قوله تعالى: ليس كمثله شىء {11} (الشورى)، وهذه الآية هي أوضح دليل نقلي في نفي الجسمية عن الله تعالى، لأن (شىء) نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم([3])، فالله تبارك وتعالى نفى بهذه الجملة عن نفسه مشابهة الأجرام والأجسام والأعراض، ولم يقيد تبارك وتعالى نفي الشبه عنه بنوع من أنواع الحوادث، بل شمل نفي مشابهته لكل أفراد الحادثات.
ولو كان ـ الله ـ جسما، لكان مثلا لسائر الأجسام في تمام الماهية، لأنا سنبين إن شاء الله تعالى بالدلائل الباهرة أن الأجسام كلها متماثلة ـ من حيث كونها مؤلفة مركبة تحل فيها الصفات والأعراض ـ، وذلك كالمناقض لهذا النص.
قال ملا علي القاري([11]) في شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة([12]): «بلا جسم ولا جوهر ولا عرض، أي في اعتبار صفاته ـ أي الله ـ لأن الجسم متركب ومتحيز وذلك أمارة الحدوث، والجوهر متحيز وجزء لا يتجزأ من الجسم، والعرض كل موجود يحدث في الجواهر والأجسام، وهو ـ أي العرض ـ قائم بغيره لا بذاته كالألوان والأكوان من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون وكالطعوم والروائح، والله تعالى منزه عن ذلك. وحاصله أن العالم أعيان وأعراض، فالأعيان ما لها قيام بذاتها، وهو إما مركب وهو الجسم أو غير مركب كالجوهر وهو الذي لا يتجزأ، والله سبحانه منزه عن ذلك كله» اهـ. والأعيان هي الأشياء التي لها حجم، إن كانت صغيرة كالذرة أو أصغر حجم خلقه الله وهو الجزء الذي لا يتجزأ لكونه في منتهى القلة، أو كبيرة كالعرش الذي هو أكبر المخلوقات حجما وأوسعها مساحة، والعرض ما لا يقوم بذاته بل بغيره، والأعيان لا تخلو من الأعراض كالحركة والسكون وهذا أمر ظاهر مدرك بالبديهة.
لا يتَّصف ذات الله بقبول التغير والانتقال ومقارنة الزمن لأن الزمان إن فسّر بمرور الأيام والليالي أو مقارنة متجدد لمتجدد توقيتًا للمجهول بالمعلوم أو بحركات الأفلاك فهو حادث.
لا إلٰه إلا هو، تقدس عن كل صفات المخلوقين وسمات المحدثين، لا يمس ولا يمس ولا يحس ولا يجس، لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس، نوحده ولا نبعضه، ليس جسما ولا يتصف بصفات الأجسام، فالمجسم كافر بالإجماع وإن قال: «الله جسم لا كالأجسام» وإن صام وصلى صورة، فالله لي شبحا، وليس شخصا، وليس جوهرا، وليس عرضا، لا تحل فيه الأعراض، ليس مؤلفا ولا مركبا، ليس بذي أبعاض ولا أجزاء، ليس ضوءا وليس ظلاما، ليس ماء وليس غيما وليس هواء وليس نارا، وليس روحا ولا له روح، لا اجتماع له ولا افتراق.
فالله كان ولا زمان كما أنه كان ولا مكان، وقد قام البرهان العقلي على حدوث جميع ما سوى الله.
هذه العقيدة هى إثبات وجود الله تعالى الذى لم يسبقه عدم وأن كل شىء سوى الله كان معدوما ثم صار موجودا. مادة العالم وأشخاصه كل ذلك حادث ليس شىء من ذلك قديما مع الله تعالى. فى الأزل لم يكن سوى الله تعالى لا نور ولا ظلام ولا مكان ولا زمان لأن الزمان هو مقارنة شىء متجدد بمتجدد ءاخر والله تبارك وتعالى لم يسبقه عدم أما ما سواه كل كان معدوما فالزمان والمكان حادثان لم يكونا فى الأزل وكذلك النور والظلام والهواء. هذا من جملة عقيدة أهل السنة والجماعة.
