صفة التكوين و التخليق و الترزيق

  1. قال المؤلف رحمه الله: [والتكوين صفة لله تعالى أزلية وهو تكوينه للعالم ولكل جزء من أجزائه لوقت وجوده].
  2. قال المؤلف رحمه الله: [وهو غير المكون عندنا].
  3. قال المؤلف رحمه الله: [والفعل والتخليق والترزيق].
  4. قال المؤلف رحمه الله: ما زال بصفاته قديما قبل خلقه لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته وكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا.
  5. قال المؤلف رحمه الله: [والله تعالى خالق لأفعال العباد من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان].
  6. قال المؤلف رحمه الله: [وهي كلها بإرادته ومشيئته وحكمه وقضيته وتقديره].
  7. الله خالق الأسباب والمسببات
  8. الرد على المرجئة والقدرية من شرح الطحاوية
  9. فصل في أن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه عقيدته موافقة لعقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي خلاف ما تقوله المشبهة الوهابية وسلفهم

الصفات على وجهين ذاتيّة وفعليّة
الصفة الذاتية ما لا يصح أن يوصف الله بمقابلها كالحياة فإنه لا يصح أن يوصف بمقابلها وهو الموت.

والفعليّة ما يصح أن يوصف بها وبمقابلها كالإحياء فإنه يصح أن يوصف بالإماتة وبالإحياء. قال تعالى ﴿ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ … *﴾ [سورة يونس].
فصفات الذات أزلية بلا خلاف بين أهل الحق.
وصفات الفعل أزلية عند الماتريدية الذين على نهج أبي حنيفة رضي الله عنه. قال البيهقي: «وعلى هذه الطريقة يدل كلام المتقدمين من أصحابنا» يعني الأشاعرة ذكره في كتاب «الاعتقاد» [(494)]. والبخاري نص على ذلك [(495)] فإنه قال: باب ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرها من الخلائق «وهو فعل الربّ تبارك وتعالى وأمرهفالرب بصفاته وفعله وأمره وهو الخالق المكوّن غيرُ مخلوقوما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكوَّن» اهـ.
وقال الحافظ العسقلاني في شرح البخاري [(496)]: «ثم وجدت بيان مراده في كتابه الذي أفرده في «خلق أفعال العباد» فقالاختلف الناس في الفاعل والفعل والمفعول فقالت القدرية الأفاعيل كلها من البشروقالت الجبرية الأفاعيل كلها من اللهوقالت الجهمية الفعل والمفعول واحد، ولذلك قالوا مخلوقوقال السلف التخليق فعل الله وأفاعيلنا مخلوقة ففعل الله صفته والمفعول من سواه من المخلوقات. انتهى

ومسألة التكوين مشهورة بين المتكلمين وأصلها أنهم اختلفوا هل هو صفة قديمة أو حادثة، فقال جمع من السلف منهم أبو حنيفة هو قديم. وقال ءاخرون منهم ابن كُلاَّب والأشعري هو حادث لئلا يلزم أن يكون المخلوق قديمًا. وأجاب الأول بأنه يوجد في الأزل صفة الخلق ولا مخلوق، وأجاب الأشعري بأنه لا يكون خلق ولا مخلوق كما لا يكون ضاربٌ ولا مضروبٌ فألزموه بحدوث صفات فيلزم حلول الحوادث بالله فأجاب بأن هذه الصفات لا تُحدث في الذات شيئًا جديدًا فتعقبوه بأنه يلزم أن لا يسمى في الأزل خالقًا ولا رازقًا وكلام الله قديم وقد ثبت فيه أنه الخالق الرزاقفانفصل بعض الأشعرية بأن إطلاق ذلك إنما هو بطريق المجاز وليس المراد بعدم التسمية عدمها بطريق الحقيقة ولم يرتض هذا بعضهم بل قال وهو المنقول عن الأشعري نفسه إن الأسامي جارية مجرى الأعلام والعَلَمُ ليس بحقيقة ولا مجاز في اللغة وأما في الشرع فلفظ الخالق الرازق صادق عليه تعالى في الحقيقة الشرعية والبحث إنما هو فيها لا في الحقيقة اللغوية فألزموه بتجويز إطلاق اسم الفاعل على من لم يقم به الفعل فأجاب بأن الإطلاق هنا شرعي لا لغوي انتهى.
وتصرف البخاري في هذا الموضع يقتضي موافقة القول الأول والصائر إليه يسلم من الوقوع في مسألة حوادث لا أول لهاوبالله التوفيق» اهـ.
يعني أن القول الأول هو أن التكوين صفة قديمة أزلية والفعل أزلي وما ينشأ عن الفعل فهو مخلوق. وأمره أزلي وما كان بأمره من المخلوقات فهو محدَث، وهو المراد بالأمر في قوله تعالى في سورة يوسف ﴿ … وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ … *﴾ إذ الضمير أعيد إلى الله وبقوله تعالى ﴿ … لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا *﴾ [سورة الطلاق].
وبقوله ﴿ … قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي … *﴾ [سورة الإسراء].

وبقوله تعالى ﴿ … وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا *﴾ [سورة النساء]. وبقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث [(497)] «إن الله يُحدث من أمره ما شاء».
وأما أمر الله تعالى الذي هو كلامه فغير مخلوق ويعبّر عنه بكن لا على إرادة أن عين هذا الحرف قديم أزلي وهذا تفسير كلام البخاري.
تنبيه. أجمع أهل الحق أنّ الله ذات واحد له صفات أزلية بأزلية الذات أبدية لا تفارقه وذلك لا ينافي الوحدانية كما أنه يقال عن الفرد منا واحد مع أن له صفات. قال تعالى ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا *﴾  [سورة المدثر] فيوصف العبد بالوحدة التي تليق بالمخلوق والله موصوف بالوحدانية التي لا تشبه وحدانية العبد كما أن الله يقال له موجود والعبد يقال له موجود لكن وجود الله غير وجود الخلق.

ـ[494] المسامرة شرح المسايرة (ص/40).
ـ[495] تاج العروس (9/ 376 – 377).
ـ[496] تاريخ قزوين (4/ 72).
ـ[497] السغدي المذكور هو الإمام علي بن الحسين السغدي، إمام فاضل محدث سكن بخارى وروى عن إبراهيم بن سلمة البخاري مات سنة 461هـ. وسُغْد هي إحدى منتزهات الدنيا.

 مذهب أهل الحق أن صفات الله أزلية بأزلية الذات ليست عين الذات ولا غير الذات ويقال بعبارة أخرى ليست هي هو ولا هو هي، لأنها لو كانت عين الذات للزم أن يكون الوجود هو العلم والحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والتكوين ولا يعقل ذلك، ولو كانت غير الذات لصح وجود الذات بدون هذه الصفات ولا تصح الألوهية بدونها. وقال بعضهم ليست الصفات عين الذات في المفهوم ولا غيرًا منفكًا عن الذات في خارج الذهن. ووجَّه ذلك بعضهم بأن من رأى رأس زيدٍ أو عرف صفة من صفاته فقال رأيت أو عرفت غير زيدٍ لم يصدق عرفًا.

تتمة أهل الحق أيضًا على أن لله صفات وخالف في ذلك المعتزلة والفلاسفة وطائفة نسبوا إلى علي رضي الله عنه ما لم يقله قالوا إنه قال إن الله لا يوصف بوصفٍ وحاشاه أن يقول ذلك فليُحذر من كتاب «نهج البلاغة» وكذلك قال ابن حزمٍ [(498)] فليحذر ذلك. ولنا قوله تعالى ﴿ … وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى … *﴾  [سورة النحل] أي الوصف الذي لا يشبه وصف غيره. وما رواه البيهقي بإسنادٍ صحيح [(499)] عن ابن عباس أن اليهود أتوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد صف لنا ربك الذي بعثك فأنزل الله تعالى ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *﴾  [سورة الإخلاص] إلى ءاخرها فقال «هذه صفة ربي عزَّ وجلَّ».


ـ[498] الاعتقاد والهداية (ص/42).
ـ[499] الاعتقاد (ص/29)، الأسماء والصفات (ص/301، 312، 314).

قال الشيخ: الإبداع والاختراع والتكوين قال صاحب «شرح القاموس» الزبيدي عن هذه الألفاظ إنها خاصة بالله([1]).

قال المؤلف رحمه الله: [والتكوين صفة لله تعالى أزلية وهو تكوينه للعالم ولكل جزء من أجزائه لوقت وجوده].

(الشرح): أن التكوين عبارة عن إيجاد الله تعالى الذي هو قائم بذاته للمخلوقات التي لم تكن في الأزل موجودة لتوجد في أوقات وجودها على حسب علمه وإرادته. فالتكوين صفة من صفات الله وهو صفة أزلية أبدية وقد دل النقل والعقل على أن الله تعالى خالق للعالم مكون له، ويمتنع إطلاق المشتق على الشيء من غير أن يكون مأخذ الاشتقاق وصفا له قائما به لذلك قالوا بأزلية التكوين وهذا هو المعروف عند الماتريدية وهو قول البخاري وعدد من متقدمي الأشاعرة.

واستدل الماتريدية على قولهم هذ بامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى وبأن الله تعالى وصف ذاته في كلامه الأزلي بأنه الخلاق فلو لم يكن في الأزل خالقا للزم الكذب أو العدول إلى المجاز بمعنى الخالق فيما يستقبل أو القادر على الخلق من غير تعذر الحقيقة والعدول عن الحقيقة إلى المجاز بغير دليل لا يجوز وهنا لا دليل يوجب ذلك فامتنع التأويل بأنه أريد به الذي يخلق فيما يستقبل أو الذي هو قادر على أن يخلق.

والحاصل: أن التكوين عندهم أزلي لكن المكون حادث، فالتخليق أي تخليق الله المخلوقات أزلي والمخلوقات حادثة، قالوا كالقدرة فإن القدرة صفة أزلية والمقدور الذي تتعلق به حادث، فالتكوين باق أزلا وأبدا والمكون حادث بحدوث التعلق كما في العلم والقدرة وغيرهما من الصفات القديمة التي لا يلزم من قدمها قدم متعلقاتها لكون تعلقاتها حادثة.

 (والتكوين) ويعبر عنه بالخلق والتخليق والإحداث وهو

(صفة لله تعالى أزلية وهو تكوينه للعالم ولكل جزء من أجزائه لوقت وجوده) وهذا هو المعروف عند الماتريدية وبه قال بعض الأشاعرة (وهو) أى التكوين (غير المكون عندنا) أى عند الماتريدية أما عند أغلب الأشاعرة فالتكوين هو المكون لأنه عبارة عن أثر القدرة القديمة وليس صفة قائمة بذات الله.

قال المؤلف رحمه الله: [وهو غير المكون عندنا].

(الشرح): أن التكوين غير المكون عند الماتريدية وجماعة من قدماء الأشاعرة لأن الفعل يغاير المفعول بالضرورة كالضرب مع المضروب والأكل مع المأكول فإن الضرب غير المضروب والأكل غير المأكول.

أما أغلب الأشاعرة فلما كان التكوين عندهم عبارة عن أثر القدرة القديمة وليس صفة قائمة بذات الله فقد قالوا التكوين هو المكون والمحظور الذي اتفق الفريقان أي الأشعرية والماتريدية على بطلانه هو جعل المكون قديما أزليا.

