رأس الفتنة يُضلِّل أئمَّة الإسلام
الجزء الرَّابع: يوسف ولد ميناوي يُكفِّر ابن نُجيم الحنفيَّ
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله.
وبعدُ فهذا المقال الرَّابع في بيان كيف كفَّر رأس الفتنة عُلماءَ المُسلمين -والعياذ بالله- حيث أذاع فتواه المغلوطة بكُفر كُلِّ مَن عبَّر بلفظ المعصية منسوبًا لنبيٍّ مِن الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام؛ ننشر ردودنا عليه حتَّى يعرف النَّاس كيف يُساق هذا الطَّاعن بالعُلماء بأوهامه وتُرَّهاته وكيف يتفرَّد بما لم يقل به عالِم سُنِّيٌّ مِن قبل، فوقع تحت تكفيره الجائر بلازم ما ذهب إليه مَن ذكرنا مِن الأئمَّة في المقالات السَّابقة ومَن لم نذكر؛ ومنهم الإمامُ زين الدِّين بن نُجيم المصريُّ الحنفيُّ المُتوفَّى سنة 970هـ والَّذي قال فيه صاحب [الطَّبقات السنيَّة في تراجم الحنفيَّة]: <كان إمامًا عالمًا عاملًا مُؤلِّفًا مُصنِّفًا ما له في زمنه نظير> انتهى فماذا قال الإمام ابن نُجيم الحنفيُّ حتَّى يشمله تكفير رأس الفتنة يوسف ولد ميناوي!؟
قال ابن نُجيم في [الأشباه والنَّظائر]: <ولو قال قائل إنَّ الأنبياء لم يعصوا حالَ النُّبوَّة ولا قبلَها كَفَرَ؛ لأنَّه ردَّ النُّصوص> انتهى وقال مثله في [البحر الرَّائق] ومراده تكفير مَن نفى اسم المعصية عنهم بالإطلاق لثُبوت اللَّفظ في القُرآن الكريم بقوله تعالى: {وَعَصَىْ آدَمُ رَبَّهُ} فكيف تُخرجه مِن تكفيرك الجائر يا رأس الفتنة وقد عبَّر بلفظ المعصية منسوبًا للأنبياء بل وكفَّر مَن نفى ذلك بالإطلاق واعتبره رادًّا للنَّصِّ القُرآنيِّ أم أنَّك أكثر أدبًا مع الأنبياء مِن هذا الإمام الموصوف عند الحنفيَّة بالسَّبق والتَّقدُّم حتَّى على ألسنة مَن خالفه منهم فيصفه الأوَّل بـ: <سيِّد فُضلاء المُتأخِّرين> ويصفه الثَّاني بـ: <أفضل المُتأخِّرين نخبة العُلماء الرَّاسخين> فكيف تتجرَّأ وأنتَ الجاهل المُتصولح على تكفيره وهو مَن هو بين فُقهاء الحنفيَّة!
واعلم أنَّ خير الدِّين الرَّمليَّ الحنفي -هو غير الفقيه الشَّافعيِّ شمس الدِّين الرَّمليِّ- قال في [حاشيته] على كتاب ابن نُجيم: <ولقد سُئلت عن مسئلةِ مَن قال _لم يعصوا حال النُّبوَّة ولا قبلها كَفَرَ لأنَّه ردَّ النُّصوص_ فقيل لي _يلزم مِن ذلك كُفر مَن يقول لم يعصوا أو كُفر مَن يقول عصَوا_ فأجبتُ بأنَّ مُرادهم يكفُر مَن قال لم يعصوا المعصية الثَّابتة بقوله تعالى: {وَعَصَىْ آدَمُ رَبَّهُ} لأنَّه تكذيب للنَّصِّ ويكفر مَن أراد بالمعصية الكبيرة> انتهى فهذا فقيه حنفيٌّ آخر يُعبِّر بلفظ المعصية منسوبًا لنبيٍّ كريم في غير سياق التِّلاوة والحديث فهو مشمول بتكفيرك الجائر أيُّها المُتفيهق الثَّرثار؛ ويُستفاد مِن كلام الرَّمليِّ أنَّ نسبة الكبيرة وما لا يجوز على الأنبياء إجماعًا هو المُخرِج مِن المِلَّة وليس مُجرَّد نسبة الصَّغيرة الَّتي لا خسَّة فيها كما توهَّم الأرعن رأس الفتنة وصاحبه إبراهيم عكَّاس!
