عقيدة الإمام بدر الدين الزركشي في التنزيه و حكمه على القدرية والمعتزلة والمجسمة والمخالفين في العقيدة والاحكام

  1.  حكم إنكار غير المجمع عليه
  2. الزركشي ينزه الله عن الكيفية
  3. حكم قدم العالم عند الزركشي و الرد على من تمسك بعبارات للزركشي في حكم المجسم
  4. الرد على من تمسك بعبارات للزركشي في حكم المجسم
  5. رأي الزركشي في ابن تيمية
  6. فتوى كتابة المصحف على الرسم الأول بين العز بن عبد السلام والزركشي
  7. تنبيهات الزركشي في تلقي العلوم
  8. عقيدة الإمام الزركشي في القدر
  9. الرد على المعتزلة في قضيّة اللطف و منع اللطف عن العبد وحكمه في المعتزلة
  10. الرد على المعتزلة في التحسين والتقبيح العقلي
  11. قول الأشاعرة بعدم بقاء العرض زمانين وعلاقته بثبوت النبوة
  12. بقاء الجنة والنار والرد على من قال بفنائهما
  13. الزركشي وحكمه في إجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم وصلاته على المنافقين
  14. تقرير الزركشي للقواعد اللغوية في مسألة إسم النبي لوط
  15. إقراره التأويل
  16. كان الزركشي فقيها عالما بأمور الزكاة
  17. المجتهد عند الزركشي
  18. كان الزركشي لغويا
  19. كان الزركشي أصوليا
  20. الزركشي والقرءان
  21. الزركشي وعلم الحديث
  22. البغاة على سيّدنا علي عند الزركشي

 حكم إنكار غير المجمع عليه

قال الفقيه الأصولي بدر الدين الزركشي في «تشنيف المسامع»([1]) ما نصه: «من جحد مجمعا عليه فله أحوال:

* أن يكون ذلك المجمع عليه معلوما من الدين بالضرورة كأركان الإسلام فهو كافر قطعا، وليس كفره من حيث إنه مجمع عليه بل لجحده ما اشترك الخلق في معرفتهن ولأنه صار بخلافه جاحدا لصدق الرسول.

* وأن يكون خفيا لا يعرفه إلا الخواص كفساد الحج بالوطء قبل الوقوف، وتوريث بنت الابن السدس مع بنت الصلب([2])، فإذا اعتقد المعتقد في شيء من هذا أنه خلاف إجماع العلماء لم نكفره لكن يحكم بضلاله وخطئه، ولا فرق في هذا القسم بين المنصوص عليه وغيره لاشتراك الكل في الخفاء ولا نعلم فيه خلافا» اهـ مختصرا.

قال زكريا الأنصاري في «شرح الروض في كتاب السير»([3]) ممزوجا بالمتن ما نصه: «ولا ينكر العالم إلا مجمعا عليه أي على إنكاره لا ما اختلف فيه إلا أن يرى الفاعل تحريمه» اهـ.

وفي هامشه لأبي العباس الرملي نقلا عن عز الدين بن عبد السلام قال: «من أتى شيئا مختلفا في تحريمه معتقدا تحريمه وجب الإنكار عليه، وإن اعتقد تحليله لم يجز الإنكار عليه إلا أن يكون مأخذ الـمحلل([4]) ضعيفا تنتقض الأحكام بمثله لبطلانه في الشرع ولا ينقض إلا لكونه باطلا، وذلك كمن يطأ جارية بالإباحة([5]) معتقدا لمذهب عطاء فيجب عليه الإنكار. وإن لم يعتقد تحريما ولا تحليلا أرشد إلى اجتنابه من غير توبيخ ولا إنكار» انتهى كلام أبي العباس الرملي.

قال الشيخ زكريا في «شرح روض الطالب» ممزوجا بالمتن ما نصه([6]): «لكن إن ندب على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف برفق فحسن إن لم يقع في خلاف ءاخر وترك أي وفي ترك سنة ثابتة لاتفاق العلماء على استحباب الخروج من الخلاف حينئذ. وليس للمحتسب([7]) المجتهد أو المقلد كما فهم بالأولى حمل الناس على مذهبه لما مر ولم يزل الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع ولا ينكر أحد على غيره مجتهدا فيه، وإنما ينكرون ما خالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا» اهـ.

الزركشي ينزه الله عن الكيفية

قال الزركشي في البرهان :”كيف”: استفهام عن حال الشيء لا عن ذاته، كما أن “ما” سؤال عن حقيقته، و”مَن” عن مشخصاته، ولهذا لا يجوز أن يقال في الله كيف.” انتهى

قال إمامنا الشافعي رضي الله عنه أيضا جامعا جميع ما قيل في التوحيد: «من انتهض لمعرفة مدبره فانتهى إلى موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه، وإن اطمأنّ إلى العدم الصرف فهو معطل، وإن اطمأن لموجود واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحد». اهـ ذكر ذلك عنه الإمام أحمد الرفاعي في البرهان المؤيد[(375)]، والإمام بدر الدين الزركشي [794هـ] في تشنيف المسامع[(376)]، والحافظ ولي الدين أبو زرعة العراقي في الغيث الهامع[(377)]، وملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر[(378)] وغيرهم[(379)].

حكم قدم العالم عند الزركشي و الرد على من تمسك بعبارات للزركشي في حكم المجسم

 نقل المحدث الأصولي بدر الدين الزركشي في كتاب «تشنيف المسامع» اتفاق المسلمين على كفر من يقول بأزلية نوع العالم، فقال بعد أن ذكر الفريقين من الفلاسفة: الفريق القائل بأزلية العالم بمادته وصورته، والفريق القائل بأن العالم أزلي المادة محدث الصورة: «ضللهم المسلمون في ذلك وكفروهم». فابن تيمية يشمله هذا القول، فإنه قال بأزلية نوع العالم في خمسة من كتبه بل أكثر.

ومثل ذلك قال الحافظ ابن دقيق العيد والقاضي عياض المالكي والحافظ زين الدين العراقي والحافظ ابن حجر في شرح البخاري وغيرهم.

وقال الحافظ الفقيه الزركشي في تشنيف المسامع (وقد نص الشافعي على قبول شهادة أهل الأهواء وهو محمول على ما إذا لم يؤد إلى التكفير وإلا فلا عبرة به) وقال ما نصه (لا اعتبار بقول المبتدع الذي نكفره ببدعته لعدم دخوله في مسمى الأمة المشهود لهم بالعصمة وإن لم يعلم هو كفر نفسه). اهـ

وهذه العقيدة الفاسدة، أي القول بقدم جنس العالم، اقتبسها ابن تيمية من كتاب مناهج الأدلة لابن رشد الفيلسوف.

 قال الزركشي في كتابه «تشنيف المسامع» [(945)] «وهذا العالم بجملته علويه وسفليه جواهره وأعراضه محدث أي بمادته وصورته كان عدمًا فصار وجودًاوعليه إجماع أهل الملل ولم يخالف إلا الفلاسفة ومنهم الفارابي وابن سينا قالواإنه قديم بمادته وصورته وقيلقديم المادة محدث الصورة.وحكى الإمام في «المطالب» قولا رابعًا بالوقف وعدم القطع وعزاه إلى جالينوس فإنه قال في مرض موته اكتب عني أني ما عرفت أن العالم محدَث أو قديم وأني ما عرفت أن النفس هي المزاج أو شىء غيره، قال ولهذا طُعن به عليه وقيل إنه خرج من الدنيا كما دخل حيث لم يعرف حقيقة هذه الأشياءوكل هذه الأقوال باطلة وضلّلهم المسلمون في ذلك وكفَّروهم وقالوا من زعم أنه قديم فقد أخرجه عن كونه مخلوقًا لله، قالواوهذا أخبث من قول النصارى لأن النصارى أخرجوا من عموم خلقه شخصًا واحدًا أو شخصين ومن قال بقدم العالم فقد أخرج العالم العلوي والسفلي والملائكة عن كونه مخلوقًا لله تعالى» انتهى كلام الزركشي.
وكذلك يكفر من قال إن العالم قديم بمادته فقط كأصحاب الهَيُّولى، ويشبه مذهبَهم هذا قولُ ابن تيمية في كتابه «منهاج السنة» فإنه قال في موضع منه [(946)]: «لا مانع من أن يكون نوع العالم غير مخلوق لله». وقال فيه [(947)] بصحة تسلسل الآثار [(948)] أي ما من حادث إلا وقبله حادث إلى ما لا نهاية له. وهذا الكلام كفر صريح. وذكر ذلك أيضًا في كتابه «نقد مراتب الإجماع» [(949)] ولقد رأيت بعيني عبارته في الكتابين وغيرهما وفي «الموافقة» [(950)]. ونسب إليه الحافظ تقي الدين السبكي ذلك وقال في ابن تيمية «جعل الحادث قديمًا والقديم محدثًا» يعني بالثاني قوله بحدوث الإرادة في ذات الله. قال «ولم يجمع أحدٌ سواه بين الضلالتين»، قاله السبكي في «الدرة المضية» [(951)]

فعقيدة ابن تيمية هي عين عقيدة الفلاسفة الذين يدعون الإسلام وهم كافرون بالإسلام وجرى عرف بعض العلماء على تسميتهم «الفلاسفةَ الإسلاميين» ومرادهم بذلك أنهم ينتسبون للإسلام لا أنهم مسلمون كما أفاد ذلك بدر الدين الزركشي في شرح جمع الجوامع [(991)]، ويكفي ابنَ تيمية كفرًا قوله بقدم العالم جنسًا مع حدوث الأفراد وذلك مع كفر التجسيم فإنه جسّم الله وحَدّهُ بقدر العرش فجعل لله مقدارًا كالمخلوقات، قال الله تعالى ﴿… وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ *﴾ الآية [سورة الرعد]، فكيف يلقّب من هذا حاله بشيخ الإسلام؟! وقوله «إن العالم قديم الجنس حادث الأفراد» أشد كلام الفلاسفة أعداء الدين كفرًا وهي أشد من إنكارهم حشر الأجساد وإنكارهم علم الله بالجزئيات. وقد ألّف الشيخ علاء الدين البخاري مؤلفًا [(992)] يكفّر فيه من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام، وقال الشيخ المفسر اللغوي أبو حيان رحمه الله [(993)] إنه عثر على كتابٍ لابن تيمية سماه «كتاب العرش» يقول فيه «إن الله تعالى يجلس على الكرسيّ وقد أخلَى منه مكانًا يُقعِدُ فيه معه رسول الله» اهـ. تنبيه. تكفير من يعتقد أن الله جسم هو الصواب والقول بخلافه باطل، وذلك لأنه قول بالحدوث لأن الجسم لا يكون إلا حادثًا فقول بعض المبتدعة «إن الله جسم لا كالأجسام» لا معنى له فالمجسم من فرق المبتدعة الذين يكفرون ببدعتهم وعلى ذلك الشافعي رضي الله عنه. 