 فعل النبي والصحابة رضي الله عنهم فهو كسب منهم والله خالقه، وهذا دليل لأهل السنة على أن الله خالق كل شيء وليس العبد يخلق فعله كما تقول المعتزلة، فإنه بقولهم: «إن العبد يخلق فعله الاختياري وليس الله يخلقه» قد جعلوا لله شركاء لا يحصون وهذا كفر صراح. ومن أوضح الأدلة على مذهب أهل الحق أي على أن العباد لا يخلقون شيئا من أفعالهم قوله تعالى: {فلم تقتلوهم ولـكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولـكن الله رمىٰ} [سورة الأنفال: 17] فإن القتل للكفار حصل منهم ونسبه الله إليهم معنى من حيث الظاهر أي الكسب ونفاه عنهم من حيث التكوين كذلك رمي الرسول الكافرين بالحصى الذي ملأ أعينهم فانهزموا حصل من الرسول r كسبا فنسبه الله تعالى إلى نبيه من حيث كسب النبي لهذا الفعل ونفى عن النبي أن يكون هو خالقا لرميه.

قال المؤلف رحمه الله: [والفعل والتخليق والترزيق].

(والفعل والتخليق والترزيق) والإحياء والإماتة ترجع إلى صفة التكوين أى أن الله تعالى متصف بصفة أزلية قائمة بذاته هى التكوين فإذا تعلقت بالرزق سميت ترزيقا وإذا تعلقت بحياة مخلوق سميت إحياء وإذا تعلقت بموته سميت إماتة فالترزيق تكوين مخصوص وكذا الإحياء والإماتة. واختلف الأشاعرة والماتريدية فى صفات الأفعال والاختلاف بينهم لفظى فقال الماتريدية إنها أزلية فهى عندهم صفات قائمة بذاته أى ثابتة له وقال الأشاعرة إنها حادثة لأنها عبارة عن تعلقات القدرة الأزلية أى عن ءاثارها وإنما سميت صفات لإضافتها إلى الله تعالى والفريقان متفقان على أن الله تعالى لا تقوم بذاته صفة حادثة. والراجح أن صفات الفعل أزلية وليست حادثة وهذا مذهب كثير من قدماء الأشاعرة قال البخارى رحمه الله فى كتاب التوحيد والفعل صفته فى الأزل والمفعول مخلوق والتخليق صفته فى الأزل والمخلوق مكون حادث.

(الشرح): أن الله تعالى متصف بصفة أزلية حقيقية قائمة بالذات هي صفة التكوين فإذا تعلقت بالرزق سميت ترزيقا وإذا تعلقت بحياة شيء سميت إحياء وإذا تعلقت بموته سميت إماتة فالترزيق تكوين مخصوص وكذلك الإحياء والإماتة وغير ذلك مما أسند إلى الله تعالى من الأفعال كل منها راجع إلى صفة التكوين أي أن كل فعل من التخليق والإماتة والإحياء ونحو ذلك إنما يرجع إلى صفة واحدة وهي التكوين.

والذي قررناه هو كلام الماتريدية في هذه المسألة. وذهب أغلب الأشاعرة إلى أن التخليق والترزيق والإحياء والإماتة كل هذه الصفات عندهم ليست قديمة بل حادثة لأنهم لا يرون أن هذه الصفات صفات قائمة بذات الله بل يرون أنها ءاثار القدرة الأزلية وإنما سميت صفات لإضافتها إلى الله تعالى.

(فائدة): قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر ما نصه وأما الفعلية فالتخليق والترزيق والإنشاء والإبداع والصنع وغير ذلك من صفات الفعل لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته لم يحدث له اسم ولا صفة، لم يزل عالما بعلمه والعلم صفة في الأزل وقادرا بقدرته والقدرة صفة في الأزل ومتكلما بكلامه والكلام صفة في الأزل وخالقا بتخليقه والتخليق صفة في الأزل وفاعلا بفعله والفعل صفة في الأزل، والفاعل هو الله تعالى والفعل صفة في الأزل والمفعول مخلوق وفعل الله تعالى غير مخلوق، وصفاته في الأزل غير محدثة ولا مخلوقة فمن قال إنها مخلوقة أو محدثة أو وقف فيها أو شك فيها فهو كافر بالله تعالى اهـ فمن اعتقد أن صفة حادثة تقوم بذات الله تعالى فهو كافر بالإجماع، وأما الأشاعرة فلا يتوجه هذا الكلام إليهم لأن إطلاقهم اسم صفة الفعل على أثر القدرة ليس على معنى الصفة الذي عناه الإمام أبو حنيفة وغيره من المتكلمين.

قال المؤلف رحمه الله: ما زال بصفاته قديما قبل خلقه لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته وكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا.

   الشرح يجب لله تعالى القدم ووجوبه بالشرع والعقل، أي لو لم يكن قديما أي أزليا لكان حادثا ولو كان حادثا لاحتاج إلى محدث وذلك ينافي الألوهية، ثم الحدوث مستحيل عليه شرعا أيضا لأن الله تعالى قال: ﴿هو الأول﴾ [سورة الحديد/3] أي الموجود الذي ليس له ابتداء [في علم البيان مما يفيد الحصر كون المبتدإ والخبر معرفة. قال الله تعالى: ﴿هو الأول﴾ هو ضمير والضمائر معرفة، الأول هذا اللفظ معرف بأل التعريف فيكون هنا المبتدأ والخبر كلاهما معرفة فيفيد ذلك الحصر. ﴿هو الأول﴾ أي الله سبحانه وتعالى هو الموجود بلا بداية وهذا الأمر محصور أي لا شىء لا ابتداء لوجوده إلا الله سبحانه وتعالى]، فالأول في هذه الآية الموجود الذي ليس لوجوده ابتداء لأن الأولية النسبية يقترن بها الحدوث الذي هو مستحيل على الله، فلا معنى للأولية في حق الله إلا الأولية المطلقة. ويجب القدم أيضا لصفاته لأنه لو لم تكن صفاته أزلية بل كانت تحدث في الذات لكان ذلك موجبا لحدوث الذات، فتغير الأحوال على الذات هو أكبر أدلة الحدوث، فصفاته أزلية بأزلية الذات أي لا يجوز أن تختلف الصفات عن الذات القديم الأزلي. فنعلم من ذلك أنه لا يطرأ على الله صفة لم تكن في الأزل، ولا يتجدد لله علم ولا إرادة ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر.

   ثم الصفات التي يجب لها القدم اختلف فيها طائفة أهل السنة [في أواخر القرن الثالث ظهر إمامان من بين أهل السنة أحدهما يقال له أبو الحسن الأشعري والآخر يقال له أبو منصور الماتريدي، هذان اعتنيا بتقرير عقيدة أهل السنة مع بيان الأدلة العقلية والنقلية فصار أهل السنة ينسبون إلى هذين الإمامين يقال هذا أشعري وهذا ماتريدي والأشعرية أكثر، قال الزبيدي: إن جمهور الأمة الأشاعرة والماتريدية] فمنهم من قال صفات أزلية أي صفات الذات [الأشاعرة يقولون الصفات الأزلية الأبدية تلك الثمانية الحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والكلام والبقاء وبعض الأشاعرة قالوا سبعة ما أدخلوا البقاء في صفات المعاني] فعند هؤلاء صفات الأفعال حادثة لأنها لا تقوم بالذات إنما هي ءاثار القدرة الأزلية، هؤلاء هم الأشاعرة، أي الطائفة المنسوبة إلى الإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه، وليس ذلك قول جميع الأشاعرة بل هو قول بعضهم، وغلب ذلك على أكثر الأشاعرة المتأخرين، أما المتقدمون فكان كثير منهم يقول بأزلية صفات الأفعال أيضا، وصفات الأفعال هي إحياؤه لمن شاء حياته من المخلوقات وإماتته لمن يميته، والإسعاد والإشقاء وغير ذلك مما لا يحصى، ويعبر عن ذلك عند الماتريدية بالتكوين، فالتكوين عندهم صفة من الصفات القديمة الأزلية. ولا يلزم من قدم التكوين قدم المكون، قالوا كما لا يلزم من قدم القدرة الإلهية قدم المقدورات فهذا العالم مقدورات الله أحدثه الله بقدرته الأزلية، فالقدرة أزلية ومتعلقها وهو العالم حادث قالوا كذلك التكوين أزلي والمكونات حادثة، ويعبر عن ذلك أيضا بالفعل، فيقال فعل الله أزلي ومفعوله حادث، فإذا كان كذلك تبين وظهر أنه تبارك وتعالى لم يزدد بإحداثه الخلق صفة حادثة.

قال المؤلف رحمه الله: [والله تعالى خالق لأفعال العباد من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان].

أى مبرزها من العدم إلى الوجود وليس كما يقول المعتزلة بأن العبد يخلق أفعاله قال الله تعالى ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ أى وعملكم وقال رسول الله ﷺ إن الله صانع كل صانع وصنعته أى إن الله خالق كل عامل وعمله رواه الحاكم فى المستدرك والبيهقى فى شعب الإيمان (وهى) أى أفعال العباد (كلها بإرادته ومشيئته) حاصلة أى بتخصيص الله لها بالوجود (وحكمه) أى حاصلة بحكم الله وأراد بالحكم الإرادة التكوينية أى إرادة الله وجود الأشياء فتوجد بتكوين الله (وقضيته) أى قضائه والقضاء بمعنى الخلق (وتقديره) أى بإيجاد الله لها على حسب علمه الأزلى ومشيئته الأزلية.

(الشرح): أن الخالق لكل شيء من الحادثات من الأعيان والأفعال أي المبرز لها من العدم إلى الوجود هو الله وحده لا يشاركه في ذلك أحد وهذا هو الخلق الذي لا يجوز إسناده إلا إلى الله. وليس الأمر كما زعمت المعتزلة أن العبد خالق لأفعاله وعمموا ذلك في كل ذي روح حتى البقة فإنها عندهم تخلق حركاتها وسكناتها والعياذ باللٰه تعالى.

ويكفي دليلا لأهل السنة من حيث العقل أن يقال لو كان العبد خالقا لأفعاله لكان عالما بتفاصيلها ضرورة أن إيجاد الشيء بالقدرة والاختيار لا يكون إلا من العالم وكل منا يعلم بالضرورة أن المشي من موضع إلى موضع قد يشتمل على سكنات متخللة وعلى حركات بعضها أسرع وبعضها أبطأ ولا شعور للماشي بذلك وليس هذا ذهولا عن العلم بل لو سئل لم يعلم فكيف إذا تأملنا في حركات سائر أعضائه في التقلب والقفز والأخذ والبطش ونحو ذلك فظهر أن العقل يحكم بأن العبد ليس خالقا لأفعاله.

ودليل أهل الحق من حيث النقل قوله تعالى: {وخلق كل شيء} [الأنعام: 101] لأن الشيء يشمل الأجسام والحركات والسكنات والإرادات والنوايا وسائر الأعراض ولا سبيل للمخالفين إلى أن يخصصوا الشيء بالأجسام لأن ذلك مخالف للغة فثبت عمومه الأجسام والأفعال.

ثم هذا التخصيص ينافي أن الله تمدح بذلك فلو كان الذي هو مخلوق له الأجرام فقط ليس أفعال العباد كحركاتهم وسكناتهم لم يكن في إخباره بأنه خلق كل شيء تمدح فإن حركات ذوات الأرواح وسكناتهم أكثر من أجرامهم بكثير من المضاعفات.

ومن دلائل أهل الحق السمعية قوله تعالى في مقام التمدح بالخالقية لكونها مناطا لاستحقاق العبادة {أفمن يخلق كمن لا يخلق} [النحل: 17].

(تنبيه): وصف الإمام أبو منصور عبد القاهر التميمي المعتزلة بالشرك فقال القدرية مشركون بربهم لقولهم بأن العبد يخلق أفعاله اهـ. وهو وصف صحيح سديد. والإمام عبد القاهر البغدادي من أئمة الشافعية الأشعريين وقد نقل في كتابه تفسير الأسماء والصفات إجماع الأشاعرة على تكفير المعتزلة والمشبهة. وقال أيضا اعلم أن تكفير كل زعيم من زعماء المعتزلة واجب. اهـ.

