تفسير كلام اللقاني في تكفير المجسم

فقد قال الشيخ العلامة كمال الدين البياضي في شرح كلام الإمام أبي حنيفة ما نصه: “وكل ما هو مختص بالجهة والحيز فإنه محتاج محدث بالضرورة، فهو قول بالنقص الصريح في حقه تعالى (كذا من قال إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض) لاستلزامه القول باختصاصه تعالى بالجهة والحيز والنقص الصريح في شأنه سيما في القول بالكون في الأرض ونفي العلو عنه تعالى بل نفي ذات الإله المنزه عن التحيز ومشابهة الأشياء”. انتهى

وقال الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح ما نصه: “قال النووي في شرح مسلم في هذا الحديث (حديث النزول) وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها، مذهبان مشهوران فمذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين الإيمان بحقيقتها على ما يليق به تعالى وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد ولا نتكلم في تأويلها مع اعتقادنا تنزيه الله سبحانه عن سائر سمات الحدوث، والثاني مذهب أكثر المتكلمين وجماعة من السلف وهو محكي عن مالك والأوزاعي إنما يتأول على ما يليق بها بحسب بواطنها، فعليه الخبر مؤول بتأويلين أي المذكورين وبكلامه وبكلام الشيخ الرباني أبي إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم من أئمتنا وغيرهم، يعلم أن المذهبين متفقان على صرف تلك الظواهر كالمجيء والصورة والشخص والرجل والقدم واليد والوجه والغضب والرحمة والاستواء على العرش والكون في السماء وغير ذلك مما يفهمه ظاهرها لما يلزم عليه من محالات قطعية البطلان، تستلزم أشياء يحكم بكفرها بالإجماع، فاضطر ذلك جميع الخلف والسلف إلى صرف اللفظ.”

فهذا نص من الملا علي القاري ينقل فيه الاجماع على كفر القائلين بلوازم الجسمية.

وأما ما يُنسب للعز ابن عبد السلام أنه قال في قواعده 1/202 : “فإن قيل : يلزم من الاختلاف في كونه سبحانه ” وتعالى ” في جهة كونه حادثا قلنا : لازم المذهب ليس بمذهب ” فهو باطل مردود وقد تعقبه عليه العديد من أكابر العلماء كالإمام البلقيني.

قال الرملي في حاشيته 1/ 219 ما نصه: وقال ابن عبد السلام في القواعد : إنه الأصح (أي ترك تكفير الجهوي) بناء على أن لازم المذهب ليس بمذهب (الرملي) وكتب أيضا. قال البلقيني الصحيح , أو الصواب خلاف ما قال. انتهى

و الإِمَامُ الحافِظُ الفَقِيهُ شيْخُ الإِسْلامِ سِرَاجُ الدِّينِ البُلْقِينِيُّ الشافِعِيُّ رحمه الله كان من أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي وهو أعلى مرتبة من العز بن عبد السلام وأَقْوَى مِنَ النَّوَوِيِّ وَمِنْ كَثِيرِينَ مِنَ الشافعيةِ مِمَّنْ قَبْلَهُ ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهُ. كان أَشْهَرَ عُلَمَاءِ الشافعيَّة في القَرْنِ الثامنِ الهِجرِيِّ وهو شيخُ الحافظِ بنِ حجرٍ العَسْقَلانِيِّ في الفقهِ. علماءُ أَهْلِ السنةِ لَقَّبُوهُ سِرَاجُ الدِّينِ البُلْقِينِيُّ لأنه كان مِنْ فَطَاحِلِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ.

. قال عنه الزبيدي في تاج العروس عند شرحه لكلمة “بلقن” ما نصه: منها علامة الدنيا صاحبنا سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان (أي البلقيني)

وقال الإمام محمد زاهد الكوثري في مقالاته صحيفة 267 ما نصه: ” وإن العز بن عبد السلام يعذر –في قواعده- من بدرت منه كلمة موهمة لكنه يريد بذلك العامي الذي تخفى عليه مدلولات الألفاظ (أي لا يفهم معناها) ، وتعلو على مداركه دقائق علم أصول الدين، ويتهيب الولوج في هذه المضايق، لا من ألّف وقام يدعو الناس إلى عقيدة التجسيم بهذه الصراحة، فيجب إلزامه مقتضى كلامه بدون توقف,بل يقول القرطبي المفسر في التذكار إن المجسم عابد صنم. و المقبلي يرد على ابن عبد السلام رأيه و يقول إنه رأي منه لا دليل عليه و ليس أحد يعذر فيما يوجب الكفر”. انتهى

هذا وقد تعقب النووي و ابن أبي جمرة المالكي كلام العز بن عبد السلام و قيداه و ظبطا كلامه على وفق قواعد الشرع. قال الإمام إبراهيم اللقاني:فائدة: قال عز الدين ابن عبد السلام: معتقد الجهة لا يكفر. وقيده النووي بكونه من العامة، وابن أبي جمرة بعسر فهمهم نفيها، والله أعلم. انتهى

ومعنى قول اللقاني:”قيده” أي ما تركه على اطلاقه. و مراد النووي بالعامي هنا الذي لا يفهم المعنى من الكلمة التي تلفظ بها . فالنووي رحمه الله لما علم من مراد العز بن عبد السلام تركه تكفير من أطلق لفظ الجهة في حق الله وهو غير فاهم لمعناها قيد كلامه بكونه من العامة. وهذا ما أشار إليه الإمام الكوثري أيضا. فعند الإمام النووي: غير العامي ممن له إحاطة بمعاني الألفاظ إذا أطلق كلمة الجهة الحسية في حق الله يكفر لأن الجهة تفيد المكان و الحيز.

أما ابن أبي جمرة المالكي فقد قيد كلام العز بن عبد السلام بعسر فهم العامي نفي معاني العبارات الموهمة للجهة كقوله “الله فوق العرش” أو “على العرش” أو “ربي فوق” وقصده فوقية قهر و استعلاء و أنه عالي القدر جدا. وبالتالي يعسر عليه فهم نفي ما ظاهره يوهم الجهة عن الله لأنه جازم بأن ما قاله موافق لظواهر النصوص وأن ما يعتقده هو نفي التشبيه و التحيز و الجهة عن الله, لذلك عبر الإمام ابن أبي جمرة عن هذا القيد بقوله ” بعسر فهمهم نفيها”.

هذا هو معنى كلام االلقاني وإلا فلا معنى لقوله: “قيده”.

وهذا هو اللبس الذي وقع فيه بعض الناس فتاهوا في هذه المسألة فلم يعرفوا الفارق بين من ينطق بلفظ “الجسم” أو “جهة فوق” وهو فاهم لمعناها و بين من ينطق بها وهو لا يفهم المعنى أو يظن أن هذين اللفظين تردان في لسان العرب بمعنيين, أحدهما المعنى الكفري الفاسد و الآخر المعنى الذي يوافق العقيدة السليمة. فصاروا يطلقون القول بإيمان كل من نسب الجهة الحسية لله .

فهؤلاء الذين تلقفوا كلام العز بن عبد السلام و جردوه من قيوده فقد ضلوا وأضلوا غيرهم و حكموا باسلام من نسب الجهة الحسية لله ولم يفرقوا بين العامي الذي لا يفهم ما يتلفظ به و بين رؤوس المجسمة الذين ينسبون عن اختيار الجهة لله. فلا وافق كلامهم كلام العلماء المجتهدين و لا مراد العز بن عبد السلام.

أضف تعليق