أهل الفتنة يُكفِّرون الإمام زكريَّا الأنصاريَّ
دعوة إلى التَّوقف عن إقحام العوامِّ في هذه المسألة
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ أجمع العُلماء على عصمة الأنبياء فلم يختلفوا إلَّا في صغيرة لا تُوجب الإزراء؛ فقالوا: (وقعت) مُوافقةً للنَّصِّ وطلبًا للأعلى؛ وقيل: (إنَّما وقع منهم ترك الأَولى)؛ هذه مذاهب أهل السُّنَّة مُجتمعة؛ ثُمَّ لم يُكفِّروا بعضهم حتَّى ظهر أهل الفتنة المُبتدعة؛ فكفَّروا مَن قال بأحد القولَين؛ وجرُّوا العوامَّ إلى الفُسوق والمَين؛ فترى جيفة اللَّيل المُتكبِّر مِن أهل الفتنة يسعى حثيثًا كقُطْرُب النَّهار؛ فكأنَّه لا يستريح حتَّى يكون مُنتهاه النَّار، والعياذ بالله تعالى.
وقد ساءني كيف تجرَّأ بعض الجُهَّال فنسب كُلَّ مَن قال بأحد القولَين إلى الكُفر والضَّلال وتنطَّع بعض جَهَلَة المُتصوِّفة فنسبهم إلى الغُرور والبُهتان وهو أحقُّ بذلك الوصف في كُلِّ زمان؛ وكُلُّهم مُدَّعو عِلم وتقوًى دون حقيقة ذلك؛ غافلون أنَّه مذهب بعض أكابر المُجتهدِين ومشاهير العُلماء العاملِين وذكر ذلك المُفسِّرون ومنهم الإمام أبو يحيى زكريَّا الأنصاريُّ الموصوف بشيخ الإسلام فهل يُكفِّره أهل الفتنة والغُلوِّ كما كفَّروا غيره!؟
قال المُحدِّث القاضي والمُفسِّر القارئ والفقيه الشَّافعيُّ الإمام زكريَّا الأنصاريُّ المُتوفَّى سنة 929هـ في [فتح الرَّحمن بكشف ما يلتبس في القُرآن][ص/524] في تفسير قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} ما نصُّه: <إنْ قُلتَ كيفَ قالَ ذلكَ والنَّبيُّ معصومٌ مِنَ الذُّنوبِ؟ قُلتُ: المُرادُ ذنبُ المُؤمنينَ؛ أو تركُ الأفضلِ؛ أو أرادَ الصَّغائرَ على ما قالَه بهِ جَمْعٌ؛ أو المُرادُ بالمغفرةِ العِصمةُ> انتهى.
وما قُلناه لا يزيد عمَّا قاله هذا الإمام الكبير مِن مُتأخِّري فُقهاء الشَّافعيَّة في مصر الحبيبة فقد نقل عن العُلماء ما نقلناه دون زيادة أو نُقصان فبعضهم قال في تفسير هذه الآية المُراد ذنب المُؤمنين؛ وبعضهم قال بل المُراد ترك الأولى؛ وبعضهم قال بل المُراد صغائر لا خسَّة فيها يتوبون منها قبل أنْ يُقتدى بهم فيها وقال به جمع مِن المُتقدِّمِين؛ فهل ترونه مُبتدعًا فاسقًا ضالًّا كافرًا سيِّئ الأدب مع النَّبيِّ؛ وقد قال فماذا أنتم قائلون يا أهل الفتنة!؟
فرُبَّما أراد الماتُريديُّ بالعبارة الأُولى شيئًا غير ترك الأفضل بدليل قوله: <لكن نحن لا نعلمه>. ولو أراد (ترك الأفضل) لَمَا أنكر علمه به لأنَّه ذكر مِن نحو ترك الأولى في تفسيره المذكور؛ فمِن ذلك ما قاله في تفسير {عَبَسَ وَتَوَلَّىْ}: <والأنبياء عليهم السَّلام قد جاءهم العتاب مِن الله بتعاطيهم أُمورًا لم يَسبق مِن الله تعالى لهم الإذن في ذلك> إلى قوله: <فكذلك الوجه في مُعاتبة نبيِّنا مُحمَّد عليه أفضل الصَّلوات وأكمل التَّحيَّات> انتهى.
ونحن لم نستقصِ مثل هذا مِن تفسير الماتُريديِّ وإلَّا لأثبتنا غيره ولكن فيما نسخناه لك كفاية يا أخي القارئ لتفهم فساد اعتراض الجاهل على العالِم في مسألة خلافيَّة ليس عليها إجماع ولا اتِّفاق بَين مُجتهدِي الأُمَّة وعُلمائها العامِلين فكيف سوَّغت لهذا الجاهل نفسُه الطَّعن بالعُلماء بل وهذا الجاهل قد أوغر صُدور بعض العامَّة حتَّى قال قائل منهم وقد سمعوا له: (إنَّ هذا لا يقول به مُسلم مُؤمن). فنعوذ بالله مِن مُوجبات سخط الله.
وانظر يا أخي القارئ كيف أنَّ أهل الفتنة لا يسكتون عن الكلام في هذه المسألة حتَّى بعد أنْ نشرنا في الرَّدِّ عليهم ما بَهَتَهُم وأفحمهم وألجم ألسنتهم بالحُجَّة والدَّليل والبُرهان فانقطعوا عن كُلِّ جواب؛ وكانوا افترَوا بأنَّنا نبحث في تخطئة النَّبيِّ -أرواحُنا فداه- ونحن نُعلِّم الدُّنيا حُبَّه عليه الصَّلاة والسَّلام وإنَّما تصدَّينا لكشف دعوى الإجماع الكاذب مع ما فيه مِن إبطال قول الإمام الأشعريِّ إمام أئمَّة المُسلمين والَّذي تَدين بقوله الأُمَّة.
ولو كانوا صادقين في محبَّته عليه الصَّلاة والسَّلام لَمَا كفَّروا وَرَثَتَه مِن العُلماء؛ ولَمَا خاضوا بما يجهلون في مسألة عصمته على الألسن يلوكون الكلام فيها بأشداق المُتكبِّرِين ومشافر الثَّرثارِين أمامَ مَن لا يفهم أصل اختلاف العُلماء في المسألة وعندَ مَن لا يفقه ضوابطها مع ما يُخشى مِن تبعاتِ ذلك في قلوب العوامِّ تجاه تعظيم الأنبياء أو في دفع أولئك العوامِّ إلى تكفير الأئمَّة والمُجتهدِين؛ وقد فعلوا حقًّا وهُم لا يشعرون.
وراقبوا أهلَ الفتنة يا إخواني لتعلموا صدق ما أخبركم به عنهم؛ فهل سيسكتون عن إثارة هذه المسألة بين العوامِّ أم سيكملون فيما هُم فيه مُنذ نحو سنتَين مِن تاريخ اليوم والعياذ بالله تعالى ممَّا يأتون في دعاويهم الكاذبة. وأمَّا مَن أراد السَّلامة لنفسه ولإخوانه فلا يُثير مثل هذه المسائل أمام مَن لا يفهمها ولا يفقهها، وكونوا إخواني دائمًا على ذكر للقاعدة الجليلة الَّتي تقول: كُلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مئة شرط.
نهاية المقال.
Sep 28, 2019, 9:42 AM