قال الحافظ محمد مرتضى الزبيدي في «إتحاف السادة المتقين»([3]): «وقال السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: اعلم أن حكم الجواهر والأعراض كلها الحدوث، فإذا العالم كله حادث. وعلى هذا إجماع المسلمين بل كل الملل، ومن خالف في ذلك فهو كافر لمخالفته الإجماع القطعي». اهـ. يتضح لك أن من قال بأزلية شيء من العالم فهو كافر بالإجماع القطعي، وهذا ينطبق على المجسم لأن الجسم حادث مخلوق، فمن قال أو اعتقد الجسمية في الله فقد قال بأزلية الأجسام أي بأزلية الحوادث وبحدوث الأزلي، وهذا جمع بين كفريتين، لأن من قال بأزلية الأجسام يكون جعل لله شريكا، ومن قال بأن الله جسم جعل هذا الجسم هو الله وقال إن هذا الجسم أزلي.
قال المؤلف رحمه الله: [والعالم بجميع أجزائه محدث إذ هو أعيان وأعراض فالأعيان ما له قيام بذاته وهو إما مركب وهو الجسم أو غير مركب كالجوهر وهو الجزء الذي لا يتجزأ].
(الشرح): أن ما سوى الله تعالى وهو العالم بجميع أجزائه من السمٰوات وما فيها والأرض وما عليها مما دخل في الوجود كله حادث. وهذا الأمر عليه كل الطوائف التي تنتحل الأديان ولم يخالف في ذلك إلا الفلاسفة.
وقسم المؤلف رحمه الله العالم إلى أعيان وأعراض ولا ثالث لهما لأن الأعيان ما له قيام بذاته أي تحيز بنفسه أي ليس تحيزه تابعا لتحيز شيء ءاخر كالشخص من الأشخاص من بني ءادم كالفرد من أفراد الحجر والفرد من أفراد الشجر إلى غير ذلك، هذه الأشياء أعيان لأنها متحيزة تحيزا مستقلا أي غير تابع لتحيز شيء ءاخر.
والأعيان إما مركبة من جزأين فأكثر ويسمى المركب جسما أو غير مركبة كالجوهر، والجوهر في اللغة الأصل وفي اصطلاح المتكلمين الجزء الذي لا يقبل الانقسام من التناهي في القلة ويقال له الجوهر الفرد. وإنما سمي الجوهر لأنه أصل الأجسام فإنها تحصل من جوهرين فأكثر فتصير قابلة للانقسام ويعبر عنه بالجزء الذي لا يتجزأ.
وبرهان حدوث العالم هو ملازمته للأعراض الحادثة فإن أجرام العالم يستحيل انفكاكها عن الأعراض كالحركة والسكون، وهذه الأعراض حادثة بدليل مشاهدة تغيره، فيلزم حدوث الأجرام واستحالة وجودها في الأزل قطعا لاستحالة انفكاكها عن الأعراض إذ حدوث أحد المتلازمين يستلزم حدوث الآخر ضرورة.
قال المؤلف رحمه الله: [والعرض ما لا يقوم بذاته].
(الشرح): أن العرض الذي هو أحد قسمي الحادثات ما لا يقوم بذاته بل بغيره بأن يكون تابعا له في التحيز كبياض الجسم الأبيض وسواد الجسم الأسود وحركة الجرم وسكونه ونحو ذلك.
قال في شرح الكبرى العرض ما كانت ذاته لا تشغل فراغا ولا له قيام بنفسه وإنما يكون وجوده تابعا لوجود الجوهر كالعلم الذي يقوم بالجوهر وكالحركة واللون فإنها لا تشغل فراغا بل الفراغ الذي شغله الجوهر قبل اتصافه بها ه الفراغ الذي شغله مع اتصافه بها من غير زيادة اهـ.
قال المؤلف رحمه الله: [ويحدث في الأجسام والجواهر كالألوان والأكوان والطعوم والروائح].
(الشرح): أن العرض يحدث في الأجسام المركبة والجواهر غير المركبة فكل منهما يتصف بالصفات وتقوم به المعاني ومن أمثلة الأعراض الألوان كالبياض والسواد وما بينهما ومنها الأكوان وهي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون فإنها لا تتحيز بذاتها كما قال الإمام البيهقي في كتابه الأسماء والصفات ما نصه [الله تعالى لا يوصف بالحركة لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى متعال عنهما ليس كمثله شيء] اهـ.
