رأس الفتنة يُضلِّل أئمَّة الإسلام
الجزء الخامس: يوسف الدَّنمركيُّ يُكفِّر الإمام الماتُريديَّ
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد فقد اختلف عُلماء أهل السُّنَّة في عصمة الأنبياء مِن الصَّغائر الَّتي لا خسَّة فيها، فقال بعضهم بجوازها ووقوعها منهم؛ وقال بعضهم لا تجوز ولا تقع؛ لكنَّ هذا الخلاف لم يُؤدِّ إلى وقوع العُلماء في تكفير بعضهم بعضًا فلا الماتُريديُّ قال إنَّ الأشعريَّ أساء الأدب وافترى على رسول الله بما ذهب إليه؛ ولا اتَّهم الأشعريُّ الماتُريديَّ في دينه كما يفعل اليومَ بعض المُتعالِمين الَّذين كفَّروا عُلماء وعامَّة المُسلمين؛ والله يردُّهم خائبين.
وقد ظهر في زماننا قوم كفَّروا مَن نسب المعصية لنبيٍّ في غير سياق التِّلاوة والحديث فوقع تحت تكفيرهم ما لا يُحصى مِن الأئمَّة وعوامِّ الأُمَّة مُستندين في بغيهم الغبيِّ إلى فهم مغلوط لكلام علِّيش المالكيِّ وهو إنَّما كفَّر مَن أضاف إلى الأنبياء ما لا يجوز عليهم إجماعًا لا مَن أضاف إليهم ما اختلف العُلماء في جوازه عليهم؛ فأرشدناهم إلى الصَّواب ونصحنا لهم فلم يقبلوا دليلًا؛ ومن يُضْلِلِ الله فلن تجد له سبيلًا.
وكان مِمَّن وقع تحت تكفيرهم الجائر عالِم كبير هو الإمام الماتُريديُّ فإنَّه قال في [تأويلات أهل السُّنَّة]: <وجائز أنْ يكون له ذنب فيأمرَه بالاستغفار له لكن نحن لا نعلم> اهـ فقوله هذا فيه تجويز وقوع ذنب لنبيٍّ والكلام في غير سياق التِّلاوة والحديث فهو عندهم كافر خبيث -والعياذ بالله منهم- وكُنَّا قد بالغنا في تحذيرهم مِن لازم قولهم وبُهتانهم فتعنَّت الغبيُّ رأس الفتنة يوسف الدَّنمركيُّ؛ والله مُنتقم قويٌّ.
وقد يُنكر رأس الفتنة يوسف الدَّنمركيُّ أنَّ قاعدته العوجاء تنطبق على الإمام الماتُريديِّ لأنَّه اقتصر على لفظ <الذَّنب> دون لفظ <الحقيقة>؛ وهو إنكار مردود عليه إذ كانت قاعدته عامَّة ليس فيها أنْ يكون لفظ <الذَّنب> أو لفظ <المعصية> مُقيَّدًا بلفظ <الحقيقة>، فهل عَلِمَ الَّذين مِن حوله أنَّه خانهم في الدِّين مِن حيث تمظهر بالأمانة وأنَّه دعا إلى تكفير أهل الحقِّ والإيمان بغير ما يسوغ مِن الأسباب! والله شديد العقاب.
واعلم أنَّ أصل العِلم الفهم السَّليم وليس [المكتبة الشَّاملة] كما فعل المُناضل في سبيل المُتصولحة حيث زعم أنَّ العُلماء قرَّروا الجواز ولم يُقرِّروا الوقوع! مُوهمًا بُطلان قول مَن قرَّر منهم الوقوع واصفًا إيَّاه بالجهل وسوء الأدب وقد أُقْسِمُ أنَّه أكثرهم ادِّعاء وتعالُمًا؛ ويكفي في إفحامه قول الزَّركشيِّ في [البحر المُحيط]: <ونقل القاضي عياض تجويز الصَّغائر ووقوعها عن جماعة مِن السَّلف وجماعة مِن الفُقهاء والمُحدِّثين> اهـ وغيره كثير.
فقد رأى المُناضل المذكور تجرُّؤ أصحابه على تكفير العُلماء فلا أبدى مخاوفَه ولا نبَس ببنت شَفَة حتَّى إذَا تمَّ الرَّدُّ عليهم ورجَع كيدهم إليهم تنطَّع لا يدري كيف ينتصر لهم؛ فنسخ مِن [الشَّاملة] ما لا حُجَّة له فيه! بل كلام الماتُريديِّ وجه مِن وجهَيْن ورأي مِنَ اثنَيْن، ولو كان مِن المُحقِّقين لأدرك أنَّنا أبعد النَّاس عن تنقيص النَّبيِّين فلا نبحث في ذنوبهم بل نردُّ إجماعًا كاذبًا اعتدى به رأس الفتنة على الدِّين؛ والله لا يُحبُّ المُعتدين.
ثُمَّ استفاض عالِم الرَّبع المعمُور صاحب الوصف المشهور في نقض ألقاب المشايخ وكأنَّ المُصيبة ليست في ادِّعاء إجماع كاذب مؤدَّاه التَّكفير بغير حقٍّ بل في حسن ظنِّ الطُّلاب بمشايخهم وأنَّهم شهدوا بما علموا! فأيُّ ذنب لهم أنْ لم يرَ غيرهم ما رأَوا ولم يسمع ما سمعوا! بل يصدُق فيه ما استدلَّ به مِن القرآن لأنَّه ذمَّ النَّاس بما ليس له به علم؛ ولو فرح بصلاح النَّاس بغيره لأنصف أهل اليمين؛ والله يُحبُّ المُقسِطين.
نهاية المقال Feb 17, 2019, 12:08 PM
