رفعُ أعلامِ النُّبوَّة 8
معنى حديث عليٍّ رضي الله عنه:
<أُمِرتُ بقتال النَّاكثِين والقاسطِين والمارقِين>
الحمدلله كثيرًا. والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا مُحمَّد مَن جاء الدُّنيا شاهدًا ومُبشِّرًا ونذيرًا؛ وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا مُنيرًا.
وبعدُ قال ابن حَجَر في [التَّلخيص الحبير]: <قوله [الرَّافعيِّ] (ثبت أنَّ أهل الجَمَل وصِفِّين والنَّهروان بُغاة) هُو كما قال، ويدلُّ عليه حديث عليٍّ: (أُمِرْتُ بقتال النَّاكِثِين والقاسِطِين والمارِقِين) رواه النَّسائيُّ في الخصائص والبزَّار والطَّبراني، والنَّاكِثِين: أهلُ الجمل لأنهم نكثوا بَيعته؛ والقاسِطِين: أهلُ الشَّام لأنَّهم جاروا عن الحقِّ في عدم مُبايعته؛ والمارِقِين: أهلُ النَّهروان لثُبوت الخبر الصَّحيح فيهم أنَّهم يمرقون مِن الدِّين كما يمرق السَّهم مِن الرَّمِيَّة> انتهى.
أوَّلًا: قوله: <والنَّاكِثِين: أهلُ الجمل لأنهم نكثوا بَيعته> قاتلهم الإمام العادل في _وَقْعَة الجَمَل_: سنةَ ستٍّ وثلاثين.
كانت مع أصحاب الجَمَل. وكان في المُعسكر الأوَّل -كما قال الإمام أبو منصور البغداديُّ في [الفَرْق بَين الفِرَق]-: <عليٌّ وابناه وابن عبَّاس وعمَّار وأبو أيُّوبَ الأنصاريُّ وخزيمة بن ثابت الأنصاريُّ> وقال: <وقد كان مع عَلِيٍّ خمسةٌ وعِشرون بدريًّا وأكثرُ أصحاب أُحُدٍ وسِتُّمائة مِن الأنصار وجماعة مِن المُهاجِرين الأوَّلِين> انتهى؛ وكان في الطَّرف الثَّاني طلحة والزُّبَير رضي الله عنهما وسائر أصحاب الجَمَل.
وقال: <وقالوا إنَّ عائشة رضي الله عنها قصدت الإصلاح بَين الفريقَين فغلبها بنو ضَبَّة والأَزْدُ على رأيها وقاتلوا عليًّا دون إذنها> انتهى. قال: <وقالوا إنَّ طلحة والزُّبَير تابَا ورَجَعَا عن قتال عليٍّ> انتهى وهو إجماع نقله في باب [الأصول الَّتي اجتمع عليها أهل السُّنَّة]. قال: <لكنَّ الزُّبَير قتله عَمرو بن جُرْمُوز بوادي السِّباع بعد مُنْصَرَفِه مِن الحربِ وطلحةُ لَمَّا هَمَّ بالانصراف رماه مروان بن الحَكَم وكان مع أصحاب الجَمَل بسهم فقتله> انتهى.
ثانيًا: قوله: <والقاسِطِين: أهلُ الشَّام لأنَّهم جاروا عن الحقِّ في عدم مُبايعته> قاتلهم الإمام العادل في _وَقْعَة صِفِّين_: سنةَ سبعٍ وثلاثين.
كانت مع مُعاوية وأصحابه. وفيها قُتل عمَّارُ بن ياسر رضي الله عنه فتحقَّق بذلك قول النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام: <ويح عمَّار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنَّة ويدعونه إلى النَّار> انتهى وهو حديث مُتواتر إلى قوله <الباغية> وتتمَّته مِن الصَّحيح. وكذلك تحقَّق بمقتل عمَّارٍ كونُ معاويةَ ومَن معه هُم الفئة الباغية. وكان مع مُعاوية عَمرو بن العاص. قال ابن حَجَر في [التَّلخيص الحبير]: <واستمرَّت ثلاثة أشهر> انتهى.
