها من لا يريد التبحر في العلم، أي يمر بها كما جاءت ولا يبحث عنها ولا يتكلم فيها، لأنه لا يأمن الوقوع في الشبه والورطة إذا لم يكن راسخا في العلم. ويجب أن يعتقد في صفة البارئ ما ذكرناه. وأنه لا يحويه مكان ولا يجرى عليه زمان، منزه عن الحدود والنهايات، مستغن عن المكان والجهات ليست كمثله شيء. ويتخلص عن هذه المهالك، (ولهذا) زجر مالك السائل حين سأله عن هذه الآية فقال: الاستواء مذكور والكيف ـ غير معقول ـ والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ثم قال: فإن عدت إلى مسألتك أمرت بضرب رقبتك. أعاذنا الله تعالى وإياكم من التشبيه. اهـ. كلام الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه (ونحوه) للإمام أبي حنيفة في الفقه الأكبر وشرحه، (وقال) العلامة الجليل سعد الدين التفتازاني في كتابه تهذيب الكلام (والقول) بأنه تعالى جسم على صورة إنسان أو غيره وفي جهة العلو مماسا للعرش أو محاذيا له تمسكا بأن كل موجود جسم أو جسماني ومتحيز أو حال فيه ومتصل بالعالم أو منفصل عنه (جهالة) والنصوص مؤولة. اهـ.
قال محشية محمد وسيم: وأما ما تقرر في فطرة العقلاء مع اختلاف آرائهم من التوجه إلى العلو في الدعاء ورفع الأيدي إلى السماء فليس من جهة اعتقادهم أنه في تلك الجهة بل من جهة أن السماء قبلة الدعاء، منها تتوقع الخيرات والبركات وهبوط الأنوار ونزول الأمطار المحيي للأقطار. اهـ.
(وقال) المحقق الدواني على العقائد العضدية: ويستحيل عليه تعالى التحيز والجهة ولا يصح عليه الحركة والانتقال. اهـ. (قال) السنوسي في عقيدة أهل التوحيد الكبرى: ومن هنا ـ يعني من وجوب قدمه تعالى وبقائه – تعلم وجوب تنزهه تعالى عن أن يكون جرما أو قائما أو محاذيا له أو في جهة له أو مرتسما في خياله لأن ذلك كله يوجب مماثلته للحوادث، فيجب له ما وجب لها. وذلك يقدح في وجوب قدمه وبقائه، بل وفي كل وصف أوصاف ألوهيته. اهـ. (وقال) الدسوقي في حاشيته على أم البراهين: أنه يستحيل عليه تعالى أن يكون له جهة، لأن الجهات من عوارض الجسم، والله تعالى يستحيل أن يكون جسما. اهـ. (وقال) العلامة الهدهدي في شرحه على السنوسية: وكذا يستحيل عليه أن يكون في جهة لأنه لو كان في جهة لزم أن يكون متحيزا. اهـ. أي وكونه تعالى متحيزا محال عليه عز وجل.
(وقال) العلامة الفخر الرازي في كتابه أساس التقديس: ظاهر قوله تعالى: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16]. وقوله: {وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد: 4]. وقوله: {وهو الذي في السماء إلـٰه وفي الأرض إلـٰـه} [الزخرف: 84]. ينفى كونه مستقرا على العرش وليس تأويل هذه الآيات أولى من الآية التي تمسكوا بها يعني {الرحمٰن على العرش استوىٰ}. اهـ.
(وقال) أيضا في كتابه المذكور: أن الدلائل العقلية القاطعة التي قدمنا ذكرها تبطل كونه تعالى مختصا بشيء من الجهات. وإذا ثبت هذا ظهر أنه ليس المراد من الاستواء الاستقرار. فوجب أن يكون المراد هو الاستيلاء والقهر ونفاذ القدر وجريان الأحكام الإلهية، وهذا مستقيم على قانون اللغة، وتمامه فيه.