نقل المحدّث الأصولي بدر الدين الزركشي في تشنيف المسامع [(189)] اتفاق المسلمين على كفر من يقول بأزلية نوع العالم فقال بعد أن ذكر أن الفلاسفة قالوا: «إن العالم قديم بمادته وصورته» وبعضهم قال: «قديم المادة محدَث الصورة» ما نصه: «وضلَّلهم المسلمون في ذلك وكفَّروهم» اهـ. ومثل ذلك قال الحافظ ابن دقيق العيد والقاضي عياض المالكي والحافظ زين الدين العراقي والحافظ ابن حجر في شرح البخاري وغيرهم.
قال القاضي عياض في «الشفا» [(190)]: «وكذلك نقطع على كفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو شك في ذلك على مذهب بعض الفلاسفة والدهرية» اهـ. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري» [(191)] ما نصه: «قال شيخنا – يعني زين الدين العراقي – في شرح الترمذيالصحيح في تكفير منكر الإجماع تقييده بإنكار ما يعلم وجوبه من الدين بالضرورة كالصلوات الخمس، ومنهم من عبر بإنكار ما علم وجوبه بالتواتر، ومنه القول بحدوث العالم، وقد حكى القاضي عياض وغيره الإجماع على تكفير من يقول بقدم العالم، وقال ابن دقيق العيدوقع هنا من يدَّعي الحِذق في المعقولات ويميل إلى الفلسفة فظن أن المخالف في حدوث العالم لا يكفر لأنه من قبيل مخالفة الإجماع وتمسك بقولنا: إن منكر الإجماع لا يكفر على الإطلاق حتى يثبت النقل بذلك متواترًا عن صاحب الشرع، قالوهو تمسك ساقط إما عن عمى في البصيرة أو تعام لأن حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع والتواتر بالنقل» اهـ.

الرد على من تمسك بعبارات للزركشي في حكم المجسم

وقال الحافظ الفقيه الزركشي في تشنيف المسامع (وقد نص الشافعي على قبول شهادة أهل الأهواء وهو محمول على ما إذا لم يؤد إلى التكفير وإلا فلا عبرة به) وقال ما نصه (لا اعتبار بقول المبتدع الذي نكفره ببدعته لعدم دخوله في مسمى الأمة المشهود لهم بالعصمة وإن لم يعلم هو كفر نفسه). اهـ

وقال الزركشي في تشنيف المسامع: “لقوله تعالى (وزاده بسطة في العلم والجسم) فدل على ان الجسم قد يزيد على جسم اخر وذلك لاجل التاليف والاجتماع وكثرة الاجزاء وذلك مستحيلة في حق الباري فكذلك لازمه ولا عبرة بخلاف المبتدعة من الكرامية ويلزم المجسمة القول بقدم العالم لان الجهة والتحيز والمكان من جملة العالم. قال الائمة لا تستطيع المجسمة ابدا اثبات حدوث العالم لان الاجسام متماثلة فلا يتصور ان يكون فيها قديم ومحدث ونقل صاحب الخصال من الحنابلة عن احمد بن حنبل انه قال: من قال جسم لا كالاجسام كفر ونقل عن الاشعرية انه يفسق وهذا النقل عن الاشعرية ليس بصحيح . انتهى

وقال الإمام ابن دقيق العيد ما نصه: وقد اختلف الناس في التكفير وسببه حتى صنف فيه مفردا و الذي يرجع إليه النظر في هذا: أن مآل المذهب: هل هو مذهب أو لا؟ فمن أكفر المبتدعة قال: إن مآل المذهب مذهب فيقول: المجسمة كفار لأنه عبدوا جسما وهو غير الله تعالى فهم عابدون لغير الله ومن عبد غير الله كفر. انتهى

وحتى من خالف في مسألة ترك تكفير المجسم و الجهوي من الشافعية كسليمان البجيرمي فقد أتى بكلام خالف به مذهبه, فقال في شرحه على الخطيب: وذكر حج (أي ابن حجر الهيتمي)في الكتاب المذكور (الأعلام) أن القائلين بالجهة لا يكفرون على الصحيح . قال : نعم إن اعتقدوا لازم قولهم من الحدوث أو غيره كفروا إجماعا. ا هـ فليحفظ. انتهى

وهذا اعتراف منه أن القائل بالجهة في حق الله قد يعتقد لازم قوله من الحدوث فيكفر بالاجماع. و بهذا يبطل قولهم أن لازم المذهب ليس مذهبا في كل الأحوال.

نقل ابن حمدان عن الإمام أحمد رضي الله عنه([1]) «تكفير من قال عن الله: جسم لا كالأجسام» اهـ. ونقله صاحب الخصال من الحنابلة كما ذكر ذلك المحدث الأصولي بدر الدين الزركشي([2]).

[2] ) تشنيف المسامع، الزركشي، 4/684.

من الكفر أيضا اعتقاد قدم العالم وأزليته بجنسه وأفراده كما قالت الفلاسفة أو بجنسه فقط كما قال أحمد بن تيمية ووافق فيه الفلاسفة المحدثين. وأجمع المسلمون على كفر الفريقين، نقل ذلك المحدث الفقيه الأصولي الشافعي بدر الدين الزركشي في تشنيف المسامع كما تقدم.

ومن هنا يعلم أنه ليس كل متأول يمنع عنه تأويله التكفير. فليجعل طالب العلم قول الرشيدي المذكور فيما لم يقم الدليل القاطع على ذكر، يعني أنه ينبغي أن يكون مستحضرا لهذه الكلمة في قلبه لأنها مهمة لأن التأول مع قيام الدليل القاطع لا يمنع التكفير عن صاحبه وإلا للزم ترك تكفير النصارى لأنهم على حسب زعمهم اجتهدوا، والبوذيون أيضا اجتهدوا على حسب زعمهم فرأوا أن ما هم عليه حق فدانوا به، فالذي يعتقد أن كل متأول يعذر مهما كان تأوله فقد كذب الشريعة.

   وهذه المسئلة بعضهم عبر عنها بالاجتهاد وبعضهم عبر عنها بالتأويل، فممن عبر بالتأويل الحافظ الفقيه سراج الدين البلقيني الذي قال فيه صاحب القاموس: «صديقنا علامة الدنيا»، وعبر بعض شراح منهاج الطالبين بالاجتهاد وكلتا العبارتين لا بد لهما من قيد ملحوظ، فلا يظن ظان أن ذلك مطلق لأن الإطلاق في ذلك انحلال ومروق من الدين. ألا ترى أن كثيرا من المنتسبين إلى الإسلام والمشتغلين بالفلسفة مرقوا من الدين باعتقادهم القول بأزلية العالم اجتهادا منهم ومع ذلك أجمع المسلمون على تكفيرهم كما ذكر ذلك المحدث الفقيه بدر الدين الزركشي في شرح جمع الجوامع، فإنه قال بعد أن ذكر الفريقين الفريق القائل بأزلية العالم بمادته وصورته والفريق القائل بأزلية العالم بمادته أي بجنسه فقط «وقد ضللهم المسلمون في ذلك وكفروهم». وكذلك المرجئة القائلون بأنه لا يضر مع الإيـمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر حسنة إنما قالوا ذلك اجتهادا وتأويلا لبعض النصوص على غير وجهها فلم يعذروا.

   وكذلك ضل فرق غيرهم وهم منتسبون إلى الإسلام كان زيغهم بطريق الاجتهاد بالتأويل، نسأل الله الثبات على الحق.

وقال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه [241هـ] بتكفير من قال عن الله: جسم، ومن قال: جسم لا كالأجسام[36].اهـ

[36]  نقل ذلك عنه عدد من العلماء، منهم القرافي وابن حجر الهيتمي والزركشي وصاحب الخصال من الحنابلة وغيرهم كما سيمر.

نقل صاحب الخصال من الحنابلة عن الإمام أحمد أنه قال بتكفير من قال: «الله جسم لا كالأجسام» ذكر ذلك المحدث الفقيه بدر الدين الزركشي في «تشنيف المسامع» وقال: ونقل عن الأشعرية أنه يُفسق، وهذا النقل عن الأشعرية ليس بصحيح» اهـ.

من نتائج عقيدة المجسمة الخبيثة التناقض والتضارب فقولهم: «الله جسم» أي مخلوق، لأنه كل جسم مخلوق، ولا يوجد جسم غير مخلوق، وقولهم: «لا كالأجسام» أي ليس مخلوقا وهذا تناقض مع الأول، فيصير قولهم: «الله مخلوق، الله ليس مخلوقا» ولا يقول هذا عاقل، وهذا كفر صريح كما نص عليه إمام السنة سيدنا أحمد بن حنبل رضي الله عنه فيما رواه عنه الحافظ بدر الدين الزركشي في كتابه تشنيف المسامع: «من قال الله جسم لا كالأجسام كفر».

لا يلتفت بعد هذا إلى ما لا يعول عليه من النقول إما لعدم ثبوته عمن نسب إليه أو لنـزول القائل عن درجة الاحتجاج به ، لكونه ليس من أهل الاجتهاد ولا من أصحاب الوجوه في المذهب، أو خالف قوله قول إمامه، مع نزول القائل عن رتبة الاجتهاد، مهما تردد ذكرها في الكتب أو تكرر الاعتماد عليها من قبل بعض من شأنه أن يجمع الأقوال من غير تحقيق وضبط، ومن ذلك ما نبه إليه الزركشي: «ونقل صاحب الخصال من الحنابلة عن أحمد أنه قال: من قال: جسم لا كالأجسام كفر، ونقل عن الأشعرية أنه يفسق، وهذا النقل عن الأشعرية ليس بصحيح» [(1078)] اهـ. وذلك لأن الصواب الذي لا محيد عنه أنه يكفر لمعارضته صريح القرءان والسنة.

رأي الزركشي في ابن تيمية

من اعتبر ابن تيمية من المجتهدين الذين يجوز تقليدهم فقد بعد عن الصواب، كيف وهو القائل، والعياذ بالله: إن العالم أزلي بجنسه، أي: أن جنس العالم لم يتقدمه الله بالوجود وإنما تقدم الأفراد المعينة، وقد اتفق المسلمون على تكفير من يقول بأن العالم أزلي مع الله سواء جعله أزليا بنوعه فقط أو نوعه وتركيبه وأفراده المعينة. وقد نص ابن تيمية على هذا في أكثر من خمسة من كتبه([48]). ثم كيف تجرأ المفتونون به على اعتباره مجتهدا، ومن شرط المجتهد الإسلام، ومن يقول بتلك المقالة مقطوع بكفره، كما نقل الإجماع على ذلك المحدث الفقيه الأصولي بدر الدين الزركشي([49]) وغيره.