وقد سبقه إلى وصفهم بالشرك كل من الإمامين الأشعري والماتريدي رحمهما الله، ويؤيده ما رواه الإمام الحافظ المجتهد محمد بن جرير الطبري في كتابه تهذيب الآثار وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية. اهـ ومراد النبي بقوله في الحديث [من أمتي] أمة الدعوة وتشمل الكافرين والمؤمنين وقد تقدم بيان ذلك فيكون معنى الحديث أن هاتين الفرقتين من بين أمة الدعوة الذين أرسلت إليهم وليس لهم نصيب في الإسلام أي أنهم كفار خارجون عن الدين ولو انتسبوا إليه فاعرفوا ذلك.

فالقول المعتمد الذي عليه الأكابر من متقدمي الماتريدية والمتقدمين من الأشاعرة تكفير المعتزلة، وقد كفرهم الإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة والإمام أحمد والإمام مالك رضي الله عنهم.

وقد نقل جمع من الشافعية والحنفية منهم الإمام أبو منصور الماتريدي والإمام عبد القاهر البغدادي أن المعتزلة يقولون عن الله كان قادرا على خلق مقدور العبد قبل أن يعطيه القدرة عليها وبعد أن أعطاه القدرة عليها صار عاجزا اهـ. وكذلك نقله عنهم من متقدمي الشافعية أبو سعيد المتولي وإمام لحرمين، كما نقله عنهم أيضا الإمام أبو الحسن شيث بن إبراهيم المالكي في كتابه حز الغلاصم، فبعد هذا كيف يمترى في تكفير المعتزلة أم كيف يتردد في ذلك وقد جزوا ربهم، كيف وقد أشركوا العبد مع الله في صفة الخلق أي إبراز المعدوم من العدم إلى الوجود، والخلق بهذا المعنى أظهر خصائص الألوهية حتى قال الإمام أبو الحسن الأشعري في تفسير معنى الإلٰه الألوهية قدرة اختراع الأعيان والأعراض اهـ.

وقد قدمنا أنه ليس كل معتزلي يعتقد جميع مقالاتهم بل منهم من يقول ببعضها ولا يقول ببعض فإذا كفرناهم فلا نعني تكفير كل من ينتسب إلى الاعتزال إنما نعني من ثبتت في حقه قضية معينة تقتضي تكفيره كذه المسألة.

(فائدة): روى اللالكائي عن الإمام مالك أنه سئل عن نكاح القدري وتزويجه فقال: {ولعبد مؤمن خير من مشرك} [البقرة: 221] اهـ قال ابن العربي  المالكي الصريح من أقوال مالك تكفير من أنكر القدر حيث سئل عن نكاحهم فذكر الآية {ولعبد مؤمن خير من مشرك} ومن حكى في ذلك غير ما أوردناه فذلك لضعف معرفته بالأصول فلا يناكحون ولا يصلى عليهم فإن خيف عليهم الضيعة دفنوا كما يدفن الكلب فلا يؤذى بجوارهم مسلم وإن قدر عليهم الإمام استتابهم فإن تابوا وإلا قتلهم كفرا اهـ. وتكفير القدرية أي منكري القدر الذين أنكروا أن يكون الله قد شاء حصول الشر من العباد قد صرح به كثير من السلف وهذا عين مقالة المعتزلة فما في مؤلفات بعض المتأخرين من إطلاق عدم تكفيرهم أو القول بأن في تكفيرهم قولين الراجح منهما عدم التكفير شذوذ ومخالفة للقرءان والحديث ونصوص أئمة مذاهبهم والإمامين الماتريدي والأشعري فلا عبرة بها. وهذا فيمن علم منه من المعتزلة أنه يقول بهذه المسألة وأشباهها وأما لمجرد الانتساب إليهم فلا يحكم عليه بالكفر كما قدمنا.

قال المؤلف رحمه الله: ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره.  

   الشرح أي لا معقب لحكم الله تبارك وتعالى، أي لا يجعله باطلا، فإن أريد بالحكم الخطاب التكليفي للعباد كان هذا تفسيره [قال تعالى: ﴿ويحكم في خلقه ما يشاء﴾ أي أنه سبحانه وتعالى يحرم الأشياء ويفرض ما يشاء]، وإن أريد بالحكم الحكم التكويني وهو بمعنى أن لا أحد يستطيع أن يمنع نفاذ إرادة الله [قال الشيخ رضي الله عنه: الله خلق العالم بالقدرة والحكم كما أن العالم بقدرته أوجده، بحكمه أيضا أوجده، هذا معنى قوله تعالى ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ ليس معناه أن الله يقول بالكاف والنون فمن نسب له ذلك كافر. بعض الناس كذب على الله فقال: «سبحان من أمره بين الكاف والنون» هذا كلام إنسان خبيث، ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أي صحابي. أما في القرءان «كن» معناه بالحكم الأزلي، تكلم في الأزل فوجد العالم هذا معناه. الله حكم والحكم كلامه حكم بوجود العالم فوجد العالم]، فما أراده تم لا محالة أي نفذ [وذلك لأن في رد قضاءه إثبات عجزه والعجز على الله محال فلا يرد قضاء الله راد].  

   وقوله: «ولا غالب لأمره» أي لا يغلب أمر الله غالب [أي لا أحد يمنع نفاذ مشيئة الله والأمر هنا بمعنى المفعول والمقدر الذي أراد الله وجوده].

قال المؤلف رحمه الله: [وهي كلها بإرادته ومشيئته وحكمه وقضيته وتقديره].

(الشرح): أن أفعال العباد حاصلة بإرادة الله أي بتخصيص الله تعالى لها بالوجود وهذا معنى الإرادة والمشيئة.

وقوله: [وحكمه] أي: أن أفعال الخلق حاصلة بحكم الله، وأراد بالحكم هنا الإرادة التكوينية أو الخطاب التكويني لا الخطاب التكليفي لأن الله تعالى لا يكلف العباد بالمعاصي ولا بالمباحات.

وأما قوله: [وقضيته] فمعناه وقضائه، والقضاء هنا معناه الخلق أي أن أفعال العباد كلها بخلق الله وتكوينه حصلت.

وقول المؤلف: [وتقديره] التقدير هو تحديد كل شيء بحده الذي يوجد به من حسن وقبح ونفع وضر وما يحويه من زمان ومكان وما يترتب عليه من ثواب وعقاب.

قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله في الفقه الأكبر [وهي] أي أفعال العباد [كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره، والطاعات كلها ما كانت واجبة بأمر الله تعالى وبمحبته وبرضائه وعلمه ومشيئته وقضائه وتقديره، والمعاصي كلها بعلمه وقضائه وتقديره ومشيئته لا بمحبته ولا برضا ولا بأمره] اهـ.

فإن قيل فيكون الكافر مجبورا في كفره والفاسق في فسقه فلا يصح تكليفهما بالإيمان والطاعة، قلنا إنه تعالى أراد منهما الكفر والفسق باختيارهما فلا جبر كما أنه علم منهما الكفر والفسق بالاختيار ولم يلزم من ذلك تكليف بالمحال.

والمعتزلة أنكروا إرادة الله تعالى للشرور والقبائح التي تحصل من العباد حتى قالوا إنه أراد من الكافر والفاسق إيمانه وطاعته لا كفره ومعصيته زعما منهم أن إرادة القبيح منه قبيحة كما أنها منا قبيحة، وجواب أهل الحق منع ذلك قالوا بل القبيح كسب القبيح والاتصاف به وهذا وصف العبد، فكما لا يلزم من خلق الله تعالى الخنزير ونحوه نسبة القبح إلى الله تعالى كذلك لا يلزم من تخليق الله تعالى بمشيئته معاصي العباد نسبة القبح لله تبارك وتعالى.

ويقال للمعتزلة يلزم من قولكم أن يكون أكثر ما يقع من أفعال العباد على خلاف إرادة الله تعالى فقد جعلتم أفعال العبد التي لا تدخل تحت الحصر مخلوقة للعبد وجسم العبد فقط مخلوقا لله تعالى وهذا أمر شنيع جدا.

وقد حكي أن القاضي عبد الجبار الهمداني وهو من رؤوس المعتزلة دخل على الصاحب بن عباد وعنده الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني فلما رأى الأستاذ قال سبحان من تنه عن الفحشاء فقال الأستاذ على الفور سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء فقال عبد الجبار أيحب ربنا أن يعصى فقال الأستاذ أيعصى ربنا قهرا فقال عبد الجبار أرأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالردى أحسن إلي أم أساء فقال أبو إسحاق إن منعك ما هو لك فقد أساء وإلا فهو يفعل في ملكه ما يشاء فسكت عبد الجبار وانقطع اهـ.

الله خالق الأسباب والمسببات

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى جميع إخوانه الأنبياء والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين.

قال أهل الحق وهم أهل السنة والجماعة لما كان الله تبارك وتعالى منفردا بالخلق أي الإحداث من العدم إلى الوجود لا يشاركه في ذلك شىء لا من ذوي الأرواح ولا من الجمادات ولا من الأسباب العادية، لا يشارك الله تعالى شىء في خلق شىء من منفعة أو مضرة أو عين أو أثر لما علموا من قول الله تعالى: {هل من خالق غير الله   وقوله:{وخلق كل شىء   وقوله: {قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار (16) وقول رسوله الكريم ﷺ: «إن الله صانع كل صانع وصنعته» رواه البخاري والحاكم والبيهقي.

فعلمنا أن الأسباب العادية ليست خالقة لشىء من مسبباتها بل الله خالق الأسباب والمسببات، وهذا الترابط بين الأسباب والمسببات أمر أجرى الله به العادة أي أن الله تعالى يخلق المسبب عند وجود السبب فكلاهما أي السبب والمسبب يستند في وجوده وحصوله ووقوعه إلى إيجاد الله تعالى، وكثير من الناس يقفون في تفكيرهم عند الظاهر فيقضون ويحكمون بأن هذه الأسباب هي تخلق المسببات وهذا خلاف الحقيقة، لو كانت الأسباب تخلق المسببات لوجب حصول المسبب عند كل سبب والواقع خلاف ذلك، نجد كثيرا من الأسباب تستعمل ولا يوجد إثرها المسبب فبذلك يعلم أن الأسباب بقدر الله والمسببات بقدر الله، فإن سبق في مشيئة الله وعلمه الأزليين وجود هذا المسبب إثر السبب كان ذلك حتما حصوله، لأن الله شاء وعلم أن هذا السبب يحصل إثره المسبب لا محالة من ذلك، أما إن لم يكن سبق في علم الله ومشيئته حصول المسبب إثر هذا السبب فلا يحصل ذلك المسبب.

روينا فيما يشهد لهذا حديثا في صحيح ابن حبان أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله خلق الداء وخلق الدواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله»([1]).

قوله عليه الصلاة والسلام برأ بإذن الله دليل على أن الأسباب من أدوية وغيرها لا توجب في طبعها بذاتها حصول المسبب وشاهد الواقع يشهد بذلك، نرى كثيرا من الناس يتداوون بدواء واحد وأمراضهم متحدة فيتعافى بعض منهم ولا يتعافى الآخرون، فلو كان الدواء هو يخلق المسبب الذي الشفاء إذا كان كل واحد يستعمل ذلك الدواء يتعافى حتما ولم يكن هناك حصول الشفاء لبعض وعدم حصوله لبعض، لهذا قال عليه الصلاة والسلام “فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله”فبذلك نعلم أن الأدوية وجودها بتقدير الله والشفاء بتقدير الله ليست الأدوية تخلق الشفاء بحيث لا يتخلف عند استعمال أي دواء حصول الشفاء إثره، كذلك سائر الأسباب العادية النار ليست موجبة لحصول الاحتراق إنما الله تعالى شاء أن يحصل إثر مماسة النار للشىء الاحتراق، فإذا حصلت مماسة النار لشىء ولم يحصل الاحتراق علمنا بأن المانع من حصول الاحتراق إثر مماسة النار هو أنه سبق في علم الله ومشيئته الأزليين أنه لا يحصل الاحتراق إثر مماسة النار لهذا الشىء، الله تبارك وتعالى خلق ألوانا وأشكالا من ذوات الأرواح جعل في بعضها ما لم يجعل في الآخرين، هذا الطير المسمى السمندل ويقال له السمند بلا لام ويقال له السندل بالسين هذا معروف أنه لا يحصل له احتراق، جلده لا يحترق بالنار، وهو هذا الحيوان في حياته يدخل النار ويتهنأ فيها وهو عزيز الوجود.