وكذلك الطعوم والروائح من الأعراض، فأما الطعوم فأنواعها تسعة وهي المرارة والحرافة والملوحة والعفوصة والحموضة والقبض والحلاوة والدسومة والتفاهة وهي أي التفاهة عبارة عن طعم بين الحلاوة والدسومة وحصروها في هذه الأقسام التسعة بطريق التتبع، وأما الروائح فأنواعها متعددة وليست لها أسماء مخصوصة.
قال أبو حنيفة في كتابه الفقه الأكبر لأن الكلام الذي يكون بحرف وصوت حادث لأن الحروف يتقدم بعضها عن بعض ويتأخر بعضها عن بعض فيستحيل أن يتكلم الله هكذا لأن هذا من الاعراض التي يشترك بها البشر وغيرهم من المخلوقات والله منزه عن الأعراض في ذاته وفي كل صفاته من علمه وقدرته وحياته.
**********************************************
قال السيد الشريف في حاشية التجريد([12]): ذهب جماعة من الصوفية إلى أنه ليس في الواقع إلا ذات واحدة وهي حقيقة وجود ولها تقيدات بقيود اعتبارية بحسب ذلك تتراءى أي تظن موجودات متمايزة فيتوهم من ذلك تعدد حقيقي وليس كذلك بل الكل حقيقة واحدة كالبحر في تموجه، فيتوهم الصغير الذي لا يعقل أن ذلك المرتفع والمنخفض غير الماء، أما العاقل فلا يخفى عليه أن ليس هناك إلا بحر، وتعين وأن هذه الحالة أمور اعتبارية فكذلك ليس في الوجود سوى الله تعالى، وأن هذه الصور المرئية والكثرة المشهودة أمور اعتبارية وخيالات وهمية ليس لها حقيقة مغايرة لحقيقة الحق، أقول: هذا خروج عن طور العقل، فإن بداهيته شاهدة بتعدد الموجودات تعددا حقيقيا، وأنه ذوات وحقائق مختلفة بالحقيقة دون الاعتبار فقط». اهـ.
([12]) نقله الرواس في كتابه مراحل السالكين (60/74).
الكلام الذي هو صفة له تعالى (قديم فلأنه) يمتنع قيام الحوادث بذاته تعالى. وقوله هو به طالب مخبر إشارة إلى أن الكلام متنوع في الأزل إلى أمر ونهي وخبر واستخبار ونداء والأولان والرابع والخامس أنواع للطلبِ، وتنوعه هذا لا ينافي كونه واحدًا لأنها ليست أنواعًا حقيقيةً إنما هي أنواع اعتبارية تحصل له بحسب تعلقه بالأشياء فذلك الكلام الواحد باعتبار تعلقه بشىء على وجه مخصوص يكون خبرًا وباعتبار تعلقه بشىء ءاخر أو على وجه ءاخر يكون أمرًا وكذا الحال في البواقي.
6- الفرقة السادسة: المعمرية [17]:
وهم أتباع معمر بن عباد السلمي [18] وكان رأسا من رءوس الضلالة والإلحاد وفضائحه كثيرة، ومن كفره قوله: إن الله تعالى لم يخلق شيئا من الأعراض وصفات الاجسام من لون أو طعم أو رائحة، ومن إلحاده أنه كان يقول: إن الله خلق الاجسام ثم إن الاجسام أحدثت الأعراض من لون وطعم ورائحة، وقد افتخر الكعبي في مقالاته بأن معمرا من شيوخ المعتزلة، ومثله لا يفتخر به إلا مثله.
7- الفرقة السابعة: البشرية [19]:
وهم أتباع بشر بن المعتمر [20]، قال إخوانه من القدرية بتكفيره، ومن كفره قوله: إن الإنسان يخلق اللون والطعم والرائحة والسمع وجميع الإدراكات على سبيل التولد، ومن تكذيبه للشريعة زعمه أن الله إذا غفر ذنوب عبد من عباده ثم رجع العبد إلى ذنب عذبه على ما تقدم من ذنوبه التي غفرها له، وكان يزعم أن الله لم يخلق شيئا من الأعراض كلها وإنما هي فعل الناس.