(وقال) العلامة جمال الدين عبد الرحمٰن بن الجوزي الحنبلي في كتابه «دفع شبهة التشبيه»: الحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالتحيز، لأنه لو كان متحيزا لم يخل من أن يكون ساكنا في حيزه أو متحركا عنه، ولا يجوز أن يوصف بحركة ولا سكون ولا اجتماع ولا افتراق، ومن جاور أو بين فقد تناهى ذاتا، والتناهي اذا اختص بمقدار استدعي مخصصا، وكذا ينبغي أن يقال ليس بداخل في العالم وليس بخارج منه، لأن الدخول والخروج من لوازم المتحيزات. فهما كالحركة والسكون وسائر الأعراض التي تخص الأجرام. اهـ. (وقال) أيضا: قال القاضي أبو يعلي في كتابه المعتمد: أن الله عز وجل لا يوصف بالمكان اهـ. (وقال) ومن الآيات قوله تعالى: {ءامنتم من في السماء} قد ثبت قطعا أن الآية ليست على ظاهرها لأن لفظة «في» للظرفية. والحق سبحانه وتعالى غير مظروف. وإذا منع الحس أن ينصرف إلى مثل هذا بقي وصف العظيم بما هو عظيم عند الحق. اهـ.
(وقال) المحقق الجليل على القاري في شرح المشكاة: قال جمع من السلف والخلف: أن معتقد الجهة كافر كما صرح به العراقي أنه قول لأبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني. اهـ. ومحل الخلاف في كفره أن اعتقد جهة العلو لله تعالى مع اعتقاد أنه تعالى لا مكان له ولا تحيز ولا اتصال بعرش ولا سماء ولا غيرهما من الحوادث، وإلا فهو كافر بإجماع عقلاء المسلمين.
(وجملة القول) أن الأدلة القطعية والبراهين النقلية ناطقة بأنه تعالى ليس له جهة وليس في جهة، وليس جالسا على العرش ولا حالا السماء ولا غيرها، ولا يتصف بالتحول والانتقال، وليس جسما ولا جوهرا ولا عرضا، ولا غير ذلك من صفات الحوادث.
(ومن الآيات المتشابهات) قوله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} [الفتح: 10] {والسماء بنيناها بأييد} [الذاريات: 47]. (وقد) اتفق علماء السلف والخلف المعول عليهم على أن اليد في هذه الآيات ونحوها مصروفة عن ظاهرها، لأن الله تعالى منزه عن الجارحة لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]. (واختلفوا) في بيان المراد منها (فالسلف) يفوضون علم المراد منها إلى الله تعالى. لقوله عز وجل: {وما يعلم تأويله إلا الله} (والخلف) يقولون: المراد منها القدرة والنعمة، بناء على أن الوقف في الآية على قوله تعالى: {والراسخون في العلم} ولكل وجهة.
(ومن الآيات) المتشابهات (ويبقىٰ وجه ربك} [الرحمن: 27]. {لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88]. (فالسلف) يقولون: له وجه لا كوجوهنا لا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى، (والخلف) يقولون: المراد بالوجه الذات. وعبر عنها بالوجه على عادة العرب الذين نزل القرءان بلغتهم. يقول أحدهم: فعلت لوجهك أي لك، وقس على هذا باقي الآيات المتشابهة.
(ومن) الأحاديث المتشابهة حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» أخرجه مالك الخمسة إلا النسائي.
وهو مصروف عن ظاهره بإجماع السلف. (قال) العلامة ابن جماعة في كتابه «إيضاح الدليل» ما ملخصه: اعلم أن النزول الذي هو الانتقال من علو إلى سفل لا يجوز حمل الحديث عليه لوجوه: (الأول) أن النزول من صفات المحدثات، ويتوقف على ثلاثة أجسام، منتقل، ومنتقل عنه، ومنتقل إليه، وهذا محال على الله تعالى. (الثاني) لو كان النزول لذاته حقيقة لتجددت له كل يوم وليلة حركات عديدة تستوعب الليل كله، لأن ثلث الليل يتجدد على أهل الأرض شيئا فشيئا. فيلزم انتقاله في سماء الدنيا ليلا ونهارا من قوم إلى قوم، عوده إلى العرش في كل لحظة على رأى المجسمة القائلين بأنه تعالى ينزل بذاته ونزوله من العرش إلى سماء الدنيا.