يقول ابن خلكان في تاريخه عن اللغوي المشهور عبد اللطيف البغدادي، هذا من أئمة اللغة، يقول شاهدت قطعة من جلد السمندل أهديت إلى الملك الظاهر بن الملك الصالح صلاح الدين عرض ذراع في طول ذراعين صاروا يغمسونها في الزيت ثم يشعلونها فتشتعل النار ثم تنطفئ النار وتبقى تلك القطعة بيضاء نقية، وهذا الحيوان كغيره من الحيوانات مؤلف من لحم ودم وعظم، فلو كانت النار تخلق الإحراق بطبعها لم يحصل تخلف الإحراق للسمندل إذا مسته النار، بل كان يحترق كما يحترق غيره، قال بعض الشعراء من شعراء الأندلس وهو جابر بن صابر المنجنيقي وهو من شعراء القرن السابع:

قل لمن يدعي الفخار دع الفخر لذي الكبرياء والجبروت

نسج داود لم يفد ليلة الغار وكان الفخار للعنكبوت

معناه ليلة كان رسول الله ﷺ في الغار هو وأبو بكر حماهما الله تعالى بنسج العنكبوت فكان الفضل لنسج العنكبوت ولم يكن هذا الفضل لنسج داود، نسج داود هو الدرع، معناه الله تعالى لم يحمهما بنسج داود بل حماهما بنسج العنكبوت وهو من الخلق الضعيف. قال:

وبقاء السمند في لهب النار           مزيل فضيلة الياقوت

وكذاك النعام يستمرئ الجمر         وما الجمر للنعام بقوت

المعنى أن الياقوت إذا لم يؤثر به النار فليس ذلك أمرا مستغربا لأنه حجر، أما السمند فهو من لحم ودم يعني أن عدم احتراق السمند في لهب النار يدل على أن له ميزة ليست للياقوت، فالحاصل أنه يجب اعتقاد أن الأسباب لا تخلق مسبباتها بل الله يخلق المسببات إثر الأسباب أي أنه تعالى هو خالق الأسباب وخالق مسبباتها، وعلى هذا المعنى يشهر ما شاع وانتشر على ألسنة المسلمين في أثناء أدعيتهم يا مسبب الأسباب، معناه أن الله تعالى هو الذي خلق في الأسباب حصول مسبباتها إثر استعمالها وهذا من كلام التوحيد الذي هو اشتهر وفشا على ألسنة المسلمين علمائهم وعوامهم وهو يرجع إلى توحيد الأفعال أي أن الله تبارك وتعالى هو الذي فعله لا يتخلف أثره، إذا شاء حصول شىء إثر مزاولة شىء حصل لا محالة، لا بد، فكما أن الله تبارك وتعالى هو خالق المسببات إثر استعمال الأسباب فهو خالق العباد حركاتهم وسكناتهم لا خالق لشىء من ذلك غيره.

فالإنسان مكتسب لأعماله الاختيارية ليس خالقا بل الله خالقها، فحركاتنا الله تعالى هو الذي يجريها على أيدينا ولا فرق في ذلك بين أعمالنا التي هي حسنات وبين أعمالنا التي هي سيئات، المراد بالحسنات هنا الطاعات والمراد بالسيئات المعاصي، فالطاعات من الإيمان وما يتبعه من صلاة وصيام إلى غير ذلك مما لا يحصى والسيئات من الكفر وما بعده كل ذلك بخلق الله تعالى، هذا الاعتقاد هو اعتقاد الفرقة الناجية وهم الصحابة الذين تلقوا عن رسول الله المعتقد الإيماني ثم تلقى منهم التابعون ثم أتباع التابعين تلقوه ممن لقوه وهلم جرا، هذا هو عقيدة الفرقة الناجية وتسميتهم الفرقة الناجية ليس لأقليتهم بالنسبة للفرق المنتسبة للإسلام المخالفة لهم، بل هذه الفرقة الناجية هي الأكثر، أما أولئك الفرق المخالفة التي خالفت الفرقة الناجية في معتقدها فأولئك وإن تعددت أسماؤهم فقد بلغت إلى اثنتين وسبعين فرقة فإنهم الأقل، وهذه الفرق الاثنتان والسبعون الشاذة الضالة كثير منها انقرضوا ولم يبق إلا أقلهم، وقد حذر رسول الله ﷺ من الخروج عن جماعة المسلمين أي جمهورهم الذين هم يكونون على ما كان عليه رسول الله ﷺ في الاعتقاد وإن ابتعد أكثرهم من حيث الأعمال لما وقعوا فيه من التقصير والإهمال للعمل بما يجب عليهم من الأعمال البدنية لكنهم من حيث المعتقد على ما كان عليه رسول الله ﷺ.

روينا في صحيح ابن حبان وسنن الترمذي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال قام فينا رسول الله ﷺ خطيبا فقال: «من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة» المعنى من أراد أن يكون من أهل الجنة الذين يسكنون بحبوحتها فلا يفارق الجماعة([2]). المراد بالجماعة جمهور الأمة لأن جمهور الأمة في اعتقادهم دائما على الصواب، هذه الكلمة الشائعة على ألسنة المسلمين سلفهم وخلفهم خواصهم وعوامهم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، هذا هو معتقد الرسول عليه السلام ومعتقد الصحابة ومن تبعهم بإحسان.

ما شاء الله كان معناه كل شىء يدخل في الوجود بمشيئة الله وأن ما لم يشإ الله في الأزل دخوله في الوجود لم يكن، لا يدخل في الوجود، لا أحد يستطيع أن يغير ذلك، لو اجتمع أهل الأرض والسماء على أن يفعلوا شيئا من الأشياء لم يستطيعوا أن يفعلوا ذلك إلا أن يكون الله شاء في الأزل قبل أن يخلقهم حصول ذلك الشىء على أيديهم، هذه الكلمة المأثورة التي أثرت عن السلف فبقيت في الخلف ولا تزال باقية ما بقي المسلمون على وجه الأرض، وأصل هذه الكلمة من صاحب الشرع ﷺ ثم تلقاها المسلمون من الصحابة فمن دونهم إلى يومنا هذا وهي ذكر من الأذكار المأثورة هذه عين عقيدة أهل الحق لأنها تثبت وحدانية الله تعالى في تخليقه وتكوينه، المعنى أنه لا يحصل عين ولا أثر أي لا يدخل في الوجود عين ولا أثر ولا حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله الأزلية، أي إن كان الله شاء حصول شىء من أعيان الأشياء أي أجرامها أو أثر من الآثار أي حركة أو سكون فلا بد أن يحصل فنحن لا نعلم إلا ما شاء الله لنا أن نعلمه قال الشاعر:

وأعلم علم اليوم والأمس قبله        ولكنني عن علم ما في غد عمي

ما سيأتي بعد هذه اللحظة التي نحن فيها غيب عنا فنقول إن شاء الله حصول كذا وكذا بعد هذه اللحظة لا بد أن يحصل وإن لم يشأ لا يحصل.

قال الله تعالى: وما تشاءون إلا أن يشاء الله(30)سورة الإنسان. مشيئتنا لا تحصل إلا بمشيئة الله الأزلية. نحن نقول نحن لنا أفعال لا تحصل إلا بمشيئة الله وتقديره وعلمه الأزلي، ثم جعل هذه الأعمال صنفين اختيارية وغير اختيارية فالاختيارية لنا فيها ميل وغير الاختيارية ليس لنا إليها ميل، الاختيارية مكتسبة لنا لا نخلقها بل نكتسبها، الأعمال الاختيارية معروفة أما الأعمال الغير اختيارية مثل الشخص المدفوع من خلف فوقع في وهدة، هذا النزول في الوهدة ليس باختياره كذلك الذي تطيره الريح.

وبالسند إلى الإمام أحمد بن الحسين أبي بكر البيهقي رحمه الله بإسناده إلى رافع ابن خديج صاحب رسول الله ﷺ أنه قال: «سيكون في أمتي أقوام يكفرون بالله وبالقرءان وهم لا يشعرون»، فقلت: يا رسول الله كيف يقولون؟ قال: «يقرون ببعض القدر ويكفرون ببعض، يقولون إن الخير من الله والشر من الشيطان»، وهذه مقالة طائفة من القدرية أي المعتزلة.

وأصل معتقد المعتزلة أن الله تبارك وتعالى شاء لكل العباد أن يكونوا مؤمنين ثم يكون منهم ما شاء الله تعالى ويكون منهم ما لم يشإ الله تعالى، فهؤلاء القدرية مع الجبرية على طرفي نقيض، هؤلاء قالوا إن العبد لا فعل له وهؤلاء المعتزلة قالوا إن العبد هو يخلق أفعاله فليس لله تصرف في ذلك، وبين هذين الفريقين وسط وهو مذهب أهل الحق أن العبد له الكسب وليس له الخلق فصرنا نحن معاشر أهل الحق على خلاف لهؤلاء وخلاف معتقد هؤلاء، فأهل الحق مثلهم كمثل الحليب، الله تعالى يخرج الحليب من بين فرث ودم، يخرجه سائغا للشاربين هذا معتقد أهل الحق، لم نصب بما أصيب به هؤلاء ولا بما أصيب به هؤلاء([3]).

المسلمون المتلوثون بالذنوب المصائب التي تصيبهم كفارات لبعض ذنوبهم وقد تطهرهم هذه المصائب من جميع ذنوبهم فالمسلمون الذين هم من أهل المعاصي على قسمين قسم منهم المصائب تكون كفارات لبعض ذنوبهم ويبقى عليهم قسم من ذنوبهم يجازون بها في الآخرة وقسم منهم يطهرهم الله تعالى بهذه المصائب فيخرجون من الدنيا كيوم ولدتهم أمهم من كثرة المصائب من أمراض وغير ذلك، لكن هذا باعتبار أغلب العباد، أغلب العباد لا يخلون من المعاصي فعلى ذلك جاء قول الله تعالى: وما أصابك من سيئة فمن نفسك (79.سورة النساء.