فتوى كتابة المصحف على الرسم الأول بين العز بن عبد السلام والزركشي

نسبَ الشيخُ بدرُ الدين الزَّرْكَشيُّ في كتابه البرهانِ في علوم القرآن إلى الشيخ العزِّ ابنِ عبدِ السلام فتوى مفادها حُرمة كتابة المصحف الآن على الرُّسُومِ الأُولى باصطلاح الأئمة.

و العِزُّ بريءٌ من هذا الكلام .

والصواب أن هذه الفتوى قد صحفت عن قصد أو غير قصد على العز بن عبد السلام وأن كلمة (الآن) هي في الأصل تحريف لكلمة (إلا) أقحمت عليها نون فقلبت معناها، ولو أعدنا نص الفتوى على هذا التقرير لصارت (لاتجوز كتابة المصحف إلا علي الرسوم الأولي باصطلاح الأئمة لئلا يوقع في تغيير من الجهال)

والظاهر والله أعلم أن نص هذه الفتوى قد وقع للزركشي محرفا ولم ينتبه إلي ذلك وهو مع هذا قد استشكله مما جعله مضطرا للتعليق عليه.

تنبيهات الزركشي في تلقي العلوم

تقدم النقل عن جمهرة من الأعلام الذين لهذا الإجماع، فلا يلتفت بعد هذا إلى ما لا يعول عليه من النقول إما لعدم ثبوته عمن نسب إليه أو لنـزول القائل عن درجة الاحتجاج به ، لكونه ليس من أهل الاجتهاد ولا من أصحاب الوجوه في المذهب، أو خالف قوله قول إمامه، مع نزول القائل عن رتبة الاجتهاد، مهما تردد ذكرها في الكتب أو تكرر الاعتماد عليها من قبل بعض من شأنه أن يجمع الأقوال من غير تحقيق وضبط، ومن ذلك ما نبه إليه الزركشي: «ونقل صاحب الخصال من الحنابلة عن أحمد أنه قال: من قال: جسم لا كالأجسام كفر، ونقل عن الأشعرية أنه يفسق، وهذا النقل عن الأشعرية ليس بصحيح» [(1023)] اهـ.

وهو عين ما نبه إليه البرزلي المالكي بقوله: «وأنكر عليه شيخنا الإمام نقله عن بعض الأشعرية إنكارا شديدا»، وقال: «لم يقله أحد منهم فيما علمته واستقريته من كتبهم»[(1024)] اهـ، وذلك لأن الصواب الذي لا محيد عنه أنه يكفر لمعارضته صريح القرءان والسنة.

عقيدة الإمام الزركشي في القدر

وقال الحافظ الفقيه الزركشي في تشنيف المسامع (وقد نص الشافعي على قبول شهادة أهل الأهواء وهو محمول على ما إذا لم يؤد إلى التكفير وإلا فلا عبرة به) وقال ما نصه (لا اعتبار بقول المبتدع الذي نكفره ببدعته لعدم دخوله في مسمى الأمة المشهود لهم بالعصمة وإن لم يعلم هو كفر نفسه). اهـ

(32) ذكر الشيخ الحبشي نقلاً عن الخطابي ما نصه: “يتوهم كثير من الناس أن معنى القدر من الله والقضاء منه الإجبارُ والقهرُ للعبد على ما قضاه وقدّره وليس كذلك، وإنما معناه الإخبار عن تقدُّمِ عِلمِ الله بما يكون من أفعال العباد واكتسابها وصدورها عن تقديرٍ منه وخلقِه لها خيرها وشرها” اهـ. وقد روى ابن حبان من حديث حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله صانعُ كلِ صانعٍ وصَنعتِه” فافهم رحمك الله.

(33) روى الإمام الشافعي والحافظ ابن عساكر عن عبد الله بن جعفر عن علي رضي الله عنه أنه قال للسائل عن القدر: ” سر الله فلا تتكلف ” فلما ألحّ عليه قال له: أما إذ أبيتَ فإنه أمر بين أمرين: لا جبر ولا تفويض.

(34) ذكر الزركشي في تشنيف المسامع ما نصه: إن الله فاعلٌ بالاختيار، فله تقديم الحادث وله تأخيره بحسب اختياره، والدليل عليه قوله تعالى: { وربُك يخلق ما يشاء } اهـ.

(35) قال أبو حنيفة في الفقه الأكبر: وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبُهُم على الحقيقة واللهُ خالقُها. اهـ

(36) هو أبو الحسن علي بن إسماعيل ابن أبي بشر إسحق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال ابن أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري. ولد في البصرة سنة 260 هـ وقيل سنة 266 هـ وتوفي سنة 324 هـ ودفن ببغداد.

(37) كتب الحسن بن علي إلى الحسن البصري: لو جبر الخلقَ على الطاعة لأسقط عنهم الثواب، ولو جبرهم على المعصية لأسقط عنهم العقاب، ولو أهملهم كان ذلك عجزاً في القدرة ولكن له فيهم المشيئة التي غيّبها عنهم. ذكره أبو نعيم في حليته.

(51) قال الزركشي في تشنيف المسامع: “وهو من لوازم القول بخلق الأفعال كلها. وهي مسئلة القضاء والقدر التي لا يتم الإيمان إلا به، أن يعتقد أن كل شيء من الطاعة والعصيان والنفع والضر بمشيئة الله خلافاً للمعتزلة فإنهم يعتقدون أن الأمر مستأنف بمشيئة العبد مستقل به من غير سبق قضاء وقدر . ولذلك قيل لهم القدرية لأنهم نفوا القدر . وجاء في الحديث: (القدرية مجوس هذه الأمة) اهـ رواه ابن حبان وأبو داود وذكر الاسفراييني في كتابه التبصير في الدين أن “القدرية ينقسمون إلى عشرين فرقة. وأن واصل بن عطاء الغزال وهو رأس المعتزلة وأول من دعا الخلق إلى بدعتهم وذلك أن معبداً الجهني وغيلان الدمشقي كانا يضمران بدعة القدرية ويخفيانها عن الناس” اهـ.

الرد على المعتزلة في قضيّة اللطف و منع اللطف عن العبد وحكمه في المعتزلة

ذكر السبكي في فتاويه هذه قبل هذا [63] “أن السلف أطبقوا ومنهم الأئمة الأربعة على تكفير القائل بخلق القرءان” اهـ، ومحل هذا القائلون بأن الله تعالى ليس له كلام إلا هذا اللفظ القرءاني وما يخلقه في خلقه كالشجرة التي رءاها موسى عليه السلام التي ذكر القرءان قصتها، وليس محل إجماعهم من قال بأن اللفظ المنزل مخلوق مع إثبات صفة الكلام لله تعالى من غير حرف ولا صوت ولا تقديم وتأخير ولا حدوثه في ذاته شيئا بعد شئ من الأزل إلى الأبد كما يرى ابن تيمية وأتباعه من الوهابية فإنهم أخذوا بقوله إن لله إرادات قديمة النوع حادث الأفراد، وهؤلاء حكمهم كحكم المعتزلة الذين يقولون بأنه ليس لله كلام إلا ما يخلقه في خلقه وبناء على ذلك حكموا على  القرءان بأنه مخلوق.

أما اعتقاد أهل السنة فإنه مخالف للفريقين فإنهم يقولون: لله تعالى كلام أزلي أبدي ليس ككلام المخلوقين وإن كلام المخلوقين بالصوت والحرف، ويعتقدون أن اللفظ القرءاني مخلوق لله تعالى ليس من تأليف جبريل ولا من تأليف رسول الله إنما جبريل أخذه من اللوح المحفوظ بأمر الله وأنزله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقرأه.

وأما ما ذكره السبكي من أن المتأخرين لا يكفرون المعتزلة مع الاختلاف فيه فهو خلاف الصواب، والصواب ما قاله ونقله الإمام أبو منصور، وقد اعترف السبكي بأن الأئمة الأربعة والسلف على تكفير القائل بخلق القرءان أي على الوجه المذكور.

تأويل البيهقي بتكفير الشافعي حفصا الفرد القائل بخلق القرءان على كفر النعمة مردود لأن قول الشافعي لحفص الفرد: “لقد كفرت بالله العظيم” صريح في أنه كفران الجحود الذي هو خروج عن الملة، ويؤيد ما ذكرناه من أن الحافظ البلقيني قال عن تأويل البيهقي وغيره [64]: “هذا التأويل لا يصح لأن الذي أفتى الشافعي رضي الله عنه بكفره بذلك هو حفص الفرد وقد قال: أراد الشافعي ضرب عنقي، وهذا هو الذي فهمه أصحابه الكبار وهو الحق وبه الفتوى” اهـ، وقال الزركشي في تشنيف المسامع ما نصه [65]: “وقد نص الشافعي على قبول شهادة أهل الأهواء وهو محمول على ما إذا لم يؤد إلى التكفير وإلا فلا عبرة به” اهـ، وهذا يؤكد ما قاله الحافظ البلقيني.

قال الزركشي [(531)]: «ومن غريب ما وقع في الآية الأخيرة أن الزمخشري لما رءاها قاصمةً لأصله قال قد قطع الله وَهم المجبرة بقوله ﴿ … وَاتَّبَعَ هَوَاهُ … *﴾ [سورة الكهف] يعني لما عطف بالواو ولم يعطف بالفاء وهو يعني بالمجبرة أهل السُّنة وهو في هذا متابع لابن جني فإنه ذكره في كتابه «المحتسب» وقال بأنَّ المطاوعة لا تكون إلا بالفاء نحو كسرته فانكسر قال: ومن هذا يتبين في قوله تعالى ﴿ … أَغْفَلْنَا … *﴾ أن المراد صادفنا قلبه غافلًا [(532)] كما يقال أبخلته وأجبنته وليس المعنى جعلناه غافلاً وإلا لقيل فاتبع هواه بالفاء، ونحن نقول قطع الله وَهْمَ القدرية بقوله { … وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ … *} [سورة الكهف] وبما تلوناه من الآي، والمعنى ولا تطع شقيًّا خلقنا له الإعراض واتّبع هو هواه بالإغفال، فالإضلال من الله واتّباع الهوى من العبد، ونقول لابن جنّي والزمخشري ليس اتباع الهوى مطاوعًا لأغفلنا بل المطاوع لأغفلنا غفل، وإن فعل المطاوعة لا يجب عطفه بالفاء اهـ.