ولا يقول ذلك ذو لب. (الثالث) أن القائل بأنه تعالى فوق العرش، وأنه ملأه، كيف يرى أن سماء الدنيا تسعه تعالى؟ وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة. فيلزم عليه أحد أمرين أما اتساع سماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه، أو تضاؤل الذات المقدسة عند ذلك حتى تسعها السماء ونحن نقطع بانتفاء الأمرين. ولذا ذهب جماعة من السلف إلى عدم بيان المراد من النزول مع قطعهم بأن الله منزه عن الحركة والانتقال. وذهب المؤولن إلى أن المراد بالنزول هنا الإقبال بالرحمة والإحسان وإجابة الدعاء، (وقيل) في الكلام مضاف مقدر، والمعنى ينزل أمر ربنا أو ملك ينزل بأمره. وهو في القرءان كثير منه قوله تعالى: {قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد} [النحل: 26]. ومعلوم أن حامد الحنبلي المجسم: في الحديث ما يتعالى الله عنه. وهو أنه ينزل من مكانه الذي هو فيه وينتقل. وأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى بريء منه، ولقد تأذى الحنابلة بسوء كلامه واعتقاده. اهـ.
فأنت ترى أن اعتقاد ابن حامد الحنبلي وأحزابه دليل واضح على أنهم ما عرفوا أن الله سبحانه وتعالى إلٰه قديم لا يتصف بالجسمية ولا التحول والانتقال، لأن ذلك كله من صفات الحوادث. وأن الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه بريء منهم، (ولو كانوا) يسمعون أو يعقلون، لعرفوا أن الله تبارك وتعالى إلٰه قديم موجود قبل خلق العالم يستحيل عليه الحركة والسكون وغيرهما من صفات المخلوق. قال الله تعالى: {ومن يضلل الله فما له من هاد} [غافر: 33] (وقال) الإمام فخر الدين الرازي في كتابه أساس التقديس ص 134 ما حاصله: فأما الحديث المشتمل على النزول إلى سماء الدنيا فالكلام عليه أن النزول قد يستعمل في غير الانتقال. وذلك لوجوه (منها) قوله تعالى: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} [الزمر: 6] ونحن نعلم بالضرورة أن الجمل أو البقر ما نزل من السماء إلى الأرض على سبيل الانتقال. وقوله تعالى: {فأنزل الله سكينته علىٰ رسوله} [الفتح: 26] والانتقال على السكينة محال، (ومنها) أنه إن كان مقصود من النزول من العرش إلى سماء الدنيا أن يسمع نداءه فهذا لم يحصل. وإن كان المقصود مجرد النداء وإن نسمع فهذا مما لا حاجة فيه إلى النزول. وهذا عبث غير لائق بحكمة الله تعالى. (ومنها): أن من يقول بظاهر الحديث يرى أن كل السمٰوات بالنسبة للكرسي كقطرة في بحر والكرسي بالنسبة للعرش كذلك. ثم يقول إن العرش مملوء منه والكرسي موضع قدمه. فإذا نزل إلى سماء الدنيا فكيف تسعه؟ فإما أن يقال بتداخل أجزائه في بعض وهذا يقتضي أنها قابلة للتفرق ويقتضي جواز تداخل جملة العالم في خردلة واحدة وهو محال، وإما أن يقال أن تلك الأجزاء فنيت عند النزول إلى سماء الدنيا. وهذا مما لا يقوله عاقل في حق الله تعالى، (فثبت) أن القول بالنزول على الوجه الذي قالوه باطل. وأنه يتعين حمل هذا النزول على نزول رحمته إلى الأرض في ذلك الوقت. وخص هذا الوقت بذلك لوجوه (منها) أن التوبة التي يؤتى بها في جوف الليل شأنها أن تكون خالية عن شوائب الدنيا خالصة لوجه الله تعالى، لأن الأغيار لا يطلعون عليها، فتكون أقرب إلى القبول. (ومنها): أن الغالب على الإنسان في جوف الليل الكسل والنوم، فلولا