فالمعتزلة كذبوا قوله تعالى: والله غالب على أمره (21سورة يوسف.  أي لا بد من حصول مراده، فالقدرية أكبر ضلالهم نشأ من هنا أنهم قالوا الله تعالى ما له تصرف في أعمال العباد بعد أن أعطاهم القدرة عليها، هم يخلقون أعمالهم خيرها وشرها لكن شاء أن يعملوا الحسنات كلهم، شاء أن يكون كل العباد مؤمنين طائعين فأغلب العباد من الإنس والجن خرجوا عن مشيئة الله، المعنى أنهم غلبوا مشيئة الله وهذا كفر، جعلوه مغلوبا، نحن ننزهه عن المغلوبية فنقول كل ما يحصل من العباد من معاص وشرور فهو بمشيئة الله وعلمه، والمعتزلة في العلم لا يخالفوننا يقولون الله تعالى كان عالما في الأزل أن فلانا وفلانا وفلانا يعملون هذه المعاصي باختيارهم إنما يخالفوننا في المشيئة، أما من حيث الخلق أي التكوين فكل أعمال العباد عندهم هم يخلقونها، هذان أصلان من أصول ضلالات المعتزلة، فالمعتزلة نسبوا إلى الله ما يجب تنزيهه عنه، عميت قلوبهم عن إدراك الحق حتى إن معتزليا ذات يوم كان في سفينة وكان إلى جانبه مجوسي، أي من هؤلاء الذين يعبدون النار، فقال المعتزلي الذي يعتقد أن الله شاء لكل العباد الإيمان والطاعة ولم يشأ أن تحصل من واحد منهم معصية، قال لهذا المجوسي: لماذا لا تسلم؟ قال له المجوسي: الله لم يشأ لي، فقال المعتزلي الذي يدعي الإسلام: الله شاء لك الإيمان ولكن الشيطان منعك، فقال هذا الكافر المجوسي: إذا أنا مع الغالب، معناه على حسب قولك الشيطان غالب والله مغلوب إذا أنا أبقى مع الغالب أي مع الشيطان فلا أسلم.المجوسي عابد النار عرف أن هذا القول يؤدي إلى أن الله مغلوب.

هذا لبعدهم من التسليم لله، لأن الإيمان من لوازمه التسليم لله تعالى، معنى التسليم أن يقال إن الله تعالى هو خالق كل ما يدخل في الوجود بإرادته الأزلية ومشيئته الأزلية وعلمه الأزلي ما كان خيرا من أعمال العباد وما كان شرا، كل ذلك لا يدخل في الوجود إلا على حسب علم الله ومشيئته الأزليين، ومع ذلك لا يكون الله تعالى ظالما وجائرا إذا عذب العبد على ما يحصل منه من المعاصي التي هي تحصل منهم بعلم الله ومشيئته الأزليين.

قدماء المعتزلة ما كانوا يصرحون بالعجز أما متأخروهم نسبوا بالعبارة الصريحة العجز إلى الله قالوا: الله تعالى كان قادرا على أن يخلق حركاتنا وسكناتنا ثم لما أعطانا القدرة عليها وأعطانا سلامة الأسباب والآلات أي الجوارح صار عاجزا عن خلق هذه الحركات والسكنات.

سيدنا علي رضي الله عنه يروي البيهقي عنه في كتاب القضاء والقدر أنه ذات يوم أدخل إصبعيه في فمه فأمسهما ريقه ثم رقم بهما في كفه الأخرى، في راحته الأخرى، فقال: هذا كان في الكتاب الأول، يعني اللوح المحفوظ، هذا الرقم الذي رقمته الآن بإصبعي كان في اللوح المحفوظ، معناه كل أعمالنا مكتوبة في اللوح المحفوظ.

أهل الحق قالوا الأعمال علامات ليست موجبات عقلية أي بحسب العقل لا توجب طاعاتنا أن نكون حتما للجنة بحيث لو لم يدخلنا الله تعالى جنته بأعمالنا هذه يكون ظالما، كذلك تلك المعاصي التي جعلها علامات للعذاب المقيم في الآخرة لو لم يدخلهم الله تعالى النار بأعمالهم تلك التي جعلها علامات للعذاب المقيم لم يكن الله تعالى ظالما، هذه الحسنات جعلها علامات للنعيم المقيم هو خالقها في الذين عملوها وهذه المعاصي جعلها علامات للعذاب المقيم، أي أن هؤلاء خلقوا للنار.

الأعمال علامات لا موجبات هذا من حيث المعتقد يقوله كل أهل الحق لكن هذه العبارة هي للسهل بن محمد الذي كان في القرن الرابع الذي قال فيه بعض أهل العلم إنه هو مجدد ذلك القرن الرابع.

ثم قال البيهقي عن الحسن يعني الحسن البصري رضي الله عنه:خلق الله الخلق بقدر وخلق الآجال بقدر وخلق الأرزاق بقدر وخلق العافية بقدر وخلق البلاء بقدر وأمر ونهى.

ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لنا وارحمنا واهدنا وأصلح بالنا، واستر عوراتنا وءامن روعاتنا، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان.

([1])  عن جابر عن رسول الله ﷺ قال: «لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل» رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

([2])  قال ابن الأثير بحبوحة الدار وسطها. يقال تبحبح إذا تمكن وتوسط المنزل والمقام، وقال ابن الجوزي وسطها وخيارها.

([3])  الفرث: السرجين (وهو الزبل) ما دام في الكرش، وهو الروث.

ﱡﭐ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗﱘ ﱙ ﱚ  ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱠ  أي يخلق الله اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه وبينه وبينهما برزخ لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة بل هو خالص من ذلك كله، قيل إذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها فتجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث في الكرش ثم ينحدر وفي ذلك عبرة لمن اعتبر. وسئل شقيق عن الإخلاص فقال تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم ﱡﭐ ﱣ ﱤ ﱠ.

الرد على المرجئة والقدرية من شرح الطحاوية

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وسلم.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل في أصحاب الذنوب: قوله – أي أبي جعفر الطحاوي – «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله».

هاتان قاعدتان من قواعد أهل السنة والجماعة، الأولى لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله معناها أن المسلم الذي ءامن بالله ورسوله وتجنب الكفريات لا يكفر من أجل ذنب أي من أجل أنه قتل إنسانا ظلما ولا من أجل أنه زنى ولا من أجل أنه شرب خمرا ولا من أجل أنه سرق، ولا من أجل أنه انتحر أي قتل نفسه، ولا من أجل ما سوى ذلك من الذنوب كبائرها وصغائرها، لا نكفره من أجل هذا الذنب ما لم يستحله، ما لم يعتقد أن هذه المعصية حلال، فمن اعتقد أن هذه المعصية حلال فعندئذ نكفره، أما ما لم يستحله فلا نكفره، نقول هو من عصاة المسلمين يفعل الله به ما يشاء إن شاء يغفر له ولا يعذبه وإن شاء يعذبه ثم يخرجه من العذاب ولا يؤبده في النار.

والقاعدة الثانية: لا نقول ولا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، أي لا نقول ما تقوله المرجئة الطائفة الضالة، قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر حسنة. هذه قاعدتهم الضالة نحن نخالفهم في ذلك فنقول الذنب يضر صاحبه لا بمعنى أنه يتحتم أن يعذب في الآخرة بل بمعنى أن الله إن شاء يعذبه بذلك الذنب وإن شاء غفر له، هذا في الذي لم يتب أما الذي تاب نقول كما قال الرسول: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» رواه ابن ماجه. ولا نقول أيضا إن الذي يستغفر الله من ذنبه وهو مقيم على ذلك الذنب كالمستهزئ بربه، هذا ورد فيه حديث ضعيف لا نأخذ به نحن (ضعفه السخاوي في المقاصد الحسنة)، نحن نقول الذي يستغفر الله من ذنبه ولو كان مقيما عليه لا يتركه أي لم يقلع عنه أن هذا الاستغفار ينفعه.

الاستغفار اللساني ينفع لكن بشرط أن يكون في قلب المستغفر شىء لو لم ينو لكن يشترط أن يكون في قلبه نوع من الاستشعار بالخوف من الله أو تعظيمه أو محبته أو رجاء رحمته ليس مجرد أنه تعود أن يقول هذا الشىء، أما إذا كان يستغفر بلسانه لمجرد أنه تعود لسانه على الاستغفار فهذا ليس فيه فائدة كبيرة، أما إذا كان يستغفر بلسانه وهو مستشعر في قلبه بتعظيم الله أو الخوف منه أو محبته أو رجاء رحمته أو التذلل له بالاعتراف بذنبه لأن الله يحب أن يعترف العبد بذنبه فهو نافع. أليس الرسول ﷺ علم أبا بكر أن يقول: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا»([1]).

 فإذا كان هذا العبد الذي بعد مقيم على ذنبه يستغفر بلسانه مع الاستشعار بتعظيم الله أو الخوف منه أو محبته أو سعة رحمته ينفعه ذلك الاستغفار مع كونه مقيما على ذلك الذنب فتبين من هذا أنه ليس نفع الاستغفار اللساني مقصورا على حالة واحدة وهي ما إذا أقلع عن الذنب، نقول: إن أقلع عن الذنب وإن لم يقلع  بل هو بعد مقيم على ذلك الذنب قوله أستغفر الله باللسان مع نوع استشعار بتعظيم الله فهو نافع. ولا يغتر بظاهر ما نقل عن بعض السلف: «الاستغفار يحتاج إلى استغفار»، نحن لا نأخذ بظاهر هذا الكلام بل نقول الاستغفار ينفع ولو مع الإقامة على الذنب، ولا نعتبر هذا الحديث ثابتا عن رسول الله: «المستغفر من ذنبه وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه» رواه ابن عساكر والبيهقي([2])، هذا الحديث لا نعتبره لأنه ليس له إسناد مستقيم.

قال أبو جعفر رحمه الله: «ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنطهم».

يعني أننا نقول لمن رأيناه بحسب الظاهر من المحسنين، بحسب الظاهر متمسك بطاعة الله نقول: إن كان ختم لهذا الرجل على هذه الحال وكان ظاهرا وباطنا هو على منهج واحد  ظاهرا وباطنا، فإن وافق ظاهره باطنه ليس مرائيا بهذه الأعمال الحسنة التي ظهرت منه ولا منافقا بل يعمل هذه الطاعات لوجه الله تعالى فيما يعلم الله تعالى منه، إن كان على ذلك فإنا نرجو له أن يكون من أهل الدرجات العلى في الآخرة، «ولا نأمن» أي لا نجزم بأن هذا ناج قطعا لأن الظاهر قد يخالف الباطن أحيانا، نكل علمه إلى الله نقول في أنفسنا: إن كان هذا الرجل عند الله تعالى كما يظهر منه أنه متمسك بطاعته فهو عند الله من أهل الدرجات العلى، نعلق الأمر بمشيئة الله، هذا معنى قوله «ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته». وإنما قال برحمته لأن هذا المحسن الله يدخله الجنة برحمته، معنى العبد المحسن أي المتمسك بطاعة الله، هذا التمسك نعمة من نعم الله عليه، الله تعالى هو الذي قدره أن يعمل هذه الحسنات ولولا إلهام الله له وتقديره  ما عمل هذه الحسنات، الله تعالى له الفضل عليه وأما هو فليس له على الله منة ولا فضل، لأن العبد كل العبد ظاهره وباطنه ملك لله، خلق لله.

العبد ما خلق من نفسه شيئا، حركاته وسكناته أيضا بخلق الله ليس بخلق العبد؛ إذا دخوله الجنة ءامنا بلا عذاب يكون برحمة الله تعالى أي بالإحسان من الله وفضل منه لأنه لما كان وجوده بخلق الله تعالى وإيجاده وكانت حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة بخلق الله ومشيئته وتقديره وعلمه الأزلي كان هذا الثواب الذي يلقاه في الآخرة فضلا من الله.

قال رحمه الله: «ولا نشهد لهم بالجنة» أي لا نقول إن رأيناه متمسكا بطاعة الله تعالى “فلان من أهل الجنة”، ليس لنا ذلك، ما يدرينا بما في قلبه هل وافق قلبه ظاهره أم لم يوافق، ثم ما يدرينا بما ختم له هل سبق في علم الله أن يموت وهو يعمل الأعمال الصالحة مطيعا لله تعالى، أم سبق في علم الله له أن ينقلب قبل موته إلى الفساد، لذلك لا نشهد له بالتعيين.