قال الإمام أبو منصور البغداد في كتابه “الفرق بين الفرق” ما نصه [5]: “فمن زعم أن العباد خالقون لأكسابهم فهو قدري مشرك بربه لدعواه أن العباد يخلقون مثل خلق الله من الأعراض التي هي الحركات والسكون والعلوم والإرادات والأقوال والأصوات وقد قال الله عز وجل في ذم أصحاب هذا القول: {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شئ وهو الواحد القهار} [سورة الرعد/16]” اهـ.
قد ثبت أن الاجتماع والافتراق من لوازم المتحيز، والحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالتحيز، لأنه لو كان متحيزا لم يخل إما أن يكون ساكنا في حيزه أو متحركا عنه، ولا يجوز أن يوصف بحركة ولا سكون ولا اجتماع ولا افتراق، ومن جاور أو باين فقد تناهى ذاتا، والتناهي يختص بمقدار فيستدعي مخصصا، وكذا ينبغي أن يقال: ليس بداخل في العالم وليس بخارج منه، لأن الدخول والخروج من لوازم المتحيزات، فهما كالحركة والسكون وسائر الأعراض التي تختص بالأجرام.
قال الأستاذ أبو إسحاق رضي الله عنه: قال أهل الحق: إن الله موجود حي قادر عالم مريد سميع بصير متكلم، ليس بجسم ولا جوهر ولا يشغل حيزا، وليس له حد ولا جانب، ولا يجوز عليه المجاورة والمحاذاة، ولا يتصور في الوهم، وليس هو من قبيل الأعراض، لم يزل ولا يزال بهذه الأوصاف، ولا يتغير عنها، ولا شىء يشاركه فيها» اهـ.
الحرف والصوت اللذين هما عرضان من الأعراض التي يوصف بها الجسم كاللذة والراحة والانبساط والانزعاج.
قال الغزالي([1]): «التنـزيه: أنه ـ أي الله تعالى ـ ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدود مقدر، وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام، وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر، ولا بعرض ولا تحله الأعراض، بل لا يماثل موجودا، ولا يماثله موجود، ليس كمثله شىء ولا هو مثل شىء. وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأقطار ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، استواء منـزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته([2]).
وإن أسندتم مذهبكم إلى دليل فأيدوه بتكلم عليه، ولا يجدون إلى إبدائه سبيلا، إذ مدارك العلوم مضبوطة، وجملتها لا يتلقى منها ما قالوه. فإن من مدارك العلوم العقل، ولا يتلقى منه إثبات أصل الأسماء فضلا عن تفصيلها. ومن مدارك العلوم موارد الشرع، وليس في شىء منها ما سوغ تسميته تعالى جسما؛ إذ لم يدل على ذلك كتاب ولا سنة ولا إجماع. ومن مدارك العلوم في الأسامي قضية اللغة، ولو حكمناها في مسألتنا لما قامت على ما يرومه الخصم؛ إذ ليس في لغة العرب تسمية الوجود جسما، بل في لغتهم ما يناقض ذلك، فإنهم يصفون الأعراض بالوجود ولو سميت أجساما أبوه، فإن من سمى علم المرء أو إرادته أو قدرته أجساما، كان ذلك عرفا مستبشعا في قضية اللغة. فإذا بطل تلقي مرامهم من هذه الجهات لم يبق إلا التحكم([13]) الـمحض» اهـ.
قال الحافظ البيهقي([1]): «قال الشيخ أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي الشافعي ـ وهو أحد أساطين المذهب الشافعي ومن مشايخ الحافظ البيهقي ـ: وأما البراءة من التشبيه بإثبات أنه -تعالى- ليس بجوهر ولا عرض فلأن قوما زاغوا عن الحق فوصفوا البارئ جل ثناؤه ببعض صفات المحدثين، فمنهم من قال: إنه جوهر، ومنهم من قال إنه جسم، ومنهم من أجاز أن يكون على العرش كما يكون الملك على سريره، وكان ذلك في وجوب اسم الكفر لقائله كالتعطيل والتشريك([2]).
فإذا أثبت المثبت أنه ليس كمثله شىء، وجماع ذلك أنه ليس بجوهر ولا عرض فقد انتفى التشبيه لأنه لو كان جوهرا أو عرضا لجاز عليه ما يجوز على سائر الجواهر والأعراض، ولأنه إذا لم يكن جوهرا ولا عرضا لم يجز عليه ما يجوز على الجواهر من حيث إنها جواهر كالتألف والتجسم وشغل الأمكنة والحركة والسكون، ولا ما يجوز على الأعراض من حيث إنها أعراض كالحدوث وعدم البقاء» اهـ.