يجب تكفير المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعاله الاختيارية أي يحدثها من العدم إلى الوجود لأنهم كذبوا قول الله تعالى: {هل من خالق غير الله} [فاطر:3]، وقول الله: {قل الله خالق كل شيء} [الرعد: 16] وءايات أخرى كثيرة وأحاديث عديدة. وهؤلاء المعتزلة هم القدرية الذين سماهم رسول الله ﷺ مجوس هذه الأمة، وهم الذين شدد عليهم النكير عبد الله ابن عمر([1]) رضي الله عنهما وغيره من أكابر الصحابة ومن جاء بعدهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما([2]): «كلام القدرية كفر»، وقال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه للقدري: «إن عدت إلى هذا لأقطعن الذي فيه عيناك»، وكذلك الحسن بن علي بن أبي طالب والإمام المجتهد عبد الله ابن المبارك([3]) فقد حذر من ثور بن يزيد وعمرو بن عبيد الذي كان من رءوس المعتزلة، وقد ألف في الرد عليهم الحسن بن محمد ابن الحنفية([4]) حفيد سيدنا علي بن أبي طالب وكذا الإمام الحسن البصري([5]) والخليفة الأموي المجتهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه([6])، وعلى تكفيرهم كان الإمام مالك فقال حين سئل عن نكاح المعتزلة: {ولعبد مؤمن خير من مشرك} [البقرة: 221]، نقل ذلك عنه أبو بكر بن العربي المالكي([7])، والزركشي في شرحه على أصول ابن السبكي([8])، وكذلك كفرهم إماما أهل السنة أبو منصور الماتريدي الحنفي([9])، وأبو منصور عبد القاهر البغدادي التميمي الشافعي([10]) شيخ الأشاعرة وشيخ الحافظ البيهقي.

([1]) صحيح مسلم: كتاب الإيمان: باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان.

([2]) تهذيب التهذيب (6/383).

([3]) تاريخ مدينة دمشق (11/193).

([4]) له رسالة طبعت في بيروت سنة 1977ر.

([5]) أصول الدين (ص307).

([6]) حلية الأولياء (5/346).

([7]) أحكام القرءان (2/802).

([8]) تشنيف المسامع (4/223).

([9]) التوحيد (ص227).

([10]) أصول الدين (ص335).

الرد على المعتزلة في التحسين والتقبيح العقلي

الْرَّشِيْدُ: هوَ الذي أرشدَ الخلقَ إلى مصالِحهم،
ومصالحُ العبادِ منحصرةٌ فيما جاءَ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ، فالمصلحةُ مَا وافقَ الشرعَ، أمَّا
مَا خالفَ شرعَ اللهِ تعالى لا يقالُ عنهُ مصلحةٌ، ما خالفَ القرآنَ الكريمَ لا
يسمَّى مصلحةً، المصلحةُ منحصرةٌ فيمَا جاءَ في القرآنِ الكريمِ، قالَ تعالى
إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)

ﱠ([1])، فليسَ لقائلٍ أنْ يقولَ عمَّا
يخالفُ ما جاءَ بهِ النبيُّ ﷺ
إِنَّ فيهِ مصلحةً، فالذي أمرَ بهِ اللهُ تعالى في كتابِه وثبتَ لنا عنْ رسولِ
اللهِ ﷺ مما أمرَ بهِ هوَ المصلحةُ، وما لم
نجدْه موافقًا لكتابِ اللهِ ولِمَا جاءَ بهِ رسولُ اللهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فليسَ
مصلحةً، فمصالحُ العبادِ منحصرةٌ في ما وافقَ كتابَ اللهِ ومَا جاءَ عنْ رسولِ
اللهِ ﷺ، ومما يدلُّ على هذا القاعدةُ
المعروفةُ عندَ أهلِ السنةِ والجماعةِ وهيَ أَنَّ التحسينَ والتقبيحَ شرعيانِ([2])اهـ
فلا نحكمُ على الحسنِ بأَنَّه حسنٌ ولا على القبيحِ بأَنَّه قبيحٌ إلا إذا جاءَ
الشرعُ بهِ، فليسَ الحاكمُ في هذا الهوى ولا العقلَ بلِ الشرعُ، خلافًا للمعتزلةِ
الذينَ يقولونَ إِنَّ التحسينَ والتقبيحَ عقليانِ، والردُّ عليهم بكثيرٍ منَ
الوجوهِ أذكرُ منها أنَّه في بعضِ الشرائعِ حَكَمَ اللهُ تعالى على مَنْ عَبَدَ
العجلَ بوجوبِ التوبةِ ومِنْ شروطِ توبتِه بعدَ رجوعِه للإسلامِ بالشهادتينِ أنْ
يقتلَ نفسَه وكانَ حسنًا عندَهم بعدَ حكمِ اللهِ بهِ، قال تعالى

﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
[ البقرة: 54]
وفي
شرعِ سيدِنا محمدٍ ﷺ هذا الأمرُ “أيْ قتلُ
نفسِه” محرمٌ بلْ هوَ أشدُّ ذنبٍ بعدَ الكفرِ باللهِ، ونقولُ عنهُ إِنَّه
قبيحٌ، فلو كانَ العقلُ حاكمًا بقبْحِه وحُسْنِهِ لبقيَ الحكمُ على ما هوَ عليهِ،
لكنِ الشرعُ هو الذي حكمَ بحسنِه في ذلكَ الزمنِ لحكمةٍ لا نعقلُها، وحَكَمَ بقبْحِه
في شرعِ سيدِنا محمَّدٍ ﷺ،
وكذلكَ مِنَ الأمثلةِ على ذلكَ أَنَّه في زمنِ الأنبياءِ قبلَ سيدِنا محمَّدٍ ﷺ كانَ المسلمُ الداخلُ على أخيهِ
المسلمِ يحييهِ بالسجودِ لهُ تحيةً وليسَ عبادةً، كما سجدَ الملائكةُ لآدمَ عليهِ
السلامُ، قالَ تعالى:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (36) فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)

([4])، وكمَا سجدَ إخوةُ يوسفَ وأبواهُ لهُ،
وهوَ ما أخبرَ عنهُ ربُّنا في القرآنِ الكريمِ:

فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) ۞ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)

ﱠ([5])، أمَّا في شرعِ سيدِنَا محمَّدٍ ﷺ فإِنَّه حرامٌ، فقدْ رُويَ أَنَّ معاذَ بنَ جبلٍ لما قَدِمَ مِنَ الشامِ سجدَ لرسولِ اللهِ ﷺ، فقالَ الرسولُ ﷺ: ((مَاْ هَذَاْ؟)) فقالَ: يا
رسولَ اللهِ إنِّي رأيتُ أهلَ الشامِ يسجدونَ لبطارِقَتِهم وأساقِفَتِهِم، وأنتَ
أولى بذلكَ، فقالَ: ((لَوْ كُنْتُ آمِرًا أحَدًا أنْ يَسْجُدَ لأِحَدٍ،
لأمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا([6])))،
فهوَ أمرٌ منهيٌ عنهُ في شرعِنا، فيُعلَمُ منْ كلِّ ذلكَ وغيرِهِ أَنَّ الحسنَ ما
حَسَّنَهُ الشرعُ لا العقلُ، والقبيحَ ما قَبَّحَهُ الشرعُ لا العقلُ.

دُعَاءٌ: اللَّهُمَّ يَا اللهَ
ارْزُقْنَا تَسْلِيْمًا لِأَحْكَامِ شَرْعِكَ وَحُسْنَ اتِّبَاعٍ لَهَا يَا اللهُ.

وقد أورد الزركشي في البحر المحيط أقوال الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، و نصه: “وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ: ذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْبَرَاهِمَةُ إلَى أَنَّ الْعُقُولَ طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَسَنِ، وَالْقَبِيحِ وَالْوَاجِبِ، وَالْمَحْظُورِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ عَلَى الْعَقْلِ. فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: هُوَخَاطِرٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ يَدْعُوهُ إلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ. وَشَرَعَ الرُّسُلُ مَا قَبُحَ فِي الْعَقْلِ كَذَبْحِ الْبَهَائِمِ وَتَسْخِيرِ الْحَيَوَانِ وَإِتْلَافِهِ. قَالُوا: وَإِنَّمَا حَسُنَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهِ لِلْغَرَضِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو هَاشِمٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَوْلَا وُرُودُ الشَّرْعِ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا جَوَازُ حُسْنِهِ….قَالَ: وَذَهَبَ أَهْلُ الْحَقِّ إلَى أَنَّ طَرِيقَ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ النَّظَرِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالسَّمْعِيَّاتِ، السَّمْعُ دُونَ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ صِحَّةُ مَا يَصِحُّ كَوْنُهُ، وَوُجُوبُ وُجُودِ مَا يَجِبُ وُجُودُهُ، وَاسْتِحَالَةُ كَوْنِ مَا يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ، وَصِحَّةُ مَا يَصِحُّ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهِ جَوَازًا بِكُلِّ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ مِنْ وَاجِبٍ وَمَحْظُورٍ، وَمُبَاحٍ وَمَكْرُوهٍ وَمَسْنُونٍ. فَقَدْ كَانَ فِي الْعَقْلِ جَوَازُ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ، وَكَانَ فِيهِ أَيْضًا جَوَازُ وُرُودِ الشَّرْعِ بِتَحْرِيمِ مَا أَوْجَبَهُ وَإِيجَابِ مَا حَرَّمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ فِعْلٍ، وَلَا عَلَى تَحْرِيمِهِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَقَالُوا أَيْضًا: لَوْ تَوَهَّمْنَا خَلْقَ الْعَاقِلِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ عَلَيْهِ، وَاسْتَدَلَّ ذَلِكَ الْعَاقِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَوَصَلَ إلَيْهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ بِذَلِكَ ثَوَابًا، وَلَوْ جَحَدَهُ بِهِ وَكَوْنُهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ عِقَابًا، وَلَوْ عَذَّبَهُ اللَّهُ أَبَدًا فِي النَّارِ لَكَانَ عَدْلًا. وَإِنَّمَا كَانَ كَإِيلَامِ الطِّفْلِ فِي الدُّنْيَا، وَالْعِقَابُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ خِطَابًا أَوْ بِوَاسِطَةِ الرِّسَالَةِ ثُمَّ عَصَاهُ. هَذَا قَوْلُ شَيْخِنَا أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ كَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَتَمَعْزَلْ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ ” التَّحْصِيلِ “: إنَّهُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي ” تَلْخِيصِ كِتَابِ الْقَاضِي “: بَحْثُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ يَرْجِعُ إلَى مَا يَحْسُنُ وَيَقْبُحُ فِي التَّكْلِيفِ، وَهُمَا رَاجِعَانِ إلَى حُكْمِ الرَّبِّ شَرْعًا لَا إلَى وَصْفِ الْعَقْلِ، وَصَارَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّ قُبْحَ الْقَبِيحِ يَرْجِعُ إلَى ذَاتِهِ، وَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ صَارُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْحُسْنِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْحَقِّ فَقَالُوا: لَا يُدْرَكُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ حُسْنٌ وَلَا قُبْحٌ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَعْظِيمِهِ، وَالْقَبِيحَ مَا وَرَدَ بِذَمِّهِ، فَالْحُسْنُ وَالْقُبْحُ عَلَى التَّحْقِيقِ هُوَعَيْنُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الشَّرْعِيَّيْنِ… وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي ” الْمُرْشِدِ “: الشَّيْءُ عِنْدَنَا لَا يَحْسُنُ وَلَا يَقْبُحُ لِنَفْسِهِ بَلْ إنَّمَا تَرْجِعُ الْأَحْكَامُ إلَى قَوْلِ الشَّارِعِ، وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا يَتَوَقَّفُ إدْرَاكُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ عَلَى السَّمْعِ بَلْ يُدْرَكَانِ بِالْعَقْلِ، ثُمَّ مِنْهَا مَا يُدْرَكُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ كَالْكُفْرِ، وَالضَّرَرِ الْمَحْضِ، وَمِنْهَا مَا يُدْرَكُ بِنَظَرِهِ كَوُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ. قَالَ: وَمَنْ قَالَ مِنْ أَئِمَّتِنَا: لَا يُدْرَكُ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ إلَّا بِالشَّرْعِ فَهُوَمُتَجَوِّزٌ؛ لِأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ الْحُسْنَ زَائِدٌ عَلَى الشَّرْعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْحَسَنَ عِبَارَةٌ عَنْ نَفْسِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ وَكَذَا الْقَبِيحُ. …. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ لِلْعَقْلِ مَدْخَلًا فِي التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ وَالْقَبِيحَ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ عُلِمَ بِالْعَقْلِ، وَضَرْبٌ عُلِمَ بِالسَّمْعِ. فَأَمَّا الْمَعْلُومُ حُسْنُهُ بِالْعَقْلِ فَهُوَالْعَدْلُ، وَالْإِنْصَافُ، وَالصِّدْقُ وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمَعْلُومُ حُسْنُهُ بِالشَّرْعِ فَنَحْوُ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا الْمَعْلُومُ قُبْحُهُ بِالشَّرْعِ فَكَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ. قَالُوا: وَسَبِيلُ السَّمْعِ إذَا وَرَدَ بِمُوجِبِ الْعَقْلِ يَكُونُ وُرُودُهُ مُؤَكِّدًا لِمَا فِي الْعَقْلِ إيجَابِهِ وَقَضِيَّتِهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى مَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وَاجِبٌ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ بِهِ وَدُعَاءِ الشَّرْعِ إلَيْهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَسْرِهِمْ، وَذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَالْحَلِيمِيُّ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ خُصُوصًا الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَبَّخَ الْكُفَّارَ عَلَى تَرْكِهِمْ الِاسْتِدْلَالَ بِعُقُولِهِمْ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَغَيْرِهِمْ…” . انتهى