من جملة ما ثبت عن سيدنا عمر أنه كان يعترض على الناس إذا قتل قتيل في بعض غزواتهم في زمن خلافته، إذا قتل قتيل في معركة الكفار، أن يقولوا “استشهد فلان” كان يستنكر هذه العبارة، كان يقول: “قولوا قتل في سبيل الله”، نهاهم لأن قولهم استشهد معناه أنه صار شهيدا أي نال مرتبة الشهادة، والإنسان لا ينال مرتبة الشهادة بمجرد أنه صرع في ساحة الحرب مع الكفار لأن هناك أمورا تمنع الشهادة عند الله، منها أن يكون هذا الرجل عقيدته فاسدة، ومنها أن تكون نيته فاسدة كأن يكون قصده بهذا القتال أن يقال عنه فلان جريء بطل، هذا مراء والمرائي لا ثواب له عند الله، أو يكون ما كان بباله ابتغاء الأجر، أو كان بباله ابتغاء الأجر والغنيمة، أن يحصل على أمرين، فهؤلاء عند الله تعالى لا أجر لهم. أما الذي له ثواب فهو الذي حضر للأجر فقط أي لأن الله يحب الجهاد في سبيله.

أما الذي شهد له الرسول ﷺ بأنه شهيد نقول شهيد. حمزة بن عبد المطلب وغيره من شهداء أحد نقول عنهم فلان الشهيد فلان الشهيد لأن الرسول ﷺ شهد لهم، كذلك أهل بدر نقول عنهم أهل الجنة، الذي قتل في المعركة من هؤلاء والذي رجع سالما نقول عنه من أهل الجنة لأن الرسول شهد لهم بالجنة، شهداء أحد وشهداء بدر وكذلك أهل الحديبية الذين بايعوه في الحديبية وهم نحو ألف وخمسمائة هؤلاء أيضا شهد لهم بأنهم لا تمسهم النار، كذلك أناس شهد لهم بالشهادة.

كانت امرأة يقال لها أم ورقة رضي الله عنها كان الرسول ﷺ أذن لها أن تؤم أهل دارها، كان يقول للصحابة قوموا بنا نزور الشهيدة، فنالت الشهادة بالقتل ظلما، قتلت ظلما. كان لها غلامان مملوكان لها ملك يمين فمكرا لها مكرا، ذات يوم لم يكن أمامهما غيرهما فجاءا فغماها أي خنقاها فماتت. هذا حصل بعد وفاة الرسول ﷺ في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فتحقق قول رسول الله ﷺ فيها، هذا القول قاله رسول الله بوحي من الله، أوحى إليه أنها ستقتل ظلما وتنال الشهادة.

قال أبو جعفر رحمه الله تعالى: «ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنطهم».

المسلمون العصاة نستغفر الله لهم ونخاف عليهم نقول: إن ماتوا قبل التوبة يجوز أن يعذبهم الله تعالى ويجوز أن يسامحهم. «ولا نقنطهم» لا نقول له أنت من أهل النار، لا نقول له هذا لأننا لا ندري هل هذا الإنسان كتب الله له أن يموت على الإيمان قبل التوبة وهو عاص متلوث بذنوبه ويكون شاء الله له أن تغفر ذنوبه فيدخل الجنة بلا عذاب، لا ندري لذلك لا نقول له أنت من أهل النار ولا لغيره فلان من أهل النار، معنى «ولا نقنطهم» أي لا نجعلهم يقنطون من رحمة الله، المسلم مهما كثرت ذنوبه لا نقنطه من رحمة الله ننصحه بالتوبة.

نقول له هذا العمل الذي أنت عليه يوجب النار لفاعله تب إلى الله، المعنى إن شاء الله تعالى أن يعذبك بذنوبك هذه ومت قبل أن تتوب منها أنك تستحق النار، أما أن نقول أنت من أهل النار ونجزم فلا يجوز.

قال المؤلف أبو جعفر الطحاوي رحمه الله: «وأفعال العباد هي خلق الله تعالى وكسب من العباد» أي أن حركات العباد وسكناتهم أي سكونهم بخلق الله تبارك وتعالى ليس العبد يخلقها، وهي كسب من العباد، من حيث العبد هي كسب أما من حيث الخلق فهي بخلق الله، حركاتنا وسكوننا الاختيارية وغير الاختيارية بخلق الله تعالى ليس العبد الذي تقوم به الحركة والسكون يخلقها، فهو محل لخلق الله.

الكسب هو توجيه إرادة العبد نحو هذه الحركات والسكنات هذا صفة العبد أما خلق هذه الحركات والسكنات فهي صفة الله تعالى، الله تعالى خالق بتخليقه الأزلي ومخلوقه حادث. وتخليق الله تعالى لهذه الحركات والسكنات أزلي، لأن من صفات الله التخليق التكوين فهو بهذه الصفة الأزلية وقدرته الأزلية يحدث هذه الحركات والسكنات فينا. هذا في الأفعال الاختيارية أما الحركات الاضطرارية كحركة الشخص المرتعش ونبض العروق هذه ليست باختيارنا إنما هي بمحض خلق الله تعالى.

الخلق بمعنى التقدير يوصف به الله ويوصف به العبد لكن تقدير الله أحسن لأنه لا يخطئ ولا يتغير ولا بد من نفاذ مقدر الله تعالى، أما مقدر العبد قد يتحقق وقد لا يتحقق، بهذا المعنى ورد قول الله تعالى: فتبارك الله أحسن الخالقين (14)

الجبرية كذبوا قوله تعالى:{بما تعملون} بما تفعلون}والمعتزلة كذبت قول الله تعالى: {هل من خالق غير الله} وقوله:أفمن يخلق كمن لا يخلق} ﱠ  وقوله:الله خالق كل شىء} وقوله: قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار (16)

قال رسول الله ﷺ: «إن الله كتب مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» رواه مسلم. وفي رواية «قدر» لكن المراد بهذه الرواية رواية كتب، كتب في اللوح لأن اللوح حادث وكل حرف فيه حادث أما تقدير الله الأزلي الذي هو صفة ذاته فهو أزلي ليس حادثا. وهذا الحديث معناه أن اللوح المحفوظ سطر فيه كل ما يحدث في هذه الدنيا إلى يوم القيامة، هذا كل ما كتب في اللوح المحفوظ، وقد ورد في وصف اللوح المحفوظ أنه « من درة بيضاء حافتاه ياقوتة حمراء» رواه الطبراني، الخلق يأتي بمعنى التقدير، كذلك افتراء الكذب، يقال خلق فلان هذا الخبر أي افتراه هذا يصح إضافته إلى العبد.

قال الشارح القونوي النسفي رحمه الله: اختلف الناس في الأفعال الاختيارية للخلق فزعمت الجبرية رئيسهم جهم بن صفوان الترمذي أن التدبير في أفعال الخلق كلها لله تعالى وهي كلها اضطرارية كحركات المرتعش وحركات العروق النابضة وإضافتها إلى الخلق مجاز وهي على حسب ما يضاف الشىء إلى محله دون ما يضاف إلى محصله فقولنا ضرب زيد وذهب عمرو بمنزلة قولنا طال الغلام وابيض الشعر وشاخ عبد الله، وذهب جمهور المعتزلة إلى أن الأفعال الاختيارية من جميع الحيوانات بخلقها أي قال جمهور المعتزلة إن الأفعال الاختيارية من جميع الحيوانات، ليس الإنسان فقط، بخلقها أي بخلق هذه الحيوانات لا تعلق لها بخلق الله تعالى، واختلفوا فيما بينهم أن الله تعالى هل يقدر على أفعال العباد قال أبو علي وأبو هاشم لا يقدر، وقال أبو الهذيل وأبو الحسن يقدر، هؤلاء من رؤوس المعتزلة وأخبث هؤلاء أبو هاشم الجبائي وأبو علي الجبائي وهما والد ومولود، أبو علي هو الأب وأبو هاشم ابنه هذان من أخبث المعتزلة، قالوا الله لا يقدر أن يخلق حركات العبد وسكونه، قالوا لأنه أعطاه القدرة عليها ثم هو صار عاجزا بعد أن أعطاه القدرة عليها، جعلوا الله كما يقول المثل أدخلته داري فأخرجني منها.

وقال أهل السنة للخلق أفعال بها صاروا مطيعين وعصاة وجعلوها مخلوقة لله تعالى والحق تعالى منفرد بخلق المخلوقات لا خالق لها سواه ولا مبدع غيره، ومذهب الجبرية باطل لا حاجة إلى بيانه، وأما المعتزلة فهم يتمسكون بقوله تعالى: فتبارك الله أحسن الخالقين (14) ﱠ، هم يقولون هذه الآية فيها دلالة على أن غير الله تعالى يخلق، والجواب عن ذلك أن نقول هذه الآية ليست في محل النزاع هذه الآية تعني الخلق بمعنى التقدير لا تعني الخلق بمعنى الإحداث من العدم الذي هو محل النزاع بيننا وبينكم هكذا نقول لهم. ويتعلقون أيضا بالأمر والنهي والوعد والوعيد، هذا إحدى تمويهاتهم، قالوا لو كان الله هو الخالق لأفعال العباد لصار هو المأمور المنهي المثاب المعاقب المطيع العاصي وكل هذا هراء ليس تحته طائل. ولأن من أفعال العباد فيه ما هو قبيح، العبد يذم على بعض أفعاله كما يمدح على بعض أفعاله فلو كان الله تعالى خالق هذا العمل المذموم الذي يذم به العبد لكان هو أيضا مذموما.

نقول الله تعالى لا يقبح عليه خلقه لمعاصي العباد لا يكون ذلك قبيحا من الله

إنما اكتساب العباد المعاصي هذا القبيح لأن الله خالق لكل شىء، مالك لكل شىء ليس له ءامر ولا ناه، أما العباد فهم مخلوقون لخالقهم، فهم إن تصرفوا ضمن إذن خالقهم لا يلامون، وإن تصرفوا على خلاف الأمر والنهي من الله تعالى يكونون مذمومين مستحقين للعقاب. المعتزلة يقيسون الخالق على المخلوق، الخالق لا يقاس على المخلوق.

قال المؤلف رحمه الله: «والسعيد من سعد بقضاء الله تعالى والشقي من شقي بقضاء الله تعالى».

المعنى أن الله تعالى متفضل على بعض عباده أن جعلهم سعداء فهو له المنة على هؤلاء أن جعلهم سعداء له الفضل والمنة ليس ذلك واجبا عليه، كما أن الشقي أي من علم الله تبارك وتعالى أنه من أهل النار،{خالدين فيها} إنما شقي بقضاء الله تعالى عليه بالشقاوة، كذلك الأعمال التي أجراها الله تعالى على يد السعيد من الطاعات فهي بقضاء الله وهي من فضل الله تعالى، وكذلك الأعمال التي أجراها على يد الشقي من الكفر والمعاصي فهي بقضاء الله تبارك وتعالى لا يختلف في هذا اثنان من أهل السنة والجماعة من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، إنما المخالفون في هذا أناس زاغوا عما كان عليه الصحابة وهم المعتزلة ويقال لهم القدرية، هؤلاء كان لهم ظهور في بعض عصور العباسية وذلك لأن بعض خلفاء العباسية وافقهم في شىء من مقالاتهم ليس في جميع مقالاتهم وهو المأمون العباسي هذا وافقهم في قولهم القرءان مخلوق، أما في سائر مسائلهم كالقول بأن العبد يخلق أفعاله ليس الله خالق حركات العبد وسكونه فلم يوافقهم

فيها، لم يكن معهم فيها.

كذلك قولهم بأن الله لا يرى في الآخرة للمؤمنين كما لا يرى في الدنيا  لم يكن معهم فيه. إنما غاية ما ابتلي به بسبب موافقتهم هو القول بأن القرءان مخلوق والله أعلم بما كان يعتقده في ذلك لكن هذا اللفظ كان يقوله ويجبر الناس عليه ويؤذي من خالف في ذلك كالإمام أحمد، ءاذاه إيذاء كبيرا.