قال الإمام الجصاص([2]): «ففي إنشاء الله تعالى السحاب في الجو، وخلق الماء فيه، وتصريفه من موضع إلى موضع أدل دليل على توحيده وقدرته وأنه ليس بجسم ولا مشبه الأجسام؛ إذ الأجسام لا يمكنها فعل ذلك ولا ترومه([3]) ولا تطمع فيه» اهـ.
وقال أيضا([4]): «قوله تعالى: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب {190} (آل عمران) قد دلت هذه الآيات المذكورة في الآية القرآنية الكريمة على أن خالق الأجسام لا يشبهها لأن الفاعل لا يشبه فعله، وفيها الدلالة على أن خالقها قادر لا يعجزه شىء؛ إذ كان خالقها وخالق الأعراض المضمنة بها وهو قادر على أضدادها» اهـ.
تعريف الجسم اصطلاحا
بعد أن بينا المعنى اللغوي لكلمة الجسم ننتقل إلى بيان المعنى الاصطلاحي، فنقول وبالله التوفيق:
قال الشريف الجرجاني([1]): «الجسم جوهر قابل للأبعاد الثلاثة ـ أي الطول والعرض والعمق ـ وقيل: الجسم هو المركب المؤلف من الجوهر.
الجسم التعليمي: هو الذي يقبل الانقسام طولا وعرضا وعمقا، ونهايته السطح وهو نهاية الجسم الطبيعي، ويسمى جسما تعليميا إذ يبحث عنه في العلوم التعليمية، أي الرياضية الباحثة عن أحوال الكم المتصل والمنفصل منسوبة إلى التعليم والرياضة فإنهم كانوا يبتدئون بها في تعاليمهم ورياضتهم لنفوس الصبيان لأنها أسهل إدراكا» اهـ.
وقال المناوي([2]): «الجسم: ما له طول وعرض وعمق، ولا تخرج أجزاء الجسم عن كونها أجساما وإن قطع وجزئ ـ أي تصبح أجساما صغيرة ـ بخلاف الشخص فإنه يخرج عن كونه شخصا بتجزئته، كذا عبر عنه الراغب» اهـ. يريد الراغب الأصبهاني.
ويروى عن إمام أهل السنة والجماعة أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه أنه قال([3]): «اختلف المتكلمون ـ من الذين تكلموا وألفوا في علم الكلام من أهل السنة والجماعة ومن غيرهم ـ في الجسم ما هو على اثنتي عشرة مقالة:
1- فقال قائلون: الجسم هو ما احتمل الأعراض كالحركات والسكون وما أشبه ذلك، فلا جسم إلا ما احتمل الأعراض…، وزعموا أن الجزء الذي لا يتجزأ جسم يحتمل الأعراض.
2- وقال قائلون: الجسم إنما كان جسما للتأليف والاجتماع، وزعم هؤلاء أن الجزء الذي لا يتجزأ إذا جامع جزءا آخر لا يتجزأ، فكل واحد منهما جسم في حال الاجتماع لأنه مؤتلف بالآخر، فإذا افترقا لم يكونا ولا واحد منهما جسما، وهذا قول بعض البغداديين.
3- وقال قائلون: معنى الجسم أنه مؤتلف، وأقل الأجسام جزآن، ويزعمون أن الجزءين إذا تآلفا فليس كل واحد منهما جسما ولكن الجسم هو الجزآن جميعا، وأنه يستحيل أن يكون التركيب في واحد، والواحد يحتمل اللون والطعم والرائحة وجميع الأعراض إلا التركيب.
4- وقال أبو الـهذيل (المعتزلي)([4]): الجسم هو ما له يمين وشمال وظهر وبطن وأعلى وأسفل، وأقل ما يكون الجسم ستة أجزاء أحدها يمين والآخر شمال، وأحدها ظهر والآخر بطن، وأحدها أعلى والآخر أسفل.