قول الأشاعرة بعدم بقاء العرض زمانين وعلاقته بثبوت النبوة

بين علماء الأشاعرة بطلان هذه الرواية المكذوبة على ابن فورك، من ذلك ما قاله الزركشي في كتابه تشنيف المسامع: فمن الأكاذيب عليه – أي على الأشعري – ما حكاه ابن حزم في الملل أنه كان يرى النبوة عرضًا من الأعراض لا يبقى زمانين، وأن النبي إذا مات زالت نبوته وانقطعت دعوته. قال الأستاذ أبو القاسم القشيري وإمام الحرمين وغيرهما من الأئمة: وهذا كذب على الرجل. ثم استدل الإمام على أن النبوة ليست بعرض وإنما هي حكم الله برسالته وإخباره عن سفارته. وذكر ابن حزم أن ابن فورك قتل على هذه المقالة وأن أبا الوليد الباجي أخبره بذلك، قال الأستاذ أبو جعفر اللبلي: وهذه الحكاية لعمري من الكذب البارد وإيراد مثلها يدل على العقل الفاسد ومعاذ الله أن يقول الباجي هذه المقالة وابن فورك أجل قدرًا من هذا ولم يمت مقتولاً كما تخرص، وقد ذكر ابن عساكر عن الشيخ أبي الحسن عبد الغافر بن إسماعيل أنه دعي إلى غزنة وجرت له بها مناظرات وكان شديد الرد على الحنابلة – أي مجسمة الحنابلة – ولما عاد من غزنة سم في الطريق ودفن في الحيرة ثم نقل إلى نيسابور ومشهده اليوم بها يزار وتستجاب الدعوة عنده انتهـى

وما قاله ابن حزم عن الأشعرية قد رده أيضا ابن الصلاح حيث قال :”ليس كما زعم بل هو تشنيع عليهم آثرته الكرامية فيما حكاه القشيري”. انتهى

بقاء الجنة والنار والرد على من قال بفنائهما

﴿لابثين فيها أحقابا﴾ وقرأ حمزة »لبثين« والمعنى فيهما واحد أي أن الكفار سيمكثون في النار ما دامت الأحقاب، وهي لا تنقطع كلما مضى حقب جاء حقب وهكذا إلى ما لا نهاية له، والحقب ثمانون سنة، قال الإمام القشيري: أي دهورا، والمعنى مؤبدين. وليس في الآية ولا في غيرها متعلق لمن يقول بفناء النار كجهم بن صفوان وهو رأس الجهمية. وقد عد علماء الإسلام القول بفناء جهنم من الضلال المبين المخرج من الإسلام والعياذ بالله كما قال الإمام الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي رحمه الله في رسالته التي سماها »الاعتبار ببقاء الجنة والنار« رد فيها على ابن تيمية الذي من جملة ضلالاته قوله بأزلية نوع العالم، وذكر عقيدته هذه في أكثر من خمسة من كتبه، وهذا القول كفر إجماعا كما قال الزركشي وابن دقيق العيد وغيرهما كالحافظ ابن حجر في شرح البخاري والقاضي عياض المالكي، فلا يغرنك زخرفه

الزركشي وحكمه في إجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم وصلاته على المنافقين

ليعلم أن قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اجتهد في أمر ديني وأخطأ فيه كما ادَّعى ذلك الدكتور القرضاوي في برنامجه المسمى «الشريعة والحياة»[(648)] وأن الآية نزلت فردَّت عليه والعياذ بالله تعالى، فهذا لم يقله عالم من علماء المسلمين قط، بل ولا سُمِعَ من صبي ولا مجنون قبل القرضاوي، لأن الأمة أجمعت على عصمة النبي من الخطأ في الدين، ولم يقله مفسّر من المفسرين، وليس فيه أنه صلى الله عليه وسلم حرَّم شيئًا أحله الله له، وإنما أطبق علماء التفسير على أن النبي صلى الله عليه وسلم منع نفسه من شرب العسل في بيت بعض زوجاته لأجل بعضهن الآخر، ولم يُحرّم التحريم الشرعي إنما هو التحريم اللغوي وهو المنع، أي لِمَ تمنع نفسك مما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك، فهو التحريم اللغوي وليس الشرعي، كما تقول «حرَّمتُ على نفسي أن أدخل دارَك» أو «حرمت على نفسي أن آكل اللحم» أو «حرمت على نفسي أن أشرب الشاي»، أي منعت نفسي من ذلك، ومن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم شيئًا أحلَّه الله فقد أعظم الفِرية على الله وعلى رسوله وكذَّبَ القرءان ونفى عصمة الأنبياء، وقال بما يؤدي إلى تخوين النبي صلى الله عليه وسلم وأنه غير مؤتمن على شرع الله، وهذا معارض لقول الله عز وجل: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى *} ولقوله سبحانه وتعالى: {…وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} .

قال بدر الدين الزركشي في كتابه «تشنيف المسامع»[(649)]: «إن القول الصحيح أن النبي إذا اجتهد لا يخطىء» اهـ. هذا وقد قال العلامة ابن أمير الحاج في كتابه «التقرير والتحبير» ما نصه[(650)]: «وقيل بامتناعه أي بامتناع جواز الخطإ على اجتهاده – أي لايجوز الخطأ على اجتهاده – نقله في الكشف وغيره عن أكثر العلماء وقال الإمام الرازي والصفي الهنديّ إنه الحق وجزم به الحليمي والبيضاوي وذكر السبكي أنه الصواب وأن الشافعي نصّ عليه في مواضع من الأمّ لأنه أولى بالعصمة عن الخطإ من الإجماع لأنّ عصمته أي الإجماع عن الخطإ لنسبته إليه أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وللزوم جواز الأمر باتباع الخطإ لأننا مأمورون باتباعه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ… *} [سورة ءال عمران] ، إلى غير ذلك» اهـ.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»[(651)]: «عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يشربُ عسلا عند زينبَ ابنةِ جَحْش ويمكث عندها، فواطيتُ أنا وحفصة عن أيَّتُنا دخلَ عليها فلتقل له أكلتَ مَغافير؟ إني أجِدُ منكَ ريحَ مغافير، قال: لا، ولكنِّي كنتُ أشربُ عَسلا عند زينبَ ابنةِ جحش فلن أعودَ له، وقد حلفتُ لا تُخبري بذلك أحدًا» اهـ.

قال القرطبي في «الجامع لأحكام القرءان»[(652)]: «ولا يُحرِّم قول الرجل (هذا عليّ حرام) شيئًا حاشا الزوجة». ويقول[(653)]: «(تبتغي مرضات أزواجك) أي تفعل ذلك طلبًا لرضاهن». ثم قال: «والصحيح أنه معاتبة (معاتبة لطيفة والمعاتبة تكون أحيانًا لترك شىء مباح وليس شرطًا أن تكون لارتكاب محرمٍ) على ترك الأولى، وأنه لم تكن له صغيرة ولا كبيرة» اهـ.

نقل الزركشي([3]) عن الحليمي قوله في الكلام على خصائص الأنبياء: «ومنها العصمة من الخطإ في الاجتهاد».

[3]) البحر المحيط، بدر الدين الزركشي، (8/253).

قال بدر الدين الزركشي في كتابه «تشنيف المسامع»[(219)]: «إذا جوّزنا الاجتهاد على النبي صلى الله عليه وسلم فالصواب أنه لا يخطىء اجتهاده، وهذا هو الحق»

وقال الإمام الكبير أبو بكر الجصاص في أصوله (إنه لا يجوز على النبيّ أن يستغفر للكفار، وأن من جوّز على النبي أن يستغفر للكفار فقد انسلخ من الدين، ذلك أنه معلوم أنه قد كان من دين النبي من أول ما بعثه الله إلى أن توفاه أنه دعا الناس إلى اعتقاد تخليد الكافر في النار، وأنه لم يجوّز قط غفران الكفر، ثم قال فمن جوّز على النبي جواز الاستغفار للكافر فهو خارج عن الملة) ومثله قال الزركشي في المعتبر.

