رأس الفتنة يُكفِّر أئمَّة الإسلام
الجزء السَّادس: يوسف الدَّنمركيُّ يُكفِّر السَّمعانيَّ صاحب التَّفسير
الحمدلله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه.
وبعدُ فقد أجمع العُلماء على عصمة الأنبياء فلم يختلفوا إلَّا في صغيرة لا خسَّة فيها؛ فقال كثير مِن المُتقدِّمين منهم الطَّبريُّ وسُفيان ومُجاهد ومالكٌ وأحمدُ والأشعريُّ وغيرهم: (وقعت)؛ وقال فريق آخَرُ (لم تقع ويُحمل ما وَرَدَ في الشَّرع مِن ذلك على نحو ترك الأفضل)، ولم يكن للتَّكفير عند أهل السُّنَّة في هذا الخلاف مِن عهد؛ فللَّه الحمدُ مِن قبلُ ومِن بَعد.
ثُمَّ ظهر في أيَّامنا دُعاة إلى جهنَّم كفَّروا كُلَّ مَن عبَّر بلفظ المعصية في حقِّ نبيٍّ في غير سياق التِّلاوة والحديث ولو لم يقترن ذلك بإرادة الذَّم! فتمَّ الإنكار عليهم وردُّ شبهاتهم الواهية وبيان كيف انطبق تكفيرهم الجائر على علُماء كبار كالمازريِّ المالكيِّ والقاضي عياض والآمديِّ الشَّافعيِّ وابن نُجَيم الحنفيِّ ثُمَّ الماتُريديِّ وكُلٌّ عَلَّامة؛ والله يحكم بينهم يوم القيامة.
واعلم أخي القارئ أنَّ الصَّغيرة لا تخرج عن كونها ذنبًا حقيقيًّا؛ فتخصيص بعضهم لفظ (الحقيقيَّ) بالإنكار لا معنى له إلَّا مِن حيث أرادوا تضليل عُلماء الأُمَّة ومنهم السَّمعانيُّ صاحب التَّفسير المشهور لقوله: <فإنْ قيل كيف أَمَرَه بالاستغفار وكان معصومًا مِن الذُّنوب والجواب أنَّه كان لا يخلو مِن الخطإ والزَّلل وبعض الذُّنوب الَّتي هي مِن الصَّغائر> انتهى.
وهل الصَّغائر الَّتي أشار إليها الإمام السَّمعانيُّ ذنوب غير حقيقيَّة يا رأس الفتنة يوسف الدَّنمركيُّ أم قد علمتَ أنَّها ذنوب حقيقيَّة وبالتَّالي فقد علمتَ أنَّ السَّمعانيَّ يقع تحت تكفيرك الجائر! وهل عَلِم مَن حولَك ومنهم عكَّاس الأردنيُّ والمُناضل في سبيل المُتصولحة أنَّهم مِن الغُلاة في تكفير الأُمَّة بغير حقٍّ! فلعلَّهم يرتدعون ولعلَّهم لا يُولُّون وهم مُعرضون.
وكذلك قال السَّمعانيُّ في تفسيره: <وقوله {ما تقدَّم مِن ذنبك وما تأخَّر} أي ما تقدَّم مِن ذنبك قبل زمان النُّبوَّة وما تأخَّر عن زمان النُّبوَّة؛ وقيل ما تقدَّم مِن ذنبك قبل الفتح وما تأخَّر عن الفتح؛ وعن الثَّوريِّ قال: ما كان وما يكون ما لم تفعله وأنت فاعله فكأنَّه غفر له قبل الفعل. فإنْ قال قائل: وأيُّ ذنب كان له؟ قُلنا الصَّغائر وقد كان معصومًا مِن الكبائر> اهـ.
فهل افترى السَّمعانيُّ على رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وأساء الأدب بحقِّه عليه السَّلام وصار بقوله هذا كافرًا على قول بعضكم وقريبًا من الكُفر على قول بعضكم الآخَر أم أنَّه قال بقولٍ عليه أئمَّة كِبار مِن عُلماء الإسلام بينهم أكثر المُتقدِّمين ممَّن ذكرنا فكنتُم بما افتريتم على الأئمَّة شرَّ النَّاس قِيلًا ولن يجعل الله لكم سبيلًا.
وقد زعم ضَعضاع مِن الضَّعاضِعة أنَّ -مَن قال بوقوع النَّبيِّ في ذنب تاب منه قبل أنْ يقتديَ به فيه غيره لازم قوله أنْ يقول إنَّ النَّبيَّ مِن العُصاة_ وقد أُقسم أنَّه لا يدري ما يقول! فإنَّ ظواهر النَّصوص الشَّرعيَّة ناطقة بذلك فهل يزعم الضَّعضع أن الشَّرع نصَّ أنَّ الأنبياء عُصاة مُذنبون أم سيمتنع مرَّة أُخرى عن القول برأيه القاصر وما له مِن دون الله مِن ناصر.
ولتقريب هذا قال السَّمعانيُّ في تفسيره: <وقوله: {وعصى آدم ربَّه} قال ابن قُتَيبة: يجوز أنْ يُقال (عصى آدمُ ربَّه) ولكن لا يُقال _آدمُ عاصٍ_ لأنَّه إنَّما يُقال _عاصٍ_ إذَا اعتاد فعل المعصية وهذا كالرَّجل يَخِيط ثوبه يُقال _خاط ثوبه_ ولا يُقال _خيَّاط_ إلَّا إذَا اعتاد الخياطة> اهـ وأنا أورد لكم كلام ابن قُتَيبة استظهارًا كما أورده السَّمعانيُّ لعلَّ توبة بعضكم تكون قريبًا.
وقد رأيتَ كيف عجَز المُخالفون عن مقارعتنا الدَّليل والحُجَّة منذ انتهضنا إلى الكتابة في الرَّدِّ عليهم بهذه المقالات المُباركة بعنوان _رأس الفتنة يُكفِّر أئمَّة الإسلام_ فتجدهم بعد كُلِّ مقال لنا يعمدون إلى الجَعجَعَة ولا نرى طحنًا وقد يُجدِّدون بعض ما أبطلنا مِن ادِّعاءاتهم وافتراءاتهم كما حصل لمَّا نشرنا صُوَر [مخطوط الفقه الأكبر] الَّذي كسر جبروتهم وأكثر.
وختامًا فإنَّ ما لم نُظهره بعدُ مِن أقوال عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة أضعاف ما قد أظهرنا والمقالات مُستمرَّة بإذن الله، فليتَّعظ مَن كان في قلبه ذرَّة مِن الاتِّعاظ ولا يؤجِّل وإلَّا فقد قال الصَّالحون _ما أكثر العِبَرَ وأقلَّ الاعتبار_ فاعتبر بنفسك وبغيرك أيُّها الجاهل المُتفيهق! إلى متى تُعاند وأنتَ تعرف أنَّك أُعدِمت دليلًا وأنَّك تُرائي النَّاس ولا تذكر الله إلَّا قليلًا!
Feb 19, 2019, 7:06 AM