الرغبة الشديدة في نيل الثواب العظيم لما تحمل مشاق السهر، ولما أعرض عن اللذات الجسمانية، ولذا احتيج في الترغيب في الطاعة والعبادة بالليل إلى مزيد أمور تؤثر في تحريك دواعي الاشتغال بالطاعة والتهجد لتكون الدواعي إليه أتم وأوفر، ويكون الثواب أكمل. ولذا أثنى الله تعالى على من تحلى بالطاعة في الليل. قال تعالى: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون *وبالأسحار هم يستغفرون} [الذاريات: 17، 18]. وقال: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون *فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17]. (وقيل) النزول في الحديث كناية عن المبالغة في الإكرام والإحسان. وذلك أن نزل من الملوك عند إنسان لإصلاح شأنه والاهتمام بأمره يكون وجوده عنده مبالغة في إكرامه، فلما كان النزول مستلزما لغاية الإكرام وكمال الإحسان، أطلق اسم النزول على الإكرام المذكور. (وقيل) إن «ينزل» في الحديث بضم الياء من الإنزال، أي أن جمعا من أشراف الملائكة ينزلون في ذلك الوقت بأمر الله تعالى اهـ. (وقال) الإمام ابن الجوزي الحنبلي في كتابه «دفع شبهة التشبيه» ص46: روى حديث النزول عشرون صحابيا وقد تقدم أنه يستحيل على الله عز وجل الحركة والنقلة والتغير فيبقى الناس رجلين، (أحدهما) المتأول بمعنى أنه يقرب رحمته. وقد وصف أشياء بالنزول فقال: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} [الحديد: 25]. وإن كان معدنه في الأرض.
وقال: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} [الزمر: 6] ومن لم يعرف الجمل فكيف يتكلم في نزوله (1)، (والثاني) الساكت عن الكلام في ذلك مع اعتقاد التنزيه، والواجب على الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلى مكان يحتاج إلى ثلاثة أجسام: جسم عال هو مكان لساكنه، وجسم سافل، وجسم منتقل من علو إلى سفل. وهذا لا يجوز على الله عز وجل. (قال) ابن حامد: هو على العرش بذاته مماس له وينزل وينزل من مكانه الذي هو فيه وينتقل. وهذا رجل لا يعرف ما يجوز على الله. (وقال) أبو يعلى: النزول صفة ذاتية ولا نقول نزوله انتقال، وهذا مغالط، (ومنهم) من قال يتحرك إذا نزل. وما يدري أن الحركة لا تجوز على الله تعالى. وقد حكوا عن الإمام أحمد ذلك، وهو كذب عليه. ولو كان النزول صفة ذاتية لذاته لكانت صفته كل ليلة تتجدد. وصفاته قديمة كذاته. اهـ. وقال: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} [الزمر: 6] ومن لم يعرف الجمل فكيف يتكلم في نزوله. (والثاني) الساكت عن الكلام في ذلك مع اعتقاد التنزيه. والواجب على الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة، وأن النزول الذي هو انتقال من مكان إلى مكان يحتاج إلى ثلاثة أجسام: جسم عال هو مكان لساكنه، وجسم سافل، وجسم منتقل من علو إلى سفل، وهذا لا يجوز على الله عز وجل. (قال) ابن حامد: هو على العرش بذاته مماس له وينزل من مكانه الذي هو فيه وينتقل. وهذا رجل لا يعرف ما يجوز على الله. (وقال) أبو يعلى: النزول صفة ذاتية ولا نقول نزوله انتقال، وهذا مغالط. (ومنهم) من قال يتحرك إذا نزل، وما يدري أن الحركة لا تجوز على الله تعالى. وقد حكوا عن الإمام أحمد ذلك. وهو كذب عليه. ولو كان النزول صفة ذاتية لذاته لكانت صفته كل ليلة تتجدد. وصفاته قديمة كذاته. اهـ.