وقال البغداديُّ في [الفَرْق بَين الفِرَق] – باب [الأصول الَّتي اجتمع عليها أهل السُّنَّة]: <وقالوا في صِفِّين إنَّ الصَّواب كان مع عليٍّ رضي الله عنه وإنَّ مُعاوية وأصحابه بَغَوْا عليه بتأويل أخطأوا فيه ولم يكفُروا بخطئهم> انتهى فهُم بُغاة بالإجماع. وروى البيهقيُّ أنَّ عمَّارًا قال: <لا تقولوا كفر أهل الشَّام ولكن قولوا فسقوا أو ظلموا> انتهى ورواه ابن أبي شيبة في [مُصنَّفه]: <ولكنَّهم قوم مَفتونون جاروا عن الحقِّ فحقَّ علينا أنْ نُقاتلهم حتَّى يرجعوا إليه> انتهى.
وفي صِفِّين لمَّا أحسَّ أهل الشَّام باقتراب هزيمتهم؛ حُكِّمَ الحكمانِ وكان حَكَمُ عليٍّ أبا مُوسى الأشعريَّ وحَكَم مُعاويةَ عَمْرَو بنَ العاص فاتَّفقَا على أنْ يخلع كُلٌّ منهما صاحبه فتكلَّم أبو موسى فخلع عليًّا وتكلَّم عَمرو فأقرَّ مُعاوية وبايع له. قال البغداديُّ في [الفَرْق بَين الفِرَق]: <وقالوا إنَّ عليًّا أصاب في التَّحكيم غير أنَّ الحكمَين أخطآ في خلع عليٍّ مِن غير سبب أوجب خلعه؛ وخدع أحد الحكمَين الآخَرَ> انتهى.
ثالثًا: قوله: <والمارِقِين: أهلُ النَّهروان لثُبوت الخبر الصَّحيح فيهم> قاتلهم الإمام العادل في _وَقْعَة النَّهروان_: سنةَ ثمانٍ وثلاثين.
كانت مع الخوارج الَّذين خرجوا على سيِّدنا عليٍّ رضي الله عنه. وكانوا أوَّلًا يُقاتلون معه ثُمَّ خرجوا عليه بعد التَّحكيم الَّذي جرى في صِفِّين. بعث إليهم عليٌّ عبدَالله بنَ عبَّاس وغيره فخاصمهم وحاجَّهم فرجع منهم قومٌ كثير؛ وثبت قوم على رأيهم وساروا إلى النَّهروان فسار إليهم عليٌّ فقتلهم هُناك. قال البغداديُّ في [الفَرْق بَين الفِرَق] – باب [الأصول الَّتي اجتمع عليها أهل السُّنَّة]: <وقالوا بمُرُوق أهل النَّهروان على الدِّين> انتهى.
فائدة في بيان معنى قوله: <والقاسطين>
القاسطون جمع القاسط وهو الجائر مِن الجَوْر أي الظُّلم. قال في [لسان العرب]: <وَالْقَاسِطُونَ: أَهْلُ صِفِّينَ لِأَنَّهُمْ جَارُوا فِي الْحُكْمِ وَبَغَوْا عَلَيْهِ> انتهى. وقال: <وَالْقَسْطُ: الْجَوْرُ. وَالْقُسُوطُ: الْجَوْرُ وَالْعُدُولُ عَنِ الْحَقِّ> انتهى وقال: <وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} قَالَ الْفَرَّاءُ: هُمُ الْجَائِرُونَ، الْكُفَّارُ. قَالَ: وَالْمُقْسِطُونَ: الْعَادِلُونَ، الْمُسْلِمُونَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}> انتهى كلام ابن منظور.
نهاية المقال.
Aug 12, 2019, 10:25 PM