أما في مثل هذه المسئلة مسئلة السعيد والشقي لم يكن مخالفة وانفراد عن أهل السنة من المأمون إلى ءاراء المعتزلة. المعتزلة لو كانوا اقتصروا على قولهم القرءان مخلوق كان أهون شرا مما أضافوا إلى ذلك، وأما قولهم بأن العبد يخلق أعماله فبناء على ذلك قالوا فحتم على الله أن يدخل العبد الطائع الجنة فلو لم يفعل لكان ظالما. نحن نقول: العبد لا يخلق شيئا من ذاته ولا يخلق شيئا من أعماله إنما الله تعالى خالق ذاته وأعماله أي حركاته وسكونه، وهذا العبد الذي وفقه الله بأن أجرى على يده الطاعة وحماه من الكفر فإنما ذلك بفضل الله تعالى عليه فله المنة على العبد ليس لهذا العبد منة على الله، فإدخاله الجنة في الآخرة فضل من الله تعالى عليه ليس الله ملزما مجبورا بذلك، وكذلك الشقي وهو من علم الله أنه يموت على الكفر فأجرى على يده الكفر والمعصية، الله تبارك وتعالى لا يكون ظالما بقضاء الشقاوة عليه لأنه ملكه وخلقه لا مالك حقيقي للعباد إلا الله ليس فوقه حاكم يأمره أو ينهاه فلا يتوجه لأحد على الله أمر ونهي هو الآمر الناهي لأنه المنفرد بخلق كل شىء، العبد وحركاته وسكونه بخلق الله تعالى فمن أجرى الله على يده الخير الإيمان والطاعة فليحمد الله فإن الله تفضل عليه بما هو ليس بواجب عليه ليس بفرض عليه، أما ما ورد في القرءان وفي الحديث من أن من فعل كذا كان حقا على الله أن يفعل به كذا فإن المراد بذلك أن الله وعد فضلا وكرما، وعد فلا يخلف الميعاد هذا معناه، كهذا الحديث الذي رواه البخاري: «أن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله أن يدخلهم الجنة» معناه أن ذلك فضل من الله، وعدهم والله لا يخلف الميعاد، ليس المعنى أن العبد إذا عبد الله ولم يشرك به شيئا كان فرضا لازما على الله تعالى أن يدخله الجنة إنما المعنى أن هذا وعد من الله تفضلا وتكرما منه على العبد.

فصل في القدر: قول المؤلف أبي جعفر: «وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل».

قال الشارح: والمراد بالقدر التقدير. قال الإمام الحسن البصري رضي الله عنه وغيره من أئمة السلف: «من كذب بالقدر فقد كفر». المعنى أن الذي لا يعتقد جزما بلا شك أن ما يجري على العباد من أعمال ظاهرة وباطنة بتقدير الله من لم يعتقد هذا فاعتقد خلافه بأن اعتقد أن العبد هو الذي يحدث ويخلق أعماله فقد كفر، العبد لا يحدث من العدم إلى الوجود إنما يوجه إرادته  نحو الشىء الذي يميل إليه نحو تلك الحركة أو السكون فيخلق الله تعالى تلك الحركة أو السكون، يخلقها الله تعالى في العبد، ليس كما تقول المعتزلة. قالوا إن الله تعالى كان قادرا على أن يخلق حركات العبد وسكونه قبل أن يعطيه القدرة فلما أعطاه القدرة صار عاجزا، قالوا خرج من يده لأنه أعطاه القدرة على هذه الحركات والسكنات، جعلوا الله كما قال بعض العلماء أدخلته داري فأخرجني منها. فبعد قولهم هذا المؤمن لا يسعه إلا تكفيرهم، العجب لكثير من الفقهاء يعتبرونهم من المسلمين ولعل هؤلاء لم يطلعوا على هذه المقالة الشنيعة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

فمعنى القدر التقدير ومعنى التقدير التدبير، قال ذلك بعض اللغويين وهو الزجاج. وقد سئل الشافعي رضي الله عنه عن القدر فقال أبياتا وهي:

ما شئت كان وإن لم أشأ            وما شئت إن لم تشأ لم يكن

خلقت العباد على ما علمت                 ففي العلم يجري الفتى والمسن

على ذا مننت وهذا خذلت                              وهذا أعنت وذا لم تعن

فمنهم شقي ومنهم سعيد                      ومنهم قبيح ومنهم حسن

هذا كان جواب الشافعي لتفسير القدر، فحاصل هذا الكلام أن القدر هو مشيئة الله تعالى التابعة لعلمه أي الموافقة لعلمه لأن المشيئة لا تخالف العلم، مشيئة الله تعالى تابعة للعلم بالحادثات التي تدخل في الوجود مما يتعلق بأفعال العباد وغير ذلك.

فبقوله: «ما شئت كان وإن لم أشأ» أفهم أن ما شاء الله تعالى دخوله في الوجود كان أي وجد لا بد من ذلك، لا أحد يمنع نفاذ هذه المشيئة، لا يمنع نفاذ هذه المشيئة دعوة داع ولا صدقة متصدق ولا بر الوالدين ولا شىء من الحسنات، إنما نفع الدعاء والصدقة وبر الوالدين وصلة الرحم الثواب، فإن كان سبق القدر في أن هذا الإنسان يفعل هذه الدعوة يدعو أو يتصدق أو يبر والديه أو يصل رحمه فيعطى ما طلبه أو يدفع عنه ما طلب أن لا يصيبه فهناك صار دعاؤه من القدر ونيله لطلبه من القدر، وكذلك انصراف البلاء الذي طلب من الله أن لا يصيبه من القدر، كل من القدر، فكثير من الناس لا تبتعد أذهانهم عن اعتقاد أن الله يغير مشيئته، قد يعتقد معتقد أن الله يكون شاء في الأزل أن يصيب فلانا كذا ثم العبد يدعو بأن لا يصيبه ذلك الشىء فيؤخر الله عنه وقد كان شاء في الأزل أن يصيبه، هذا ضلال وكفر لأن الله تعالى لا تتغير عليه صفاته أي لا يشاء مشيئة جديدة، بل مشيئته أزلية شاملة لكل ما سيحدث في الدنيا وفي الآخرة إلى ما لا نهاية له، تلك المشيئة الأزلية الأبدية شاملة لكل ما سيحدث في هذه الحياة وفي الحياة الثانية إلى ما لا نهاية له هذا الذي ينبغي أن يعتقد.

فالعبد إذا دعا بشىء فأعطي ذلك الشىء أو دعا بأن يسلم من شىء فسلم فإنما ذلك على حسب مشيئة الله الأزلية، يكون سبق في مشيئة الله الأزلية أن هذا الإنسان يدعو أن ينال كذا فيعطى ذلك الشىء أو أن هذا الإنسان يصل رحمه أو يتصدق بصدقة أو يبر والديه فيدفع عنه كذا من البلاء، هذا يصير على حسب مشيئة الله الأزلية ليس على خلاف مشيئة الله الأزلية، ويقال لهذا الشىء الذي طلب العبد أن يسلم منه فسلم أو طلب أن يعطى فأعطي يقال لحصول هذا الشىء للعبد القدر المعلق، بمعنى أن هذا المقدور وهو نيل الشخص لهذا الطلب بصلة رحمه أو بصدقته أو ببر والديه معلق في صحف الملائكة، بمعنى أنه كتب في صحف الملائكة فلان إن بر والديه يكون عمره مثلا مائة وإن لم يبر يكون عمره ستين، أو إن تصدق فلان بكذا أو إن وصل رحمه يكون عمره مائة وإن لم يفعل فعمره ستون وما أشبه ذلك، فهذا الشىء الذي يحصل لهذا العبد يقال له القضاء المعلق، لأنه كتب في صحف الملائكة على وجه التعليق، لأن هذا التعليق أخذوه من اللوح المحفوظ. والتقدير معناه هذا الذي فسره الشافعي أي أن التقدير هو مشيئة الله التابعة لعلمه الأزلي فيما يتعلق بالحادثات التي تحدث أي تدخل في الوجود.

يا أرحم الراحمين نسألك بنبينا محمد أن تغفر لنا وتستر عوراتنا وتؤمن روعاتنا وتجعلنا من عبادك المحسنين الذين يخشونك كأنهم يرونك، اللهم وقنا شر ما نتخوف.

([1])  عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله ﷺ وفي رواية أنه قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم”. هذا حديث صحيح أخرجه أحمد.

([2])  قال الحافظ الزين العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء»: “أخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة ومن طريقه البيهقي في الشعب من حديث ابن عباس بلفظ «كالمستهزئ بربه» وسنده ضعيف” اهـ. وقال الحافظ الشمس السخاوي في «المقاصد الحسنة»: وسنده ضعيف فيه من لا يعرف” اهـ  وقد رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» من نفس تلك الطريق.

الحمد لله رب العالمين وصلاة الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد اشرف المرسلين وعلى اله وصحبه الطيبين الطاهرين وعلى جميع اخوانه من الانبياء وسلام الله عليهم اجمعين.

اما بعد فقد روينا في كتاب القدر للبيهقي وفي كتاب الاسماء والصفات له وفي كتاب المستدرك للحاكم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الله صانع كل صانع وصنعته([i]) اهـ.

معنى الحديث ان الله تعالى هو خالق كل عبد يعمل شيئا وصنعته اي فعل ذلك العبد هو خالق العبد وفعله فالمؤمن بالقدر هو الذي يؤمن ان الله خالق العباد واعمالهم اي حركاتهم وسكونهم ونواياهم وافكارهم اي كل ذلك خلق لله تعالى مخلوق له لا يخلق العبد شيئا من ذلك هذا معنى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا معنى الايمان بالقدر اما من فرق بين العبد وبين عمله فقال الله خالق اجسام العباد اما اعمالهم فهي مخلوقة لهم هم خلقوها بقدرة اعطاهم الله اياها فهذا ما امن بالقدر.

هذه مسالة مهمة لانها مسالة تتعلق بالايمان لان الايمان كما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ساله جبريل وكان حضر الى مجلسه عليه الصلاة والسلام بصورة انسان لا يعرفه احد منهم ساله عن الاسلام ثم ساله عن الايمان ففسر له الايمان بستة اشياء قال له الايمان ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر والقدر خيره وشره([ii]) اهـ فالذي لا يؤمن ان الله خالق العبد واعماله اي حركاته وسكونه وتفكيراته وعلومه وادراكاته فهو ليس بمؤمن بالقدر لو قال العبد يخلق هذه الاشياء بقدرة خلقها الله فيه بقدرة اعطاها الله اياها هذا لا ينفعه اي ان قوله هو العبد يخلق افعاله بقدرة خلقها الله فيه ضلال هذا ضلال ضد الاسلام ضد عقيدة التوحيد لان التوحيد لا يصح على هذا الوجه اي ان يقول الشخص ان الله واحد في ذاته ومع ذلك يثبت لغيره الخلق اي التكوين اي الاخراج من العدم الى الوجود لا يصح له الايمان والتوحيد لانه اثبت شريكا لله تعالى في صفة من صفاته.

كذلك لا ينفع هؤلاء قولهم الافعال التي هي اضطرارية كحركة المرتعش هي بخلق الله وقضائه وقدره لا ينفعه ذلك لا يجعله ذلك مؤمنا بالقدر انما الايمان بالقدر هو ان يعتقد الانسان ان الله تعالى هو خالق جميع افعال العباد ما كان منها باختيارهم وما كان منها بغير اختيارهم اي ان الله تعالى خالق ذلك كله هذا مذهب اهل الحق واما الذين قالوا ان الله اعطى العبد القدرة فالعبد يخلق هو بتلك القدرة التي اعطاها الله اياها حركاته وسكناته هؤلاء ما امنوا بالقدر كذلك الذين قالوا افعال العباد ما كان خيرا اي ما كان من الحسنات فالله يخلقها على ايدي عباده واما ما كان منها معاصي وشرورا اي كالمكروهات فان الله تعالى ليس هو خالقها كذلك هؤلاء ما امنوا بالقدر.