وقد رد ما ذهب إليه ابن حامد وأبو يعلى، قال: ومن نسب ذلك إلى الإمام أحمد فقد كذب عليه، (ومنه) تعلم أيضا كذب ما نسب في مختصر الصواعق إلى إلى حماد بن زيد من قوله: إن الله في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء. وعلى فرض ثبوته عنه فيحرم التمسك به لمنافاته صريح الآيات القرءانية كقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} وإجماع سلف الأمة وخلفها على أن الله تعالى يستحيل عليه أن يكون له مكان لأنه يستلزم المماثلة والاحتياج، وهما محالان في حقه تعالى. (وكذا) ما نسبه إلى ابن عبد البر من أن أهل السنة مجمعون على حمل المتشابهات على الحقيقة لا على المجاز، فهو كذب وافتراء. فها هي ذي كلمتهم متفقة على أنه يجب صرف المتشابه عن ظاهرة لقيام الأدلة القطعية عقلية ونقلية على استحالة ظاهرها في حق الله تعالى.
وقد رد ما ذهب إليه ابن حامد وأبو يعلى قال: ومن نسب ذلك إلى الإمام أحمد فقد كذب عليه. (ومنه) تعلم أيضا كذب ما نسب في مختصر الصواعق إلى حماد ابن زيد من قوله: إن الله في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء. وعلى فرض ثبوته عنه فيحرم التمسك به لمنافاته صريح الآيات القرءانية كقوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، وإجماع سلف الأمة وخلفها على أن الله تعالى يستحيل عليه أن يكون له مكان لأنه يستلزم المماثلة والاحتياج وهما محالان في حقه تعالى. (وكذا) ما نسبه إلى ابن عبد البر من أن أهل السنة مجمعون على حمل المتشابهات على الحقيقة لا على المجاز، فهو كذب وافتراء. فها هي ذي كلمتهم متفقة على أنه يجب صرف المتشابه عن ظاهرة لقيام الأدلة القطعية عقلية ونقلية على استحالة ظاهرها في حق الله تعالى، وإنما يستدل بها في الفروع بإجماع أئمة الدين.
وقال القاضي عياض: لم يختلف المسلمون في تأويل ما يوهم أنه تعالى في السماء كقوله: (ءامنتم من في السماء). اهـ.
([1]) أي المذكورة أو المشار إليها.
([2]) نقله الشعراني في لطائف المنن والأخلاق (ص/384، 388، 674)
([3]) الأجوبة المرضية، مخطوط (ق/172).
([4]) لطائف المنن والأخلاق (ص390) تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني، دار عالم الفكر.
([6]) لطائف المنن والأخلاق (ص394) عالم الفكر، أبو الهدى الصيادي.
([8]) انظر: كتابه الحكم (ص38).
([11]) نقله عنه الإمام الرواس في كتابه مراحل السالكية.
([12]) نقله الرواس في كتابه مراحل السالكين (60/74).
([13]) شرح المواقف موجود بالمعنى القريب ص62/ج7 ـ 8 دار الكتب العلمية.
([15]) الرد على القائلين بوحدة الوجود لعلي بن سلطان القاري (31/1).
([17]) الطريقة الرفاعية (ص15).
([18]) الكوكب الدري في شرح بيت القط الكبير (ص11، 12).
([19]) الحاوي للفتاوى (2/236) للسيوطي، المكتبة العصرية.
([20])أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق: باب التواضع الجزء الثامن ص89.
([22]) عزاها الحافظ ابن حجر في فتح الباري (11/345) للطبراني (دار المعرفة).
([23]) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الأقضية: باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور ص1344.
