أسئلة وأجوبة في مسألة عصمة الأنبياء

أسئلة وأجوبة في مسألة عصمة الأنبياء

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه. وبعدُ فقد أجمع العُلماء على عصمة الأنبياء مِن الكُفر والكبائر وصغائر الخسَّة؛ واختلفوا في وقوع صغيرة لا خسَّة فيها، ولم يكفِّروا بعضهم. وخالف يوسف ميناوي العُلماء فقال بالتَّكفير في مسألة لا إجماع فيها فخرج مِن دائرة أهل السُّنَّة وحقَّ أنَّه جاهل مُتصولح؛ وهذه أسئلته وأجوبتنا عليها:

1. يقول الجاهل: العُلماء قرَّروا جواز الصَّغيرة مِن الأنبياء ولم يقرِّروا الوقوع.

– يقول أهل السُّنَّة: بل إنَّ عُلماء أهل السُّنَّة اختلفوا في جواز الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها كما اختلفوا في وقوعها مِن الأنبياء. قال الزَّركشيُّ في [البحر المُحيط]: <ونقل القاضي عياض تجويز الصَّغائر ووقوعها عن جماعة مِن السَّلف وجماعة مِن الفُقهاء والمُحدِّثين وقالَ في [الإكمال] إنَّه مذهب جماهير العُلماء..> اهـ لاحظ قوله <ووقوعها> والنُّقول كثيرة جدًّا.

2. يقول الجاهل: أجمع العُلماء أنَّ نبيَّنا مُحمَّدا خاصَّة لم يقع في ذنب حقيقيٍّ.

– يقول أهل السُّنَّة: قولهم هذا تحريف للدِّين بادِّعاء إجماع كاذب. قال الرَّازيُّ في [تفسيره] {لِيَغْفِرَ لَكَ}: <الجواب عنه قد تقدَّم مِرارًا مِن وُجوه أحدها المُراد ذنب المُؤمنين؛ ثانيها المُراد ترك الأفضل؛ ثالثُها الصَّغائر فإنَّها جائزة على الأنبياء بالسَّهو والعَمْد> اهـ فدلَّ أنَّهم حملوا الآية على وقوع الصَّغائر وهي خطاب لنبيِّنا عليه السَّلام. راجع الرَّوابط في الرَّدِّ الأوَّل على المقال.

3. هل كفَّر عُلماء أهل السُّنَّة بعضهم بسبب اختلافهم في هذه المسألة؟

– يقول أهل السُّنَّة: أبدًا؛ بل لمَّا كان الإمام الأشعريُّ يقول بالوقوع وخالفه التَّاج السُّبكيُّ قال: <والأشعريُّ إمامُنا لكنَّنا * في ذا نُخالفه بكُلِّ لسانِ> أي وإنْ كُنَّا خالفناه في هذه المسألة لكن لا نُكفِّره ولا نخرُج عن طريقته بل ويبقى إمامَنا ونحن مُتمسِّكون بأذيال أقواله لأنَّها على النَّهج الحقِّ والنَّمط الصِّدق، لا كما فعل أهل الفتنة لمَّا كفَّروا مَن خالفهم مِن أهل السُّنَّة.

4. يقول الجاهل: يكفر مَن عبَّر بلفظ معصية بحقِّ نبيٍّ في غير تلاوة وحديث.

– يقول أهل السُّنَّة: لم يسبقهم سُنِّيٌّ إلى هذا، ووقعوا بسببه في تكفير العُلماء حتَّى الَّذين لم يُجوِّزوا صغيرة على النَّبيٍّ. قال الماتُريديُّ في [التَّأويلات]: <وجائز أنْ يكون له ذنب فيأمرَه بالاستغفار له..> اهـ فقد عبَّر بلفظ الذَّنب في غير سياق تلاوة وحديث. وقال السَّمعانيُّ في [تفسيره]: <كان لا يخلو مِن الخطإ والزَّلل وبعض الذُّنوب الَّتي هي مِن الصَّغائر> اهـ.

5. يقول الجاهل: ولكنَّ العُلماء لم يأتوا بلفظ <الحقيقيِّ>؛ ابتدعتم كلمة قبيحة.

يقول أهل السُّنَّة: بل قالوا لأنَّ اللَّفظ على الحقيقة ما لم يدُلَّ على المجاز دليل؛ قال الآمدي في [الأبكار]: <والأصل في الإطلاق الحقيقة> اهـ أي ذنب على الحقيقة؛ وقالوا صغيرة وقالوا عمْدًا؛ كالتَّفتازانيِّ: <أمَّا الصَّغائر فيجوز عمْدًا عند الجمهور> اهـ وكالمرداويِّ: <وتجوز صغيرة عمْدًا عند القاضي وابن عقيل وابن الزَّاغوني والأشعريَّة..> اهـ والصَّغائر لا تخرج عن كونها ذنوبًا حقيقيَّة؛ واللَّفظ وقع في مقام البيان؛ فيبقى أنَّ تمسُّكَهم بإنكار لفظ (الحقيقيِّ) تشدُّقٌ لا معنى له؛ ولا مُستند لهم في تبديع القائل به.

6. يقول الجاهل: نحن لم نُكفِّر بل المالكيَّة هم الَّذين كفَّروا.