5- وزعم بعض المتكلمين: أنه ـ أي الجسم ـ الجزآن اللذان لا يتجزآن يحلهما جميعا التأليف، وأن التأليف الواحد يكون في مكانين، وهذا قول الجبائي ـ المعتزلي([5])ـ.
6- وقال معمر([6]): هو الطويل العريض العميق، وأقل الأجسام ثمانية أجزاء فإذا اجتمعت الأجزاء وجبت الأعراض، وإن كل جزء يفعل في نفسه ما يحله من الأعراض، وزعم أنه إذا انضم جزء إلى جزء حدث طول، وأن العرض يكون بانضمام جزءين إليهما، وأن العمق يحدث بأن يطبق على أربعة أجزاء أربعة أجزاء، فتكون الثمانية الأجزاء جسما عريضا طويلا عميقا.
7- وقال هشام بن عمرو الفوطي([7]): إن الجسم ستة وثلاثون جزءا لا يتجزأ، وذلك أنه جعله ستة أركان، وجعل كل ركن منه ستة أجزاء، فالذي قال أبو الهذيل إنه جزء جعله هشام ركنا.
8- وقال قائلون: الجسم الذي سماه أهل اللغة جسما هو ما كان طويلا عريضا عميقا، ولم يحددوا في ذلك عددا من الأجزاء وإن كان لأجزاء الجسم عدد معلوم.
9- وقال هشام بن الحكم([8]): معنى الجسم أنه موجود، وكان يقول: إنما أريد بقولي: جسم أنه موجود وأنه شىء وأنه قائم بنفسه. – وهذا خلط واضح منه لأنه يعرف معنى الجسم ومحاولة للتهرب من الكفر الذي هو غارق فيه باعتقاده في الله الجسمية والعياذ بالله العظيم، وهذا كفر بالله العظيم -.
10- وقال النظام([9]): الجسم هو الطويل العريض العميق وليس لأجزائه عدد يوقف عليه، وأنه لا نصف إلا وله نصف ولا جزء إلا وله جزء، وكانت الفلاسفة تجعل حد الجسم أنه العريض العميق.
11- وقال عباد بن سليمان([10]): الجسم هو الجوهر والأعراض التي لا ينفك منها وما كان قد ينفك منها من الأعراض، فليس ذلك من الجسم بل ذلك غير الجسم.
12- وقال ضرار بن عمرو([11]): الجسم أعراض ألفت وجمعت فقامت وثبتت فصارت جسما يحتمل الأعراض إذا حل والتغيير من حال إلى حال، وتلك الأعراض هي ما لا تخلو الأجسام منه أو من ضده نحو الحياة والموت اهـ.
وقد عرفنا مما سبق معنى الجسم في اللغة والاصطلاح، ويظهر أن هناك توافقا واضحا بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، فهو في اللغة يدل على التأليف والتركيب والتشخيص، وهو في الاصطلاح يدل على التركيب والتشخيص وقبول الأبعاد.
ثم الأجسام منها ما هو كثيف يضبط باليد، يستطيع الواحد أن يمسكه بكفه كجسم الإنسان والحيوان والنبات وسائر الجمادات، ومنها ما هو لطيف لا يضبط باليد، لا يستطيع الواحد أن يمسكه بكفه كالروح والريح والضوء والهواء.
قال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط([12]) ما نصه: «والريح جسم لطيف شفاف غير مرئي» اهـ.
وقال أيضا([13]): «إن الشيطان وهو إبليس يبصركم هو وجنوده ونوعه وذريته من الجهة التي لا تبصرونه منها، وهم أجسام لطيفة معلوم من هذه الشريعة وجودهم ، كما أن الملائكة أيضا معلوم وجودهم من هذه الشريعة ولا يستنكر وجود أجسام لطيفة جدا لا نراها نحن، ألا ترى أن الهواء جسم لطيف لا ندركه نحن وقد قام البرهان العقلي القاطع على وجوده» اهـ.
وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن([14]) أثناء كلامه عن الروح: «والصحيح فيه أنه جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة» اهـ.
وقال البغوي([15]) في تفسيره([16]): «الروح جسم لطيف يحيا به الإنسان» اهـ. فالله سبحانه ليس بجسم ولا جوهر، لا كثيف ولا لطيف، وبعبارة أخرى نقول: ليس لذات الله تعالى جرم ولا حجم ولا حد ولا كثافة ولا تشخيص ولا تشكيل ولا تأليف ولا جمع ولا تفريق ولا حركة ولا سكون، ليس كمثله شىء وهو السميع البصير {11} (الشورى).
