الجزء الثَّالث: يوسف ولد ميناوي يُكفِّر القاضي عياض وجمهور العُلماء

رأس الفتنة يُضلِّل أئمَّة الإسلام

الجزء الثَّالث: يوسف ولد ميناوي يُكفِّر القاضي عياض وجمهور العُلماء

الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.

وبعدُ فقد عمَد رأس الفتنة ولد ميناوي إلى تضليل مَن قال بأحد قولَيْ أهل السُّنَّة في مسألة العصمة ناسبًا هذا التَّكفير إلى مذهب مالك -كذِبًا وزورًا- ففضحه المازريِّ رئيس مالكيَّة زمانه بقوله: <فبَيْن أئمَّتنا اختلاف في وقوع الصَّغائر> اهـ؛ ويفضح كذبَه اليومَ قولُ القاضي عياض في [الشِّفا]: <وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَجَوَّزَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ> اهـ فهذا القاضي عياض ورغم أنَّه أخذ بالقول المرجوح إلَّا أنَّه أسند القول بوقوع الذُّنوب الصَّغيرة -أي الَّتي لا خسَّة فيها- من الأنبياء إلى جماهير عُلماء أهل السُّنَّة فلم يُبدِّعهم ولم يُكفِّرهم ولم يُضلِّلْهم؛ فهل عرَفت كيف أنَّك خالفتَ القاضي عياض مِن حيث أنَّك كفَّرتَ عُلماء أهل السُّنَّة!

وقد ملأ القاضي عياض كتابه [الشِّفا] بما يدُلُّ على اختلاف الأُمَّة في المسألة فقال: <فَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِهِ: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} فَهَذَا قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُفَسِّرُونَ، (1) فَقِيلَ: الْمُرَادُ مَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَبَعْدَهَا. (2) وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَا وَقَعَ لَكَ مِنْ ذَنْبٍ، وَمَا لَمْ يَقَعْ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ. (3) وَقِيلَ: الْمُتَقَدِّمُ مَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَالْمُتَأَخِّرُ عِصْمَتُكَ بَعْدَهَا … (4) وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ أُمَّتُهُ. (5) وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَا كَانَ عَنْ سَهْوٍ، وَغَفْلَةٍ، وَتَأْوِيلٍ … (6) وَقِيلَ: مَا تَقَدَّمَ لِأَبِيكَ آدَمَ، وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ ذُنُوبِ أُمَّتِكَ> اهـ فهذا القاضي عياض يقول إنَّ مِن العُلماء مَن قال إنَّ نبيَّنا صلَّى الله عليه وسلَّم أُمِرَ بالاستغفار مِن ذنوب وقعت (قبل النُّبوَّة وبعدها) فهو عندك كافر -بلازم تكفيرك لنا- لمُجرَّد أنَّه نقل ما نقلناه مِن خلاف.

ولو أردتُ الاستقصاء لضاق المقام عن ذكر كُلِّ موضع نقل فيه القاضي عياض الخلاف فهو يقول: <وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ}، فَقِيلَ: مَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وَالْحَسَنِ، وَمَعْنَى قَوْلِ قَتَادَةَ> اهـ ويقول في موضع آخر: <مَنْ جَوَّزَ الصَّغَائِرَ، وَمَنْ نَفَاهَا عَنْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى مُنْكَرٍ..> اهـ ويقول في موضع غيره: <وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عِصْمَتِهِمْ مِنَ الْمَعَاصِي قَبْلَ النُّبُوَّةِ، فَمَنَعَهَا قَوْمٌ وَجَوَّزَهَا آخَرُونَ> اهـ ويقول كذلك: <قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ> اهـ ويقول: <وَحَكَى السَّمَرْقَنْدِيُّ أَنَّ ذَنْبَهُ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنْهُ قَوْلُهُ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ: لَقَدْ ظَلَمَكَ فَظَلَمَهُ بِقَوْلِ خَصْمِهِ> اهـ ويقول: <وَدَلِيلُ السُّورَةِ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ قَبْلَ نُبُوَّةِ مُوسَى> اهـ.

وقد قال القاضي عياض في [الشِّفا] عن آدم عليه السَّلام: <وَتَصْرِيحُهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِالْمَعْصِيَةِ..> اهـ وعن يونس عليه السَّلام: <فَهَذَا اعْتِرَافٌ مِنْهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِذَنْبِهِ..> اهـ وقال في حقِّ الأنبياء: <وَذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْمَوْقِفِ ذُنُوبَهُمْ..> اهـ وقال: <فَالْجَوَابُ عَنْهُ: كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِ الْأَنْبِيَاءِ..> اهـ وقال: <وَهِيَ ذُنُوبٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى عَلِيِّ مَنْصِبِهِمْ، وَمَعَاصٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَمَالِ طَاعَتِهِمْ> اهـ فكيف ينجو عياض بعد كلامه هذا مِن تكفيرك لِمَن عبَّر بلفظ المعصية منسوبًا لنبيٍّ إطلاقًا في غير سياق التِّلاوة والحديث ولو لم يقترن ذلك بإرادة التَّنقيص والذَّمِّ! أفلا تستحي مِن الله وأنتَ تبتدع ما لا سند لك فيه إلَّا إلى إبليس فتُكفِّر به العُلماء وتُموِّه به على الجهَلَة فلا تستثني أحدًا وكُلُّ سُنِّيٍّ يُكذِّبك فكفاك تكفيرًا لعُلماء المُسلمين وكفاك كذِبًا وتدليسًا على البُسطاء يا أرعن.