وهذا الجصاص توفي سنة 370 للهجرة انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة وكان مشهوراً بالزهد، وصفه في الجواهر المضية في طبقات الحنفية بأنه الإمام الكبير الشأن.

وليعلم أنه يستحيل على النبي أن يصلي صلاة الجنازة على مشرك منافق في الإيمان وهو يعرف حقيقة أمره ﻷن هذا تلاعب بالدين لا يجوز على رسول الله.
ولزيادة البيان فقد قال الله تعالى في ذلك (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) (التوبة 84) فهذه الآية نزلت في شأن عبد الله بن أبي بن سَلُول وصلاةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم عليه بعد وفاته، وهي دليل على أن الرسول ما كان يعرف حقيقة شأن ذاك المنافق بل كان يحسّن الظن به.
فعبد الله بن أُبَي بن سلول رأس المنافقين في المدينة، تظاهر في مرض وفاته بأنه رجع عن النفاق وأظهرَ الندم وطلب قميص النبي صلى الله عليه وسلم ليُكَفَّن به، فاعتقد النبي صلى الله عليه وسلم إسلامَه، ظنَّه مسلما، لذلك عندما مات صلى عليه صلاة الجنازة.

النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم تلك الساعة أن هذا الرجل ما زال على الكفر، فنزلت الآية تُبَيِّن أنه ما زال منافقًا، ويستحيل على النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي على مشرك ويستغفر له مع عِلمِهِ بكفره، قال الله تعالى (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) (التوبة 113).

تقرير الزركشي للقواعد اللغوية في مسألة إسم النبي لوط

ومما يجب التحذير منه ما جاء في بعض الكتب من أن اللواط مشتق من اسم نبي الله لوط وهذا فاسد، ومما يبطله أنه يؤدي إلى أن العرب الذين كانوا قبل لوط بزمان بعيد وكان منهم نبيان هود وصالح ما كانوا يعرفون مادة اللواط وما تصرف منه من الفعل الماضي والمضارع واسم الفاعل واسم المفعول وهذا قول بأن شرعيهما خاليان عن حكم اللواط وتحريمه والتنفير منه وهذا بمثابة قول بأنهما كان عندهما لفظ للزنا وما تصرف منه، ويلزم من ذلك أن ءادم ما علم أولاده من اللغة العربية ما يحتاج إلى معرفة حكمه فلا يليق بآدم عليه السلام أن لا يكون علم أولاده حين علم اللغات لفظ اللواط لأن الزنا واللواط من أشد ما يحتاج إلى التحذير منه، وكان ءادم أول لغة تكلم بها العربية فكيف يقضي حياته قبل أن يعلمهم مادة لفظ اللواط وما تصرف منه، وكذلك هود وصالح كانا عربيين وهما قبل لوط بزمان، فكيف يقال إن ءادم لم يعلم ما يحذر به من ذلك الفعل بل علم ءادم العبارات والألفاظ التي يحتاج إلى معرفتها كمادة القتل والنكاح وهذان مما حصل في زمانه استعماله، وأما الزنا فلم يحصل في زمانه وكذلك اللواط بل اللواط لم يحصل من البشر فعله إلا في قوم لوط.

وما أبعد ما يلزم من ذلك وهو أن يكون العرب لم تكن عندهم صيغة للواط قبل قوم لوط، فلا يليق بآدم عليه السلام الذي أول ما تكلم به اللغة العربية أن يكون مضى من غير أن يعلم ذريته لفظ اللواط.

فبعد هذا لا يصغى إلى ما قاله الليث إن الناس اشتقوا اللواط من اسم لوط، كيف وقد عصم الله الأنبياء من أن تكون أسماؤهم قبيحة ومن أن تكون أصلا للفواحش، فمن نسب إليهم اسما شنيعا بشعا فقد انتقصهم.

وهذا القول فيه جعل اسم لوط أصلا صدر منه لفظ هذه الفاحشة، فلا يعتبر بنقل بعض اللغويين لهذا كابن منظور والزبيدي في شرح القاموس.

وقد زيف النحاس والزجاج وهما من أكابر اللغويين هذا القول ونقله القرطبي في تفسيره [85] فقال ما نصه: “وقال النحاس: قال الزجاج: زعم بعض النحويين –يعني الفراء- أن لوطا يجوز أن يكون مشتقا من لطت الحوض إذا ملسته بالطين، قال: وهذا غلط لأن الأسماء الأعجمية لا تشتق كإسحاق” ثم قال: “قال النقاش: لوط من الأسماء الأعجمية وليس من العربية” اهـ، قلت: هذا هو الصواب، وقد ذكر الفقيه المحدث الأصولي بدر الدين الزركشي في شرح جمع الجوامع ما نصه: “أن الأفعال مشتقة من المصادر على الصحيح، والأفعال أصل للصفات المشتقة منها فتكون المصادر أصلا لها أيضا” اهـ، وقد ذكر غير واحد أن أسماء الأنبياء أعجمية إلا أربعة، ولم يذكروا اسم لوط بين هذه الأسماء، بل ورد في ذلك حديث صححه ابن حبان من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأقر الحافظ تصحيح ابن حبان.

ثم إنه لا يقاس الاشتقاق على المعرب فالمعرب لا يسمى اشتقاقا فهو شئ والاشتقاق شئ ءاخر فنقول في المعرب: نقل لغة أعجمية إلى العربية ولم يستعملوه على أنه عربي، فأسماء الأعيان نقل منها والعرب استعملته استعمالا وليس هناك أنه اشتق هذا من هذا، فرق بعيد بين المعرب والاشتقاق.

فهذه المقالة باطلة شنيعة لغة وشرعا فلا يخفى على المتأمل أن قول هؤلاء لا ينطبق على أنواع الاشتقاق الثلاثة التي بينها العلماء في محلها.

تنبيه: لا يجوز أن يقال إنّ فعل اللواط مشتق من اسم نبيّ الله لوط، وقد ذكر الفقيه المحدث الأصولي بدر الدين الزركشي في كتاب «تشنيف المسامع» ما نصه[(190)]: «إن الأفعال مشتقة من المصادر على الصحيح، والأفعال أصل للصّفات المشتقة منها فتكون المصادر أصلاً لها أيضا».اهـ

إقراره التأويل

قوله تعالى: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾ قوله تعالى: ﴿فسبح بحمد ربك﴾ فيه قولان أحدهما: الصلاة قاله ابن عباس، والآخر: التسبيح المعروف قاله جماعة من المفسرين، وقوله تعالى: ﴿واستغفره إنه كان توابا﴾ روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ إلا يقول فيها «سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» وفي رواية أخرى له عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» يتأول القرءان. وفي هذا الحديث دليل على أنه لا يذم كل تأويل للقرءان لمجرد لفظ تأويل، إنما يذم ما كان من تأويلات أهل البدعة كالمعتزلة الذين أولوا قول الله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [سورة القيامة] قالوا منتظرة ثواب ربها، فهذا هو التأويل المذموم لمخالفته للنص حيث إن التأويل غير جائز إلا بدليل كما قال الزركشي في «البرهان في علوم القرءان» وهو كذلك قول الإمام فخر الدين الرازي حيث نقله السيوطي في كتابه «الإتقان في علوم القرءان» وأقره، وقال عقبه: «وحسبك بهذا الكلام من الإمام» هذا وقد عقد السيوطي في كتابه المذكور هذا فصلا ينقل فيه بعض التأويلات لبعض المتشابهات من الآيات مع ذكر تنزيه الله عن حقيقتها كتأويل ابن عباس لقوله تعالى ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ [سورة القلم/42] قال: هذا يوم كرب وشدة، رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، قال: ومن ذلك صفة الفوقية في قوله تعالى ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ [سورة الأنعام/18]، وقوله تعالى ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ [سورة النحل/50] والمراد بها العلو من غير جهة وقد قال فرعون ﴿وإنا فوقهم قاهرون﴾ [سورة الأعراف/127] ولا شك أنه لم يرد العلو المكاني» انتهى كلام الحافظ السيوطي في كتابه الإتقان.

وذكر الإمام بدر الدين محمّد بن عبد الله الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن[(416)]: وممّن نُقل عنه التأويل عليّ وابن مسعود وابن عباس وغيرهم. وقال الغزالي في كتاب «التفرقة بين الإسلام والزندقة»: «إنّ الإمام أحمد أوّل في ثلاثة مواضع». وأنكر ذلك عليه بعض المتأخرين، قلت: وقد حكى ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى تأويل أحمد في قوله تعالى: {…أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ… *} ، قال: وهل هو إلاّ أمره، بدليل قوله {…أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ… *} .اهـ

ـ[376] تشنيف المسامع للزركشي((4/80) ثم قال الزركشي: وهو معنى قول الصديق الأكبر رضي الله عنه: «العجز عن درك الإدراك إدراك» ثم قال (4/82) وفي هذا المقام قال الصديق الأكبر رضي الله عنه: «سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته» اهـ. قلت: أي لا يُعرف معرفة إحاطة.اهـ

كان الزركشي فقيها عالما بأمور الزكاة

من معاصي اليد التي هي من الكبائر منع الزكاة (الواجبة عليه) أي ترك دفعها (كلها) أو إعطاء بعضها وترك بعض (كمن عليه مائة دولار زكاة فدفع خمسين، كل حرام من الكبائر لكن له أجر على ما دفعه كجزء من الزكاة ثم إن أراد فيما بعد أن يدفع بقية الزكاة يكمل ما بقي عليه) ومنها تأخير إخراجها بعد وقت الوجوب والتمكن من إخراجها بلا عذر شرعي فلا يجوز لمن وجبت عليه قبل رمضان كشهر رجب أو شعبان مثلا أن يؤخر إلى رمضان (أما إذا أراد تأخير الزكاة لأجل فقير قريب مسافر، فإنه يجوز له أن ينتظر حتى يدفعها إليه. وقد قال الإمام الزركشي “تأخير الزكاة عن الدفع كمنع الزكاة” يعني أن المنع حرام، وكذلك التأخير بغير عذر شرعي حرام) وليس رمضان موسما لإخراج الزكاة بل موسمها في الحولي وقت حولان الحول. وكذلك من معاصي اليد دفع ما لا يجزئ إخراجه ولو كان أكثر قيمة من المجزئ (فمن لزمه إخراج الذهب فأخرج فضة، فكأنه لم يخرجها، ومن كان عليه زكاة شاة فدفع جملا وإن كانت قيمة الجمل أكثر من الشاة فإنه لا يجزئه ذلك، لأن الأمر ليس مربوطا بالقيمة، ولكن بما يجوز شرعا وبما هو واجب عليه. فإن كان الواجب عليه أن يدفع شاة فليدفع شاة ثم إن أراد بعد ذلك أن يتبرع بجمل، فهذا شأنه. لأن الله تعالى يطاع على الوجه الذي أمر أن يطاع به) ويجوز إخراج القيمة عند الإمام أبي حنيفة وعليه عمل الناس اليوم (إن كان من عملة أو غيرها كالثياب وغير ذلك مما يساوي قيمة الزكاة). وكذلك يحرم إعطاؤها من لا يستحقها كإعطائها للجمعيات التي تصرف الزكاة في غير مصارفها (أي إعطاء الزكاة لغير الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله في القرآن حرام، فمن دفع الزكاة في بناء مسجد، فإن الزكاة ما زالت في ذمته، والمال الذي دفعه في غير محله ليس له فيه أجر، بل عليه فيه إثم) وأما إن وكل المزكي جمعية يثق بأنها تصرف الزكاة في مصارفها كان ذلك جائزا.