احذروا هذه الطوائف الطائفة التي تقول افعال العباد الاختيارية ان كانت خيرا وان كانت شرا فالعبد هو الذي يخلقها احذروا هؤلاء واحذروا الذين يقولون ايضا ان الله تعالى يخلق الخير الذي يجري على عباده اي الايمان والطاعة هو يخلقها ليسوا هم يخلقونها اما المعاصي فهم يخلقونها هؤلاء ايضا ضالون فاحذروهم احذروا كلا الفريقين الفريق الاول يموهون على الناس بقولهم العبد يخلق اعماله الاختيارية بقدرة اعطاه الله اياها هذا تمويه الذي يقول العبد هو يخلق اعماله استقلالا وبقدرة لم يخلقها الله تعالى فيه بل هو العبد يخلق هذه القدرة او هذه القدرة توجد بلا فاعل بلا موجد بلا خالق هو العبد بهذه القدرة التي لا خالق لها يخلق اعماله الاختيارية كل هؤلاء ضالون الحق هو ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نطق به حديثه هذا ان الله صانع كل صانع وصنعته([iii]) اهـ.

ثم هذا الحديث يؤيده القران الكريم لان فيه عدة ايات بهذا المعنى كقوله تعالى الله خالق كل شيء([iv]) اي انه تبارك وتعالى هو خالق اجسامنا وافكارنا ونوايانا وعزائمنا كل ذلك الله تعالى يخلقه كلمة شيء بعض الناس يظنون انها للاجسام فقط كجسم الانسان وللحجر وللشجر ونحو ذلك ليس الامر هكذا بل الشيء يعم الاجسام وصفات الاجسام وحركات الاجسام المتحركة وسكونها كل ذلك شيء.

الشيطان سبب فقط ليس هو الذي يخلق الضلالة في الانسان ولا في نفسه ابليس ليس هو خلق ضلالته وغوايته الله هو خلقها فيه واذا اغوى الناس كما اخبر الله تعالى عنه في القران انه قال لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين([v]) معناه انه جعله سببا ما جعله خالقا ابليس الله تعالى جعله سببا لغواية بعض الناس ما جعله خالقا نحن نقول لا خالق الا الله ونؤمن بالاسباب ابليس جعله الله سببا لضلال كثير من خلقه لكنه لم يجعله خالقا لضلال احد ولا لضلال نفسه.

هؤلاء الذين يقولون الشيطان يخلق الشر يسمون القدرية والذين يقولون العبد يخلق فعله يسمون قدرية ويسمون معتزلة بعض الفقهاء ما تصوروا حقيقة كلام المعتزلة فقالوا تصح الصلاة خلفهم وهذا كلام مردود الحافظ سراج الدين البلقيني الذي قال فيه صاحب القاموس علامة الدنيا([vi]) رد هذا الكلام الذي في روضة الطالبين قال هذا غير صحيح بل لا تجوز الصلاة خلف المعتزلة وانما كلام الشافعي في قوله اقبل شهادة اهل الاهواء الا الخطابية محمول على انه اراد بذلك ما لم تثبت في احد منهم قضية تقتضي التكفير اهـ معنى ذلك اننا لا نكفر الشخص لمجرد انه ينتسب الى المعتزلة اما اذا ثبتت عليه مقالة تقتضي التكفير فانه يكفر قال هذا مراد الشافعي ليس مراد الشافعي ان المعتزلة على الاطلاق لا يكفرون رد كلام النووي وغيره وقال هذا هو الكلام الذي عليه كبار اصحاب الشافعي.

مراد الشافعي ان من المعتزلة من ينتسب اليهم ولا يقول بجميع مقالاتهم التي تقتضي الكفر انما يقول ببعض مقالاتهم التي لا تقتضي الكفر.

ثم الامام ابو منصور التميمي البغدادي هذا شيخ البيهقي تلقى الحديث من ابي بكر الاسماعيلي صاحب المستخرج على البخاري يقول اجمع اصحابنا على تكفير المعتزلة ماذا يكون قول بعض المتاخرين بالنسبة الى هذا.

من المعتزلة من يقول ان الله لا يرى في الاخرة اخذ ببعض مقالاتهم كهذه المقالة اما مقالاتهم التي هي اوسخ من هذه مما هو كفر كقولهم ان الله كان قادرا على ان يخلق حركات العبد وسكونه لكن بعدما اعطاه القدرة عليها صار عاجزا لا يستطيع فمن اخذ بها هل يتردد في كفرهم الذي ينتسب الى المعتزلة ويقول هذه المقالة من مقالاتهم هذا من يشك في كفره اما بعض المنتسبين الى الاعتزال الذين لا يقولون بهذه المقالة بل اخذوا منهم مقالات اخرى لا تقتضي التكفير فلا يكفرون.

انتهى والله تعالى اعلم.

[i]) رواه البيهقي في شعب الايمان باب القدر خيره وشره من الله عز وجل.
[ii]) رواه مسلم في صحيحه باب معرفة الايمان والاسلام والقدر وعلامة الساعة.
[iii]) رواه البيهقي في شعب الايمان باب القدر خيره وشره من الله عز وجل.
[iv]) سورة الزمر الاية 62.
[v]) سورة ص الاية 82-83.
[vi]) ذكر صاحب القاموس في حرف النون بلدة بلقينة وقال ومنها صديقنا علامة الدنيا عمر بن رسلان اهـ.

فصل في أن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه عقيدته موافقة لعقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي خلاف ما تقوله المشبهة الوهابية وسلفهم

قال أبو الفضل التميمي البغدادي في رسالة اعتقاد الإمام المبجل أحمد بن حنبل [(381)]: «وأنكر – أي أحمد – على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على كل ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسمًا لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجئ في الشريعة ذلك فبطل» اهـ.
وقال [(382)]: «وكان يقول إن الله قديم بصفاته التي هي مضافة إليه في نفسهوقد سئل هل الموصوف القديمُ وصفته قديمان، فقالهذا سؤال خطأ لا يجوز أن ينفرد الحق عن صفاته. ومعنى ما قاله من ذلك أن المحدَث محدَث بجميع صفاته على غير تفصيل وكذلك القديم تعالى قديم بجميع صفاته» اهـ.
وقال [(383)]: «وكان – أي أحمد – يذهب إلى أن أفعال العباد مخلوقة لله عز وجل ولا يجوز أن يخرج شىء من أفعالهم عن خلقه لقوله تعالى: ﴿ … اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ … *﴾ ثم لو كان مخصوصًا لجاز مثل ذلك في قوله لا إله إلا هو مخصوص بأنه إله لبعض الأشياء» اهـ. قال [(384)]: «وروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه سئل عن أعمال الخلق التي يستوجبون بها من الله السخط والرضا فقال هي من العباد فعلاً ومن الله خلقًا لا يُسأل عن هذا أحد بعدي.
وكان أحمد يذهب إلى أن الاستطاعة مع الفعل وقرأ قوله عزَّ وجلَّ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا *﴾ وقرأ ﴿ … ذَلِكَ تَاوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا *﴾» اهـ.
ثم قال عن أحمد [(385)]: «وانه متى كان في ملكه ما لا يُريدُه بطلت الربوبية وذلك مثل أن يكون في ملكه ما لا يعلمه تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

قال أحمد بن حنبل: ولو شاء الله أن يزيل فعل الفاعلين مما كرهه أزاله، ولو شاء أن يجمع خلقه على شىء واحد لفعله إذ هو قادر على ذلك ولا يلحقه عجز ولا ضعف ولكنه كان من خلْقه ما عَلِم وأراد فليس بمغلوب ولا مقهور ولا سفيه ولا عاجز برئ من لواحق التقصير وقرأ قوله تعالى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا … *﴾ [سورة السجدة] ﴿ … وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى … *﴾ [سورة الأنعام] ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا … *﴾ [سورة يونس].
وهو عزَّ وجلَّ لا يوصف إذا منع بالبخل لأن البخيل الذي يمنع ما وجب عليه وأما من كان متفضلًا فله أن يفعل وله أن لا يفعل. واحتج رجل من أصحابنا يعرف بأبي بكر بن أحمد بن هانئ الإسكافي الأثرم [(386)] فقال جعل الله تعالى العقوبة بدلًا من الجُرْم الذي كان من عَبْدِه وهو مريد للعقوبة على الجرم» اهـ.
ثم قال [(387)]: «خلق الله من يعلم أنه يكفر ولم يكن بذلك سفيهًا ولا عابثًا وكذلك إذا أراد سفههم لا يكون سفيهًا» اهـ.
ثم قال [(388)]: «وذهب أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أن عدل الله عزَّ وجلَّ لا يُدرك بالعقول وإلى أن من حمله على عقله جوَّره.
وشرح بعض أصحابه ذلك فقاللما كان الله سبحانه وتعالى لا يُتصور بالعقول ولا يتمثله التمييز وفات العقولَ دركُه ومع ذلك فهو شىء ثابت – أي دائم الوجود – وما تُصُوِّر بالعقل فالله بخلافه وكذلك صفاته» اهـ.

وقال [(389)]: «وشرح بعض أصحابه ذلك فقاللما كان سبحانه وتعالى لا يتصور بالعقول ولا يتمثله التمييز وفات العقول دركه ومع ذلك فهو شىء ثابت، ما تُصور بالعقل فالله بخلافه، وكذلك صفاته فمن حمل الربوبية وصفاتها على عقله رجع حسيرًا ورام أمرًا ممتنعًا عسيرًاوالمخالفون بنوا أصولهم في التعديل والتجويز على عقولهم العاجزة عن دركهم الربوبية ففسد عليهم النظر، وكان أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول إن الله تعالى يكره الطاعة من العاصي كما يكره المعصية من الطائع حكاه ابن أبي دؤاد وقرأ ﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ … *﴾ [سورة التوبة] وانبعاثُهم طاعة لله والله يكرهه» اهـ، أي ما أراد كونه فهو تعالى يحب الطاعة لكن ما أراد للعاصي حصوله منه. وهذا معنى ما اتفق عليه أهل السنة أن الله تعالى شاء وقوع المعاصي من العاصين وهو لا يحبها فالمحبة ليست ملازمة للإرادة لأن الله تعالى أمر الكافرين بالإيمان ولم يحصل منهم وهو يحب أن لو ءامنوا.

ـ[381] هذا الأثرم من كبار الحنابلة.
ـ[382] اعتقاد الإمام أحمد (ص/58).
ـ[383] و [(1294)] اعتقاد الإمام أحمد (ص/59).
ـ[384] وهذا كفر.
ـ[385] والطريق السليم لمن أراد معرفة جواب هذا السؤال الإلحادي أن يقال ما جواب من يقول هل الله قادر على أن يخلق مثله؟ فيقال له: الجواب كذا وكذا.
ـ[386] تشنيف المسامع (4/ 98).
ـ[387] الإرادة على وجهين: إرادة تكوين وإرادة محبة. ـ فإرادة التكوين هي بمعنى المشيئة ومعناها التخصيص. ـ وإرادة المحبة كقوله { … تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ … *} [سورة الأنفال]. ومما ينبغي الاعتناء به تفهيم العامة للمعنيين حتى لا يزلقوا باستعمال هذه العبارة في غير موضعها.
ـ[388] رواه أبو داود في سننه: كتاب الأدب: باب ما يقول إذا أصبح، وروى غيره ما في معناه.
ـ[389] تشنيف المسامع (4/ 89 – 90).

أضف تعليق