إرشاد الحائرين
إلى محل اختلاف العُلماء في مسألة عصمة النَّبيِّين
وبعدُ فقد أصرَّ الخصم على ادِّعاء الإجماع خلافًا لعشرات النُّقول الَّتي نشرناها في إثبات اختلاف العُلماء [1] في وقوع صغائر لا خسَّة فيها مِن الأنبياء؛ فزعم أنَّ العُلماء إنَّما اختلفوا في جواز ذلك عقلًا لا في حقيقة وقوعها مِن الأنبياء؛ وهذا مِن الخصم فيه مِن المُكابرةِ الشَّيءُ الكثير.
ويردُّ ما زعمه الخصم؛ اتِّفاقُ جُمهور العُلماء الَّذين تكلَّموا في العصمة؛ على أنَّ: <الأنبياء لا يُصرُّون على المعصية> وعلى أنَّ: <الأنبياء يتوبون فورًا مِن الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها قبل أنْ يُقتدى بهم فيها> وهذا مِن العُلماء يدلُّ أنَّهم أرادوا حقيقة الوُقوع لا مجرد جواز ذلك عقلًا.
قال القاضي عياض في [الشِّفا]: <مَنْ جَوَّزَ الصَّغَائِرَ، وَمَنْ نَفَاهَا عَنْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى مُنْكَرٍ..> انتهى. وقال في [الشِّفا]: <وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَنْ يُخْتَلَفَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ، وَكَثْرَتِهَا> انتهى وهو قويٌّ في بيانه.
فما فائدة كلام العُلماء في أنَّ الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها لا تتكرَّر مِن نبيٍّ وأنَّه لا يُصرُّ عليها؛ لو كان مِن المُستحيل الشَّرعيِّ وقوعُه فيها. وما فائدة كلامهم في أنَّه لو وقع في ذلك فإنَّه يتوب قبل أنْ يُقتدى به فيها. فتبيَّن أنَّ العُلماء مُختلفون في تقرير الوقوع حقيقة لا في مُجرد جواز ذلك عقلًا.
وقد افترى يوسف ميناوي وعصابته إجماعًا مكذوبًا؛ وردَّ عليهم صاحبهم أحمد منصور قرطام فقال: <إنَّ أقوال العُلماء على جلالة قدرهم غير مقبولة> فكان قوله ردًّا عليهم أقرَّ به أنَّ ما ادَّعاه أصحابه إجماعٌ مكذوبٌ؛ فكان أكثر إنصافًا مِنهم في تقرير اختلاف العُلماء في هذه المسألة.
لكنَّ قولَه: <إنَّ أقوال العُلماء غير مقبولة> مردود لأنَّه <مَذْهَبُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ> كما قال عياض المالكيُّ؛ وقول عياض: <(مِنَ الْفُقَهَاءِ) أَيِ الْمُجْتَهِدِيْنَ> كما بيَّن عَلِيٌّ القاري الحنفيُّ؛ ولأنَّه <مَذْهَبُ جَمَاهِيْرِ الْعُلَمَاءِ> كما نقل بدرالدِّين الزَّركشيُّ الشَّافعيُّ عن عياض.
وقال أحمد منصور قرطام: (وهل تستطيع أنْ تقول عن فرد مِن أفراد المُسلمين إنَّه أَثِمَ مِن غير بيِّنة ودليل) فجوابه أنَّ البيِّنة آيات مِن القُرآن الكريم، وذلك عند مَن قال مِن عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة بوقوع الأنبياء في صغائر لا خسَّة فيها. قال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}.
وكذلك يتبيَّن لكُلِّ مُنصف يخشى الله تعالى أنَّنا لم نبحث في تخطئة النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام كما افترى علينا المدعو فريد ميناوي ليُضلَّ النَّاس عن بيان محلِّ اختلاف عُلماء الأُمَّة في المسألة؛ وقد اعتدنا على هذا السُّلوك مِن أهل الفتنة فنسأل الله السَّلامة في الدِّين وحُسن الختام.
نهاية المقال.
Aug 22, 2019, 8:40 AM