وهذا ما عليه جميع الأنبياء عليهم السلام، وهو مذهب السلف الصالح أهل السنة والجماعة من أهل الفقه والحديث وعلماء الكلام الذين ينزهون الله تعالى عن الجسم والهيئة والكيف، بل قد وافقت المعتزلة والجهمية([17]) والزيدية([18]) والجعفرية([19]) والإباضية([20]) والخوارج كلام أهل السنة في هذه المسألة وإن ضلت في مسائل غيرها، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الشواذ من الفرق التي انتسبت إلى الإسلام، والإسلام منها براء من مشبهة ومجسمة ومن تبعهم.
[1] ) التعريفات، الجرجاني 1/104.
علي بن محمد بن علي، المعروف بالشريف الجرجاني، من كبار العلماء بالعربية. ولد في تاكو (قرب استراباد) ودرس في شيراز. له نحو خمسين مصنفا، منها: «التعريفات» و«مقاليد العلوم». وتوفي في شيراز سنة 816 هـ. الأعلام، الزركلي، 10/13.
[2] ) التوقيف على مهمات التعاريف، الـمناوي، 1/245.
محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري زين الدين من كبار العلماء بالدين والفنون، انزوى للبحث والتصنيف، من كتبه: «كنوز الحقائق» في الحديث، و«التيسير في شرح الجامع الصغير» مجلدان اختصره من شرحه الكبير «فيض القدير». عاش في القاهرة، وتوفي بها سنة 1031هـ. كان مولده سنة 952هـ. الأعلام، الزركلي، 6/204.
[3] ) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ينسب الكتاب للأشعري، 2/ 4، 5.
[4] ) أبو الهذيل العلاف المبتدع، شيخ البصريين في الاعتزال، ت 235هـ، كان له مناظرات مع هشام بن الحكم. الملل والنحل، الشهرستاني، ص 185.
[5] ) محمد بن عبد الوهاب الجبائي، أبو علي، ت 303هـ، من أئمة المعتزلة في عصره، وإليه=
=نسبة الطائفة الجبائية الضالة المبتدعة. له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب، وقد رد عليه الإمام الأشعري رضي الله عنه. الأعلام، الزركلي، 6/256.
[6] ) معمر بن عباد السلمي، ت 215هـ، معتزلي من الغلاة، سكن بغداد، وناظر النظام، وكان أشد القدرية غلوا، انفرد بمسائل، وتنسب إليه طائفة تعرف بالمعمرية. الأعلام، الزركلي، 7/272.
[7] ) هشام بن عمرو الفوطي ممن بالغ في القول بالقدر، وقدح في إمامة علي رضي الله عنه بقوله: إن الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة أبيهم -وهذا باطل-.والفوطي والأصم المعتزليان اتفقا على أن الله تعالى يستحيل أن يكون عالـما بالأشياء قبل كونها – وهذا ضد عقيدة الإسلام -، وكان يمتنع من إطلاق إضافات أفعال إلى البارئ تعالى وإن ورد بها التنزيل – وهذا لا شك رد للنصوص، وقد قال النسفي في عقيدته المشهورة: «ورد النصوص كفر» اهـ. – الملل والنحل، الشهرستاني، ص25.
[8] ) هشام بن الحكم الشيباني بالولاء الكوفي، كان شيخ الإمامية في وقته، من كتبه: «الإمامة والقدر». وكان مشبها يقول بالجسمية. الملل والنحل، الشهرستاني، ص172. الأعلام، الزركلي، 8/85.
[9] ) إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، ت 231هـ، أبو إسحاق النظام، من أئمة المعتزلة، تبحر في علوم الفلسفة وانفرد بآراء خاصة تابعته فيها فرقة من المعتزلة سميت النظامية نسبة إليه. وفي كتاب الفرق بين الفرق لأبي منصور البغدادي أن النظام عاشر في زمان شبابه وخالط ملاحدة الفلاسفة وأخذ عن الجميع. الأعلام، الزركلي، 1/43.