يقول أهل السُّنَّة: نسبتهم التَّكفير لمذهب مالك تزوير؛ قال الدُّسوقيُّ في الشَّرح الكبير: <(أو أضاف له ما لا يجوز عليه) كعدم التَّبليغ> اهـ وليس مُجرَّد صغيرة لا خسَّة فيها! وقد كذبوا في زعمهم أنَّهم ما كفَّروا بل كفَّرونا وطالبونا بالعودة إلى الإسلام! وذلك لأنَّهم اعتبروا تحريفهم معنى كلام علِّيش وجيهًا؛ ولو كانوا صادقين لوافقوا على التَّصريح بفساده ولا يوافقون.

7. يقول الجاهل: أنتم تقولون إنَّ شفيع المُذنبين مِن العُصاة.

– يقول أهل السُّنَّة: الرَّسول عليه السَّلام أتقى الأتقياء ليس مِن العُصاة؛ لكنَّكم جهلتم قول الأشعريِّ: <إنَّ أنواعَ الألطافِ إذا توالَتْ وفعلَها اللهُ بالمُكلَّفِ ولمْ تتخلَّلْها كبيرةٌ قيل لمَن فُعِلَ بهِ ذلكَ إنَّهُ معصومٌ مُطلقًا وذلكَ كأحوالِ الأنبياءِ> اهـ ويُوضحه قول ابن قُتَيبة: <يجوز أنْ يُقال (عصى آدمُ ربَّه) ولكن لا يُقال (آدمُ عاصٍ) لأنَّه إنَّما يُقال (عاصٍ) إذَا اعتاد فعل المعصية> اهـ.

8. يقول الجاهل: أنتم تبحثون في مجالس مُغلقة عن ذنب للنَّبيِّ.

– يقول أهل السُّنَّة: هذا كذب وسوء ظنٍّ بالمُسلمين؛ نحن إنَّما أنكرنا عليكم ادِّعاء إجماع كاذب وأنكرنا ما -أفتيتُم به جهلًا- فكفَّرتم العُلماء وبدَّعتم المؤمنين أحباب رسول الله عليه السَّلام؛ فوقع عليكم قول القاضي عياض في [الشِّفا]: <فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَا يَجُوزُ؛ وَمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ؛ وَمَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ فِيهِ وَالْخِلَافُ؛ كَيْفَ يُصَمِّمُ فِي الْفُتْيَا فِي ذَلِكَ! وَمِنْ أَيْنَ يَدْرِي؟> اهـ.

9. يقول الجاهل: لماذا أنكرتم على القرضاوي قوله: (إنَّ النَّبيَّ يُخطئ في التَّشريع)؟ ولماذا أنكرتم أنَّ يوسف بن يعقوب همَّ بالزِّنا؟

– يقول أهل السُّنَّة: هذه أسئلة تفضح جهلكم؛ وجوابها أنَّ العُلماء اختلفوا في صغيرة لا خسَّة فيها لا في غيرها. قال عياض في [الشِّفا]: <وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَخْتَلِفَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ وَكَثْرَتِهَا إِذْ يُلْحِقُهَا ذَلِكَ بِالْكَبَائِرِ، وَلَا فِي صَغِيرَةٍ أَدَّتْ إِلَى إِزَالَةِ الْحِشْمَةِ وَأَسْقَطَتِ الْمُرُوءَةَ وَأَوْجَبَتِ الْإِزْرَاءَ وَالْخَسَاسَةَ فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُعْصَمُ عَنْهُ الْأَنْبِيَاءُ إِجْمَاعًا> اهـ.

10. يقول الجاهل: أنتم تُكفِّرون المُسلمين وتقتطعون النُّصوص وما لا يُعجبكم تقولون إنَّه مدسوس.

– يقول أهل السُّنَّة: بل تشهد مقالاتنا ومقالاتكم أنَّكم كفَّرتم عُلماء المُسلمين وأنَّنا أنكرنا عليكم ذلك؛ أمَّا افتراؤكم علينا باقتطاع النُّصوص فقد افتضحتم به كما في مقالنا بعنوان [حَول ما أُثير عن تحقيق الفقه الأكبر]؛ وأمَّا أخذكم بكُلِّ مدسوس فأنتم كما قال عياض في [الشِّفا]: <الْمُتَلَقِّفُونَ مِنَ الصُّحُفِ كُلَّ صَحِيحٍ وَسَقِيمٍ> اهـ وقد نصحناكم مُشفقين فعودوا إلى الله خاضعين.

الخاتمة:

واعلم أخي القارئ أنَّ ابن نُجيم مِن عُلماء الحنفيَّة نصَّ في [الأشباه والنَّظائر] وفي [البحر الرَّائق] على تكفير مَن أنكر اسم المعصية لِمَا حصل مِن سيِّدنا آدم وذلك مِن أجل مُوافقة قوله تعالى: {وَعَصَىْ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىْ}؛ فكيف يستقيم هذا مع تكفيرهم العُلماء لمُجرَّد التَّعبير بلفظ ذنب لنبيٍّ في غير سياق تلاوة وحديث! فحذِّروا المُسلمين منهم وتعقَّبوهم التَّعقُّب الحثيث.

واعلم أنَّ هذه الفرقة خالفت أهل السُّنَّة في مسائل تتعلَّق بالعقائد فزعموا أنَّ الأنبياء لا يتورَّعون عن فتح أبواب الكُفر والعياذ بالله وقالوا إنَّ المُسلم لو مات وعليه صلوات تُقضى عنه بفدية طعام ولبعضهم في مسألة تكفير المُجسِّمة شطحات. ومَن أراد الاستزداة فليرجِع إلى روابط يجدها في الرَّدِّ الأوَّل أو فليُراسلني. نصحناهم لله ولله خاصمناهم وعند الله تجتمع الخصوم.

نهاية المقال.

Feb 26, 2019, 10:08 AM

أضف تعليق