اضطراب رأس الفتنة في مسألة عصمة الأنبياء حرَّف رأس الفتنة معنى كلام علِّيش المالكيِّ

اضطراب رأس الفتنة في مسألة عصمة الأنبياء

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

وبعد فقد حرَّف رأس الفتنة معنى كلام علِّيش المالكيِّ فجعله عامًّا في تكفير كُلِّ مَن نسب معصية للنَّبيِّ؛ بينما الكلام خاصٌّ بمَن نسب للنَّبيِّ <ما لا يجوز عليه> كما جاء في النَّصِّ؛ وقد علمتَ أخي القارئ أنَّ ما لا يجوز على النَّبيِّ إجماعًا هو الكُفر والكبائر وصغائر الخِسَّة؛ وزعم المُتفيهق في محلٍّ غيره أنَّ مَن قال عن نبيٍّ (عصى ربَّه) قد يصل بذلك إلى الكُفر وجعله كُفرًا على قولِ مُعاصرٍ صاغه بلا بصيرة ولا تحقيق وقد علمتَ أخي القارئ أنَّ هذا لا يَخرج عن قوله تعالى: {وَعَصَىْ آدَمُ رَبَّهُ} فجاء بما لم يسبقه إليه سُنِّيٌّ اعتمادًا على فهمه السَّقيم وتنطُّعه إلى مُطالعة الكتُب بلا أهليَّة فأَّداه ذلك إلى تكفير عُلماء المُسلمين وعامَّتهم والعياذ بالله.

ولمَّا تمَّ الرَّدُّ عليه بما يقطع شبهاته ويبطل تُرَّهاته عمد المُتفيهق إلى صياغة ما لا يرفع عنه الشُّبهة ولا يدفع به عن نفسه التُّهمة فأنكر كاذبًا أنَّه كفَّر مَن قال باختلاف العُلماء في وقوع الصَّغائر مِن الأنبياء غافلًا أنَّه نصَّ على ذلك؛ فإنْ زعمَ أنَّه مُجرَّد نقلٍ لم يأخذ به فلمَ نشره ودعا النَّاسَ إليه!؟ ولماذا خاطب المُتفيهقُ واحدًا -مِمَّن بيَّنوا له اختلاف العُلماء- قائلًا: (عُد إلى الإسلام) إنْ كان لا يُكفِّره!؟ فإنْ زعم أنَّه قيَّد ذلك على المالكيِّ -وهو كذب على المالكيَّة- فالجواب أنَّه لو لم يعتبِرْه تكفيرًا مُعتبَرًا لَمَا أمَر به؛ كُلُّ هذا يؤكِّد كذبه في أنَّه لم يُكفِّر مَن قال باختلاف العُلماء في وقوع الصَّغائر مِن الأنبياء وهو إعلان باضطرابه في مسألة عصمة الأنبياء.

وأعجب مِن ذلك أخي القارئ تناقضٌ عجيب وقع فيه هذا الضَّعضَع الثَّرثار فيما يُعتبَر فضيحة مِن العِيار الثَّقيل كفيلة بأنْ ينفر منه بسببها كلُّ مُنصف وكُلُّ طالب عِلم وكُلُّ ساعٍ في إحقاق الحقِّ وإبطال الباطل كما سأُبيِّن فيما يلي.

إنَّ يوسف ولد عدنان ميناوي يُنكر الخلاف في وقوع الذُّنوب مِن الأنبياء لكنَّه يُقرِّره في نبوَّة إخوة يوسف؛ فهل أجهل مِن إنسان يقول إنَّ العُلماء أجمعوا على عدم وقوع ذنب مِن نبيٍّ ثُمَّ اختلفوا في نبوَّة إخوة يوسف الثَّابتة ذنوبهم بنصِّ القرآن! أليس تقريره الخلاف _في نبوَّة إخوة يوسف_ إنكارًا لادِّعائه الإجماع في أنَّ الذُّنوب لا تقع مِن الأنبياء!؟_ بلى والله، ثُمَّ لازم قوله بتكفير مَن نسب الذُّنوب حقيقة للأنبياء تكفير لِمَن ادَّعى أنَّهم يقولون بنبوَّة إخوة يوسف؛ ولا يُخرجه مِن هذا قوله (إنَّما عصى إخوة يوسف قبل النُّبوَّة) لأنَّه لم يُقيِّد تكفيره لمَن نسب الذَّنب الحقيقيَّ للأنبياء بما بعد النُّبوَّة، فتأمَّل إلى أي درَك وصل هذا المُتفيهق بتكبُّره على أهل العلم.

فائدة: أهل السُّنَّة لا يُقرِّرون الخلاف في نبوَّة إخوة يوسف كما ادَّعى المُتفيهق لأنَّه صدر منهم ما يُنافي النُّبوَّة قبل أنْ يتوبوا وقد نقل عياض الإجماع على تنزيه الأنبياء عن ذلك فقال في [الشِّفا]: <وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَخْتَلِفَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ، وَكَثْرَتِهَا، إِذْ يُلْحِقُهَا ذَلِكَ بِالْكَبَائِرِ، وَلَا فِي صَغِيرَةٍ أَدَّتْ إِلَى إِزَالَةِ الْحِشْمَةِ، وَأَسْقَطَتِ الْمُرُوءَةَ، وَأَوْجَبَتِ الْإِزْرَاءَ، وَالْخَسَاسَةَ، فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُعْصَمُ عَنْهُ الْأَنْبِيَاءُ إِجْمَاعًا> اهـ فهذا الخلاف ولو ذُكِر لا يكون مُعتبَرًا. والكتُب بما فيها التَّفسير ليس كلُّها مُحرَّرًا ولذلك حذَّر عياض مِن بعضها فقال: <فَاحْذَرْ ثَبَّتَ اللَّهُ قَلْبَكَ أَنْ يَخْطُرَ بِبَالِكَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ عَنِ..> إلخ.

أمَّا الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها ولا دناءة فقد اختلف العُلماء المُعتبَرون مِن أهل السُّنَّة والجماعة في وقوعها مِن الأنبياء فقال بعضهم لم تقع وإنَّما ما ورد مِن نحو ذلك يُحمل على ترك الأَوْلى وقال بعضهم بل وقعت وعليه يدلُّ ظاهر القرآن الكريم كقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} وليس لنا أنْ نُضلِّلَ أحدًا مِن الفريقَيْن كما فعل رأس الفتنة يوسف ولد عدنان ميناوي الَّذي رفع سيف التَّكفير في وجوه عُلماء أهل السُّنَّة لمُجرَّد أنَّهم تركوا تأويل بعض الآيات في ذلك وحملوها على ظاهرها وقد حذَّرَنا مِن أمثاله نبيُّنا عليه الصَّلاة والسَّلام بقوله: <وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ> اهـ.

نهاية المقال.

Feb 9, 2019, 2:57 PM

أضف تعليق