يقرّر مذهب أهل السنة والجماعة أن قدرة الله تعالى ومشيئته لا تتعلقان إلا بـالممكنات العقلية، أي بما يجوز في العقل وجوده تارةً وعدمه تارةً أخرى.
قدرة الله عز وجل هي صفة أزلية قائمة بذاته تعالى، بها يُوجِد الممكنات ويُعدمها.
وأما المشيئة فهي صفة تخصيص، يخصّص الله تعالى بها الممكنات ببعض الصفات دون بعض، وبأزمان دون أخرى، على وفق علمه الأزلي.
وعليه، لا تتعلق قدرة الله ومشيئته بواجب الوجود، أي بذات الله تعالى وصفاته، لأن ذاته واجب الوجود، لا يقبل العدم ولا التغيّر.
وكذلك لا تتعلق القدرة والمشيئة بالمستحيل العقلي، كافتراض وجود شريك لله أو ولد له سبحانه، لأن هذه الأمور ممتنعة لذاتها، لا يمكن للعقل البرهاني تصور وقوعها أو تحققها في الخارج، إذ الجمع بين النقيضين محال في بدائه العقول.
ومن ثمّ ينبغي التنبيه إلى أن عدم وقوع الممكن، لا يدل على عجز الفاعل، وإنما لعدم تعلق القدرة بالممكن، وبعبارة أخرى لضعف القابل و افتقاره الذاتي إلى من يوجده، لأنه من حيث ذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجّح.
أما المستحيل العقلي، فلا يوصف أصلًا بكونه قابلًا، لأنه لا يقبل الوجود أصلاً. وكذلك واجب الوجود لا يوصف بالقابلية، لأن فعل الله لا يتعلق به.
وأما قوله تعالى: “لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء” – الزمر: 4- معناه أنه لو جاز أن يريدَ الله سبحانه اتخاذَ ولدٍ للزم أن يجتمعَ في الشيء الواحد أن يكون عبْدًا وإلها في آن واحد، وهو مستحيل لأنه جمعٌ بين النقيضين وهما الافتقار المطلق والغنى المطلق، والكمال المطلق والنقصُ المطلق، فلما كان تجويز إرادة اتخاذ الله الولدَ مؤديا إلى المستحيلِ العقلي الذاتي المذكور كان ذلك التجويزُ مستحيلا قطعًا، وعليه فتجويز إرادة اتخاذ الله الولدَ مستحيل عقلًا، وهو الذي نص سبحانه على استحالته بأبلغ بيان بقوله: “مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ” -مريم: 35-
فولد الإله لا يمكن أن يكون على فرْضِ وجوده إلا من جنس الإله أي غنيا مثله وموصوفا بصفات الألوهية مثله لأن ذلك هو المعقول من الولدية وهي أن يشارك الوَلد والدهُ في جِنْسِه أو أخص أوصافِه، لكن هذا الفرضُ أدَّى إلى أن يكون ولَدُ الإله الذي يفترض أن يكون موصوفا بصفات الألوهية مخلوقًا فقيرًا كما أشار إليه تعالى بقوله، “لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء” – الزمر:4- أي فقد أدّى فرض إمكان إرادة اتخاذ الإله ولدًا إلى أن يكون الولدُ إلها عبْدًا في آن واحد فقيرا غنيا في آن واحد وهو مستحيل استحالة ذاتية لأنه جمع بين النقيضين، والمؤدي إلى المستحيل الذاتي مستحيل ذاتي، فالنتيجة إذنْ هي أن تجويز إرادة الله اتخاذَ الولدِ أمر مستحيل ذاتي لأنه يؤدي إلى مستحيل ذاتي.
غير أن أصحاب مذهب الحشو والتجسيم قد خالفوا هذا الأصل العقلي والشرعي، إذ لم يفرّقوا بين الواجب والممكن والمستحيل، فاعتبروا هذه الأقسام الثلاثة سواءً في تعلق القدرة والمشيئة بها.
فقالوا: لا يمتنع أن يكون الله قادرًا على أن يستقر فوق جناح بعوضة، ولكنه لم يشأ ذلك.
وقالوا أيضا: لا يمتنع أن يكون الله قادرًا على أن يتخذ ولدًا، إلا أنه لم يشأ ذلك.
وهذا القول يفضي إلى محالٍ عقلي، لأنهم جعلوا المستحيل العقلي ممكنًا بالقدرة، ثم نفوا وقوعه لعدم تعلق المشيئة به، فالتزموا بذلك القول بجواز وجود الولد لله تعالى.
لكن قال بعضهم هروبا من هذا الالزام: ” يستحيل اتخاذ الولد على الله تعالى ذاتاً، لا وقوعاً”.
أي أنهم سلّموا بأن اتخاذ الولد ممتنع من جهة الذات لأنه يناقض الألوهية، إذ الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، وهذا يستلزم المماثلة والمشابهة، والجسمية و الحاجة، وجميعها منفية عن الله سبحانه وتعالى. لكنهم جعلوه ممكنًا من جهة تعلق المشيئة به، لكنه لم يقع لأن الله لم يشأ ذلك.
وهذا التفريق باطل عقلًا وشرعًا، إذ يؤدي إلى القول بأن وجود الولد لله تعالى وعدمه سواء بالنسبة لمشيئته، والمشيئة لا تتعلق إلا بما يقبل الوجود. أما المستحيل، فليس بشيء حتى يُتصور وجوده.
فقد جعل هؤلاء المستحيل العقلي في حكم الممكن العادي، بحيث لو شاء الله إيجاده لأوجده – تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا –، وهذا قلب لحقيقة الإمكان والاستحالة، ومناقضة لصريح العقل والنقل معًا.
إنّ هذا الفهم المنحرف لتعلّق القدرة والمشيئة ينقض أصول التوحيد، لأنه يجعل ما هو ممتنع عقلا، ممكنًا في حق الله تعالى، وهو جهل بالله وصفاته، وبما يجوز في حقه وما يمتنع عليه.
لذلك، فإن القول بجواز اتخاذ الله ولدًا، ولو قُيّد بالقول: «لكنه لم يشأ ذلك»، يُعد كفرًا صريحًا وخروجًا من ملة الإسلام، لأنه يتضمن نفي التنزيه المطلق عن ذات الله سبحانه، وإثبات صفات النقص والمماثلة للمخلوقين، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.