ولو كنتَ ذا بصيرة يا يوسف ولد ميناوي لرأيتَ كيف قيَّد علِّيش المالكيُّ حُكم مَن أضاف إلى النَّبيِّ فقال بحروفه: <ما لا يجوز عليه> ولعلمتَ أنَّه لا يحكم على مَن أضاف إليه ما يجوز عليه؛ وكذلك لو نظرتَ في كلام القاضي عياض: <فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَا يَجُوزُ وَمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، وَمَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ فِيهِ وَالْخِلَافُ> لانتبهتَ أنَّ الخلاف وقع وأنَّ الإجماع لم ينعقد على امتناع أنْ يصدر مِن الأنبياء الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها ولامتنعتَ أنتَ بالتَّالي عن تكفير أهل الإيمان بغير حقٍّ ولكن صَدَقَ فيك قول عياض: <كَيْفَ يُصَمِّمُ فِي الْفُتْيَا فِي ذَلِكَ، وَمِنْ أَيْنَ يَدْرِي؟> اهـ وأنتَ لا تدري فصَدَقَ فيك وفي تابعك إبراهيم عكَّاس كذلك قول الشَّاعر في صاحبكما:

جَهُوْلٌ بَائِسٌ غِرٌّ ~ غَرُوْرٌ لَيْتَهُ فَكَّرْ

يَظُنُّ بِأَنَّهُ يَدْرِيْ ~ وَتِلْكَ مُصِيْبَةٌ أَكْبَرْ

ثُمَّ اعلم أخي القارئ أنَّنا اقتطعنا مِن كلام عياض ما فيه كفاية لِذي نظر فلا يغرَّنَّك رأس الفتنة فيما لو ادَّعى أنَّنا اقتطعنا فأظهرنا وأخفينا تدليسًا ومَن كان في رَيب فليَرجع إلى [الشِّفا بتعريف حقوق المُصطفى – فيما يجب للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وما يستحيل في حقِّه أو يجوز عليه.. – الباب الأوَّل – فيما يختصُّ بالأمور الدِّينيَّة والكلام في عصمة نبيِّنا عليه الصَّلاة والسَّلام وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين] ويشهد بصِدق هذا المقال عالِم كبير بفقه الشَّافعيَّة والأُصول هو بدر الدِّين الزَّركشيُّ حيث يقول في كتابه [البحر المُحيط] في أصول الفقه ما نصُّه: <ونقل القاضي عياض تجويز الصَّغائر ووقوعها عن جماعة مِن السَّلف وجماعة مِن الفُقهاء والمُحدِّثين وقالَ في [الإكمال] إنَّه مذهب جماهير العُلماء..> انتهى

فهذا كلام عياض أمام أعينكم يا إخواني القُرَّاء وهذه شهادة الفقيه الزَّركشيِّ معَنا فيما نقلناه عن عياض فيظهر لكم كيف أنَّه لم يُضلِّلْ مَن قال بوقوع الصَّغائر مِن الأنبياء بل وكيف أنَّ عياضًا استعمل تعبير المعصية منسوبًا للأنبياء في غير سياق التِّلاوة والحديث وقد علمتم سابقة يوسف ولد ميناوي في تكفير مَن قال ذلك والعياذ بالله فلم يَسْلَمْ مِن تكفيره عالِم ولا عاميٌّ ووافق مَن ضلَّلَ أهل السُّنَّة واهمًا أنَّهم ما زادوا على ما قال عياض فيا لخيبته! وقد أسلفنا له -في المقال السَّابق- كيف ردَّ الآمديُّ عليهم في هذا الباب ودعمنا ذلك بما نسخناه مِن كلام القرَصيِّ الحنفيِّ الَّذي أفاد بأنَّ قول مَن خالف أهل السُّنَّة انتشر بين الجهلة المُتصولحة لِمَا ظنُّوه تعظيمًا وهو ما ينطبق على رأس الفتنة ومَن أزلَّه معه في مُصيبة التَّكفير بغير حقٍّ.

فائدة: وكنتُ رأيتُ بعض المُتعالِمين يقولون ما معناه إنَّ مَن قال إنَّ النَّبيَّ عصى معناه أنَّ النَّبيَّ مِن العُصاة ولو تاب فورًا -والعياذ بالله مِن الفهم السَّقيم-؛ وقد كنتُ ذكرتُ لهم آنفًا قول الإمام الأشعريِّ فلم يعقلوه وشرحتُه فلم يفهموه فهاكم نصه كما في [المُجرَّد]: <إنَّ اللُّطفَ قدرةُ الطَّاعةِ فإذا توالَتْ ولم يتخلَّلْها كبيرةٌ كانتْ عِصمةً> اهـ وقال: <إنَّ أنواعَ الألطافِ إذا توالَتْ وفعلَها اللهُ بالمُكلَّفِ ولمْ تتخلَّلْها كبيرةٌ قيل لمَن فُعِلَ بهِ ذلكَ إنَّهُ معصومٌ مُطلقًا وذلكَ كأحوالِ الأنبياءِ والمُرسلينَ> اهـ وهو كافٍ في ردِّ شُبهتهم الَّتي تقول إنَّ مَن عصى مرَّة وتاب فورًا يكون مِن العُصاة بزعمهم؛ فهل يتلقَّى رأس الفتنة وعصابته هذا البيان باليمين وهل يشدُّون عليه يد الضَّنين أم يسبق فيهم أثر المشيئة إلى النَّار دار البوار أم يكون لأحدهم أنْ يبادر بالتَّوبة قبل أنْ يسبقه صاحبه إليها!

Feb 12, 2019, 11:21 AM

أضف تعليق