قال الفقيه بدر الدين الزركشي “تأخير إخراج الزكاة عن وقتها بلا عذر –يعني وجبت عليه وهو قادر على الإخراج وأخر وقال سأدفع لكن أخر أسبوع شهر أربعة أشهر سنة ويقول سأدفع لكن يؤخر بلا عذر يؤجل بلا عذر- كمنعها” يعني يريد كبيرة لأنه منع حق الله فيها، هذا خبيث ملعون. يفكر أن يوفر قليلا؟ كم النسبة؟ إذا قلنا اثنان ونصف بالمائة يعني بالمليون ليرة لبنانية خمس وعشرون ألف ليرة لبنانية، شىء قليل، اليوم الخمس والعشرون ليرة لبنانية على مليون ليرة كلا شىء، إذا طلع اثنان ونصف بالمائة من القيمة ماذا يكون بالنسبة لكثرة أمواله ولما عنده من أموال؟ مع أن البيت الذي يسكنه لا يزكيه والسيارة التي يستعملها هو وسيارة ابنه وسيارة بنته وسيارة زوجته كل هذه لا يزكي عليها لأنهم ما اشتروهم للتجارة لتقلب في التجارة، إنما كل ما يصرفه خلال السنة من طعام وشراب ولباس ومصارف بيت اثنان ثلاثة أربعة، يصرف على بيوت أولاده وبيوت زوجاته الثلاثة وسياراتهم كل هذا لا يزكيه، ماذا بقي؟ البضاعة الموجودة والغنم والبقر والإبل والعملة التي يقلبها في التجارة، المواشي والأنعام التي اكتملت نصابا ومضى الحول كم يكون عليه شىء قليل بالنسبة لما عنده، وقد يكون عنده أشياء كثيرة هو لا يزكيها أيضا فلماذا لا يشكر ربه ويزكي؟

فهذا الذي لا يزكي إن كان في مال التجارة يبيع ويشتري يقلب بقصد الربح أو هي موجودة عنده في أرضه في مزرعته واكتملت نصابا ولا يزكيها، عندنا مسئلة من يقلب بقصد الربح والتجارة يبيع ويشتري بقصد الربح أو هو في مزرعته الأغنام والبقر والإبل واكتملت بالنصاب والحول ولا يزكي يوم القيامة يعيدها الله تعالى يبعثها يحشرها الله {وإذا الوحوش حشرت}-سورة التكوير/5- تأتي يوم القيامة ثم بحوافرها وقوائمها تضربه إذلالا وإهانة له بين الخلائق يوم القيامة لأنه كان لا يزكيها.

تخيلوا هذا الإنسان كم يكون جسده والغنم والبقر والإبل بقوائمها وحوافرها تدوسه تنطحه تضربه ماذا سيفعل؟ وهذا جزء من العذاب.

المجتهد عند الزركشي

قد جعل الله تبارك وتعالى في كل زمان مجتهدا لا تخلو الأرض منه، فقد روى كميل بن زياد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: »لا تخلو الأرض من قائم لله بحججه« أي لا تخلو من مجتهد، وصحح الفقيه الأصولي الزركشي أنه لا يخلو العصر من مجتهد خلاف ما اشتهر عند الناس أن بعد المائة الرابعة انقطع الاجتهاد.

كان الزركشي لغويا

يعلم مما تقدم أن ما جاء في الحديث لا يحرم خروج المرأة متعطرة على الإطلاق، وإنما يحرمه إذا قصدت التعرض للرجال. فإن قيل: إن اللام التي في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «فمرت بقوم ليجدوا ريحها» هي لام العاقبة وليست لام التعليل. فالجواب: أن هذا لا يصح لوجوه منها: الأول: أن لام العاقبة هي التي يكون ما بعدها نقيضا لمقتضى ما قبلها([63])، كالتي في قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} [القصص: 8]، أي فكانت العاقبة أن كان سيدنا موسى عليه السلام عدوا لهم وحزنا، فهذه اللام ما بعدها مناقض لمقتضى ما قبلها، لأن ءال فرعون إنما التقطوا سيدنا موسى من اليم ليكون لهم عونا وينصرهم، ولكن العاقبة هي أنه كان عدوا لهم وحزنا، وهذا لا يصح في هذا الحديث لأن ظهور ريح الطيب ليس مناقضا لخروج المرأة متعطرة. الثاني: أن اللام لا تكون للعاقبة إلا بطريق المجاز كما قال الإمام ابن السمعاني أحد مشاهير الأصوليين في كتابه القواطع، والمجاز لا بد له من دليل لا يصار إليه إلا لأجله، ولا دليل هنا للمجاز إلا التعصب للرأي على طريق التحكم كما قال الإمام ابن السمعاني أحد مشاهير الأصوليين، نقل ذلك عنه الفقيه الأصولي بدر الدين الزركشي في بحث معاني الحروف في تشنيف المسامع([64])الثالث: أن هذا فيه إبطال الحديث الذي رواه أبو داود عن عائشة الذي فيه أن نساء النبي كن يضمخن جباههن بالمسك للإحرام، وقد تقدم ذكره. ويرد على كلام المؤولين لحديث «ليجدوا» بأنه لام العاقبة أن شم الرجال ريحها قد لا يحصل لكونها تمر بعيدة من الرجال بحيث لا يصل ريحها إليهم فيؤدي كلامهم أن يكون هذا جائزا، فهل يقولون بذلك أي أنها إذا خرجت بحيث لم يجد الرجال ريحها فهو جائز. فوضح أن هذه اللام هي لام التعليل كما فهم ذلك ابن رشد القرطبي من كلام الإمام مالك كما سيأتي. وروى البيهقي([65]) في سننه أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها، ثم أتى النساء ومعه بلال فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي خرصها وسخابها، قال البيهقي: «رواه البخاري في الصحيح([66]) عن أبي الوليد وأخرجه مسلم([67]) عن شعبة». اهـ. فهذا الحديث فيه أن هؤلاء النسوة خرجن يوم العيد وهن لابسات السخاب وهو نوع من الطيب فلم ينكر عليهن، والخرص هو حلقة الذهب والفضة كما في القاموس في مادة: (خ ر ص)، وهذا من أدلة جواز خروج المرأة متزينة أيضا. ومن الأدلة أيضا ما رواه أحمد وغيره([68]) أن فاطمة زوج على رضي الله عنهما اكتحلت ولبست صبيغا يعني في حجهم مع النبي فقال لها علي: من أمرك بهذا فقالت: رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال علي: فانطلقت محرشا على فاطمة مستفتيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدقت صدقت».

و قال ابن منظور في لسان العرب حيث قال: الأَيْدُ والآدُ جميعاً: القوة…وفي التنزيل العزيز: والسماء بنيناها بأَيد؛ قال أَبو الهيثم: آد يئيد إِذا قوي. انتهــى

وهذا ما مال إليه بعض أهل فن كتابة المصحف.

قال أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني في كتابه المحكم فى نقط المصاحف : ” أو لأن العرب لم يكونوا اصحاب شكل ونقط فكانوا يفرقون بين المشتبهين في الصورة بزيادة الحروف إلحاقهم الواو في ( عمرو ) فرقا بينه وبين ( عمر ) وإلحاقهم إياها في ( أولئك ) فرقا بينه وبين ( إليك ) وفي ( أولى ) فرقا بينه وبين ( إلى ) وإلحاقهم الياء في قوله ( والسماء بنيناها بأييد ) فرقا بين ( الايد الذي معناه القوة ) وبين الايدي ( التي هي جمع يد ) وإلحاقهم الالف في ( مائة ) فرقا بينه وبين ( منه و منة ) من حيث اشتبهت صورة ذلك كله في الكتابة “. انتهى

و قال أبو العباس المراكشي في عنوان الدليل من مرسوم خط التنزيل: ” إنما كتبت {بأييد} بياءين فرقا بين الأيد الذي هو القوة وبين الأيدي جمع يد ولا شك أن القوة التي بنى الله بها السماء هي أحق بالثبوت في الوجود من الأيدي فزيدت الياء لاختصاص اللفظة بمعنى أظهر في ادراك الملكوتي في الوجود”. انتهى

و نقلها عنه الزركشي في البرهان في علوم القرآن

وهذا التفسير ليس عليه اجماع بين أهل العلم.

فالكثير من المعاجم اللغوية تذكر أن كلمة يد تجمع على أيد أيضا. 

كان الزركشي أصوليا

قال الزركشي في كتابه «تشنيف المسامع»([9]) ممزوجا بالمتن ما نصه: «فلا اعتبار بالكافر فيه – أي: في الإجماع – لأن أدلة الإجماع لم تتناوله إنما تناولت المؤمنين على الخصوص، ولأنه غير مقبول القول فلا اعتبار به في حجة شرعية ولا بقول المبتدع الذي نكفره ببدعته لعدم دخوله في مسمى الأمة المشهود لهم بالعصمة وإن لم يعلم هو كفر نفسه ولا خلاف فيه، فإن لم نكفره فالمختار أنه لا ينعقد الإجماع دونه نظرا إلى دخوله في مفهوم الأمة، وقيل: ينعقد دونه، وقيل: لا ينعقد عليه؛ بل على غيره فيجوز له مخالفة إجماع من عداه ولا يجوز ذلك لغيره. واعلم أنه سيأتي أن الإجماع قد يكون على أمر دنيوي وحينئذ فلا يبعد أن لا يختص بالمسلمين لا سيما إذا بلغ المجمعون حد التواتر ولم نشترط في ناقل التواتر الإسلام.