[10] ) عباد بن سليمان كان من أصحاب هشام بن عمرو الفوطي وزاد عليه بدعة فقال: ما خلق الله سبحانه وتعالى كافرا قط، قال: لأن الكافر يشتمل على ذاته وكفره، قال: والله لا يخلق الكفر عندي، ولأن الأعراض لا تدل على شىء وركب عليه، فقال: إن انشقاق القمر وفلق البحر وقلب العصا حية لا يدل على شىء من معجزاتهم ـ أي الأنبياء عليهم السلام ـ. التبصير في الدين، الأسفراييني، ص76.
[11] ) ضرار بن عمرو الغطفاني، ت 190هـ، قاض من كبار المعتزلة، طمع برئاستهم في بلده فلم يدركها. فخالفهم فكفروه وطردوه. وشهد عليه الإمام أحمد بن حنبل عند القاضي سعيد بن عبد الرحمن الجمحي فأفتى بضرب عنقه، فهرب. الأعلام، الزركلي، 3/215.
[12] ) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، 1/407.
[13] ) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، 4/232.
[14] ) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 15/262.
[15] ) البغوي الحسين بن مسعود بن محمد، الفراء أو ابن الفراء، ت 510هـ ، فقيه محدث مفسر، نسبته إلى (بغا) من قرى خراسان، بين هراة ومرو. له: «التهذيب في فقه الشافعية»، و«شرح السنة» في الحديث، و«لباب التأويل في معالم التنزيل» في التفسير، و«مصابيح السنة»، و«الجمع بين الصحيحين» وغير ذلك. الأعلام، الزركلي، 2/ 259.
[16] ) معالم التنزيل، البغوي، 4/380.
[17] ) الجهمية فرقة ضالة تنسب إلى جهم بن صفوان الراسبي، كان ينكر الصفات لله ويزعم أن الله تعالى في الأمكنة كلها، وهو من الجبرية الخالصة ظهرت بدعته بترمذ، وقتله سلم بن أحوز بمرو في أواخر ملك بني أمية سنة 128هـ، وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية، وزاد عليهم بأشياء. الملل والنحل، الشهرستاني، 1/113.
[18] ) الزيدية ثلاث فرق: الجارودية والسليمانية والأبترية، أما الجارودية فهم أتباع أبي الجارود وكان مذهبه أن النبي نص على إمامة علي بالصفة لا بالاسم وكان من مذهبه أن الصحابة كفروا كلهم بتركهم بيعة علي ومخالفتهم النص الوارد عليه، وأما السليمانية فهم أتباع سليمان بن جرير الزيدي وكان يقول: إن الإمامة شورى ومتى ما عقدها اثنان من أخيار الأئمة لمن يصلح لها فهو إمام في الحقيقة وكان يقر بإمامة أبي بكر وعمر ويجوز إمامة المفضول وكان يقول: إن الصحابة تركوا الأصلح بتركهم بيعة علي، وأما الأبترية منهم فهم أتباع الحسن بن صالح بن حي وكثير النواء الملقب بالأبتر وقول هؤلاء كقول السليمانية غير أنهم يتوقفون في عثمان ولا يقولون فيه خيرا ولا شرا. وجميع فرق الزيدية يجمعهم القول بتخليد أهل الكبائر في النار ووافقوا القدرية والخوارج في هذا المعنى، وهؤلاء الفرق الثلاثة إنما يسمون زيدية لقولهم بإمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي في وقته. التبصير في الدين، الأسفراييني، ص29.
[19] ) الجعفرية أتباع جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب اللذين كانا أصلين في الجهالة والضلالة، كان جعفر بن مبشر يقول: فساق هذه الأمة شر من اليهود والنصارى والمجوس والزنادقة، مع قوله بأنهم موحدون في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، وكان جعفر بن حرب على ضلالة أستاذه. التبصير في الدين، الأسفراييني، ص77.
[20] ) الإباضية من الخوارج، ينسبون إلى عبد الله بن إباض التميمي، وهم قوم من الحرورية، زعموا أن مخالفهم كافر لا مشرك، تجوز مناكحته، وكفروا عليا وأكثر الصحابة، وكان مبدأ ظهوره ـ أي عبد الله بن إباض ـ في خلافة مروان. تاج العروس، الزبيدي، 18/220.