وجواب الرَّمليِّ يشبه جواب الشَّيخ سمير القاضي في [حاشية الكيفونيِّ على الدُّرَّة البهيَّة]: <ويجب إثبات اسم المعصية لِمَا حصل مِن سيِّدنا آدم سواء حُمل ذلك على المعصية الحقيقيَّة كما هو قول الجمهور أو على المُخالفة الَّتي سُمِّيَت معصية لعلوِّ شأن آدم عليه السَّلام وإنْ لم يكن فيها إثم كما قال بعض أهل السُّنَّة وذلك مِن أجل مُوافقة النَّصِّ أي لمُوافقة قوله تعالى: {وَعَصَىْ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىْ}؛ ونفيُ اسم المعصية عنه كُفر لأنَّه تكذيب للنَّصِّ كما نصَّ عليه بعضُ الحنفيَّة والمالكيَّة> اهـ فماذا قال الشَّيخ زيادة على ما قال الحنفيَّانِ ابنُ نجيم والرَّمليُّ حتَّى كفَّرتموه ظُلمًا وعُدوانًا أم حرَّضتكم شياطينكم معاداةً لمنهج الإمام المُجدِّد الهرريِّ وإلَّا لتأدَّبتم مع الشَّيخ القاضي كما تأدَّب الحنفيَّة مع ابن نُجيم لكنَّكم آثرتم التَّكفير بغير حقٍّ والعياذ بالله.
فعبثًا تُنكرون على الشَّيخ القاضي لفظ <الحقيقيَّة> لأنَّه لبيان ما يُقابل المُخالفة الَّتي تُسمَّى معصية بالنَّظر إلى مقام فاعلها وهو كقول بعض العُلماء فيما ورد مِن ذلك <على ظاهره>؛ ومثله قول المُتولِّي شيخ الشَّافعيَّة في [الغُنية]: <وأمَّا الصَّغائرُ فاختلفُوا في جوازِها عليهمْ..> <ومنهمْ مَن جوَّزها وعليه يدلُّ قَصَصُ الأنبياءِ _وهوَ ظاهرٌ_ في القرآنِ> اهـ ومثله قول الآمديِّ: <ولهذا كان حمله على صدور الذَّنب منه مُتبادرًا إلى الفهم بخلاف ما ذكروه مِن الاحتمالات> اهـ ومثله قول القُرطبيِّ: <وَقِيلَ: فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِنْ ذَنْبٍ صَدَرَ مِنْكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ> اهـ بل وكُلُّ قول بالوقوع على ألسنة العُلماء هو على معنى الحقيقة لأنَّ الكلام على الظَّاهر والحقيقة ما لم يدلَّ على المجاز دليل، والقاعدة تقول: <الأصل في الإطلاق الحقيقة>.
فلو قُدِّر أنْ يكون لابن نُجيم أصحاب مثلكم يا أصحاب الفتنة لقالوا له لقد افتريتَ على الأنبياء والعياذ بالله ولكفَّروه كما كفَّرتم أنتم العُلماء بغير حقٍّ؛ وكذلك لو قُدِّر أنْ يكون للرَّمليِّ أصحاب مثلكم لتمسَّكوا بقوله <المعصية الثَّابتة> في اتِّهامه بالإساءة إلى آدم عليه السَّلام مع أنَّه لم يُرد بها إلَّا الثَّابتة لفظًا في النَّصِّ كما أنَّ الشَّيخ القاضي لم يُرد بلفظ الحقيقيَّة إلَّا مقابلة ما يُطلق مجازًا منها؛ فكفاكم تهافُتًا وكفاكم كَذِبًا على خلق الله وكفاكم إنكارًا للخلاف في وقوع المعصية من الأنبياء فالزَّركشيُّ يقول: <ونقل القاضي عياض تجويز الصَّغائر ووقوعها عن جماعة مِن السَّلف وجماعة مِن الفُقهاء والمُحدِّثين وقال في [الإكمال] إنَّه مذهب جماهير العُلماء> اهـ فإلى متى تهربون مِن الإقرار بأنَّكم كذَّبتم والإجماع زوَّرتم!
ثُمَّ اعلم أنَّ الحنفيَّة يُقرُّون بالخلاف في وقوع الصَّغيرة لا في تجويزها وحسب كما ادَّعى بعض المُتصولحة فابن عابدين وهو على الرَّأي الآخَر في شرحه قول الرَّمليِّ: <ويكفر مَن أراد بالمعصية الكبيرة> قال أي ابن عابدين ما نصُّه: <أي بأنْ قال إنَّ المعصية الَّتي صدرت مِن آدم كبيرة فإنَّه يكفر لأنَّه قد خالف الإجماع..> اهـ ومعناه لو قال (صغيرة) لم يُخرق الإجماع وهذا كاف في حسم النِّزاع. ولو شئتَ قل إنَّ معصية آدم عليه السَّلام سواء كانت حقيقيَّة أو مجازيَّة قد نصَّ القُرآن على وقوعها ففيمَ اختلاف العُلماء فيها بعد ذلك لولا أنَّه اختلاف على كونها حقيقيَّة أو مجازيَّة! وبالتَّالي فلا يخلو أنْ يكون لكلِّ وجه مِن وجهَيِ الخلاف مَن قال به منهم؛ وهذا أيضًا كاف في ردِّ الكذَّاب والله الهادي إلى الصواب.
Feb 14, 2019, 11:30 AM
الجزء الرَّابع: يوسف ولد ميناوي يُكفِّر ابن نُجيم الحنفيَّ