ويكفي في الرد على منكر الإجماع ما ذكره الإمام أبو منصور عبد القاهر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق ونصه([10]): «واتفقوا – أي: أهل السنة والجماعة – على أن أصول أحكام الشريعة: القرءان، والسنة، وإجماع السلف».اهـ. ثم قال: «وأكفروا النظام في إنكاره حجة الإجماع وحجية التواتر، وقوله بجواز اجتماع الأمة على ضلالة».اهـ.

ومن العجب من ابن تيمية أنه بعد إنكاره الإجماع يناقض نفسه فيقول في فتاويه ما نصه([11]): «وهذا أحد الأدلة على أن الإجماع حجة قاطعة».اهـ. وهذا ليس مستغربا من ابن تيمية، فمن راجع كتبه وجد فيها التناقض البين، ومن ذلك أنه يذكر في فتاويه أن الخضر ميت فيقول([12]): «والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت، وأنه لم يدرك الإسلام، ولو كان موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وءاله وسلم لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه».اهـ. ثم يذكر في نفس الكتاب ما نصه([13]): «وأما حياته – يعني: الخضر – فهو حي، والحديث المذكور – يعني: «لو كان حيا لزارني» – لا أصل له، ولا يعرف له إسناد؛ بل المروي في مسند الشافعي وغيره: أنه اجتمع بالنبي ﷺ، ومن قال: إنه لم يجتمع بالنبي ﷺ فقد قال ما لا علم له به، فإنه من العلم الذي لا يحاط به، ومن احتج على وفاته بقول النبي ﷺ: «أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد»، فلا حجة فيه، فإنه يمكن أن لا يكون الخضر إذ ذاك على وجه الأرض».اهـ.

[9])) تشنيف المسامع (ص226 – 227)، مخطوط.

[10])) الفرق بين الفرق (ص327، 328).

[11])) مجموع فتاوى (1/17).

[12])) مجموع فتاوى (27/100).

[13])) مجموع فتاوى (4/339).

الزركشي والقرءان

قال الإمام بدر الدين الزركشي في «البرهان في علوم القرءان»[(115)]: «ثم ساق سنده من طرق إلى ابن عباس: آخر آية نزلت {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} » اهـ. وهذا دليل على أن عددا من الآيات نزلت بعد آية {…الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} .

الزركشي وعلم الحديث

إذا علم المزكي سبب الجرح و بين ببطلانه فيقدم التعديل على التجريح. قال الحافظ بدر الدين الزركشي في نكته على مقدمة ابن الصلاح ما نصه قال:” الثالث أن تقديم الجارح عند الفقهاء بأن يطلق القول، فإن قال المعدل: عرفت السبب الذي ذكره الجارح لكنه تاب و حسنت حاله فإنه يقدم المعدل، و كذلك لو عين الجارح سببا فنفاه المعدل بطريق معتبر كما اذا قال:قتل فلانا ظلما وقت كذا، فقال المعدل: رأيته حيا لعد ذلك، او كان القتيل في ذلك الوقت عندي، لكن هنا يتعارضان فيتساقطا، و يبقى اصل العدالة ثابتا، و يحتمل ان يقال بتقديم قول المعدل لان السبب الذي استند اليه الجارح قد تبين بطلانه فكأنه لم يكن، و يبقى التعديل مستقلا و الحكم واحدا غير ان هذا الاحتمال يكون ثبوت عدالته بالاصالة” انتهى.

ما قاله الزركشي في نكته على ابن الصلاح: “والصحيح تقديم الجرح لما ذكرنا، يعني لأن تقديم الجرح إنما هو لتضمنه زيادة خَفِيَت على المعدِّل، وذلك موجود مع زيادة عدد المعدل ونقصه ومساواته،فلو جرحه واحد وعدّله مائة قُدِّم قول الواحد لذلك”. ففيه نظر إذ لا يطلق القول بتقديم قول الواحد المجرح على المعدلين و لا بد من التفصيل الذي بينه أهل هذا الشأن

البغاة على سيّدنا علي عند الزركشي

وقد نقل الفقيه المتكلم ابن فورك في كتاب مقالات الأشعري كلام أبي الحسن الأشعري في أمر المخالفين لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال ما نصه [66]: “وكان –أي الأشعري- يقول في أمر الخارجين عليه والمنكرين لإمامته إنهم كلهم كانوا على الخطإ فيما فعلوا، ولم يكن لهم أن يفعلوا ما فعلوا من إنكار إمامته والخروج عليه. وكان يقول في أمر عائشة رضي الله تعالى عنها إنها إنما قصدت الخروج طلبًا للإصلاح بين الطائفتين بها للتوسط في أمرهما، فأما طلحة والزبير فإنهما خرجا عليه وكانا في ذلك متأولين مجتهدين يريان ذلك صوابًا بنوع من الاجتهاد، وإن ذلك كان منهما خطأ وإنهما رجعا عن ذلك وندما وأظهرا التوبة وماتا تائبين مما عملا. وكذلك كان يقول في حزب معاوية إنه كان باجتهادٍ منه وإن ذلك كان خطأ وباطلاً ومنكرًا وبغيًا على معنى أنه خروج عن إمام عادل، فأما خطأ طلحة والزبير فكان يقول إنه وقع مغفورًا للخبر الثابت عن النبي أنه حكم لهما بالجنة فيما روي في خبر بشارة عشرة من أصحابه بالجنة فذكر فيهم طلحة والزبير، وأما خطأ من لم يبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة في أمره فإنه مجوّز غفرانه والعفو عنه” اهـ.

وهذا نص صريح من شيخ أهل السنة أبي الحسن الأشعري بأن كل مقاتليه عصوا، وأن طلحة والزبير تابا من ذلك جزمًا، وأما الآخرون فهم تحت المشيئة يجوز أن يغفر الله لمن شاء منهم. فبعد هذا لا يسوغ لأشعري أن يخالف كلام الإمام فيقول: إن معاوية وجيشه غيرُ ءاثمين مع الاعتراف بأنهم بغاة، وأمّا من قال إنهم مأجورون فأبعد من الحق.

وليعلم أن ما ذكر في بعض كتب الأشاعرة كالغزالي مما يخالف كلام الأشعري مردود لا يلتفت إليه.

وفي تعبير الإمام الأشعري عن حرب معاوية بأنه باطل ومنكر وبغي الحكم بأن ذلك معصية. وكلامه هذا بعيد من كلام أولئك الذين قالوا إن عمل هؤلاء الذين قاتلوا عليًا يدخل تحت حديث: “إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر”. لأن الاجتهاد الذي نصّ عليه الحديث هو الاجتهاد الذي يكون فيما لم يرد فيه نص صريح، ومسألة مقاتلة الإمام الرشيد كعلي معلوم حرمتها من عدة أحاديث كحديث: “من كره من أميره شيئًا فليصبر عليه فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرًا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية” رواه مسلم وغيره.

قال الزركشي بعد كلام في شرحه على جمع الجوامع: “هذا مع القطع بتخطئة مقاتلي عليّ وكل من خرج على من اتفق على إمامته، لكن التخطئة لا تبلغ إلى حد التفسيق عند القاضي أبي بكر، وقالت الشيعة بالتفسيق، ونسبه الآمدي لأكثر أصحابنا” اهـ. وقوله: “أصحابنا” يعني به الاشاعرة.

ولا نعتقد نحن أن الصحابي منهم فسق فسقًا يمنع قبول روايته للحديث، بل نعتقد أنهم كغيرهم ءاثمون بلا استئناء، والدليل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم للزبير رضي الله عنه: “إنك لتقاتلنه وأنت ظالم له” رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، والأشعري في عبارته المذكورة لم ينف الإثم عن الذين قاتلوا عليًّا بل قال: إثم طلحة والزبير وقع مغفورًا لكونهما من المبشرين بالجنة بالتعيين، وقال عن خطإ غيرهما إنه مجوز غفرانه والعفو عنه.

فتبين أن تعبيره بالخطإ ليس معناه أنهما لم يعصيا إنما مراده أن إثمهما كان صادرًا عن خطإ في الرأي، ومثل هذا لا يدخل تحت حديث: “وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه” [67] لأن هذا الخطأ المذكور في هذا الحديث المراد به ما حصل بلا إرادة من فاعله كالذي ينطق بالقول المحرم الكفر وغيره عن سبق لسان، والفعل الذي يكون على هذا الوجه كفعل من أراد أن يرمي إلى صيد فأصاب سهمه إنسانًا مسلمًا مؤمنًا فقتله. كما أن هذا أيضًا لا يدخل تحت حديث: “إذا اجتهد الحاكم…” المتقدم ذكره، يمنع من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام للزبير: “وأنت ظالم له”، ولا يخفى على القارئ أن الخطأ في عبارات العلماء يقع على معنيين: أحدهما مخالفة الصواب إن كان مما يؤدي إلى كعصية أو إلى ما دونها، والثاني ما يحصل من الإنسان من قول أو فعل بلا إرادة كالذي حصل من الرجل الذي أضلّ دابته ثم وجدها فقال: “اللهم أنت عبدي وأنا ربك” أخطأ من شدة الفرح فسبق لسانه إلى ما لم يرده.

فالخطأ الذي أورده الإمام الأشعري في القسم الأول، أراد أن هؤلاء عصوا بدليل قوله في طلحة والزبير: “إنهما تابا”، فلا يشتبه عليك الأمر يا طالب العلم. ولا ينبغي أن يفهم من كلام الأشعري من تعبيره بالخطإ في أمر معاوية أنه كان حصل منه ذلك باجتهاد كاجتهاد الأئمة في استخراج المسائل من الكتاب والسنة على حسب أفهامهم، وذلك لأن سيدنا عليًا رضي الله عنه قال: “إن بني أمية يقاتلونني يزعمون أني قتلت عثمان، وكذبوا إنما يريدون الملك” رواه مسدَّد بن مُسَرْهَد في مسنده [68] كما سيأتي، وكذلك قال سيدنا عمار بن ياسر رضي الله عنهما عن معاوية إن همه كان الدنيا ودعواه إلى الأخذ بدم عثمان إنما هو اتخذها ذريعة للوصول إلى الملك، ذكر ذلك الحافظ المجتهد ابن جرير الطبري كما سيأتي. ودعوى أن معاوية حصل منه ذلك على طريقة الاجتهاد المعروف بين الأئمة تخيّلٌ لما هو مخالف للواقع، ويؤيد ذلك أنه لو كان الإمام الأشعري أراد بقوله إن معاوية اجتهد ذلك الاجتهاد الذي رفعت المؤاخذة عن المخطئ فيه لم يقل إن ما حصل منهم مجوّز الغفران، وهذا ظاهر لمن يفهم العبارات.

أضف تعليق